سورة آل عمران الآية ١٦٩
سورة آل عمران الآية ١٦٩
وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِینَ قُتِلُوا۟ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ أَمۡوَ ٰتَۢاۚ بَلۡ أَحۡیَاۤءٌ عِندَ رَبِّهِمۡ یُرۡزَقُونَ ﴿١٦٩﴾
تفسير السعدي
هذه الآيات الكريمات, فيها فضل الشهداء وكرامتهم, وما من الله عليهم به, من فضله وإحسانه. وفي ضمنها تسلية الأحياء عن قتلاهم, وتعزيتهم, وتنشيطهم للقتال في سبيل الله, والتعرض للشهادة فقال: " وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ " أي: في جهاد أعداء الدين, قاصدين بذلك إعلاء كلمة الله. " أَمْوَاتًا " أي: لا يخطر ببالك وحسبانك, أنهم ماتوا وفقدوا, وذهبت عنهم لذة الحياة الدنيا, والتمتع بزهرتها, الذي يحذر من فواته, من جبن عن القتال, وزهد في الشهادة. " بَلْ " قد حصل لهم أعظم مما يتنافس فيه المتنافسون. فهم " أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ " في دار كرامته. ولفظ " عند ربهم " يقتضي علو درجتهم, وقربهم من ربهم. " يُرْزَقُونَ " من أنواع النعيم, الذي لا يعلم وصفه, إلا من أنعم به عليهم. ومع هذا صاروا " فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ " أي: مغتبطون بذلك. وقد قرت به عيونهم, وفرحت به نفوسهم, وذلك لحسنه, وكثرته, وعظمته, وكمال اللذة في الوصول إليه, وعدم المنغص.
التفسير الميسر
ولا تظنَّنَّ -أيها النبي- أن الذين قتلوا في سبيل الله أموات لا يُحِسُّون شيئًا، بل هم أحياء حياة برزخية في جوار ربهم الذي جاهدوا من أجله، وماتوا في سبيله، يجري عليهم رزقهم في الجنة، ويُنعَّمون.
تفسير الجلالين
وَنَزَلَ فِي الشُّهَدَاء "وَلَا تَحْسَبَن الَّذِينَ قُتِلُوا" بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد "فِي سَبِيل اللَّه" أَيْ لِأَجْلِ دِينه "أَمْوَاتًا بَلْ" هُمْ "أَحْيَاء عِنْد رَبّهمْ" أَرْوَاحهمْ فِي حَوَاصِل طُيُور خُضْر تَسْرَح فِي الْجَنَّة حَيْثُ شَاءَتْ كَمَا وَرَدَ فِي الْحَدِيث "يُرْزَقُونَ" يَأْكُلُونَ مِنْ ثِمَار الْجَنَّة
تفسير ابن كثير
يُخْبِر تَعَالَى عَنْ الشُّهَدَاء بِأَنَّهُمْ وَإِنْ قُتِلُوا فِي هَذِهِ الدَّار فَإِنَّ أَرْوَاحهمْ حَيَّة مَرْزُوقَة فِي دَار الْقَرَار . قَالَ مُحَمَّد بْن جَرِير : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مَرْزُوق حَدَّثَنَا عَمْرو بْن يُونُس عَنْ عِكْرِمَة حَدَّثَنَا إِسْحَق بْن أَبِي طَلْحَة حَدَّثَنِي أَنَس بْن مَالِك فِي أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمْ نَبِيّ اللَّه إِلَى أَهْل بِئْر مَعُونَة قَالَ : لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ أَوْ سَبْعِينَ وَعَلَى ذَلِكَ الْمَاء عَامِر بْن الطُّفَيْل الْجَعْفَرِيّ فَخَرَجَ أُولَئِكَ النَّفَر مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَتَوْا غَارًا مُشْرِفًا عَلَى الْمَاء فَقَعَدُوا فِيهِ ثُمَّ قَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ أَيّكُمْ يُبَلِّغ رِسَالَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْل هَذَا الْمَاء فَقَالَ - أُرَاهُ أَبُو مِلْحَان الْأَنْصَارِيّ أَنَا أُبَلِّغ رِسَالَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى حَوْل بَيْتهمْ فَاجْتَثَى أَمَام الْبُيُوت ثُمَّ قَالَ يَا أَهْل بِئْر مَعُونَة إِنِّي رَسُول رَسُول اللَّه إِلَيْكُمْ إِنِّي أَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله فَآمِنُوا بِاَللَّهِ وَرَسُوله فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَجُل مِنْ كَسْرِ الْبَيْت بِرُمْحٍ فَضَرَبَهُ فِي جَنْبه حَتَّى خَرَجَ مِنْ الشِّقّ الْآخَر فَقَالَ : اللَّه أَكْبَر فُزْت وَرَبّ الْكَعْبَة فَاتَّبَعُوا أَثَره حَتَّى أَتَوْا أَصْحَابه فِي الْغَار فَقَتَلَهُمْ أَجْمَعِينَ عَامِر بْن الطُّفَيْل وَقَالَ اِبْن إِسْحَق : حَدَّثَنِي أَنَس بْن مَالِك أَنَّ اللَّه أَنْزَلَ فِيهِمْ قُرْآنًا بَلِّغُوا عَنَّا قَوْمنَا أَنَّا قَدْ لَقِينَا رَبّنَا فَرَضِيَ عَنَّا وَرَضِينَا عَنْهُ ثُمَّ نُسِخَتْ فَرُفِعَتْ بَعْد مَا قَرَأْنَاهَا زَمَانًا وَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى " وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِنْد رَبّهمْ يُرْزَقُونَ " وَقَدْ قَالَ مُسْلِم فِي صَحِيحه : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن نُمَيْر حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة حَدَّثَنَا الْأَعْمَش عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُرَّة عَنْ مَسْرُوق قَالَ : إِنَّا سَأَلْنَا عَبْد اللَّه عَنْ هَذِهِ الْآيَة . " وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِنْد رَبّهمْ يُرْزَقُونَ " فَقَالَ : أَمَا إِنَّا قَدْ سَأَلْنَا عَنْ ذَلِكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ " أَرْوَاحهمْ فِي جَوْف طَيْر خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيل مُعَلَّقَة بِالْعَرْشِ تَسْرَح مِنْ الْجَنَّة حَيْثُ شَاءَتْ ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ الْقَنَادِيل فَاطَّلَعَ عَلَيْهِمْ رَبّهمْ إِطْلَاعَة فَقَالَ : هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا ؟ فَقَالُوا : أَيّ شَيْء نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَح مِنْ الْجَنَّة حَيْثُ شِئْنَا ؟ فَفَعَلَ ذَلِكَ بِهِمْ ثَلَاث مَرَّات فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يَسْأَلُوا قَالُوا : يَا رَبّ نُرِيد أَنْ تَرُدّ أَرْوَاحنَا فِي أَجْسَادنَا حَتَّى نُقْتَل فِي سَبِيلك مَرَّة أُخْرَى فَلَمَّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَة تُرِكُوا " وَقَدْ رُوِيَ نَحْوه مِنْ حَدِيث أَنَس وَأَبِي سَعِيد " حَدِيث آخَر " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا عَبْد الصَّمَد حَدَّثَنَا حَمَّاد حَدَّثَنَا ثَابِت عَنْ أَنَس أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَا مِنْ نَفْس تَمُوت لَهَا عِنْد اللَّه خَيْر يَسُرّهَا أَنْ تَرْجِع إِلَى الدُّنْيَا إِلَّا الشَّهِيد فَإِنَّهُ يَسُرّهُ أَنْ يَرْجِع إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَل مَرَّة أُخْرَى مِمَّا يَرَى مِنْ فَضْل الشَّهَادَة " تَفَرَّدَ بِهِ مُسْلِم مِنْ طَرِيق حَمَّاد . " حَدِيث آخَر " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه الْمَدِينِيّ حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن مُحَمَّد بْن عَلِيّ بْن رَبِيعَة السُّلَمِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن عُقَيْل عَنْ جَابِر قَالَ : قَالَ لِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَعَلِمْت أَنَّ اللَّه أَحْيَا أَبَاك فَقَالَ لَهُ : تَمَنَّ فَقَالَ لَهُ أُرَدّ الدُّنْيَا فَأُقْتَل فِيك مَرَّة أُخْرَى قَالَ : إِنِّي قَضَيْت أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ " تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَد مِنْ هَذَا الْوَجْه . وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرهمَا أَنَّ أَبَا جَابِر وَهُوَ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن حَرَام الْأَنْصَارِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قُتِلَ يَوْم أُحُد شَهِيدًا . قَالَ الْبُخَارِيّ : وَقَالَ أَبُو الْوَلِيد عَنْ شُعْبَة عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر سَمِعْت جَابِرًا قَالَ : لَمَّا قُتِلَ أَبِي جَعَلْت أَبْكِي وَأَكْشِف الثَّوْب عَنْ وَجْهه فَجَعَلَ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَوْنِي وَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْهَ فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا تَبْكِهِ - أَوْ مَا تَبْكِيه - مَا زَالَتْ الْمَلَائِكَة تُظِلّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ " وَقَدْ أَسْنَدَهُ هُوَ وَمُسْلِم وَالنَّسَائِيّ مِنْ طُرُق عَنْ شُعْبَة عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عَنْ جَابِر قَالَ : لَمَّا قُتِلَ أَبِي يَوْم أُحُد جَعَلْت أَكْشِف الثَّوْب عَنْ وَجْهه وَأَبْكِي وَذَكَرَ تَمَّامَة بِنَحْوِهِ " حَدِيث آخَر " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا يَعْقُوب حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ أَبِي إِسْحَق حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة بْن عَمْرو بْن سَعِيد عَنْ أَبِي الزُّبَيْر الْمَكِّيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانكُمْ يَوْم أُحُد جَعَلَ اللَّه أَرْوَاحهمْ فِي أَجْوَاف طَيْر خُضْرٍ تَرِد أَنْهَار الْجَنَّة وَتَأْكُل مِنْ ثِمَارهَا وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيل مِنْ ذَهَبٍ فِي ظِلّ الْعَرْش فَلَمَّا وَجَدُوا طِيب مَأْكَلهمْ وَمَشْرَبهمْ وَحُسْن مَقِيلهمْ قَالُوا يَا لَيْتَ إِخْوَاننَا يَعْلَمُونَ مَا صَنَعَ اللَّه بِنَا لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَاد وَلَا يَنْكُلُوا عَنْ الْحَرْب فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : أَنَا أُبَلِّغهُمْ عَنْكُمْ فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَات " وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِنْد رَبّهمْ يُرْزَقُونَ " وَمَا بَعْدهَا " . وَهَكَذَا رَوَاهُ أَحْمَد وَرَوَاهُ اِبْن جَرِير عَنْ يُونُس عَنْ اِبْن وَهْب عَنْ إِسْمَاعِيل بْن عَيَّاش عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَق بِهِ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن إِدْرِيس عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَق بِهِ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَاكِم عَنْ إِسْمَاعِيل بْن أُمَيَّة عَنْ أَبِي الزُّبَيْر عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فَذَكَرَهُ وَهَذَا أَثْبَت. وَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ سَالِم الْأَفْطَس عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس - وَرَوَى الْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه مِنْ حَدِيث أَبِي إِسْحَق الْفَزَارِيّ عَنْ سُفْيَان بْن إِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي حَمْزَة وَأَصْحَابه وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِنْد رَبّهمْ يُرْزَقُونَ " ثُمَّ قَالَ : صَحِيح عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ وَالرَّبِيع وَالضَّحَّاك أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَتْلَى أُحُد. " حَدِيث آخَر " قَالَ أَبُو بَكْر بْن مَرْدُوَيه : حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا هَارُون بْن سُلَيْمَان أَنْبَأَنَا عَلِيّ بْن عَبْد اللَّه الْمَدِينِيّ أَنْبَأَنَا مُوسَى بْن إِبْرَاهِيم بْن كَثِير بْن بَشِير بْن الْفَاكِه الْأَنْصَارِيّ سَمِعْت طَلْحَة بْن خِرَاش بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن خِرَاش بْن الصَّمْت الْأَنْصَارِيّ قَالَ : سَمِعْت جَابِر بْن عَبْد اللَّه قَالَ : نَظَرَ إِلَيَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَات يَوْم فَقَالَ " يَا جَابِر مَا لِي أَرَاك مُهْتَمًّا ؟ " قُلْت يَا رَسُول اللَّه اُسْتُشْهِدَ أَبِي وَتَرَكَ دَيْنًا وَعِيَالًا قَالَ : فَقَالَ " أَلَا أُخْبِرك مَا كَلَّمَ اللَّهَ أَحَد قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاء حِجَاب وَإِنَّهُ كَلَّمَ أَبَاك كِفَاحًا " قَالَ عَلِيّ : وَالْكِفَاح الْمُوَاجَهَة " قَالَ سَلْنِي أُعْطِك قَالَ : أَسْأَلك أَنْ أُرَدَّ إِلَى الدُّنْيَا فَأُقْتَل فِيك ثَانِيَة فَقَالَ الرَّبّ عَزَّ وَجَلَّ إِنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي الْقَوْل أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ قَالَ أَيْ رَبّ فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي فَأَنْزَلَ اللَّه " وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَاتًا " الْآيَة . ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيق أُخْرَى عَنْ مُحَمَّد بْن سُلَيْمَان بْن سُلَيْط الْأَنْصَارِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِر بِهِ نَحْوه وَكَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي دَلَائِل النُّبُوَّة مِنْ طَرِيق عَلِيّ بْن الْمَدِينِيّ بِهِ وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ أَيْضًا مِنْ حَدِيث أَبِي عُبَادَة الْأَنْصَارِيّ وَهُوَ عِيسَى بْن عَبْد اللَّه إِنْ شَاءَ اللَّه عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عُرْوَة عَنْ عَائِشَة قَالَتْ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجَابِرٍ " يَا جَابِر أَلَا أُبَشِّرك " قَالَ : بَلَى بَشَّرَكَ اللَّه بِالْخَيْرِ قَالَ " شَعَرْت بِأَنَّ اللَّه أَحْيَا أَبَاك فَقَالَ تَمَنَّ عَلَيَّ عَبْدِي مَا شِئْت أُعْطِكَهُ قَالَ : يَا رَبّ مَا عَبَدْتُك حَقّ عِبَادَتك أَتَمَنَّى عَلَيْك أَنْ تَرُدّنِي إِلَى الدُّنْيَا فَأُقَاتِل مَعَ نَبِيّك وَأُقْتَل فِيك مَرَّة أُخْرَى قَالَ إِنَّهُ سَلَف مِنِّي أَنَّهُ إِلَيْهَا لَا يُرْجَع " . " حَدِيث آخَر " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا يَعْقُوب حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ اِبْن إِسْحَق حَدَّثَنَا الْحَارِث بْن فُضَيْل الْأَنْصَارِيّ عَنْ مَحْمُود بْن لَبِيد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " الشُّهَدَاء عَلَى بَارِق نَهَر بِبَابِ الْجَنَّة فِيهِ قُبَّة خَضْرَاء يَخْرُج إِلَيْهِمْ رِزْقهمْ مِنْ الْجَنَّة بُكْرَة وَعَشِيَّة " تَفَرَّدَ بِهِ أَحْمَد وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن جُرَيْج عَنْ أَبِي كُرَيْب حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن سُلَيْمَان وَعُبَيْدَة عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَق وَبِهِ وَهُوَ إِسْنَاد جَيِّد وَكَأَنَّ الشُّهَدَاء أَقْسَام مِنْهُمْ مَنْ تَسْرَح أَرْوَاحهمْ فِي الْجَنَّة وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُون عَلَى هَذَا النَّهَر بِبَابِ الْجَنَّة وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون مُنْتَهَى سَيْرهمْ إِلَى هَذَا النَّهَر فَيَجْتَمِعُونَ هُنَالِكَ وَيُغْدَى عَلَيْهِمْ بِرِزْقِهِمْ هُنَاكَ وَيُرَاح وَاَللَّه أَعْلَم - وَقَدْ رُوِّينَا فِي مُسْنَد الْإِمَام أَحْمَد حَدِيثًا فِيهِ الْبِشَارَة لِكُلِّ مُؤْمِن بِأَنَّ رُوحه تَكُون فِي الْجَنَّة تَسْرَح أَيْضًا فِيهَا وَتَأْكُل مِنْ ثِمَارهَا وَتَرَى مَا فِيهَا مِنْ النَّضْرَة وَالسُّرُور وَتُشَاهِد مَا أَعَدَّ اللَّه لَهَا مِنْ الْكَرَامَة وَهُوَ بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَزِيز عَظِيم اِجْتَمَعَ فِيهِ ثَلَاثَة مِنْ الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة أَصْحَاب الْمَذَاهِب الْمُتَّبَعَة فَإِنَّ الْإِمَام أَحْمَد رَحِمَهُ اللَّه رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّد بْن إِدْرِيس الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه عَنْ مَالِك بْن أَنَس الْأَصْبَحِيّ رَحِمَهُ اللَّه عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن كَعْب بْن مَالِك عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ " نَسَمَة الْمُؤْمِن طَائِر يَعْلُق فِي شَجَر الْجَنَّة حَتَّى يُرْجِعهُ اللَّه إِلَى جَسَده يَوْم يَبْعَثهُ " قَوْله " يَعْلُق " أَيْ يَأْكُل وَفِي هَذَا الْحَدِيث " إِنَّ رُوح الْمُؤْمِن تَكُون عَلَى شَكْل طَائِر فِي الْجَنَّة " وَأَمَّا أَرْوَاح الشُّهَدَاء فَكَمَا تَقَدَّمَ فِي حَوَاصِل طَيْر خُضْر فَهِيَ كَالْكَوَاكِبِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَرْوَاح عُمُوم الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهَا تَطِير بِأَنْفُسِهَا فَنَسْأَل اللَّه الْكَرِيم الْمَنَّان أَنْ يُمِيتنَا عَلَى الْإِيمَان .
