سورة آل عمران الآية ١٧٣
سورة آل عمران الآية ١٧٣
ٱلَّذِینَ قَالَ لَهُمُ ٱلنَّاسُ إِنَّ ٱلنَّاسَ قَدۡ جَمَعُوا۟ لَكُمۡ فَٱخۡشَوۡهُمۡ فَزَادَهُمۡ إِیمَـٰنࣰا وَقَالُوا۟ حَسۡبُنَا ٱللَّهُ وَنِعۡمَ ٱلۡوَكِیلُ ﴿١٧٣﴾
التفسير الميسر
وهم الذين قال لهم بعض المشركين: إن أبا سفيان ومن معه قد أجمعوا أمرهم على الرجوع إليكم لاستئصالكم، فاحذروهم واتقوا لقاءهم، فإنه لا طاقة لكم بهم، فزادهم ذلك التخويف يقينًا وتصديقًا بوعد الله لهم، ولم يَثْنِهم ذلك عن عزمهم، فساروا إلى حيث شاء الله، وقالوا: حسبنا الله أي: كافينا، ونِعْم الوكيل المفوَّض إليه تدبير عباده.
تفسير الجلالين
"الَّذِينَ" بَدَل مِنْ الَّذِينَ قَبْله أَوْ نَعْت "قَالَ لَهُمْ النَّاس" أَيْ نَعِيم بْن مَسْعُود الْأَشْجَعِيّ "إنَّ النَّاس" أَبَا سُفْيَان وَأَصْحَابه "قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ" الْجُمُوع ليستأصلوكم "فَاخْشَوْهُمْ" وَلَا تَأْتُوهُمْ "فَزَادَهُمْ" ذَلِكَ الْقَوْل "إيمَانًا" تَصْدِيقًا بِاَللَّهِ وَيَقِينًا "وَقَالُوا حَسْبنَا اللَّه" كَافِينَا أَمْرهمْ "وَنِعْمَ الْوَكِيل" الْمُفَوَّض إلَيْهِ الْأَمْر هُوَ وَخَرَجُوا مَعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَافَوْا سُوق بَدْر وَأَلْقَى اللَّه الرُّعْب فِي قَلْب أَبِي سُفْيَان وَأَصْحَابه فَلَمْ يَأْتُوا وَكَانَ مَعَهُمْ تِجَارَات فَبَاعُوا وَرَبِحُوا
تفسير ابن كثير
" قَوْله تَعَالَى " الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاس إِنَّ النَّاس قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا " الْآيَة أَيْ الَّذِينَ تَوَعَّدَهُمْ النَّاس بِالْجُمُوعِ وَخَوَّفُوهُمْ بِكَثْرَةِ الْأَعْدَاء فَمَا اِكْتَرَثُوا لِذَلِكَ بَلْ تَوَكَّلُوا عَلَى اللَّه وَاسْتَعَانُوا بِهِ " وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل " وَقَالَ الْبُخَارِيّ حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن يُونُس قَالَ أَرَاهُ قَالَ حَدَّثَنَا أَبُو بَكْر عَنْ أَبِي حُصَيْن عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ اِبْن عَبَّاس " حَسْبُنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل " قَالَهَا إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام حِين أُلْقِيَ فِي النَّار وَقَالَهَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين قَالَ لَهُمْ النَّاس إِنَّ النَّاس قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل. وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم وَهَارُون بْن عَبْد اللَّه كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْن أَبِي بَكْر عَنْ أَبِي بَكْر وَهُوَ اِبْن عَيَّاش بِهِ وَالْعَجَب أَنَّ الْحَاكِم أَبَا عَبْد اللَّه رَوَاهُ مِنْ حَدِيث أَحْمَد بْن يُونُس بِهِ ثُمَّ قَالَ صَحِيح الْإِسْنَاد عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ ثُمَّ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي غَسَّان مَالِك بْن إِسْمَاعِيل عَنْ إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي حُصَيْن عَنْ أَبِي الضُّحَى عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ كَانَ آخِر قَوْل إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام حِين أُلْقِيَ فِي النَّار " حَسْبُنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل " وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق قَالَ اِبْن عُيَيْنَةَ وَأَخْبَرَنِي زَكَرِيَّا عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَقَالَ هِيَ كَلِمَة إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام حِين أُلْقِيَ فِي النَّار . رَوَاهُ اِبْن جَرِير وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن مَرْدُوَيه حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مَعْمَر حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن مُوسَى الثَّوْرِيّ حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحِيم بْن مُحَمَّد بْن زِيَاد السُّكَّرِيّ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش عَنْ حُمَيْد الطَّوِيل عَنْ أَنَس بْن مَالِك عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ يَوْم أُحُد إِنَّ النَّاس قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة وَرَوَى أَيْضًا بِسَنَدِهِ عَنْ مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه الرَّافِعِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه أَبِي رَافِع أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَّهَ عَلِيًّا فِي نَفَر مَعَهُ فِي طَلَب أَبِي سُفْيَان فَلَقِيَهُمْ أَعْرَابِيّ مِنْ خُزَاعَة فَقَالَ إِنَّ الْقَوْم قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَقَالُوا " حَسْبُنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل " فَنَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَة ثُمَّ قَالَ اِبْن مَرْدُوَيه حَدَّثَنَا دَعْلَج بْن أَحْمَد حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن سُفْيَان أَنْبَأَنَا أَبُو خَيْثَمَة بْن مُصْعَب بْن سَعْد أَنْبَأَنَا مُوسَى بْن أَعْيَن عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِذَا وَقَعْتُمْ فِي الْأَمْر الْعَظِيم فَقُولُوا " حَسْبُنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل " هَذَا حَدِيث غَرِيب مِنْ هَذَا الْوَجْه وَقَدْ قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا حَيْوَة بْن شُرَيْح وَإِبْرَاهِيم بْن أَبِي الْعَبَّاس قَالَا حَدَّثَنَا بَقِيَّة حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ خَالِد بْن مَعْدَان عَنْ سَيْف عَنْ عَوْف بْن مَالِك أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بَيْن رَجُلَيْنِ فَقَالَ الْمَقْضِيّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ : حَسْبِيَ اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُل فَقَالَ : مَا قُلْت ؟ " قَالَ : قُلْت حَسْبِيَ اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ اللَّه يَلُوم عَلَى الْعَجْز وَلَكِنْ عَلَيْك بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَك أَمْر فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل " وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث بَقِيَّة عَنْ يَحْيَى بْن خَالِد عَنْ سَيْف وَهُوَ الشَّامِيّ وَلَمْ يُنْسَب عَنْ عَوْف بْن مَالِك عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِهِ . وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا أَسْبَاط حَدَّثَنَا مُطَرِّف عَنْ عَطِيَّة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " كَيْفَ أَنْعَمَ وَصَاحِب الْقَرْن قَدْ اِلْتَقَمَ الْقَرْن وَحَنَى جَبْهَته يَسْتَمِع مَتَى يُؤْمَر فَيَنْفُخ " فَقَالَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَا نَقُول ؟ قَالَ " قُولُوا حَسْبُنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل عَلَى اللَّه تَوَكَّلْنَا " . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مِنْ غَيْر وَجْه وَهُوَ حَدِيث جَيِّد وَقَدْ رُوِّينَا عَنْ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ زَيْنَب وَعَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَنَّهُمَا تَفَاخَرَتَا فَقَالَتْ زَيْنَب زَوَّجَنِي اللَّه وَزَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ وَقَالَتْ عَائِشَة نَزَلَتْ بَرَاءَتِي مِنْ السَّمَاء فِي الْقُرْآن فَسَلَّمَتْ لَهَا زَيْنَب ثُمَّ قَالَتْ كَيْفَ قُلْت حِين رَكِبْت رَاحِلَة صَفْوَان بْن الْمُعَطِّل قَالَتْ : قُلْت حَسْبِيَ اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل قَالَتْ زَيْنَب قُلْت كَلِمَة الْمُؤْمِنِينَ .
