صفحات الموقع

سورة آل عمران الآية ٨٣

سورة آل عمران الآية ٨٣

أَفَغَیۡرَ دِینِ ٱللَّهِ یَبۡغُونَ وَلَهُۥۤ أَسۡلَمَ مَن فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعࣰا وَكَرۡهࣰا وَإِلَیۡهِ یُرۡجَعُونَ ﴿٨٣﴾

التفسير

تفسير السعدي

قد تقدم في سورة البقرة أن هذه الأصول التي هي أصول الإيمان التي أمر الله بها هذه الأمة, قد اتفقت عليها الكتب والرسل. وأنها هي الغرض الموجه لكل أحد, وأنها هي الدين والإسلام الحقيقي. وأن من ابتغى غيرها, فعمله مردود, وليس له دين يعول عليه. فمن زهد عنه, ورغب عنه, فأين يذهب؟. إلى عبادة الأشجار والأحجار والنيران؟. أو إلى اتخاذ الأحبار والرهبان والصلبان؟. أو إلى التعطيل لرب العالمين؟. أو إلى الأديان الباطلة, التي هي من وحي الشياطين؟ وهولاء كلهم - في الآخرة - من الخاسرين.

التفسير الميسر

أيريد هؤلاء الفاسقون من أهل الكتاب غير دين الله -وهو الإسلام الذي بعث الله به محمدا صلى الله عليه وسلم-، مع أن كل مَن في السموات والأرض استسلم وانقاد وخضع لله طواعية -كالمؤمنين- ورغمًا عنهم عند الشدائد، حين لا ينفعهم ذلك وهم الكفار، كما خضع له سائر الكائنات، وإليه يُرجَعون يوم المعاد، فيجازي كلا بعمله. وهذا تحذير من الله تعالى لخلقه أن يرجع إليه أحد منهم على غير ملة الإسلام.

تفسير الجلالين

"أَفَغَيْر دِين اللَّه يَبْغُونَ" بِالْيَاءِ وَالتَّاء أَيْ الْمُتَوَلُّونَ "وَلَهُ أَسْلَمَ" انْقَادَ "مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا" بِلَا إبَاء "وَكَرْهًا" بِمُعَايَنَةِ مَا يُلْجِئ إلَيْهِ "وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ" بِالتَّاءِ وَالْيَاء وَالْهَمْزَة فِي أَوَّل الْآيَة لِلْإِنْكَارِ

تفسير ابن كثير

يَقُول تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى مَنْ أَرَادَ دِينًا سِوَى دِين اللَّه الَّذِي أَنْزَلَ بِهِ كُتُبه وَأَرْسَلَ بِهِ رُسُله وَهُوَ عِبَادَة اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ الَّذِي لَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض أَيْ اِسْتَسْلَمَ لَهُ مَنْ فِيهِمَا طَوْعًا وَكَرْهًا كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَلِلَّهِ يَسْجُد مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكَرْهًا " الْآيَة وَقَالَ تَعَالَى " أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّه مِنْ شَيْء يَتَفَيّؤُ ظِلَاله عَنْ الْيَمِين وَالشَّمَائِل سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ وَلِلَّهِ يَسْجُد مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الْأَرْض مِنْ دَابَّة وَالْمَلَائِكَة وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ يَخَافُونَ رَبّهمْ مِنْ فَوْقهمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ " فَالْمُؤْمِن مُسْتَسْلِم بِقَلْبِهِ وَقَالَبه لِلَّهِ وَالْكَافِر مُسْتَسْلِم لِلَّهِ كَرْهًا فَإِنَّهُ تَحْت التَّسْخِير وَالْقَهْر وَالسُّلْطَان الْعَظِيم الَّذِي لَا يُخَالَف وَلَا يُمَانَع . وَقَدْ وَرَدَ حَدِيث فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة عَلَى مَعْنَى آخَر فِيهِ غَرَابَة فَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن النَّضْر الْعَسْكَرِيّ حَدَّثَنَا سَعِيد بْن حَفْص النُّفَيْلِيّ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مِحْصَن الْعُكَّاشِيّ حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيّ عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكَرْهًا " " أَمَّا مَنْ فِي السَّمَوَات فَالْمَلَائِكَة وَأَمَّا مَنْ فِي الْأَرْض فَمَنْ وُلِدَ عَلَى الْإِسْلَام وَأَمَّا كَرْهًا فَمَنْ أُتِيَ بِهِ مِنْ سَبَايَا الْأُمَم فِي السَّلَاسِل وَالْأَغْلَال يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّة وَهُمْ كَارِهُونَ " وَقَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيح " عَجِبَ رَبّك مِنْ قَوْم يُقَادُونَ إِلَى الْجَنَّة فِي السَّلَاسِل " وَسَيَأْتِي لَهُ شَاهِد مِنْ وَجْه آخَر وَلَكِنَّ الْمَعْنَى الْأَوَّل لِلْآيَةِ أَقْوَى . وَقَدْ قَالَ وَكِيع فِي تَفْسِيره : حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ مَنْصُور عَنْ مُجَاهِد " وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكْرهَا " قَالَ : هُوَ كَقَوْلِهِ " وَلَئِنْ سَأَلْتهمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض لَيَقُولُنَّ اللَّه " وَقَالَ أَيْضًا : حَدَّثَنَا سُفْيَان عَنْ الْأَعْمَش عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس " وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكَرْهًا " قَالَ : حِين أَخَذَ الْمِيثَاق " وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ " أَيْ يَوْم الْمَعَاد فَيُجَازِي كُلًّا بِعَمَلِهِ .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَفَغَيْر دِين اللَّه يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكَرْهًا } اِخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء الْحِجَاز مِنْ مَكَّة وَالْمَدِينَة وَقُرَّاء الْكُوفَة : " أَفَغَيْر دِين اللَّه تَبْغُونَ " , " وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " , عَلَى وَجْه الْخِطَاب . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض أَهْل الْحِجَاز : { أَفَغَيْر دِين اللَّه يَبْغُونَ . .. وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } بِالْيَاءِ كِلْتَيْهِمَا عَلَى وَجْه الْخَبَر عَنْ الْغَائِب . وَقَرَأَ ذَلِكَ بَعْض أَهْل الْبَصْرَة : { أَفَغَيْر دِين اللَّه يَبْغُونَ } عَلَى وَجْه الْخَبَر عَنْ الْغَائِب , " وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " بِالتَّاءِ , عَلَى وَجْه الْمُخَاطَبَة . وَأَوْلَى ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : " أَفَغَيْر دِين اللَّه تَبْغُونَ " عَلَى وَجْه الْخِطَاب " وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " بِالتَّاءِ , لِأَنَّ الْآيَة الَّتِي قَبْلهَا خِطَاب لَهُمْ , فَإِتْبَاع الْخِطَاب نَظِيره أَوْلَى مِنْ صَرْف الْكَلَام إِلَى غَيْر نَظِيره , وَإِنْ كَانَ الْوَجْه الْآخَر جَائِزًا لِمَا قَدْ ذَكَرْنَا فِيمَا مَضَى قَبْل مِنْ أَنَّ الْحِكَايَة يَخْرُج الْكَلَام مَعَهَا أَحْيَانًا عَلَى الْخِطَاب كُلّه , وَأَحْيَانًا عَلَى وَجْه الْخَبَر عَنْ الْغَائِب , وَأَحْيَانًا بَعْضه عَلَى الْخِطَاب , وَبَعْضه عَلَى الْغَيْبَة , فَقَوْله : " تَبْغُونَ . .. وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " فِي هَذِهِ الْآيَة مِنْ ذَلِكَ . وَتَأْوِيل الْكَلَام : يَا مَعْشَر أَهْل الْكِتَاب : " أَفَغَيْر دِين اللَّه تَبْغُونَ " يَقُول : أَفَغَيْر طَاعَة اللَّه تَلْتَمِسُونَ وَتُرِيدُونَ { وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض } يَقُول : وَلَهُ خَشَعَ مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض , فَخَضَعَ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ , وَأَقَرَّ لَهُ بِإِفْرَادِ الرُّبُوبِيَّة , وَانْقَادَ لَهُ بِإِخْلَاصِ التَّوْحِيد وَالْأُلُوهِيَّة { طَوْعًا وَكَرْهًا } يَقُول : أَسْلَمَ لِلَّهِ طَائِعًا , مَنْ كَانَ إِسْلَامه مِنْهُمْ لَهُ طَائِعًا , وَذَلِكَ كَالْمَلَائِكَةِ وَالْأَنْبِيَاء وَالْمُرْسَلِينَ , فَإِنَّهُمْ أَسْلَمُوا لِلَّهِ طَائِعِينَ , وَكَرْهًا مَنْ كَانَ مِنْهُمْ كَارِهًا . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى إِسْلَام الْكَارِه الْإِسْلَام . وَصِفَته , فَقَالَ بَعْضهمْ : إِسْلَامه : إِقْرَاره بِأَنَّ اللَّه خَالِقه وَرَبّه , وَإِنْ أَشْرَكَ مَعَهُ فِي الْعِبَادَة غَيْره . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5802 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض } قَالَ : هُوَ كَقَوْلِهِ : { وَلَئِنْ سَأَلْتهمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض لَيَقُولُنَّ اللَّه } 39 38 * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 5803 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة فِي قَوْله : { وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } قَالَ : كُلّ آدَمِيّ قَدْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسه بِأَنَّ اللَّه رَبِّي وَأَنَا عَبْده , فَمَنْ أَشْرَكَ فِي عِبَادَته فَهَذَا الَّذِي أَسْلَمَ كَرْهًا , وَمَنْ أَخْلَصَ لَهُ الْعُبُودِيَّة فَهُوَ الَّذِي أَسْلَمَ طَوْعًا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ إِسْلَام الْكَارِه مِنْهُمْ كَانَ حِين أُخِذَ مِنْهُ الْمِيثَاق , فَأَقَرَّ بِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5804 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ سُفْيَان , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكَرْهًا } قَالَ : حِين أُخِذَ الْمِيثَاق . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِإِسْلَامِ الْكَارِه مِنْهُمْ : سُجُود ظِلّه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5805 - حَدَّثَنَا سَوَّار بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكَرْهًا } قَالَ : الطَّائِع : الْمُؤْمِن , وَكَرْهًا : ظِلّ الْكَافِر . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { طَوْعًا وَكَرْهًا } قَالَ : سُجُود الْمُؤْمِن طَائِعًا , وَسُجُود الْكَافِر وَهُوَ كَارِه . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { كَرْهًا } قَالَ : سُجُود الْمُؤْمِن طَائِعًا , وَسُجُود ظِلّ الْكَافِر وَهُوَ كَارِه . 5806 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ عَبْد اللَّه بْن كَثِير , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : سُجُود وَجْهه وَظِلّه طَائِعًا . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ إِسْلَامه بِقَلْبِهِ فِي مَشِيئَة اللَّه وَاسْتِقَادَته لِأَمْرِهِ , وَإِنْ أَنْكَرَ أُلُوهَته بِلِسَانِهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5807 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا وَكِيع , عَنْ إِسْرَائِيل , عَنْ جَابِر , عَنْ عَامِر : { وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض } قَالَ : اِسْتَقَادَ كُلّهمْ لَهُ . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ إِسْلَام مَنْ أَسْلَمَ مِنْ النَّاس كَرْهًا حَذَر السَّيْف عَلَى نَفْسه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5808 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِنَان , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر الْحَنَفِيّ , قَالَ : ثنا عَبَّاد بْن مَنْصُور , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكَرْهًا } . .. الْآيَة كُلّهَا , فَقَالَ : أُكْرِهَ أَقْوَام عَلَى الْإِسْلَام , وَجَاءَ أَقْوَام طَائِعِينَ . 5809 - حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن قَزَعَة الْبَاهِلِيّ , قَالَ : ثنا رَوْح بْن عَطَاء , عَنْ مَطَر الْوَرَّاق فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } قَالَ : الْمَلَائِكَة طَوْعًا , وَالْأَنْصَار طَوْعًا , وَبَنُو سُلَيْم وَعَبْد الْقَيْس طَوْعًا , وَالنَّاس كُلّهمْ كَرْهًا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ أَهْل الْإِيمَان أَسْلَمُوا طَوْعًا , وَأَنَّ الْكَافِر أَسْلَمَ فِي حَال الْمُعَايَنَة حِين لَا يَنْفَعهُ إِسْلَام كَرْهًا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5810 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : " أَفَغَيْر دِين اللَّه يَبْغُونَ " . .. الْآيَة , فَأَمَّا الْمُؤْمِن فَأَسْلَمَ طَائِعًا , فَنَفَعَهُ ذَلِكَ , وَقُبِلَ مِنْهُ ; وَأَمَّا الْكَافِر فَأَسْلَمَ كَارِهًا , حِين لَا يَنْفَعهُ ذَلِكَ , وَلَا يُقْبَل مِنْهُ . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكَرْهًا } قَالَ : أَمَّا الْمُؤْمِن فَأَسْلَمَ طَائِعًا , وَأَمَّا الْكَافِر فَأَسْلَمَ حِين رَأَى بَأْس اللَّه { فَلَمْ يَكُ يَنْفَعهُمْ إِيمَانهمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسنَا } 40 85 وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : فِي عِبَادَة الْخَلْق لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5811 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : " أَفَغَيْر دِين اللَّه يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكَرْهًا " قَالَ : عِبَادَتهمْ لِي أَجْمَعِينَ طَوْعًا وَكَرْهًا , وَهُوَ قَوْله : { وَلِلَّهِ يَسْجُد مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكَرْهًا } 13 15 وَأَمَّا قَوْله : " وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَإِلَيْهِ يَا مَعْشَر مَنْ يَبْتَغِي غَيْر الْإِسْلَام دِينًا مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى ! وَسَائِر النَّاس . " تُرْجَعُونَ " يَقُول : إِلَيْهِ تَصِيرُونَ بَعْد مَمَاتكُمْ , فَمُجَازِيكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ , الْمُحْسِن مِنْكُمْ بِإِحْسَانِهِ , وَالْمُسِيء بِإِسَاءَتِهِ . وَهَذَا مِنْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ تَحْذِير خَلْقه أَنْ يَرْجِع إِلَيْهِ أَحَد مِنْهُمْ , فَيَصِير إِلَيْهِ بَعْد وَفَاته عَلَى غَيْر مِلَّة الْإِسْلَام .

تفسير القرطبي

قَالَ الْكَلْبِيّ : إِنَّ كَعْب بْن الْأَشْرَف وَأَصْحَابه اِخْتَصَمُوا مَعَ النَّصَارَى إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : أَيّنَا أَحَقّ بِدِينِ إِبْرَاهِيم ؟ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَلَا الْفَرِيقَيْنِ بَرِيء مِنْ دِينه ) . فَقَالُوا : مَا نَرْضَى بِقَضَائِك وَلَا نَأْخُذ بِدِينِك ; فَنَزَلَ " أَفَغَيْر دِين اللَّه يَبْغُونَ " يَعْنِي يَطْلُبُونَ . وَنُصِبَتْ " غَيْر " بِيَبْغُونَ , أَيْ يَبْغُونَ غَيْر دِين اللَّه . وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَحْده " يَبْغُونَ " بِالْيَاءِ عَلَى الْخَبَر " وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ " بِالتَّاءِ عَلَى الْمُخَاطَبَة . قَالَ : لِأَنَّ الْأَوَّل خَاصّ وَالثَّانِي عَامّ فَفَرَّقَ بَيْنهمَا لِافْتِرَاقِهِمَا فِي الْمَعْنَى . وَقَرَأَ حَفْص وَغَيْره " يَبْغُونَ , وَيَرْجِعُونَ " بِالْيَاءِ فِيهِمَا ; لِقَوْلِهِ : " فَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ " . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالتَّاءِ فِيهِمَا عَلَى الْخِطَاب ; لِقَوْلِهِ " لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَاب وَحِكْمَة " . وَاَللَّه أَعْلَم . أَيْ اِسْتَسْلَمَ وَانْقَادَ وَخَضَعَ وَذَلَّ , وَكُلّ مَخْلُوق فَهُوَ مُنْقَاد مُسْتَسْلِم ; لِأَنَّهُ مَجْبُول عَلَى مَا لَا يَقْدِر أَنْ يَخْرُج عَنْهُ . قَالَ قَتَادَة : أَسْلَمَ الْمُؤْمِن طَوْعًا وَالْكَافِر عِنْد مَوْته كَرْهًا وَلَا يَنْفَعهُ ذَلِكَ ; لِقَوْلِهِ : " فَلَمْ يَكُ يَنْفَعهُمْ إِيمَانهمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسنَا " [ الْمُؤْمِن : 85 ] . قَالَ مُجَاهِد : إِسْلَام الْكَافِر كَرْهًا بِسُجُودِهِ لِغَيْرِ اللَّه وَسُجُود ظِلّه لِلَّهِ , " أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّه مِنْ شَيْء يَتَفَيَّأ ظِلَاله عَنْ الْيَمِين وَالشَّمَائِل سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ " [ النَّحْل : 48 ] " وَلِلَّهِ يَسْجُد مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالهمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال " [ الرَّعْد : 15 ] . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَنَّ اللَّه خَلَقَ الْخَلْق عَلَى مَا أَرَادَ مِنْهُمْ ; فَمِنْهُمْ الْحَسَن وَالْقَبِيح وَالطَّوِيل وَالْقَصِير وَالصَّحِيح وَالْمَرِيض وَكُلّهمْ مُنْقَادُونَ اِضْطِرَارًا , فَالصَّحِيح مُنْقَاد طَائِع مُحِبّ لِذَلِكَ ; وَالْمَرِيض مُنْقَاد خَاضِع وَإِنْ كَانَ كَارِهًا . وَالطَّوْع الِانْقِيَاد وَالِاتِّبَاع بِسُهُولَةٍ . وَالْكُرْه مَا كَانَ بِمَشَقَّةٍ وَإِبَاء مِنْ النَّفْس . مَصْدَرَانِ فِي مَوْضِع الْحَال , أَيْ طَائِعِينَ وَمُكْرَهِينَ . وَرَوَى أَنَس بْن مَالِك قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكَرْهًا " قَالَ : ( الْمَلَائِكَة أَطَاعُوهُ فِي السَّمَاء وَالْأَنْصَار وَعَبْد الْقَيْس فِي الْأَرْض ) . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَإِنَّ أَصْحَابِي أَسْلَمُوا مِنْ خَوْف اللَّه وَأَسْلَمَ النَّاس مِنْ خَوْف السَّيْف ) . وَقَالَ عِكْرِمَة : " طَوْعًا " مَنْ أَسْلَمَ مِنْ غَيْر مُحَاجَّة " وَكَرْهًا " مَنْ اِضْطَرَّتْهُ الْحُجَّة إِلَى التَّوْحِيد . يَدُلّ عَلَيْهِ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " وَلَئِنْ سَأَلْتهمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّه " [ الزُّخْرُف : 87 ] " وَلَئِنْ سَأَلْتهمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَسَخَّرَ الشَّمْس وَالْقَمَر لَيَقُولُنَّ اللَّه " [ الْعَنْكَبُوت : 63 ] . قَالَ الْحَسَن : هُوَ عُمُوم مَعْنَاهُ الْخُصُوص . وَعَنْهُ : " أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَات " وَتَمَّ الْكَلَام . ثُمَّ قَالَ : " وَالْأَرْض طَوْعًا وَكَرْهًا " . قَالَ : وَالْكَارِه الْمُنَافِق لَا يَنْفَعهُ عَمَله . و " طَوْعًا وَكَرْهًا " مَصْدَرَانِ فِي مَوْضِع الْحَال . عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : إِذَا اِسْتَصْعَبَتْ دَابَّة أَحَدكُمْ أَوْ كَانَتْ شَمُوسًا فَلْيَقْرَأْ فِي أُذُنهَا هَذِهِ الْآيَة : " أَفَغَيْر دِين اللَّه يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكَرْهًا " إِلَى آخِر الْآيَة .

غريب الآية
أَفَغَیۡرَ دِینِ ٱللَّهِ یَبۡغُونَ وَلَهُۥۤ أَسۡلَمَ مَن فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعࣰا وَكَرۡهࣰا وَإِلَیۡهِ یُرۡجَعُونَ ﴿٨٣﴾
یَبۡغُونَيريدون.
أَسۡلَمَاستسلمَ، وَخَضَعَ.
طَوۡعࣰاطَواعيةً، كالملائكةِ والأنبياءِ.
وَكَرۡهࣰارَغْماً عنه، كمَنْ أسلمَ مخافةَ القتلِ.
الإعراب
(أَفَغَيْرَ)
"الْهَمْزَةُ" حَرْفُ اسْتِفْهَامٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"الْفَاءُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(غَيْرَ) : مَفْعُولٌ بِهِ مُقَدَّمٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(دِينِ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(اللَّهِ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(يَبْغُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(وَلَهُ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ حَالٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(أَسْلَمَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(مَنْ)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(السَّمَاوَاتِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(وَالْأَرْضِ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْأَرْضِ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(طَوْعًا)
حَالٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَكَرْهًا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(كَرْهًا) : مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَإِلَيْهِ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِلَى) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(يُرْجَعُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ نَائِبُ فَاعِلٍ.