تفسير القرطبي
لَمَّا بَيَّنَ اللَّه تَعَالَى أَنَّ مَا جَرَى يَوْم أُحُد كَانَ اِمْتِحَانًا يُمَيِّز الْمُنَافِق مِنْ الصَّادِق , بَيَّنَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَنْهَزِم فَقُتِلَ لَهُ الْكَرَامَة وَالْحَيَاة عِنْده . وَالْآيَة فِي شُهَدَاء أُحُد . وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي شُهَدَاء بِئْر مَعُونَة . وَقِيلَ : بَلْ هِيَ عَامَّة فِي جَمِيع الشُّهَدَاء . وَفِي مُصَنَّف أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيح عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانكُمْ بِأُحُدٍ جَعَلَ اللَّه أَرْوَاحهمْ فِي جَوْف طَيْر خُضْر تَرِد أَنْهَار الْجَنَّة تَأْكُل مِنْ ثِمَارهَا وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيل مِنْ ذَهَب مُعَلَّقَة فِي ظِلّ الْعَرْش فَلَمَّا وَجَدُوا طِيب مَأْكَلهمْ وَمَشْرَبهمْ وَمَقِيلهمْ قَالُوا مَنْ يُبَلِّغ إِخْوَاننَا عَنَّا أَنَّا أَحْيَاء فِي الْجَنَّة نُرْزَق لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَاد وَلَا يَنْكُلُوا عِنْد الْحَرْب فَقَالَ اللَّه سُبْحَانه أَنَا أُبَلِّغهُمْ عَنْكُمْ ) - قَالَ - فَأَنْزَلَ اللَّه ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَاتًا . .. ) إِلَى آخِر الْآيَات . وَرَوَى بَقِيّ بْن مَخْلَد عَنْ جَابِر قَالَ : لَقِيَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ( يَا جَابِر مَا لِي أَرَاك مُنَكِّسًا مُهْتَمًّا ) ؟ قُلْت : يَا رَسُول اللَّه , اُسْتُشْهِدَ أَبِي وَتَرَكَ عِيَالًا وَعَلَيْهِ دَيْن ; فَقَالَ : ( أَلَا أُبَشِّرك بِمَا لَقِيَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِهِ أَبَاك ) ؟ قُلْت : بَلَى يَا رَسُول اللَّه . قَالَ : ( إِنَّ اللَّه أَحْيَا أَبَاك وَكَلَّمَهُ كِفَاحًا وَمَا كُلِّمَ أَحَد قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاء حِجَاب فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدِي تَمَنَّ أُعْطِك قَالَ يَا رَبّ فَرُدَّنِي إِلَى الدُّنْيَا فَأُقْتَل فِيك ثَانِيَة فَقَالَ الرَّبّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنَّهُ قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ إِلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ قَالَ يَا رَبّ فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي ) فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّه " الْآيَة . أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنه , وَالتِّرْمِذِيّ فِي جَامِعه وَقَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب . وَرَوَى وَكِيع عَنْ سَالِم بْن الْأَفْطَس عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر " وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء " قَالَ : لَمَّا أُصِيبَ حَمْزَة بْن عَبْد الْمَطْلَب وَمُصْعَب بْن عُمَيْر وَرَأَوْا مَا رُزِقُوا مِنْ الْخَيْر قَالُوا : لَيْتَ إِخْوَاننَا يَعْلَمُونَ مَا أَصَابَنَا مِنْ الْخَيْر كَيْ يَزْدَادُوا فِي الْجِهَاد رَغْبَة ; فَقَالَ اللَّه تَعَالَى أَنَا أُبَلِّغهُمْ عَنْكُمْ , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيل اللَّه أَمْوَاتًا - إِلَى قَوْله : لَا يُضِيع أَجْر الْمُؤْمِنِينَ " . وَقَالَ أَبُو الضُّحَى : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي أَهْل أُحُد خَاصَّة . وَالْحَدِيث الْأَوَّل يَقْتَضِي صِحَّة هَذَا الْقَوْل . وَقَالَ بَعْضهمْ : نَزَلَتْ فِي شُهَدَاء بَدْر وَكَانُوا أَرْبَعَة عَشَر رَجُلًا ; ثَمَانِيَة مِنْ الْأَنْصَار , وَسِتَّة مِنْ الْمُهَاجِرِينَ . وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي شُهَدَاء بِئْر مَعُونَة , وَقِصَّتهمْ مَشْهُورَة ذَكَرَهَا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق وَغَيْره . وَقَالَ آخَرُونَ : إِنَّ أَوْلِيَاء الشُّهَدَاء كَانُوا إِذَا أَصَابَتْهُمْ نِعْمَة وَسُرُور تَحَسَّرُوا وَقَالُوا : نَحْنُ فِي النِّعْمَة وَالسُّرُور , وَآبَاؤُنَا وَأَبْنَاؤُنَا وَإِخْوَاننَا فِي الْقُبُور . فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْآيَة تَنْفِيسًا عَنْهُمْ وَإِخْبَارًا عَنْ حَال قَتْلَاهُمْ . قُلْت : وَبِالْجُمْلَةِ وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون النُّزُول بِسَبَبِ الْمَجْمُوع فَقَدْ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى فِيهَا عَنْ الشُّهَدَاء أَنَّهُمْ أَحْيَاء فِي الْجَنَّة يُرْزَقُونَ , وَلَا مَحَالَة أَنَّهُمْ مَاتُوا وَأَنَّ أَجْسَادهمْ فِي التُّرَاب , وَأَرْوَاحهمْ حَيَّة كَأَرْوَاحِ سَائِر الْمُؤْمِنِينَ , وَفُضِّلُوا بِالرِّزْقِ فِي الْجَنَّة مِنْ وَقْت الْقَتْل حَتَّى كَأَنَّ حَيَاة الدُّنْيَا دَائِمَة لَهُمْ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذَا الْمَعْنَى . فَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْمُعْظَم هُوَ مَا ذَكَرْنَاهُ , وَأَنَّ حَيَاة الشُّهَدَاء مُحَقَّقَة . ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُول : تُرَدّ إِلَيْهِمْ الْأَرْوَاح فِي قُبُورهمْ فَيُنَعَّمُونَ , كَمَا يَحْيَا الْكُفَّار فِي قُبُورهمْ فَيُعَذَّبُونَ . وَقَالَ مُجَاهِد : يُرْزَقُونَ مِنْ ثَمَر الْجَنَّة , أَيْ يَجِدُونَ رِيحهَا وَلَيْسُوا فِيهَا . وَصَارَ قَوْم إِلَى أَنَّ هَذَا مَجَاز , وَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ فِي حُكْم اللَّه مُسْتَحِقُّونَ لِلتَّنَعُّمِ فِي الْجَنَّة . وَهُوَ كَمَا يُقَال : مَا مَاتَ فُلَان , أَيْ ذِكْره حَيّ ; كَمَا قِيلَ : مَوْتُ التَّقِيِّ حَيَاةٌ لَا فِنَاءَ لَهَا قَدْ مَاتَ قَوْمٌ وَهُمْ فِي النَّاس أَحْيَاء فَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يُرْزَقُونَ الثَّنَاء الْجَمِيل . وَقَالَ آخَرُونَ : أَرْوَاحهمْ فِي أَجْوَاف طَيْر خُضْر وَأَنَّهُمْ يُرْزَقُونَ فِي الْجَنَّة وَيَأْكُلُونَ وَيَتَنَعَّمُونَ . وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح مِنْ الْأَقْوَال ; لِأَنَّ مَا صَحَّ بِهِ النَّقْل فَهُوَ الْوَاقِع . وَحَدِيث اِبْن عَبَّاس نَصّ يَرْفَع الْخِلَاف . وَكَذَلِكَ حَدِيث اِبْن مَسْعُود خَرَّجَهُ مُسْلِم . وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى هَذَا الْمَعْنَى مُبَيَّنًا فِي كِتَاب " التَّذْكِرَة بِأَحْوَالِ الْمَوْتَى وَأُمُور الْآخِرَة " . وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَقَدْ ذَكَرْنَا هُنَاكَ كَمْ الشُّهَدَاء , وَأَنَّهُمْ مُخْتَلِفُو الْحَال . وَأَمَّا مَنْ تَأَوَّلَ فِي الشُّهَدَاء أَنَّهُمْ أَحْيَاء بِمَعْنَى أَنَّهُمْ سَيَحْيَوْنَ فَبَعِيد يَرُدّهُ الْقُرْآن وَالسُّنَّة ; فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى : " بَلْ أَحْيَاء " دَلِيل عَلَى حَيَاتهمْ , وَأَنَّهُمْ يُرْزَقُونَ وَلَا يُرْزَق إِلَّا حَيّ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُ يُكْتَب لَهُمْ فِي كُلّ سَنَة ثَوَاب غَزْوَة ; وَيُشْرَكُونَ فِي ثَوَاب كُلّ جِهَاد كَانَ بَعْدهمْ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ; لِأَنَّهُمْ سَنُّوا أَمْر الْجِهَاد . نَظِيرَة قَوْله تَعَالَى : " مِنْ أَجْل ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا " [ الْمَائِدَة : 32 ] . عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقِيلَ : لِأَنَّ أَرْوَاحهمْ تَرْكَع وَتَسْجُد تَحْت الْعَرْش إِلَى يَوْم الْقِيَامَة , كَأَرْوَاحِ الْأَحْيَاء الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ بَاتُوا عَلَى وُضُوء . وَقِيلَ : لِأَنَّ الشَّهِيد لَا يَبْلَى فِي الْقَبْر وَلَا تَأْكُلهُ الْأَرْض . وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذَا الْمَعْنَى فِي " التَّذْكِرَة " وَأَنَّ الْأَرْض لَا تَأْكُل الْأَنْبِيَاء وَالشُّهَدَاء وَالْعُلَمَاء وَالْمُؤَذِّنِينَ الْمُحْتَسِبِينَ وَحَمَلَة الْقُرْآن . إِذَا كَانَ الشَّهِيد حَيًّا حُكْمًا فَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِ , كَالْحَيِّ حِسًّا . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي غُسْل الشُّهَدَاء وَالصَّلَاة عَلَيْهِمْ ; فَذَهَبَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَالثَّوْرِيّ إِلَى غُسْل جَمِيع الشُّهَدَاء وَالصَّلَاة عَلَيْهِمْ ; إِلَّا قَتِيل الْمُعْتَرَك فِي قِتَال الْعَدُوّ خَاصَّة ; لِحَدِيثِ جَابِر قَالَ قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( اِدْفِنُوهُمْ بِدِمَائِهِمْ ) يَعْنِي يَوْم أُحُد وَلَمْ يُغَسِّلهُمْ , رَوَاهُ الْبُخَارِيّ . وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : أَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلَى أُحُد أَنْ يُنْزَع عَنْهُمْ الْحَدِيد وَالْجُلُود وَأَنْ يُدْفَنُوا بِدِمَائِهِمْ وَثِيَابهمْ . وَبِهَذَا قَالَ أَحْمَد وَإِسْحَاق وَالْأَوْزَاعِيّ ودَاوُد