تفسير القرطبي
اِخْتُلِفَ فَقَالَ مُجَاهِد وَمُقَاتِل وَعِكْرِمَة وَالْكَلْبِيّ : هُوَ نُعَيْم بْن مَسْعُود الْأَشْجَعِيّ . وَاللَّفْظ عَامّ وَمَعْنَاهُ خَاصّ ; كَقَوْلِهِ : " أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاس " [ النِّسَاء : 54 ] يَعْنِي مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . السُّدِّيّ : هُوَ أَعْرَابِيّ جُعِلَ لَهُ جُعْل عَلَى ذَلِكَ . وَقَالَ اِبْن إِسْحَاق وَجَمَاعَة : يُرِيد النَّاس رَكْب عَبْد الْقَيْس , مَرُّوا بِأَبِي سُفْيَان فَدَسَّهُمْ إِلَى الْمُسْلِمِينَ لِيُثَبِّطُوهُمْ . وَقِيلَ : النَّاس هُنَا الْمُنَافِقُونَ . قَالَ السُّدِّيّ : لَمَّا تَجَهَّزَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه لِلْمَسِيرِ إِلَى بَدْر الصُّغْرَى لِمِيعَادِ أَبِي سُفْيَان أَتَاهُمْ الْمُنَافِقُونَ وَقَالُوا : نَحْنُ أَصْحَابكُمْ الَّذِينَ نَهَيْنَاكُمْ عَنْ الْخُرُوج إِلَيْهِمْ وَعَصَيْتُمُونَا , وَقَدْ قَاتَلُوكُمْ فِي دِيَاركُمْ وَظَفِرُوا ; فَإِنْ أَتَيْتُمُوهُمْ فِي دِيَارهمْ فَلَا يَرْجِع مِنْكُمْ أَحَد . فَقَالُوا : " حَسْبنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل " . وَقَالَ أَبُو مَعْشَر : دَخَلَ نَاس مِنْ هُذَيْل مِنْ أَهْل تِهَامَة الْمَدِينَة , فَسَأَلَهُمْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَبِي سُفْيَان فَقَالُوا : جُمُوعًا كَثِيرَة أَيْ فَخَافُوهُمْ وَاحْذَرُوهُمْ ; فَإِنَّهُ لَا طَاقَة لَكُمْ بِهِمْ . فَالنَّاس عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَال عَلَى بَابه مِنْ الْجَمْع . وَاَللَّه أَعْلَم . أَيْ فَزَادَهُمْ قَوْل النَّاس إِيمَانًا , أَيْ تَصْدِيقًا وَيَقِينًا فِي دِينهمْ , وَإِقَامَة عَلَى نُصْرَتهمْ , وَقُوَّة وَجَرَاءَة وَاسْتِعْدَادًا . فَزِيَادَة الْإِيمَان عَلَى هَذَا هِيَ فِي الْأَعْمَال . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي زِيَادَة الْإِيمَان وَنُقْصَانه عَلَى أَقْوَال . وَالْعَقِيدَة فِي هَذَا عَلَى أَنَّ نَفْس الْإِيمَان الَّذِي هُوَ تَاج وَاحِد , وَتَصْدِيق وَاحِد بِشَيْءٍ مَا , إِنَّمَا هُوَ مَعْنًى فَرْد , لَا يَدْخُل مَعَهُ زِيَادَة إِذَا حَصَلَ , وَلَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْء إِذَا زَالَ ; فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَنْ تَكُون الزِّيَادَة وَالنُّقْصَان فِي مُتَعَلَّقَاته دُون ذَاته . فَذَهَبَ جَمْع مِنْ الْعُلَمَاء إِلَى أَنَّهُ يَزِيد وَيَنْقُص مِنْ حَيْثُ الْأَعْمَال الصَّادِرَة عَنْهُ , لَا سِيَّمَا أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْعُلَمَاء يُوقِعُونَ اِسْم الْإِيمَان عَلَى الطَّاعَات ; لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْإِيمَان بِضْع وَسَبْعُونَ بَابًا فَأَعْلَاهَا قَوْل لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَدْنَاهَا إِمَاطَة الْأَذَى عَنْ الطَّرِيق ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ , وَزَادَ مُسْلِم ( وَالْحَيَاء شُعْبَة مِنْ الْإِيمَان ) وَفِي