صفحات الموقع

سورة آل عمران الآية ١٤

سورة آل عمران الآية ١٤

زُیِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَ ٰ⁠تِ مِنَ ٱلنِّسَاۤءِ وَٱلۡبَنِینَ وَٱلۡقَنَـٰطِیرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَیۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَـٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَ ٰ⁠لِكَ مَتَـٰعُ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ ﴿١٤﴾

التفسير

تفسير السعدي

أخبر تعالى, في هاتين الآيتين, عن حالة الناس, في إيثار الدنيا على الآخرة - وبين التفاوت العظيم, والفرق الجسيم بين الدارين. فأخبر أن الناس, زينت لهم هذه الأمور, فرمقوها بالأبصار, واستحلوها بالقلوب, وعكفت على لذاتها, النفوس. كل طائفة من الناس, تميل إلى نوع من هذه الأنواع, قد جعلوها هي, أكبر همهم, ومبلغ علمهم, وهي - مع هذا - متاع قليل, منقض في مدة يسيرة. فهذا " مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ " .

التفسير الميسر

حُسِّن للناس حبُّ الشهوات من النساء والبنين، والأموال الكثيرة من الذهب والفضة، والخيل الحسان، والأنعام من الإبل والبقر والغنم، والأرض المتَّخَذة للغراس والزراعة. ذلك زهرة الحياة الدنيا وزينتها الفانية. والله عنده حسن المرجع والثواب، وهو الجنَّة.

تفسير الجلالين

"زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبّ الشَّهَوَات" مَا تَشْتَهِيه النَّفْس وَتَدْعُو إلَيْهِ زَيَّنَهَا اللَّه ابْتِلَاء أَوْ الشَّيْطَان "مِنْ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِير" الْأَمْوَال الْكَثِيرَة "الْمُقَنْطَرَة" الْمُجْمَعَة "مِنْ الذَّهَب وَالْفِضَّة وَالْخَيْل الْمُسَوَّمَة" الْحِسَان "وَالْأَنْعَام" أَيْ الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم "وَالْحَرْث" الزَّرْع "ذَلِكَ" الْمَذْكُور "مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا" يَتَمَتَّع بِهِ فِيهَا ثُمَّ يَفْنَى "وَاَللَّه عِنْده حُسْن الْمَآب" الْمَرْجِع وَهُوَ الْجَنَّة فَيَنْبَغِي الرَّغْبَة فِيهِ دُون غَيْره .

تفسير ابن كثير

يُخْبِر تَعَالَى عَمَّا زُيِّنَ لِلنَّاسِ فِي هَذِهِ الْحَيَاة الدُّنْيَا مِنْ أَنْوَاع الْمَلَاذّ مِنْ النِّسَاء وَالْبَنِينَ فَبَدَأَ بِالنِّسَاءِ لِأَنَّ الْفِتْنَة بِهِنَّ أَشَدّ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح أَنَّهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَا تَرَكْت بَعْدِي فِتْنَة أَضَرّ عَلَى الرِّجَال مِنْ النِّسَاء " فَأَمَّا إِذَا كَانَ الْقَصْد بِهِنَّ الْإِعْفَاف وَكَثْرَة الْأَوْلَاد فَهَذَا مَطْلُوب مَرْغُوب فِيهِ مَنْدُوب إِلَيْهِ كَمَا وَرَدَتْ الْأَحَادِيث بِالتَّرْغِيبِ فِي التَّزْوِيج وَالِاسْتِكْثَار مِنْهُ وَإِنَّ خَيْر هَذِهِ الْأُمَّة مَنْ كَانَ أَكْثَرهَا نِسَاء وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " الدُّنْيَا مَتَاع وَخَيْر مَتَاعهَا الْمَرْأَة الصَّالِحَة إِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ وَإِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ وَإِنْ غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ فِي نَفْسهَا وَمَاله " وَقَوْله فِي الْحَدِيث الْآخَر " حُبِّبَ إِلَيَّ النِّسَاء وَالطِّيب وَجُعِلَتْ قُرَّة عَيْنِي فِي الصَّلَاة " وَقَالَتْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا : لَمْ يَكُنْ شَيْء أَحَبّ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النِّسَاء إِلَّا الْخَيْل وَفِي رِوَايَة : مِنْ الْخَيْل إِلَّا النِّسَاء . وَحُبّ الْبَنِينَ تَارَة يَكُون لِلتَّفَاخُرِ وَالزِّينَة فَهُوَ دَاخِل فِي هَذَا وَتَارَة يَكُون لِتَكْثِيرِ النَّسْل وَتَكْثِير أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ يَعْبُد اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ فَهَذَا مَحْمُود مَمْدُوح كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيث " تَزَوَّجُوا الْوَدُود الْوَلُود فَإِنِّي مُكَاثِر بِكُمْ الْأُمَم يَوْم الْقِيَامَة " وَحُبّ الْمَال كَذَلِكَ تَارَة يَكُون لِلْفَخْرِ وَالْخُيَلَاء وَالتَّكَبُّر عَلَى الضُّعَفَاء وَالتَّجَبُّر عَلَى الْفُقَرَاء فَهَذَا مَذْمُوم وَتَارَة يَكُون لِلنَّفَقَةِ فِي الْقُرُبَات وَصِلَة الْأَرْحَام وَالْقَرَابَات وَوُجُوه الْبِرّ وَالطَّاعَات فَهَذَا مَمْدُوح مَحْمُود شَرْعًا . وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي مِقْدَار الْقِنْطَار عَلَى أَقْوَال وَحَاصِلهَا أَنَّهُ الْمَال الْجَزِيل كَمَا قَالَهُ الضَّحَّاك وَغَيْره وَقِيلَ : أَلْف دِينَار وَقِيلَ أَلْف وَمِائَتَا دِينَار وَقِيلَ اِثْنَا عَشَرَ أَلْفًا وَقِيلَ أَرْبَعُونَ أَلْفًا وَقِيلَ سِتُّونَ أَلْفًا وَقِيلَ سَبْعُونَ أَلْفًا وَقِيلَ ثَمَانُونَ أَلْفًا وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ : وَقَدْ قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا عَبْد الصَّمَد حَدَّثَنَا حَمَّاد عَنْ عَاصِم عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " الْقِنْطَار اِثْنَا عَشَر أَلْف أُوقِيَّة كُلّ أُوقِيَّة خَيْر مِمَّا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض " وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ عَبْد الصَّمَد بْن عَبْد الْوَارِث عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة بِهِ وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن جَرِير عَنْ بُنْدَار عَنْ اِبْن مَهْدِيّ عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَاصِم بْن بَهْدَلَة عَنْ أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَوْقُوفًا كَرِوَايَةِ وَكِيع فِي تَفْسِيره حَيْثُ قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَاصِم بْن بَهْدَلَة عَنْ ذَكْوَان أَبِي صَالِح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ " الْقِنْطَار اِثْنَا عَشَر أَلْف أُوقِيَّة الْأُوقِيَّة خَيْر مِمَّا بَيْن السَّمَاء وَالْأَرْض " هَذَا أَصَحّ وَهَكَذَا رَوَاهُ اِبْن جَرِير عَنْ مُعَاذ بْن جَبَل وَابْن عُمَر وَحَكَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة وَأَبِي الدَّرْدَاء أَنَّهُمْ قَالُوا : الْقِنْطَار أَلْف وَمِائَتَا أُوقِيَّة . ثُمَّ قَالَ اِبْن جَرِير رَحِمَهُ اللَّه : حَدَّثَنَا زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى الضَّرِير حَدَّثَنَا شَبَابَة حَدَّثَنَا مَخْلَد بْن عَبْد الْوَاحِد عَنْ عَلِيّ بْن زَيْد عَنْ عَطَاء بْن أَبِي مَيْمُونَة عَنْ زِرّ بْن حُبَيْش عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " الْقِنْطَار أَلْف أُوقِيَّة وَمِائَتَا أُوقِيَّة" وَهَذَا حَدِيث مُنْكَر أَيْضًا وَالْأَقْرَب أَنْ يَكُون مَوْقُوفًا عَلَى أُبَيّ بْن كَعْب كَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَة . وَقَدْ رَوَى اِبْن مَرْدُوَيه مِنْ طَرِيق مُوسَى بْن عُبَيْدَة الرَّبَذِيّ عَنْ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم عَنْ مُوسَى عَنْ أُمّ الدَّرْدَاء عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ قَرَأَ مِائَة آيَة لَمْ يُكْتَب مِنْ الْغَافِلِينَ وَمَنْ قَرَأَ مِائَة آيَة إِلَى أَلْف أَصْبَحَ لَهُ قِنْطَار مِنْ الْأَجْر عِنْد اللَّه الْقِنْطَار مِنْهُ مِثْل الْجَبَل الْعَظِيم " وَرَوَاهُ وَكِيع عَنْ مُوسَى بْن عُبَيْدَة بِمَعْنَاهُ. وَقَالَ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه : حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن يَعْقُوب حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن عِيسَى بْن زَيْد اللَّخْمِيّ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن أَبِي سَلَمَة حَدَّثَنَا زُهَيْر بْن مُحَمَّد حَدَّثَنَا حُمَيْد الطَّوِيل وَرَجُل آخَر عَنْ أَنَس بْن مَالِك قَالَ : سُئِلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْل اللَّه تَعَالَى " وَالْقَنَاطِير الْمُقَنْطَرَة " ؟ قَالَ : " الْقِنْطَار أَلْفَا أُوقِيَّة " صَحِيح عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ هَكَذَا رَوَاهُ الْحَاكِم وَقَدْ رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم بِلَفْظٍ آخَر فَقَالَ أَنْبَأَنَا أَحْمَد بْن عَبْد الرَّحْمَن الرَّقِّيّ أَنْبَأَنَا عَمْرو بْن أَبِي سَلَمَة أَنْبَأَنَا زُهَيْر يَعْنِي اِبْن مُحَمَّد أَنْبَأَنَا حُمَيْد الطَّوِيل وَرَجُل آخَر قَدْ سَمَّاهُ يَعْنِي يَزِيد الرَّقَاشِيّ عَنْ أَنَس عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ فِي قَوْله " قِنْطَار يَعْنِي أَلْف دِينَار " وَهَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَبِي مَرْيَم عَنْ عَمْرو بْن أَبِي سَلَمَة فَذَكَرَ بِإِسْنَادِهِ مِثْله سَوَاء . وَرَوَى اِبْن جَرِير عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ عَنْهُ مُرْسَلًا أَوْ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ : الْقِنْطَار أَلْف وَمِائَتَا دِينَار وَهُوَ رِوَايَة الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ الضَّحَّاك : مِنْ الْعَرَب مَنْ يَقُول الْقِنْطَار أَلْف وَمِائَتَا دِينَار وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُول : اِثْنَا عَشَر أَلْفًا . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عَارِم عَنْ حَمَّاد عَنْ سَعِيد الْحَرَسِيّ عَنْ أَبِي نَضْرَة عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ : الْقِنْطَار مِلْء مَسْك الثَّوْر ذَهَبًا قَالَ أَبُو مُحَمَّد : وَرَوَاهُ مُحَمَّد بْن مُوسَى الْحَرَسِيّ عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد مَرْفُوعًا وَالْمَوْقُوف أَصَحّ . " وَحُبّ الْخَيْل عَلَى ثَلَاثَة أَقْسَام " تَارَة يَكُون رَبَطَهَا أَصْحَابهَا مُعَدَّة لِسَبِيلِ اللَّه مَتَى اِحْتَاجُوا إِلَيْهَا غَزَوْا عَلَيْهَا فَهَؤُلَاءِ يُثَابُونَ وَتَارَة تُرْبَط فَخْرًا وَنِوَاءً لِأَهْلِ الْإِسْلَام فَهَذِهِ عَلَى صَاحِبهَا وِزْر وَتَارَة لِلتَّعَفُّفِ وَاقْتِنَاء نَسْلهَا وَلَمْ يَنْسَ حَقّ اللَّه فِي رِقَابهَا فَهَذِهِ لِصَاحِبِهَا سِتْر كَمَا سَيَأْتِي الْحَدِيث بِذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى عِنْد قَوْله تَعَالَى " وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اِسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّة وَمِنْ رِبَاط الْخَيْل " الْآيَة : وَأَمَّا الْمُسَوَّمَة فَعَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا : الْمُسَوَّمَة الرَّاعِيَة وَالْمُطَهَّمَة الْحِسَان وَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَعَبْد الرَّحْمَن بْن عَبْد اللَّه بْن أَبْزَى وَالسُّدِّيّ وَالرَّبِيع بْن أَنَس وَأَبِي سِنَان وَغَيْرهمْ . وَقَالَ مَكْحُول : الْمُسَوَّمَة الْغُرَّة وَالتَّحْجِيل وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ . وَقَدْ قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ عَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ سُوَيْد بْن قَيْس عَنْ مُعَاوِيَة بْن خَدِيج عَنْ أَبِي ذَرّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَيْسَ مِنْ فَرَس عَرَبِيّ إِلَّا يُؤْذَن لَهُ مَعَ كُلّ فَجْر يَدْعُو بِدَعْوَتَيْنِ يَقُول : اللَّهُمَّ إِنَّك خَوَّلْتنِي مَنْ خَوَّلْتنِي مِنْ بَنِي آدَم فَاجْعَلْنِي مِنْ أَحَبّ مَاله وَأَهْله إِلَيْهِ أَوْ أَحَبّ أَهْله وَمَاله إِلَيْهِ " وَقَوْله تَعَالَى " وَالْأَنْعَام " يَعْنِي الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم " وَالْحَرْث " يَعْنِي الْأَرْض الْمُتَّخَذَة لِلْغِرَاسِ وَالزِّرَاعَة . وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا رَوْح بْن عُبَادَة حَدَّثَنَا أَبُو نَعَامَة الْعَدَوِيّ عَنْ مُسْلِم بْن بُدَيْل عَنْ إِيَاس بْن زُهَيْر عَنْ سُوَيْد بْن هُبَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآله وَسَلَّمَ قَالَ " خَيْر مَال اِمْرِئٍ لَهُ مُهْرَة مَأْمُورَة أَوْ سِكَّة مَأْبُورَة " الْمَأْمُورَة الْكَثِيرَة النَّسْل وَالسِّكَّة النَّخْل الْمُصْطَفّ وَالْمَأْبُورَة الْمُلَقَّحَة. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " ذَلِكَ مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا " أَيْ إِنَّمَا هَذَا زَهْرَة الْحَيَاة الدُّنْيَا وَزِينَتهَا الْفَانِيَة الزَّائِلَة " وَاَللَّه عِنْده حُسْنُ الْمَآب " أَيْ حُسْن الْمَرْجِع وَالثَّوَاب . وَقَدْ قَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد حَدَّثَنَا جَرِير عَنْ عَطَاء عَنْ أَبِي بَكْر بْن حَفْص بْن عُمَر بْن سَعْد قَالَ : قَالَ عُمَر بْن الْخَطَّاب لَمَّا نَزَلَتْ " زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبّ الشَّهَوَات " قُلْت : الْآنَ يَا رَبّ حِينَ زَيَّنَتْهَا لَنَا فَنَزَلَتْ " قُلْ أَؤُنَبّئُكُم بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اِتَّقُوا " الْآيَة .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالْخَيْل الْمُسَوَّمَة } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْمُسَوَّمَة , فَقَالَ بَعْضهمْ : هِيَ الرَّاعِيَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5292 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : الْخَيْل الْمُسَوَّمَة , قَالَ : الرَّاعِيَة الَّتِي تَرْعَى . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ حَبِيب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , مِثْله . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو نُعَيْم , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ حَبِيب , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , مِثْله . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا سُفْيَان , عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر : هِيَ الرَّاعِيَة , يَعْنِي السَّائِمَة . 5293 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ طَلْحَة الْقَنَّاد , قَالَ : سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبْزَى يَقُول : الرَّاعِيَة . 5294 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَالْخَيْل الْمُسَوَّمَة } قَالَ : الرَّاعِيَة . 5295 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , عَنْ الْحَسَن : { وَالْخَيْل الْمُسَوَّمَة } الْمُسَوَّمَة فِي الرَّعْي . 5296 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع قَوْله : { وَالْخَيْل الْمُسَوَّمَة } قَالَ : الْخَيْل الرَّاعِيَة . 5297 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ لَيْث , عَنْ مُجَاهِد أَنَّهُ كَانَ يَقُول : الْخَيْل الرَّاعِيَة . وَقَالَ آخَرُونَ : الْمُسَوَّمَة : الْحِسَان . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5298 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ ثنا سُفْيَان , عَنْ حَبِيب , قَالَ : قَالَ مُجَاهِد : الْمُسَوَّمَة : الْمُطَهَّمَة . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَالْخَيْل الْمُسَوَّمَة } قَالَ : الْمُطَهَّمَة الْحِسَان . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ ثنا عِيسَى . عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { وَالْخَيْل الْمُسَوَّمَة } قَالَ : الْمُطَهَّمَة حُسْنًا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو نُعَيْم , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ حَبِيب , عَنْ مُجَاهِد : الْمُطَهَّمَة . 5299 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا أَبُو عَبْد الرَّحْمَن الْمُقْرِي , قَالَ ثنا سَعِيد بْن أَبِي أَيُّوب , عَنْ بَشِير بْن أَبِي عَمْرو الْخَوْلَانِيّ , قَالَ : سَأَلْت عِكْرِمَة عَنْ الْخَيْل الْمُسَوَّمَة , قَالَ : تَسْوِيمهَا : حُسْنهَا . * - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيد بْن أَبِي أَيُّوب , عَنْ بَشِير بْن أَبِي عَمْرو الْخَوْلَانِيّ , قَالَ : سَمِعْت عِكْرِمَة يَقُول : { الْخَيْل الْمُسَوَّمَة } قَالَ : تَسْوِيمهَا : الْحُسْن . 5300 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَالْخَيْل الْمُسَوَّمَة وَالْأَنْعَام } الرَّائِعَة . وَقَدْ حَدَّثَنِي بِهَذَا الْحَدِيث عَنْ عَمْرو بْن حَمَّاد غَيْر مُوسَى , قَالَ : الرَّاعِيَة . وَقَالَ آخَرُونَ : { الْخَيْل الْمُسَوَّمَة } الْمُعَلَّمَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5301 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن دَاوُد , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَالْخَيْل الْمُسَوَّمَة } يَعْنِي : الْمُعَلَّمَة . 5302 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَالْخَيْل الْمُسَوَّمَة } وَسِيمَاهَا شِيَتهَا . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { وَالْخَيْل الْمُسَوَّمَة } قَالَ : شِيَة الْخَيْل فِي وُجُوههَا . وَقَالَ غَيْرهمْ : الْمُسَوَّمَة : الْمُعَدَّة لِلْجِهَادِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 5303 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد { وَالْخَيْل الْمُسَوَّمَة } قَالَ : الْمُعَدَّة لِلْجِهَادِ . قَالَ أَبُو جَعْفَر : أَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَالْخَيْل الْمُسَوَّمَة } الْمُعَلَّمَة بِالشِّيَاتِ الْحِسَان الرَّائِعَة حُسْنًا مَنْ رَآهَا , لِأَنَّ التَّسْوِيم . فِي كَلَام الْعَرَب : هُوَ الْإِعْلَام , فَالْخَيْل الْحِسَان مُعَلَّمَة بِإِعْلَامِ إِيَّاهَا بِالْحُسْنِ مِنْ أَلْوَانهَا وَشِيَاتهَا وَهَيْئَاتهَا , وَهِيَ الْمُطَهَّمَة أَيْضًا , وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل نَابِغَة بَنِي ذُبْيَان فِي صِفَة الْخَيْل : بِسُمْرٍ كَالْقِدَاحِ مُسَوَّمَات عَلَيْهَا مَعْشَر أَشْبَاه جِنّ يَعْنِي بِالْمُسَوَّمَاتِ : الْمُعَلَّمَات ; وَقَوْل لَبِيد : وَغَدَاة قَاع الْقَرْنَتَيْنِ أَتَيْنَهُمْ زَجَلًا يَلُوح خِلَالهَا التَّسْوِيم فَمَعْنَى تَأْوِيل مَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ : الْمُطَهَّمَة , وَالْمُعَلَّمَة , وَالرَّائِعَة وَاحِد . وَأَمَّا قَوْل مَنْ تَأَوَّلَهُ بِمَعْنَى الرَّاعِيَة فَإِنَّهُ ذَهَبَ إِلَى قَوْل الْقَائِل : أَسَمْت الْمَاشِيَة فَأَنَا أُسِيمهَا إِسَامَة : إِذَا رَعَيْتهَا الْكَلَأ وَالْعُشْب , كَمَا قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { وَمِنْهُ شَجَر فِيهِ تُسِيمُونَ } 16 10 بِمَعْنَى تَرْعَوْنَ , وَمِنْهُ قَوْل الْأَخْطَل : مِثْل اِبْن بَزْعَة أَوْ كَآخَرَ مِثْله أَوْلَى لَك اِبْن مُسِيمَة الْأَجْمَال يَعْنِي بِذَلِكَ رَاعِيَة الْأَجْمَال , فَإِذَا أُرِيد أَنَّ الْمَاشِيَة هِيَ الَّتِي رَعَتْ , قِيلَ : سَامَتْ الْمَاشِيَة تَسُوم سَوْمًا , وَلِذَلِكَ قِيلَ : إِبِل سَائِمَة , بِمَعْنَى رَاعِيَة , غَيْر أَنَّهُ مُسْتَفِيض فِي كَلَامهمْ سَوَّمْت الْمَاشِيَة , بِمَعْنَى أَرْعَيْتهَا , وَإِنَّمَا يُقَال إِذَا أُرِيدَ ذَلِكَ : أَسَمْتهَا . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَتَوْجِيه تَأْوِيل الْمُسَوَّمَة إِلَى أَنَّهَا الْمُعَلَّمَة بِمَا وَصَفْنَا مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرهَا أَصَحّ . وَأَمَّا الَّذِي قَالَهُ اِبْن زَيْد مِنْ أَنَّهَا الْمُعَدَّة فِي سَبِيل اللَّه , فَتَأْوِيل مِنْ مَعْنَى الْمُسَوَّمَة بِمَعْزِلٍ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالْأَنْعَام وَالْحَرْث } فَالْأَنْعَام جَمْع نَعَم : وَهِيَ الْأَزْوَاج الثَّمَانِيَة الَّتِي ذَكَرَهَا فِي كِتَابه مِنْ الضَّأْن وَالْمَعْز وَالْبَقَر وَالْإِبِل . وَأَمَّا الْحَرْث : فَهُوَ الزَّرْع . وَتَأْوِيل الْكَلَام : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبّ الشَّهَوَات مِنْ النِّسَاء وَمِنْ الْبَنِينَ , وَمِنْ كَذَا وَمِنْ كَذَا , وَمِنْ الْأَنْعَام وَالْحَرْث . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا } يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : ذَلِكَ جَمِيع مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَة مِنْ النِّسَاء وَالْبَنِينَ , وَالْقَنَاطِير الْمُقَنْطَرَة مِنْ الذَّهَب وَالْفِضَّة , وَالْخَيْل الْمُسَوَّمَة , وَالْأَنْعَام وَالْحَرْث , فَكَنَّى بِقَوْلِهِ " ذَلِكَ " عَنْ جَمْعهنَّ , وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ " ذَلِكَ " يَشْتَمِل عَلَى الْأَشْيَاء الْكَثِيرَة الْمُخْتَلِفَة الْمَعَانِي , وَيُكَنَّى بِهِ عَنْ جَمِيع ذَلِكَ . وَأَمَّا قَوْله : { مَتَاع الْحَيَاة الدُّنْيَا } فَإِنَّهُ خَبَر مِنْ اللَّه عَنْ أَنَّ ذَلِكَ كُلّه مِمَّا يَسْتَمْتِع بِهِ فِي الدُّنْيَا أَهْلهَا أَحْيَاء , فَيَتَبَلَّغُونَ بِهِ فِيهَا , وَيَجْعَلُونَهُ وَصْلَة فِي مَعَايِشهمْ , وَسَبَبًا لِقَضَاءِ شَهَوَاتهمْ , الَّتِي زُيِّنَ لَهُمْ حُبّهَا , فِي عَاجِل دُنْيَاهُمْ , دُون أَنْ يَكُون عُدَّة لِمَعَادِهِمْ , وَقُرْبَة لَهُمْ إِلَى رَبّهمْ , إِلَّا مَا أَسْلَكَ فِي سَبِيله , وَأَنْفَقَ مِنْهُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ . وَأَمَّا قَوْله : { وَاَللَّه عِنْده حُسْن الْمَآب } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَعِنْد اللَّه حُسْن الْمَآب , يَعْنِي حُسْن الْمَرْجِع . كَمَا : 5304 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَاَللَّه عِنْده حُسْن الْمَآب } يَقُول : حُسْن الْمُنْقَلَب , وَهِيَ الْجَنَّة . وَهُوَ مَصْدَر عَلَى مِثَال مَفْعَل , مِنْ قَوْل الْقَائِل : آبَ الرَّجُل إِلَيْنَا : إِذَا رَجَعَ , فَهُوَ يَئُوب إِيَابًا وَأَوْبَة وَأَيْبَة وَمَآبًا , غَيْر أَنَّ مَوْضِع الْفَاء مِنْهَا مَهْمُوز , وَالْعَيْن مُبْدَلَة مِنْ الْوَاو إِلَى الْأَلِف بِحَرَكَتِهَا إِلَى الْفَتْح , فَلَمَّا كَانَ حَظّهَا الْحَرَكَة إِلَى الْفَتْح , وَكَانَتْ حَرَكَتهَا مَنْقُولَة إِلَى الْحَرْف الَّذِي قَبْلهَا وَهُوَ فَاء الْفِعْل اِنْقَلَبَتْ فَصَارَتْ أَلِفًا , كَمَا قِيلَ : قَالَ : فَصَارَتْ عَيْن الْفِعْل أَلِفًا , لِأَنَّ حَظّهَا الْفَتْح وَالْمَآب , مِثْل الْمَقَال وَالْمَعَاد وَالْمَحَال , كُلّ ذَلِكَ مَفْعَل , مَنْقُولَة حَرَكَة عَيْنه إِلَى فَائِهِ , فَتَصِير وَاوه أَوْ يَاؤُهُ أَلِفًا لِفَتْحَةِ مَا قَبْلهَا . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ قِيلَ : { وَاَللَّه عِنْده حُسْن الْمَآب } وَقَدْ عَلِمْت مَا عِنْده يَوْمئِذٍ مِنْ أَلِيم الْعَذَاب وَشَدِيد الْعِقَاب ؟ قِيلَ : إِنَّ ذَلِكَ مَعْنِيّ بِهِ خَاصّ مِنْ النَّاس , وَمَعْنَى ذَلِكَ : وَاَللَّه عِنْده حُسْن الْمَآب لِلَّذِينَ اِتَّقَوْا رَبّهمْ , وَقَدْ أَنْبَأَنَا عَنْ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَة الَّتِي تَلِيهَا . فَإِنْ قَالَ : وَمَا حُسْن الْمَآب ؟ قِيلَ : هُوَ مَا وَصَفَهُ بِهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ , وَهُوَ الْمَرْجِع إِلَى جَنَّات تَجْرِي مِنْ تَحْتهَا الْأَنْهَار مُخَلَّدًا فِيهَا , وَإِلَى أَزْوَاج مُطَهَّرَة وَرِضْوَان مِنْ اللَّه .