بْن عَلِيّ وَجَمَاعَة فُقَهَاء الْأَمْصَار وَأَهْل الْحَدِيث وَابْن عُلَيَّة . وَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَالْحَسَن : يُغَسَّلُونَ . قَالَ أَحَدهمَا : إِنَّمَا لَمْ تُغَسَّل شُهَدَاء أُحُد لِكَثْرَتِهِمْ وَالشُّغْل عَنْ ذَلِكَ . قَالَ أَبُو عُمَر : وَلَمْ يَقُلْ بِقَوْلِ سَعِيد وَالْحَسَن هَذَا أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاء الْأَمْصَار إِلَّا عُبَيْد اللَّه بْن الْحَسَن الْعَنْبَرِيّ , وَلَيْسَ مَا ذَكَرُوا مِنْ الشُّغْل عَنْ غُسْل شُهَدَاء أُحُد عِلَّة ; لِأَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمْ كَانَ لَهُ وَلِيّ يَشْتَغِل بِهِ وَيَقُوم بِأَمْرِهِ . وَالْعِلَّة فِي ذَلِكَ - وَاَللَّه أَعْلَم - مَا جَاءَ فِي الْحَدِيث فِي دِمَائِهِمْ ( أَنَّهَا تَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة كَرِيحِ الْمِسْك ) فَبَانَ أَنَّ الْعِلَّة لَيْسَتْ الشُّغْل كَمَا قَالَ مَنْ قَالَ فِي ذَلِكَ , وَلَيْسَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَة مَدْخَل فِي الْقِيَاس وَالنَّظَر , وَإِنَّمَا هِيَ مَسْأَلَة اِتِّبَاع لِلْأَثَرِ الَّذِي نَقَلَهُ الْكَافَّة فِي قَتْلَى أُحُد لَمْ يُغَسَّلُوا . وَقَدْ اِحْتَجَّ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ مِمَّنْ ذَهَبَ مَذْهَب الْحَسَن بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام فِي شُهَدَاء أَحَد . ( أَنَا شَهِيد عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْم الْقِيَامَة ) . قَالَ : وَهَذَا يَدُلّ عَلَى خُصُوصهمْ وَأَنَّهُ لَا يَشْرَكهُمْ فِي ذَلِكَ غَيْرهمْ . قَالَ أَبُو عُمَر : وَهَذَا يُشْبِه الشُّذُوذ , وَالْقَوْل بِتَرْكِ غُسْلهمْ أَوْلَى ; لِثُبُوتِ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَتْلَى أُحُد وَغَيْرهمْ . وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ جَابِر قَالَ : رُمِيَ رَجُل بِسَهْمٍ فِي صَدْره أَوْ فِي حَلْقه فَمَاتَ فَأُدْرِجَ فِي ثِيَابه كَمَا هُوَ . قَالَ : وَنَحْنُ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَمَّا الصَّلَاة عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ أَيْضًا ; فَذَهَبَ مَالِك وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَدَاوُد إِلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ ; لِحَدِيثِ جَابِر قَالَ : كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَع بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ مِنْ قَتْلَى أُحُد فِي ثَوْب وَاحِد ثُمَّ يَقُول : ( أَيّهمَا أَكْثَر أَخْذًا لِلْقُرْآنِ ) ؟ فَإِذَا أُشِيرَ لَهُ إِلَى أَحَدهمَا قَدَّمَهُ فِي اللَّحْد وَقَالَ : ( أَنَا شَهِيد عَلَى هَؤُلَاءِ يَوْم الْقِيَامَة ) وَأَمَرَ بِدَفْنِهِمْ بِدِمَائِهِمْ وَلَمْ يُغَسَّلُوا وَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ . وَقَالَ فُقَهَاء الْكُوفَة وَالْبَصْرَة وَالشَّام : يُصَلَّى عَلَيْهِمْ . وَرَوَوْا آثَارًا كَبِيرَة أَكْثَرهَا مَرَاسِيل أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى عَلَى حَمْزَة وَعَلَى سَائِر شُهَدَاء أُحُد . وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الشَّهِيد إِذَا حُمِلَ حَيًّا وَلَمْ يَمُتْ فِي الْمُعْتَرَك وَعَاشَ وَأَكَلَ فَإِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ ; كَمَا قَدْ صُنِعَ بِعُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا كَقَتِيلِ الْخَوَارِج وَقُطَّاع الطَّرِيق وَشَبَه ذَلِكَ ; فَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالثَّوْرِيّ : كُلّ مَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا لَمْ يُغَسَّل , وَلَكِنَّهُ يُصَلَّى عَلَيْهِ وَعَلَى كُلّ شَهِيد ; وَهُوَ قَوْل سَائِر أَهْل الْعِرَاق . وَرَوَوْا مِنْ طُرُق كَثِيرَة صِحَاح عَنْ زَيْد بْن صُوحَان , وَكَانَ قُتِلَ يَوْم الْجَمَل : لَا تَنْزِعُوا عَنِّي ثَوْبًا وَلَا تَغْسِلُوا عَنِّي دَمًا . وَثَبَتَ عَنْ عَمَّار بْن يَاسِر أَنَّهُ قَالَ مِثْل قَوْل زَيْد بْن صُوحَان . وَقُتِلَ عَمَّار بْن يَاسِر بِصِفِّينَ وَلَمْ يُغَسِّلهُ عَلِيّ . وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ : أَحَدهمَا - يُغَسَّل كَجَمِيعِ الْمَوْتَى إِلَّا مَنْ قَتَلَهُ أَهْل الْحَرْب ; وَهَذَا قَوْل مَالِك . قَالَ مَالِك : لَا يُغَسَّل مَنْ قَتَلَهُ الْكُفَّار وَمَاتَ فِي