حَدِيث عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : إِنَّ الْإِيمَان لَيَبْدُو لُمَظَة بَيْضَاء فِي الْقَلْب , كُلَّمَا ازْدَادَ الْإِيمَان اِزْدَادَتْ اللُّمَظَة . وَقَوْله " لُمَظَة " قَالَ الْأَصْمَعِيّ : اللُّمَظَة مِثْل النُّكْتَة وَنَحْوهَا مِنْ الْبَيَاض ; وَمِنْهُ قِيلَ : فَرَس أَلْمَظ , إِذَا كَانَ بِجَحْفَلَتِهِ شَيْء مِنْ بَيَاض . وَالْمُحَدِّثُونَ يَقُولُونَ " لَمَظَة " بِالْفَتْحِ . وَأَمَّا كَلَام الْعَرَب فَبِالضَّمِّ ; مِثْل شُبْهَة وَدُهْمَة وَخُمْرَة . وَفِيهِ حُجَّة عَلَى مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُون الْإِيمَان يَزِيد وَيَنْقُص . أَلَا تَرَاهُ يَقُول : كُلَّمَا اِزْدَادَ الْإِيمَان اِزْدَادَتْ اللُّمَظَة حَتَّى يَبْيَضّ الْقَلْب كُلّه . وَكَذَلِكَ النِّفَاق يَبْدُو لُمَظَة سَوْدَاء فِي الْقَلْب كُلَّمَا اِزْدَادَ النِّفَاق اِسْوَدَّ الْقَلْب حَتَّى يَسْوَدّ الْقَلْب كُلّه . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّ الْإِيمَان عَرَض , وَهُوَ لَا يَثْبُت زَمَانَيْنِ ; فَهُوَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلصُّلَحَاءِ مُتَعَاقِب , فَيَزِيد بِاعْتِبَارِ تَوَالِي أَمْثَاله عَلَى قَلْب الْمُؤْمِن , وَبِاعْتِبَارِ دَوَام حُضُوره . وَيَنْقُص بِتَوَالِي الْغَفَلَات عَلَى قَلْب الْمُؤْمِن . أَشَارَ إِلَى هَذَا أَبُو الْمَعَالِي . وَهَذَا الْمَعْنَى مَوْجُود فِي حَدِيث الشَّفَاعَة , حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ أَخْرَجَهُ مُسْلِم . وَفِيهِ : ( فَيَقُول الْمُؤْمِنُونَ يَا رَبّنَا إِخْوَاننَا كَانُوا يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ فَقَالَ لَهُمْ أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ فَتُحَرَّم صُوَرهمْ عَلَى النَّار فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا قَدْ أَخَذَتْ النَّار إِلَى نِصْف سَاقَيْهِ وَإِلَى رُكْبَتَيْهِ ثُمَّ يَقُولُونَ رَبّنَا مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَد مِمَّنْ أَمَرْتنَا بِهِ فَيَقُول اِرْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبه مِثْقَال دِينَار مِنْ خَيْر فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ رَبّنَا لَمْ نَذَر فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتنَا ثُمَّ يَقُول اِرْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبه مِثْقَال نِصْف دِينَار مِنْ خَيْر فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ رَبّنَا لَمْ نَذَر فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتنَا أَحَدَأ ثُمَّ يَقُول اِرْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبه مِثْقَال ذَرَّة مِنْ خَيْر فَأَخْرِجُوهُ ) وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْمُرَاد بِالْإِيمَانِ فِي هَذَا الْحَدِيث أَعْمَال الْقُلُوب ; كَالنِّيَّةِ وَالْإِخْلَاص وَالْخَوْف وَالنَّصِيحَة وَشَبَه ذَلِكَ . وَسَمَّاهَا إِيمَانًا لِكَوْنِهَا فِي مَحَلّ الْإِيمَان أَوْ عُنِيَ بِالْإِيمَانِ , عَلَى عَادَة الْعَرَب فِي تَسْمِيَة الشَّيْء بِاسْمِ الشَّيْء إِذَا جَاوَرَهُ , أَوْ كَانَ مِنْهُ بِسَبَبٍ . دَلِيل هَذَا التَّأْوِيل قَوْل الشَّافِعِيّ بَعْد إِخْرَاج مَنْ كَانَ فِي قَلْبه مِثْقَال ذَرَّة مِنْ خَيْر : ( لَمْ نَذَر فِيهَا خَيْرًا ) مَعَ أَنَّهُ تَعَالَى يُخْرِج بَعْد ذَلِكَ جُمُوعًا كَثِيرَة مِمَّنْ يَقُول لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَهُمْ مُؤْمِنُونَ قَطْعًا ; وَلَوْ لَمْ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ لَمَا أَخْرَجَهُمْ . ثُمَّ إِنَّ عَدَم الْوُجُود الْأَوَّل الَّذِي يُرَكَّب عَلَيْهِ الْمِثْل لَمْ تَكُنْ زِيَادَة وَلَا نُقْصَان . وَقَدْر ذَلِكَ فِي الْحَرَكَة . فَإِنَّ اللَّه سُبْحَانه إِذَا خَلَقَ عِلْمًا فَرْدًا وَخَلَقَ مَعَهُ مِثْله أَوْ أَمْثَاله بِمَعْلُومَاتٍ فَقَدْ زَادَ عِلْمه ; فَإِنْ أَعْدَمَ اللَّه الْأَمْثَال فَقَدْ نَقَصَ , أَيْ زَالَتْ الزِّيَادَة . وَكَذَلِكَ إِذَا خَلَقَ حَرَكَة وَخَلَقَ مَعَهَا مِثْلهَا أَوْ أَمْثَالهَا . وَذَهَبَ قَوْم مِنْ الْعُلَمَاء إِلَى أَنَّ زِيَادَة الْإِيمَان وَنَقْصه إِنَّمَا هُوَ طَرِيق الْأَدِلَّة , فَتَزِيد الْأَدِلَّة عِنْد وَاحِد فَيُقَال فِي ذَلِكَ : إِنَّهَا زِيَادَة فِي الْإِيمَان ; وَبِهَذَا الْمَعْنَى - عَلَى أَحَد الْأَقْوَال - فُضِّلَ الْأَنْبِيَاء عَلَى الْخَلْق , فَإِنَّهُمْ عَلِمُوهُ مِنْ وُجُوه كَثِيرَة , أَكْثَر مِنْ الْوُجُوه الَّتِي عَلِمَهُ الْخَلْق بِهَا . وَهَذَا الْقَوْل خَارِج عَنْ مُقْتَضَى الْآيَة ; إِذْ لَا يُتَصَوَّر أَنْ تَكُون الزِّيَادَة فِيهَا مِنْ جِهَة الْأَدِلَّة . وَذَهَبَ قَوْم : إِلَى أَنَّ الزِّيَادَة فِي الْإِيمَان إِنَّمَا هِيَ بِنُزُولِ الْفَرَائِض وَالْأَخْبَار فِي مُدَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَفِي الْمَعْرِفَة بِهَا بَعْد الْجَهْل غَابِر الدَّهْر . وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ زِيَادَة إِيمَان ; فَالْقَوْل فِيهِ إِنَّ الْإِيمَان يَزِيد قَوْل مَجَازِيّ , وَلَا يُتَصَوَّر فِيهِ النَّقْص عَلَى هَذَا الْحَدّ , وَإِنَّمَا يُتَصَوَّر بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَنْ عَلِمَ . فَاعْلَمْ . أَيْ كَافِينَا اللَّه . وَحَسْب مَأْخُوذ مِنْ الْإِحْسَاب , وَهُوَ الْكِفَايَة . قَالَ الشَّاعِر : فَتَمْلَأ بَيْتنَا إِقْطًا وَسَمْنًا وَحَسْبك مِنْ غِنًى شِبَعٌ وَرِيُّ رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى : " الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاس إِنَّ النَّاس قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ - إِلَى قَوْله : - وَقَالُوا حَسْبنَا اللَّه وَنِعْمَ الْوَكِيل " قَالَهَا إِبْرَاهِيم الْخَلِيل عَلَيْهِ السَّلَام حِين أُلْقِيَ فِي النَّار . وَقَالَهَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين قَالَ لَهُمْ النَّاس : إِنَّ النَّاس قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ . وَاَللَّه أَعْلَم .
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian