Your browser does not support the audio element.
قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِی یُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَیَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ ﴿٣١﴾
التفسير
تفسير السعدي هذء الآية هي الميزان, التي يعرف بها من أحب الله حقيقة, ومن ادعى ذلك دعوى مجردة.
فعلامة محبة الله, اتباع محمد صلى الله عليه وسلم, الذي جعل متابعته, وجميع ما يدعو إليه, طريقا إلى محبته ورضوانه.
فلا تنال محبة الله ورضوانه وثوابه, إلا بتصديق ما جاء به الرسول من الكتاب والسنة وامتثال أمرهما, واجتناب نهيهما.
فمن فعل ذلك, أحبه الله, وجازاه جزاء المحبين, وغفر له ذنوبه, وستر عليه عيوبه.
فكأنه قيل: ومع ذلك, فما حقيقة اتباع الرسول وصفتها؟
التفسير الميسر قل -أيها الرسول-: إن كنتم تحبون الله حقا فاتبعوني وآمنوا بي ظاهرًا وباطنًا، يحببكم الله، ويمحُ ذنوبكم، فإنه غفور لذنوب عباده المؤمنين، رحيم بهم. وهذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله -تعالى- وليس متبعًا لنبيه محمد صلى الله عيه وسلم حق الاتباع، مطيعًا له في أمره ونهيه، فإنه كاذب في دعواه حتى يتابع الرسول صلى الله عليه وسلم حق الاتباع.
تفسير الجلالين وَنَزَلَ لَمَّا قَالُوا مَا نَعْبُد الْأَصْنَام إلَّا حُبًّا لِلَّهِ لِيُقَرِّبُونَا إلَيْهِ "قُلْ" لَهُمْ يَا مُحَمَّد "إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه" بِمَعْنَى يُثِيبكُمْ "وَيَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبكُمْ وَاَللَّه غَفُور" لِمَنْ اتَّبَعَنِي مَا سَلَفَ مِنْهُ قَبْل ذَلِكَ "رَحِيم" بِهِ
تفسير ابن كثير هَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة حَاكِمَة عَلَى كُلّ مَنْ اِدَّعَى مَحَبَّة اللَّه وَلَيْسَ هُوَ عَلَى الطَّرِيقَة الْمُحَمَّدِيَّة فَإِنَّهُ كَاذِب فِي دَعْوَاهُ فِي نَفْس الْأَمْر حَتَّى يَتَّبِع الشَّرْع الْمُحَمَّدِيّ وَالدِّين النَّبَوِيّ فِي جَمِيع أَقْوَاله وَأَفْعَاله كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ " مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرنَا فَهُوَ رَدّ " وَلِهَذَا قَالَ " إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبَعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه " أَيْ يَحْصُل لَكُمْ فَوْق مَا طَلَبْتُمْ مِنْ مَحَبَّتكُمْ إِيَّاهُ وَهُوَ مَحَبَّته إِيَّاكُمْ وَهُوَ أَعْظَم مِنْ الْأَوَّل كَمَا قَالَ بَعْض الْعُلَمَاء الْحُكَمَاء : لَيْسَ الشَّأْن أَنْ تُحِبّ إِنَّمَا الشَّأْن أَنْ تُحَبّ . وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَغَيْره مِنْ السَّلَف : زَعَمَ قَوْم أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّه فَابْتَلَاهُمْ اللَّه بِهَذِهِ الْآيَة فَقَالَ " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه " وَقَدْ قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن مُحَمَّد الطَّنَافِسِيّ حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُوسَى بْن عَبْد الْأَعْلَى بْن أَعْيَن عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي كَثِير عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَهَلْ الدِّين إِلَّا الْحُبّ فِي اللَّه وَالْبُغْض فِي اللَّه " ؟ قَالَ اللَّه تَعَالَى : " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي " وَقَالَ أَبُو زُرْعَة عَبْد الْأَعْلَى هَذَا مُنْكَر الْحَدِيث . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " وَيَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبكُمْ وَاَللَّه غَفُور رَحِيم " أَيْ بِاتِّبَاعِكُمْ الرَّسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَحْصُل لَكُمْ هَذَا مِنْ بَرَكَة سِفَارَته.