الْمُعْتَرَك . وَكَانَ مَقْتُول غَيْر قَتِيل الْمُعْتَرَك - قَتِيل الْكُفَّار - فَإِنَّهُ يُغَسَّل وَيُصَلَّى عَلَيْهِ . وَهَذَا قَوْل أَحْمَد بْن حَنْبَل رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . وَالْقَوْل الْآخَر لِلشَّافِعِيِّ - لَا يُغَسَّل قَتِيل الْبُغَاة . وَقَوْل مَالِك أَصَحّ ; فَإِنْ غُسْل الْمَوْتَى قَدْ ثَبَتَ بِالْإِجْمَاعِ وَنَقْل الْكَافَّة . فَوَاجِب غُسْل كُلّ مَيِّت إِلَّا مَنْ أَخْرَجَهُ إِجْمَاع أَوْ سُنَّة ثَابِتَة . وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق . الْعَدُوّ إِذَا صَبَّحَ قَوْمًا فِي مَنْزِلهمْ وَلَمْ يَعْلَمُوا بِهِ فَقَتَلَ مِنْهُمْ فَهَلْ يَكُون حُكْمه حُكْم قَتِيل الْمُعْتَرَك , أَوْ حُكْم سَائِر الْمَوْتَى ; وَهَذِهِ الْمَسْأَلَة نَزَلَتْ عِنْدنَا بِقُرْطُبَة أَعَادَهَا اللَّه : أَغَارَ الْعَدُوّ - قَصَمَهُ اللَّه - صَبِيحَة الثَّالِث مِنْ رَمَضَان الْمُعَظَّم سَنَة سَبْع وَعِشْرِينَ وَسِتّمِائَةِ وَالنَّاس فِي أَجْرَانهمْ عَلَى غَفْلَة , فَقَتَلَ وَأَسَرَ , وَكَانَ مِنْ جُمْلَة مَنْ قُتِلَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّه ; فَسَأَلْت شَيْخنَا الْمُقْرِئ الْأُسْتَاذ أَبَا جَعْفَر أَحْمَد الْمَعْرُوف بِأَبِي حِجَّة فَقَالَ ; غَسِّلْهُ وَصَلِّ عَلَيْهِ , فَإِنَّ أَبَاك لَمْ يُقْتَل فِي الْمُعْتَرَك بَيْنَ الصَّفَّيْنِ . ثُمَّ سَأَلْت شَيْخنَا رَبِيع بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَحْمَد بْن رَبِيع بْن أُبَيّ فَقَالَ : إِنَّ حُكْمه حُكْم الْقَتْلَى فِي الْمُعْتَرَك . ثُمَّ سَأَلْت قَاضِيَ الْجَمَاعَة أَبَا الْحَسَن عَلِيّ بْن قطرال وَحَوْلَهُ جَمَاعَة مِنْ الْفُقَهَاء فَقَالُوا : غَسِّلْهُ وَكَفِّنْهُ وَصَلِّ عَلَيْهِ ; فَفَعَلْت . ثُمَّ بَعْد ذَلِكَ وَقَفْت عَلَى الْمَسْأَلَة فِي " التَّبْصِرَة " لِأَبِي الْحَسَن اللَّخْمِيّ وَغَيْرهَا . وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ قَبْل ذَلِكَ مَا غَسَّلْته , وَكُنْت دَفَنْته بِدَمِهِ فِي ثِيَابه . هَذِهِ الْآيَة تَدُلّ عَلَى عَظِيم ثَوَاب الْقَتْل فِي سَبِيل اللَّه وَالشَّهَادَة فِيهِ حَتَّى أَنَّهُ يُكَفِّر الذُّنُوب ; كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الْقَتْل فِي سَبِيل اللَّه يُكَفِّر كُلّ شَيْء إِلَّا الدَّيْن كَذَلِكَ قَالَ لِي جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام آنِفًا ) . قَالَ عُلَمَاؤُنَا ذِكْر الدَّيْن تَنْبِيه عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْحُقُوق الْمُتَعَلِّقَة بِالذِّمَمِ , كَالْغَصْبِ وَأَخْذ الْمَال بِالْبَاطِلِ وَقَتْل الْعَمْد وَجِرَاحه وَغَيْر ذَلِكَ مِنْ التَّبِعَات , فَإِنَّ كُلّ هَذَا أَوْلَى أَلَّا يُغْفَر بِالْجِهَادِ مِنْ الدَّيْن فَإِنَّهُ أَشَدّ , وَالْقِصَاص فِي هَذَا كُلّه بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَات حَسْبَمَا وَرَدَتْ بِهِ السُّنَّة الثَّابِتَة . رَوَى عَبْد اللَّه بْن أُنَيْس قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( يَحْشُرُ اللَّه الْعِبَاد - أَوْ قَالَ النَّاس , شَكَّ هَمَّام , وَأَوْمَأَ بِيَدِهِ إِلَى الشَّام - عُرَاة غُرْلًا بُهْمًا . قُلْنَا : مَا بُهْمٌ ؟ قَالَ : لَيْسَ مَعَهُمْ شَيْء فَيُنَادِيهِمْ بِصَوْتٍ يَسْمَعهُ مَنْ قَرُبَ وَمَنْ بَعُدَ أَنَا الْمَلِك أَنَا الدَّيَّان لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْل الْجَنَّة أَنْ يَدْخُل الْجَنَّة وَأَحَد مِنْ أَهْل النَّار يَطْلُبهُ بِمَظْلِمَةٍ وَلَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ أَهْل النَّار أَنْ يَدْخُل النَّار وَأَحَد مِنْ أَهْل الْجَنَّة يَطْلُبهُ بِمَظْلِمَةٍ حَتَّى اللَّطْمَة . قَالَ قُلْنَا : كَيْفَ وَإِنَّمَا نَأْتِي اللَّه حُفَاة عُرَاة غُرْلًا . قَالَ : بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَات ) . أَخْرَجَهُ الْحَارِث بْن أَبِي أُسَامَة . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أَتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِس ) ؟ . قَالُوا : الْمُفْلِس فِينَا مَنْ لَا دِرْهَم لَهُ وَلَا مَتَاع . فَقَالَ : ( إِنَّ الْمُفْلِس مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة بِصَلَاةٍ وَصِيَام وَزَكَاة وَيَأْتِي قَدْ شَتَمَ هَذَا وَقَذَفَ هَذَا وَأَكَلَ مَال هَذَا وَسَفَكَ دَم هَذَا وَضَرَبَ هَذَا فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاته وَهَذَا مِنْ حَسَنَاته فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاته قَبْل أَنْ يَقْضِيَ مَا عَلَيْهِ أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّار ) . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قُتِلَ فِي سَبِيل اللَّه ثُمَّ أُحْيِي ثُمَّ قُتِلَ ثُمَّ أُحْيِي ثُمَّ قُتِلَ وَعَلَيْهِ دَيْن مَا دَخَلَ الْجَنَّة حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ ) . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( نَفْس الْمُؤْمِن مُعَلَّقَة مَا كَانَ عَلَيْهِ دَيْن ) . وَقَالَ أَحْمَد بْن زُهَيْر : سُئِلَ يَحْيَى بْن مَعِين عَنْ هَذَا الْحَدِيث فَقَالَ : هُوَ صَحِيح . فَإِنْ قِيلَ : فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ بَعْض الشُّهَدَاء لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّة مِنْ حِين الْقَتْل , وَلَا تَكُون أَرْوَاحهمْ فِي جَوْف طَيْر كَمَا ذَكَرْتُمْ , وَلَا يَكُونُونَ فِي قُبُورهمْ , فَأَيْنَ يَكُونُونَ ؟ قُلْنَا : قَدْ وَرَدَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( أَرْوَاح الشُّهَدَاء عَلَى نَهَر بِبَابِ الْجَنَّة يُقَال لَهُ بَارِق يَخْرُج عَلَيْهِمْ رِزْقهمْ مِنْ الْجَنَّة بُكْرَة وَعَشِيًّا ) فَلَعَلَّهُمْ هَؤُلَاءِ . وَاَللَّه أَعْلَم . وَلِهَذَا قَالَ الْإِمَام أَبُو مُحَمَّد بْن عَطِيَّة : وَهَؤُلَاءِ طَبَقَات وَأَحْوَال مُخْتَلِفَة يَجْمَعهَا أَنَّهُمْ " يُرْزَقُونَ " . وَقَدْ أَخْرَجَ الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن يَزِيد بْن مَاجَهْ الْقَزْوِينِيّ فِي سُنَنه عَنْ سُلَيْمِ بْن عَامِر قَالَ : سَمِعْت أَبَا أُمَامَة يَقُول سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( شَهِيد الْبَحْر مِثْل شَهِيدِي الْبَرّ وَالْمَائِد فِي الْبَحْر كَالْمُتَشَحِّطِ فِي دَمه فِي الْبَرّ وَمَا بَيْن الْمَوْجَتَيْنِ كَقَاطِعِ الدُّنْيَا فِي طَاعَة اللَّه وَإِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَكَّلَ مَلَك الْمَوْت بِقَبْضِ الْأَرْوَاح إِلَّا شُهَدَاء الْبَحْر فَإِنَّهُ سُبْحَانه يَتَوَلَّى قَبْض أَرْوَاحهمْ وَيَغْفِر لِشَهِيدِ الْبَرّ الذُّنُوب كُلّهَا إِلَّا الدَّيْنَ وَيَغْفِر لِشَهِيدِ الْبَحْر الذُّنُوب كُلّهَا وَالدَّيْن ) . الدَّيْن الَّذِي يُحْبَس بِهِ صَاحِبه عَنْ الْجَنَّة - وَاَللَّه أَعْلَم - هُوَ الَّذِي قَدْ تَرَكَ لَهُ وَفَاء وَلَمْ يُوصِ بِهِ . أَوْ قَدَرَ عَلَى الْأَدَاء فَلَمْ يُؤَدِّهِ , أَوْ اِدَّانَهُ فِي سَرَف أَوْ فِي سَفَه وَمَاتَ وَلَمْ يُوَفِّهِ . وَأَمَّا مَنْ اِدَّانَ فِي حَقّ وَاجِب لِفَاقَةٍ وَعُسْر وَمَاتَ وَلَمْ يَتْرُك وَفَاء فَإِنَّ اللَّه لَا يَحْبِسهُ عَنْ الْجَنَّة إِنْ شَاءَ اللَّه ; لِأَنَّ عَلَى السُّلْطَان فَرْضًا أَنْ يُؤَدِّي عَنْهُ دَيْنه , إِمَّا مِنْ جُمْلَة الصَّدَقَات , أَوْ مِنْ سَهْم الْغَارِمِينَ , أَوْ مِنْ الْفَيْء الرَّاجِع عَلَى الْمُسْلِمِينَ . قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضَيَاعًا فَعَلَى اللَّه وَرَسُوله وَمَنْ تَرَكَ مَالًا فَلِوَرَثَتِهِ ) . وَقَدْ زِدْنَا هَذَا الْبَاب بَيَانًا فِي كِتَاب ( التَّذْكِرَة ) وَالْحَمْد لِلَّهِ . فِيهِ حَذْف مُضَاف تَقْدِيره عِنْد كَرَامَة رَبّهمْ . و " عِنْد " هُنَا تَقْتَضِي غَايَة الْقُرْب , فَهِيَ كَ ( لَدَى ) وَلِذَلِكَ لَمْ تُصَغَّر فَيُقَال ! عَنِيد ; قَالَ سِيبَوَيْهِ . فَهَذِهِ عِنْدِيَّة الْكَرَامَة لَا عِنْدِيَّة الْمَسَافَة وَالْقُرْب . هُوَ الرِّزْق الْمَعْرُوف فِي الْعَادَات . وَمَنْ قَالَ : هِيَ حَيَاة الذِّكْر قَالَ : يُرْزَقُونَ الثَّنَاء الْجَمِيل . وَالْأَوَّل الْحَقِيقَة . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ الْأَرْوَاح تُدْرِك فِي تِلْكَ الْحَال الَّتِي يَسْرَحُونَ فِيهَا مِنْ رَوَائِح الْجَنَّة وَطِيبهَا وَنَعِيمهَا وَسُرُورهَا مَا يَلِيق بِالْأَرْوَاحِ ; مِمَّا تُرْتَزَق وَتَنْتَعِش بِهِ . وَأَمَّا اللَّذَّات الْجُسْمَانِيَّة فَإِذَا أُعِيدَتْ تِلْكَ الْأَرْوَاح إِلَى أَجْسَادهَا اِسْتَوْفَتْ مِنْ النَّعِيم جَمِيع مَا أَعَدَّ اللَّه لَهَا . وَهَذَا قَوْل حَسَن , وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَوْع مِنْ الْمَجَاز , فَهُوَ الْمُوَافِق لِمَا اِخْتَرْنَاهُ . وَالْمُوَفِّقُ الْإِلَهُ .
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian