Your browser does not support the audio element.
إِنَّ مَثَلَ عِیسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابࣲ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَیَكُونُ ﴿٥٩﴾
التفسير
تفسير السعدي لما ذكر قصة مريم وعيسى ونبأهما الحق وأنه عبد أنعم الله عليه, وأن من زعم أن فيه شيئا من الإلهية, فقد كذب على الله, وكذب جميع أنبيائه, وكذب عيسى صلى الله عليه وسلم.
فإن الشبهة التي عرضت لمن اتخذه إلها, شبهة باطلة.
فلو كان لها وجه صحيح, لكان آدم أحق منه, فإنه خلق من دون أم ولا أب.
ومع ذلك, فاتفق البشر كلهم, على أنه عبد من عباد الله.
فدعوى إلهية عيسى, بكونه خلق من أم بلا أب, دعوى من أبطل الدعاوى.
التفسير الميسر إنَّ خَلْقَ الله لعيسى من غير أب مثَلُه كمثل خلق الله لآدم من غير أب ولا أم، إذ خلقه من تراب الأرض، ثم قال له: "كن بشرًا" فكان. فدعوى إلهية عيسى لكونه خلق من غير أب دعوى باطلة؛ فآدم عليه السلام خلق من غير أب ولا أم، واتفق الجميع على أنه عَبْد من عباد الله.
تفسير الجلالين "إنَّ مَثَل عِيسَى" شَأْنه الْغَرِيب "عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم" كَشَأْنِهِ فِي خَلْقه مِنْ غَيْر أَب وَهُوَ مِنْ تَشْبِيه الْغَرِيب بِالْأَغْرَبِ لِيَكُونَ أَقْطَع لِلْخَصْمِ وَأَوْقَع فِي النَّفْس "خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ" بَشَرًا "فَيَكُون" أَيْ فَكَانَ وَكَذَلِكَ عِيسَى قَالَ لَهُ كُنْ مِنْ غَيْر أَب فَكَانَ
تفسير ابن كثير يَقُول جَلَّ وَعَلَا " إِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه " فِي قُدْرَة اللَّه حَيْثُ خَلَقَهُ مِنْ غَيْر أَب " كَمَثَلِ آدَم " حَيْثُ خَلَقَهُ مِنْ غَيْر أَب وَلَا أُمّ بَلْ " خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون " فَاَلَّذِي خَلَقَ آدَم مِنْ غَيْر أَب قَادِر عَلَى أَنْ يَخْلُق عِيسَى بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى وَإِنْ جَازَ اِدِّعَاء الْبُنُوَّة فِي عِيسَى لِكَوْنِهِ مَخْلُوقًا مِنْ غَيْر أَب فَجَوَّزَ ذَلِكَ فِي آدَم بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى وَمَعْلُوم بِالِاتِّفَاقِ أَنَّ ذَلِكَ بَاطِل فَدَعْوَاهُ فِي عِيسَى أَشَدّ بُطْلَانًا وَأَظْهَر فَسَادًا وَلَكِنَّ الرَّبّ جَلَّ جَلَاله أَرَادَ أَنْ يُظْهِر قُدْرَتَهُ لِخَلْقِهِ حِين خَلَقَ آدَم لَا مِنْ ذَكَرٍ وَلَا مِنْ أُنْثَى وَخَلَقَ حَوَّاء مِنْ ذَكَرٍ بِلَا أُنْثَى وَخَلَقَ عِيسَى مِنْ أُنْثَى بِلَا ذَكَرٍ كَمَا خَلَقَ بَقِيَّة الْبَرِيَّة مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة مَرْيَم " وَلِنَجْعَلهُ آيَة لِلنَّاسِ " وَقَالَ هَهُنَا " الْحَقّ مِنْ رَبّك فَلَا تَكُنْ مِنْ الْمُمْتَرِينَ " .
تفسير الطبري الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { إِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون } يَعْنِي جَلَّ ثَنَاؤُهُ : إِنَّ شَبَه عِيسَى فِي خَلْقِي إِيَّاهُ مِنْ غَيْر فَحْل - فَأَخْبِرْ بِهِ يَا مُحَمَّد الْوَفْد مِنْ نَصَارَى نَجْرَان - عِنْدِي كَشَبَهِ آدَم الَّذِي خَلَقْته مِنْ تُرَاب , ثُمَّ قُلْت لَهُ كُنْ فَكَانَ , مِنْ غَيْر فَحْل , وَلَا ذَكَر , وَلَا أُنْثَى . يَقُول : فَلَيْسَ خَلْقِي عِيسَى مِنْ أُمّه مِنْ غَيْر فَحْل , بِأَعْجَبَ مِنْ خَلْقِي آدَم مِنْ غَيْر ذَكَر وَلَا أُنْثَى , فَكَانَ لَحْمًا , يَقُول : وَأَمْرِي إِذْ أَمَرْته أَنْ يَكُون فَكَانَ , فَكَذَلِكَ خَلْقِي عِيسَى أَمَرْته أَنْ يَكُون فَكَانَ . وَذَكَرَ أَهْل التَّأْوِيل أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَ هَذِهِ الْآيَة اِحْتِجَاجًا لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْوَفْد مِنْ نَصَارَى نَجْرَان الَّذِينَ حَاجُّوهُ فِي عِيسَى . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5646 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , عَنْ عَامِر , قَالَ : كَانَ أَهْل نَجْرَان أَعْظَم قَوْم مِنْ النَّصَارَى فِي عِيسَى قَوْلًا , فَكَانُوا يُجَادِلُونَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَة فِي سُورَة آل عِمْرَان : { إِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون } إِلَى قَوْله : { فَنَجْعَل لَعْنَة اللَّه عَلَى الْكَاذِبِينَ } 3 61 5647 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { إِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون } وَذَلِكَ أَنَّ رَهْطًا مِنْ أَهْل نَجْرَان قَدِمُوا عَلَى مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَ فِيهِمْ السَّيِّد وَالْعَاقِب , فَقَالُوا لِمُحَمَّدٍ : مَا شَأْنك تَذْكُر صَاحِبنَا ؟ فَقَالَ : " مَنْ هُوَ ؟ " قَالُوا : عِيسَى , تَزْعُم أَنَّهُ عَبْد اللَّه , فَقَالَ مُحَمَّد : " أَجَلْ إِنَّهُ عَبْد اللَّه " . قَالُوا لَهُ : فَهَلْ رَأَيْت مَثَل عِيسَى , أَوْ أُنْبِئْت بِهِ ؟ ثُمَّ خَرَجُوا مِنْ عِنْده , فَجَاءَهُ جِبْرِيل صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمْرِ رَبّنَا السَّمِيع الْعَلِيم , فَقَالَ : قُلْ لَهُمْ إِذَا أَتَوْك { إِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم } . .. إِلَى آخِر الْآيَة . 5648 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { إِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ سَيِّدَيْ أَهْل نَجْرَان وَأُسْقُفَيْهِمْ , السَّيِّد وَالْعَاقِب , لَقِيَا نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَسَأَلَاهُ عَنْ عِيسَى ؟ فَقَالَا : كُلّ آدَمِيّ لَهُ أَب فَمَا شَأْن عِيسَى لَا أَب لَهُ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ هَذِهِ الْآيَة : { إِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون } 5649 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { إِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب } لَمَّا بُعِثَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَسَمِعَ بِهِ أَهْل نَجْرَان , أَتَاهُ مِنْهُمْ أَرْبَعَة مِنْ خِيَارهمْ , مِنْهُمْ : الْعَاقِب , وَالسَّيِّد , وماسرجس , وماريحز , فَسَأَلُوهُ مَا يَقُول فِي عِيسَى ؟ فَقَالَ : هُوَ عَبْد اللَّه وَرُوحه وَكَلِمَته , قَالُوا هُمْ : لَا , وَلَكِنَّهُ هُوَ اللَّه , نَزَلَ مِنْ مُلْكه , فَدَخَلَ فِي جَوْف مَرْيَم , ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا فَأَرَانَا قُدْرَته وَأَمْره , فَهَلْ رَأَيْت قَطُّ إِنْسَانًا خُلِقَ مِنْ غَيْر أَب ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { إِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون } 5650 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ ثنا الْحُسَيْن , قَالَ ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جَرِيج , عَنْ عِكْرِمَة , قَوْله : { إِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون } قَالَ : نَزَلَتْ فِي الْعَاقِب وَالسَّيِّد مِنْ أَهْل نَجْرَان , وَهُمَا نَصْرَانِيَّانِ . قَالَ اِبْن جُرَيْج : بَلَغَنَا أَنَّ نَصَارَى أَهْل نَجْرَان قَدِمَ وَفْدهمْ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فِيهِمْ السَّيِّد وَالْعَاقِب , وَهُمَا يَوْمئِذٍ سَيِّدَا أَهْل نَجْرَان , فَقَالُوا : يَا مُحَمَّد فِيمَا تَشْتُم صَاحِبنَا ؟ قَالَ : " مَنْ صَاحِبكُمَا ؟ " قَالَا : عِيسَى اِبْن مَرْيَم , تَزْعُم أَنَّهُ عَبْد . قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَجَلْ إِنَّهُ عَبْد اللَّه وَكَلِمَته أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَم وَرُوح مِنْهُ " , فَغَضِبُوا وَقَالُوا : إِنْ كُنْت صَادِقًا , فَأَرِنَا عَبْدًا يُحْيِي الْمَوْتَى , وَيُبْرِئ الْأَكَمَه , وَيَخْلُق مِنْ الطِّين كَهَيْئَةِ الطَّيْر , فَيَنْفُخ فِيهِ , الْآيَة . .. لَكِنَّهُ اللَّه ! فَسَكَتَ حَتَّى أَتَاهُ جِبْرِيل , فَقَالَ : يَا مُحَمَّد { لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّه هُوَ الْمَسِيح اِبْن مَرْيَم } . .. الْآيَة , 5 17 فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا جِبْرِيل إِنَّهُمْ سَأَلُونِي أَنْ أُخْبِرهُمْ بِمَثَلِ عِيسَى " . قَالَ جِبْرِيل : مَثَل عِيسَى كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون . فَلَمَّا أَصْبَحُوا عَادُوا , فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ الْآيَات . 5651 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ اِبْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر : { إِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه } فَاسْمَعْ ! { كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون الْحَقّ مِنْ رَبّك فَلَا تَكُنْ مِنْ الْمُمْتَرِينَ } فَإِنْ قَالُوا : خُلِقَ عِيسَى مِنْ غَيْر ذَكَر , فَقَدْ خَلَقْت آدَم مِنْ تُرَاب بِتِلْكَ الْقُدْرَة , مِنْ غَيْر أُنْثَى وَلَا ذَكَر فَكَانَ كَمَا كَانَ عِيسَى لَحْمًا وَدَمًا وَشَعْرًا وَبَشَرًا , فَلَيْسَ خَلْق عِيسَى مِنْ غَيْر ذَكَر بِأَعْجَبَ مِنْ هَذَا . 5652 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ { إِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب } قَالَ : أَتَى نَجْرَانِيَّانِ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَا لَهُ : هَلْ عَلِمْت أَنَّ أَحَدًا وُلِدَ مِنْ غَيْر ذَكَر فَيَكُون عِيسَى كَذَلِكَ ؟ قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { إِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون } أَكَانَ لِآدَمَ أَب أَوْ أُمّ , كَمَا خَلَقْت هَذَا فِي بَطْن هَذِهِ ؟ فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَكَيْفَ قَالَ : " كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ " , وَآدَم مَعْرِفَة , وَالْمَعَارِف لَا تُوصَل ؟ قِيلَ : إِنَّ قَوْله : { خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب } غَيْر صِلَة لِآدَمَ , وَإِنَّمَا هُوَ بَيَان عَنْ أَمْره عَلَى وَجْه التَّفْسِير عَنْ الْمَثَل الَّذِي ضَرَبَهُ وَكَيْفَ كَانَ . وَأَمَّا قَوْله : { ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون } فَإِنَّمَا قَالَ : " فَيَكُون " , وَقَدْ اِبْتَدَأَ الْخَبَر عَنْ خَلْق آدَم , وَذَلِكَ خَبَر عَنْ أَمْر قَدْ تَقَضَّى , وَقَدْ أُخْرِجَ الْخَبَر عَنْهُ مَخْرَج الْخَبَر عَمَّا قَدْ مَضَى , فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ } لِأَنَّهُ بِمَعْنَى الْإِعْلَام مِنْ اللَّه نَبِيّه أَنَّ تَكْوِينه الْأَشْيَاء بِقَوْلِهِ : { كُنْ } ثُمَّ قَالَ : " فَيَكُون " خَبَرًا مُبْتَدَأ , وَقَدْ تَنَاهَى الْخَبَر عَنْ أَمْر آدَم عِنْد قَوْله : " كُنْ " . فَتَأْوِيل الْكَلَام إِذًا : إِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم , خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب , ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ ; وَاعْلَمْ يَا مُحَمَّد أَنَّ مَا قَالَ لَهُ رَبّك : كُنْ , فَهُوَ كَائِن . فَلَمَّا كَانَ فِي قَوْله : { كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ } دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْكَلَام يُرَاد بِهِ إِعْلَام نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَائِر خَلْقه أَنَّهُ كَائِن مَا كَوْنه اِبْتِدَاء مِنْ غَيْر أَصْل وَلَا أَوَّل وَلَا عُنْصُر , اِسْتَغْنَى بِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَى الْمَعْنَى , وَقِيلَ : فَيَكُون , فَعُطِفَ بِالْمُسْتَقْبَلِ عَلَى الْمَاضِي عَلَى ذَلِكَ الْمَعْنَى . وَقَدْ قَالَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة : فَيَكُون رُفِعَ عَلَى الِابْتِدَاء وَمَعْنَاهُ : كُنْ فَكَانَ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : فَإِذَا هُوَ كَائِن .
تفسير القرطبي دَلِيل عَلَى صِحَّة الْقِيَاس . وَالتَّشْبِيه وَاقِع عَلَى أَنَّ عِيسَى خُلِقَ مِنْ غَيْر أَب كَآدَم , لَا عَلَى أَنَّهُ خُلِقَ مِنْ تُرَاب . وَالشَّيْء قَدْ يُشَبَّه بِالشَّيْءِ وَإِنْ كَانَ بَيْنهمَا فَرْق كَبِير بَعْد أَنْ يَجْتَمِعَا فِي وَصْف وَاحِد ; فَإِنَّ آدَم خُلِقَ مِنْ تُرَاب وَلَمْ يُخْلَق عِيسَى مِنْ تُرَاب فَكَانَ بَيْنهمَا فَرْق مِنْ هَذِهِ الْجِهَة , وَلَكِنْ شَبَه مَا بَيْنهمَا أَنَّهُمَا خَلْقُهُمَا مِنْ غَيْر أَب ; وَلِأَنَّ أَصْل خِلْقَتهمَا كَانَ مِنْ تُرَاب لِأَنَّ آدَم لَمْ يُخْلَق مِنْ نَفْس التُّرَاب , وَلَكِنَّهُ جَعَلَ التُّرَاب طِينًا ثُمَّ جَعَلَهُ صَلْصَالًا ثُمَّ خَلَقَهُ مِنْهُ , فَكَذَلِكَ عِيسَى حَوَّلَهُ مِنْ حَال إِلَى حَال , ثُمَّ جَعَلَهُ بَشَرًا مِنْ غَيْر أَب . وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة بِسَبَبِ وَفْد نَجْرَان حِينَ أَنْكَرُوا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْله : ( إِنَّ عِيسَى عَبْد اللَّه وَكَلِمَته ) فَقَالُوا : أَرِنَا عَبْدًا خُلِقَ مِنْ غَيْر أَب ; فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( آدَم مَنْ كَانَ أَبُوهُ أَعَجِبْتُمْ مِنْ عِيسَى لَيْسَ لَهُ أَب ؟ فَآدَم عَلَيْهِ السَّلَام لَيْسَ لَهُ أَب وَلَا أُمّ ) . فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " وَلَا يَأْتُونَك بِمَثَلٍ " أَيْ فِي عِيسَى " إِلَّا جِئْنَاك بِالْحَقِّ " فِي آدَم " وَأَحْسَن تَفْسِيرًا " [ الْفُرْقَان : 33 ] . وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا دَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَام قَالُوا : قَدْ كُنَّا مُسْلِمِينَ قَبْلك . فَقَالَ : ( كَذَبْتُمْ يَمْنَعكُمْ مِنْ الْإِسْلَام ثَلَاث : قَوْلكُمْ اِتَّخَذَ اللَّه وَلَدًا , وَأَكْلكُمْ الْخِنْزِير , وَسُجُودكُمْ لِلصَّلِيبِ ) . فَقَالُوا : مَنْ أَبُو عِيسَى ؟ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " إِنَّ مَثَل عِيسَى عِنْد اللَّه كَمَثَلِ آدَم خَلَقَهُ مِنْ تُرَاب " إِلَى قَوْله : " فَنَجْعَل لَعْنَة اللَّه عَلَى الْكَاذِبِينَ " [ آل عِمْرَان : 61 ] . فَدَعَاهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : إِنْ فَعَلْتُمْ اِضْطَرَمَ الْوَادِي عَلَيْكُمْ نَارًا . فَقَالُوا : أَمَا تَعْرِض عَلَيْنَا سِوَى هَذَا ؟ فَقَالَ : ( الْإِسْلَام أَوْ الْجِزْيَة أَوْ الْحَرْب ) فَأَقَرُّوا بِالْجِزْيَةِ عَلَى مَا يَأْتِي . وَتَمَّ الْكَلَام عِنْد قَوْله " آدَم " .
أَيْ فَكَانَ . وَالْمُسْتَقْبَل يَكُون فِي مَوْضِع الْمَاضِي إِذَا عُرِفَ الْمَعْنَى .
غريب الآية
إِنَّ مَثَلَ عِیسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابࣲ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَیَكُونُ ﴿٥٩﴾
كَمَثَلِ ءَادَمَۖ مَثَلُه كمَثَلِ خَلْقِ آدمَ من غير أبٍ، ولا أمٍّ.
الإعراب
(إِنَّ) حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(مَثَلَ) اسْمُ (إِنَّ ) : مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(عِيسَى) مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْفَتْحَةُ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ.
(عِنْدَ) ظَرْفُ مَكَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(اللَّهِ) اسْمُ الْجَلَالَةِ مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(كَمَثَلِ) "الْكَافُ " حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مَثَلِ ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (إِنَّ ) :.
(آدَمَ) مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ.
(خَلَقَهُ) فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ "، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(مِنْ) حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تُرَابٍ) اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(ثُمَّ) حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحٍ.
(قَالَ) فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ ".
(لَهُ) "اللَّامُ " حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(كُنْ) فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ ".
(فَيَكُونُ) "الْفَاءُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(يَكُونُ ) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ ".
Facebook Twitter WhatsApp Pinterest LinkedIn Buffer Tumblr Reddit Mix Evernote Pocket Wordpress