تفسير الطبري الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه وَيَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبكُمْ وَاَللَّه غَفُور رَحِيم } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي السَّبَب الَّذِي أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِيهِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : أُنْزِلَتْ فِي قَوْم قَالُوا عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّا نُحِبّ رَبّنَا , فَأَمَرَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُول لَهُمْ : " إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ فِيمَا تَقُولُونَ فَاتَّبِعُونِي , فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَامَة صِدْقكُمْ فِيمَا قُلْتُمْ مِنْ ذَلِكَ " . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5385 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه , عَنْ بَكْر بْن الْأَسْوَد , قَالَ : سَمِعْت الْحَسَن يَقُول : قَالَ قَوْم عَلَى عَهْد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّد إِنَّا نُحِبّ رَبّنَا ! فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه وَيَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبكُمْ } فَجَعَلَ اِتِّبَاع نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَمًا لِحُبِّهِ , وَعَذَاب مَنْ خَالَفَهُ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَلِيّ بْن الْهَيْثَم , قَالَ : ثنا عَبْد الْوَهَّاب , عَنْ أَبِي عُبَيْدَة , قَالَ : سَمِعْت الْحَسَن , يَقُول : قَالَ أَقْوَام عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُحَمَّد إِنَّا لَنُحِبّ رَبّنَا ! فَأَنْزَلَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ بِذَلِكَ قُرْآنًا : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه وَيَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبكُمْ } فَجَعَلَ اللَّه اِتِّبَاع نَبِيّه مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَمًا لِحُبِّهِ , وَعَذَاب مَنْ خَالَفَهُ . 5386 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج قَوْله : { إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه } قَالَ : كَانَ قَوْم يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّه , يَقُولُونَ : إِنَّا نُحِبّ رَبّنَا , فَأَمَرَهُمْ اللَّه أَنْ يَتَّبِعُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَجَعَلَ اِتِّبَاع مُحَمَّد عَلَمًا لِحُبِّهِ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِنَان , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر الْحَنَفِيّ , قَالَ : ثنا عَبَّاد بْن مَنْصُور , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه } . . . الْآيَة , قَالَ : إِنَّ أَقْوَامًا كَانُوا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّه , فَأَرَادَ اللَّه أَنْ يَجْعَل لِقَوْلِهِمْ تَصْدِيقًا مِنْ عَمَل , فَقَالَ : { إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه } . .. الْآيَة . كَانَ اِتِّبَاع مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هَذَا أَمْر مِنْ اللَّه نَبِيّه مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقُول لِوَفْدِ نَجْرَان الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَيْهِ مِنْ النَّصَارَى : إِنْ كَانَ الَّذِي يَقُولُونَهُ فِي عِيسَى مِنْ عَظِيم الْقَوْل إِنَّمَا يَقُولُونَهُ تَعْظِيمًا لِلَّهِ وَحُبًّا لَهُ , فَاتَّبِعُوا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5387 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , عَنْ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر . { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه } أَيْ إِنْ كَانَ هَذَا مِنْ قَوْلكُمْ - يَعْنِي فِي عِيسَى - حُبًّا لِلَّهِ وَتَعْظِيمًا لَهُ { فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه وَيَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبكُمْ } أَيْ مَا مَضَى مِنْ كُفْركُمْ { وَاَللَّه غَفُور رَحِيم } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَة , قَوْل مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر , لِأَنَّهُ لَمْ يُجِزْ لِغَيْرِ وَفْد نَجْرَان فِي هَذِهِ السُّورَة , وَلَا قَبْل هَذِهِ الْآيَة ذِكْر قَوْم اِدَّعَوْا أَنَّهُمْ يُحِبُّونَ اللَّه , وَلَا أَنَّهُمْ يُعَظِّمُونَهُ , فَيَكُون قَوْله . { إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي } جَوَابًا لِقَوْلِهِمْ عَلَى مَا قَالَهُ الْحَسَن . وَأَمَّا مَا رَوَى الْحَسَن فِي ذَلِكَ مِمَّا قَدْ ذَكَرْنَاهُ , فَلَا خَبَر بِهِ عِنْدنَا يَصِحّ , فَيَجُوز أَنْ يُقَال : إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي السُّورَة دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ كَمَا قَالَ إِلَّا أَنْ يَكُون الْحَسَن أَرَادَ بِالْقَوْمِ الَّذِينَ ذَكَرَ أَنَّهُمْ قَالُوا ذَلِكَ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْد نَجْرَان مِنْ النَّصَارَى , فَيَكُون ذَلِكَ مِنْ قَوْله نَظِير إِخْبَارنَا , فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ خَبَر عَلَى مَا قُلْنَا , وَلَا فِي الْآيَة دَلِيل عَلَى مَا وَصَفْنَا , فَأَوْلَى الْأُمُور بِنَا أَنْ نُلْحِق تَأْوِيله بِاَلَّذِي عَلَيْهِ الدَّلَالَة مِنْ آي السُّورَة , وَذَلِكَ هُوَ مَا وَصَفْنَا , لِأَنَّ مَا قَبْل هَذِهِ الْآيَة مِنْ مُبْتَدَأ هَذِهِ السُّورَة وَمَا بَعْدهَا خَبَر عَنْهُمْ , وَاحْتِجَاج مِنْ اللَّه لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَدَلِيل عَلَى بُطُول قَوْلهمْ فِي الْمَسِيح , فَالْوَاجِب أَنْ تَكُون هِيَ أَيْضًا مَصْرُوفَة الْمَعْنَى إِلَى نَحْو مَا قَبْلهَا , وَمَعْنَى مَا بَعْدهَا . فَإِذْ كَانَ الْأَمْر عَلَى مَا وَصَفْنَا , فَتَأْوِيل الْآيَة : قُلْ يَا مُحَمَّد لِلْوَفْدِ مِنْ نَصَارَى نَجْرَان : إِنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ أَنَّكُمْ تُحِبُّونَ اللَّه , وَأَنَّكُمْ تُعَظِّمُونَ الْمَسِيح وَتَقُولُونَ فِيهِ مَا تَقُولُونَ , حُبًّا مِنْكُمْ رَبّكُمْ , فَحَقِّقُوا قَوْلكُمْ الَّذِي تَقُولُونَهُ , إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ بِاتِّبَاعِكُمْ إِيَّايَ , فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي لِلَّهِ رَسُول إِلَيْكُمْ , كَمَا كَانَ عِيسَى رَسُولًا إِلَى مَنْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ , فَإِنَّهُ إِنْ اِتَّبَعْتُمُونِي وَصَدَّقْتُمُونِي عَلَى مَا أَتَيْتُكُمْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه , يَغْفِر لَكُمْ ذُنُوبكُمْ , فَيَصْفَح لَكُمْ عَنْ الْعُقُوبَة عَلَيْهَا وَيَعْفُو لَكُمْ عَمَّا مَضَى مِنْهَا , فَإِنَّهُ غَفُور لِذُنُوبِ عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ رَحِيم بِهِمْ وَبِغَيْرِهِمْ مِنْ خَلْقه .
تفسير القرطبي الْحُبّ : الْمَحَبَّة , وَكَذَلِكَ الْحِبّ بِالْكَسْرِ . وَالْحِبّ أَيْضًا الْحَبِيب ; مِثْل الْخِدْن وَالْخَدِين ; يُقَال أَحَبَّهُ فَهُوَ مُحِبّ , وَحَبَّهُ يَحِبّهُ ( بِالْكَسْرِ ) فَهُوَ مَحْبُوب . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَهَذَا شَاذّ ; لِأَنَّهُ لَا يَأْتِي فِي الْمُضَاعَف يَفْعَل بِالْكَسْرِ . قَالَ أَبُو الْفَتْح : وَالْأَصْل فِيهِ حَبُبَ كَظَرُفَ , فَأُسْكِنَتْ الْبَاء وَأُدْغِمَتْ فِي الثَّانِيَة . قَالَ اِبْن الدَّهَّان سَعِيد : فِي حَبّ لُغَتَانِ : حَبّ وَأَحَبَّ , وَأَصْل " حَبّ " فِي هَذَا الْبِنَاء حَبُبَ كَظَرُفَ ; يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلهمْ : حَبُبْت , وَأَكْثَر مَا وَرَدَ فَعِيل مِنْ فَعُلَ . قَالَ أَبُو الْفَتْح : وَالدَّلَالَة عَلَى أَحَبَّ قَوْله تَعَالَى : " يُحِبّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ " [ الْمَائِدَة : 54 ] بِضَمِّ الْيَاء . و " اِتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه " [ آل عِمْرَان : 31 ] و " حَبّ " يَرِد عَلَى فَعُلَ لِقَوْلِهِمْ حَبِيب . وَعَلَى فَعُلَ كَقَوْلِهِمْ مَحْبُوب : وَلَمْ يَرِد اِسْم الْفَاعِل مِنْ حَبّ الْمُتَعَدِّي , فَلَا يُقَال : أَنَا حَابّ . وَلَمْ يَرِد اِسْم الْمَفْعُول مِنْ أَفْعَل إِلَّا قَلِيلًا ; كَقَوْلِهِ : مِنِّي بِمَنْزِلَةِ الْمُحَبّ الْمُكْرَم وَحَكَى أَبُو زَيْد : حَبَّبَتْهُ أُحِبّهُ . وَأَنْشَدَ : فَوَاَللَّهِ لَوْلَا تَمْرُهُ مَا حَبَبْته وَلَا كَانَ أَدْنَى مِنْ عُوَيْف وَهَاشِم وَأَنْشَدَ : لَعَمْرك إِنَّنِي وَطِلَابَ مِصْر لَكَالْمُزْدَادِ مِمَّا حَبَّ بُعْدَا وَحَكَى الْأَصْمَعِيّ فَتْح حَرْف الْمُضَارَعَة مَعَ الْيَاء وَحْدهَا . وَالْحُبّ الْخَابِيَة , فَارِسِيّ مُعَرَّب , وَالْجَمْع حِبَاب وَحِبَبَة ; حَكَاهُ الْجَوْهَرِيّ . وَالْآيَة نَزَلَتْ فِي وَفْد نَجْرَان إِذْ زَعَمُوا أَنَّ مَا اِدَّعَوْهُ فِي عِيسَى حِبّ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ; قَالَهُ مُحَمَّد بْن جَعْفَر بْن الزُّبَيْر . وَقَالَ الْحَسَن وَابْن جُرَيْج : نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ أَهْل الْكِتَاب قَالُوا : نَحْنُ الَّذِينَ نُحِبّ رَبّنَا . وَرُوِيَ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا : يَا رَسُول اللَّه , وَاَللَّه إِنَّا لَنُحِبّ رَبّنَا ; فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي " . قَالَ اِبْن عَرَفَة : الْمَحَبَّة عِنْد الْعَرَب إِرَادَة الشَّيْء عَلَى قَصْد لَهُ . وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : مَحَبَّة الْعَبْد لِلَّهِ وَرَسُوله طَاعَته لَهُمَا وَاتِّبَاعه أَمْرهمَا ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي " . وَمَحَبَّة اللَّه لِلْعِبَادِ إِنْعَامه عَلَيْهِمْ بِالْغُفْرَانِ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ الْكَافِرِينَ " [ آل عِمْرَان : 32 ] أَيْ لَا يَغْفِر لَهُمْ . وَقَالَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه : عَلَامَة حُبّ اللَّه حُبّ الْقُرْآن , وَعَلَامَة حُبّ الْقُرْآن حُبّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَعَلَامَة حُبّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُبّ السُّنَّة ; وَعَلَامَة حُبّ اللَّه وَحُبّ الْقُرْآن وَحُبّ النَّبِيّ وَحُبّ السُّنَّة حُبّ الْآخِرَة , وَعَلَامَة حُبّ الْآخِرَة أَنْ يُحِبّ نَفْسه , وَعَلَامَة حُبّ نَفْسه أَنْ يُبْغِض الدُّنْيَا , وَعَلَامَة بُغْض الدُّنْيَا أَلَّا يَأْخُذ مِنْهَا إِلَّا الزَّاد وَالْبُلْغَة . وَرَوَى أَبُو الدَّرْدَاء عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْله تَعَالَى : " قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّه فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمْ اللَّه " قَالَ : ( عَلَى الْبِرّ وَالتَّقْوَى وَالتَّوَاضُع وَذِلَّة النَّفْس ) خَرَّجَهُ أَبُو عَبْد اللَّه التِّرْمِذِيّ . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( مَنْ أَرَادَ أَنْ يُحِبّهُ اللَّه فَعَلَيْهِ بِصِدْقِ الْحَدِيث وَأَدَاء الْأَمَانَة وَأَلَّا يُؤْذِيَ جَاره ) . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه إِذَا أَحَبَّ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيل فَقَالَ إِنِّي أَحَبَّ فُلَانًا فَأَحِبَّهُ قَالَ فَيُحِبّهُ جِبْرِيل ثُمَّ يُنَادِي فِي السَّمَاء فَيَقُول إِنَّ اللَّه يُحِبّ فُلَانًا فَأَحِبُّوهُ فَيُحِبّهُ أَهْل السَّمَاء - قَالَ - ثُمَّ يُوضَع لَهُ الْقَبُول فِي الْأَرْض , وَإِذَا أَبْغَضَ عَبْدًا دَعَا جِبْرِيل فَيَقُول إِنِّي أُبْغِض فُلَانًا فَأَبْغِضْهُ قَالَ فَيُبْغِضهُ جِبْرِيل ثُمَّ يُنَادِي فِي أَهْل السَّمَاء إِنَّ اللَّه يُبْغِض فُلَانًا فَأَبْغِضُوهُ - قَالَ - فَيُبْغِضُونَهُ ثُمَّ تُوضَع لَهُ الْبَغْضَاء فِي الْأَرْض ) . وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيد بَيَان فِي آخِر سُورَة " مَرْيَم " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَرَأَ أَبُو رَجَاء الْعُطَارِدِيّ ( فَاتْبَعُونِي ) بِفَتْحِ الْبَاء , " وَيَغْفِر لَكُمْ " عَطْف عَلَى " يُحْبِبْكُمْ " . وَرَوَى مَحْبُوب عَنْ أَبِي عَمْرو بْن الْعَلَاء أَنَّهُ أَدْغَمَ الرَّاء مِنْ " يَغْفِر " فِي اللَّام مِنْ " لَكُمْ " . قَالَ النَّحَّاس : لَا يُجِيز الْخَلِيل وَسِيبَوَيْهِ إِدْغَام الرَّاء فِي اللَّام , وَأَبُو عَمْرو أَجَلّ مِنْ أَنْ يَغْلَط فِي مِثْل هَذَا , وَلَعَلَّهُ كَانَ يُخْفِي الْحَرَكَة كَمَا يَفْعَل فِي أَشْيَاء كَثِيرَة .
غريب الآية
قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِی یُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ وَیَغۡفِرۡ لَكُمۡ ذُنُوبَكُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ ﴿٣١﴾
كُنتُمۡ أنتم يا أمةَ محمدٍ ﷺ، على الشَّرْطِ المذكورِ.
الإعراب
(قُلْ) فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ ".
(إِنْ) حَرْفُ شَرْطٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(كُنْتُمْ) فِعْلٌ مَاضٍ نَاسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ فِعْلُ الشَّرْطِ، وَ"تَاءُ الْفَاعِلِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ اسْمُ كَانَ.
(تُحِبُّونَ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ خَبَرُ كَانَ.
(اللَّهَ) اسْمُ الْجَلَالَةِ مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَاتَّبِعُونِي) "الْفَاءُ " حَرْفٌ وَاقِعٌ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(اتَّبِعُو ) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"النُّونُ " لِلْوِقَايَةِ، وَ"يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ جَوَابُ الشَّرْطِ.
(يُحْبِبْكُمُ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ جَوَابُ الطَّلَبِ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ السُّكُونُ الظَّاهِرُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(اللَّهُ) اسْمُ الْجَلَالَةِ فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَيَغْفِرْ) "الْوَاوُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(يَغْفِرْ ) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَعْطُوفٌ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ السُّكُونُ الظَّاهِرُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ ".
(لَكُمْ) "اللَّامُ " حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(ذُنُوبَكُمْ) مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَاللَّهُ) "الْوَاوُ " حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(اللَّهُ ) : اسْمُ الْجَلَالَةِ مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(غَفُورٌ) خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(رَحِيمٌ) خَبَرٌ ثَانٍ لِلْمُبْتَدَإِ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
Facebook Twitter WhatsApp Pinterest LinkedIn Buffer Tumblr Reddit Mix Evernote Pocket Wordpress