تفسير القرطبي

زُيِّنَ مِنْ التَّزْيِين وَاخْتَلَفَ النَّاس مَنْ الْمُزَيِّن ; فَقَالَتْ فِرْقَة : اللَّه زَيَّنَ ذَلِكَ ; وَهُوَ ظَاهِر قَوْل عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ . وَفِي التَّنْزِيل : " إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْض زِينَة لَهَا " [ الْكَهْف : 7 ] ; وَلَمَّا قَالَ عُمَر : الْآن يَا رَبّ حِينَ زَيَّنْتهَا لَنَا نَزَلَتْ : " قُلْ أَؤُنَبِّئكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ " [ آل عِمْرَان : 15 ] وَقَالَتْ فِرْقَة : الْمُزَيِّن هُوَ الشَّيْطَان ; وَهُوَ ظَاهِر قَوْل الْحَسَن , فَإِنَّهُ قَالَ : مَنْ زَيَّنَهَا ؟ مَا أَحَد أَشَدّ لَهَا ذَمًّا مِنْ خَالِقهَا . فَتَزْيِين اللَّه تَعَالَى إِنَّمَا هُوَ بِالْإِيجَادِ وَالتَّهْيِئَة لِلِانْتِفَاعِ وَإِنْشَاء الْجِبِلَّة عَلَى الْمَيْل إِلَى هَذِهِ الْأَشْيَاء . وَتَزْيِين الشَّيْطَان إِنَّمَا هُوَ بِالْوَسْوَسَةِ وَالْخَدِيعَة وَتَحْسِين أَخْذهَا مِنْ غَيْر وُجُوههَا . وَالْآيَة عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ اِبْتِدَاء وَعْظ لِجَمِيعِ النَّاس , وَفِي ضِمْن ذَلِكَ تَوْبِيخ لِمُعَاصِرِي مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْيَهُود وَغَيْرهمْ . وَقَرَأَ الْجُمْهُور " زُيِّنَ " عَلَى بِنَاء الْفِعْل لِلْمَفْعُولِ , وَرُفِعَ " حُبّ " . وَقَرَأَ الضَّحَّاك وَمُجَاهِد " زُيِّنَ " عَلَى بِنَاء الْفِعْل لِلْفَاعِلِ , وَنَصْب " حُبّ " وَحُرِّكَتْ الْهَاء مِنْ " الشَّهَوَات " فَرْقًا بَيْن الِاسْم وَالنَّعْت وَالشَّهَوَات جَمْع شَهْوَة وَهِيَ مَعْرُوفَة وَرَجُل شَهْوَان لِلشَّيْءِ , وَشَيْء شَهِيّ أَيْ مُشْتَهًى وَاتِّبَاع الشَّهَوَات مُرْدٍ وَطَاعَتهَا مَهْلَكَة . وَفِي صَحِيح مُسْلِم : ( حُفَّتْ الْجَنَّة بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّار بِالشَّهَوَاتِ ) رَوَاهُ أَنَس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَفَائِدَة هَذَا التَّمْثِيل أَنَّ الْجَنَّة لَا تُنَال إِلَّا بِقَطْعِ مَفَاوِز الْمَكَارِه وَبِالصَّبْرِ عَلَيْهَا . وَأَنَّ النَّار لَا يُنْجَى مِنْهَا إِلَّا بِتَرْكِ الشَّهَوَات وَفِطَام النَّفْس عَنْهَا . وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( طَرِيق الْجَنَّة حَزْن بِرَبْوَةٍ وَطَرِيق النَّار سَهْل بِسَهْوَةٍ . .. ) ; وَهُوَ مَعْنَى قَوْله ( حُفَّتْ الْجَنَّة بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّار بِالشَّهَوَاتِ ) . أَيْ طَرِيق الْجَنَّة صَعْبَة الْمَسْلَك فِيهِ أَعْلَى مَا يَكُون مِنْ الرَّوَابِي , وَطَرِيق النَّار سَهْل لَا غِلَظ فِيهِ وَلَا وُعُورَة , وَهُوَ مَعْنَى قَوْله ( سَهْل بِسَهْوَةٍ ) وَهُوَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَة . بَدَأَ بِهِنَّ لِكَثْرَةِ تَشَوُّف النُّفُوس إِلَيْهِنَّ ; لِأَنَّهُنَّ حَبَائِل الشَّيْطَان وَفِتْنَة الرِّجَال . قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا تَرَكْت بَعْدِي فِتْنَة أَشَدّ عَلَى الرِّجَال مِنْ النِّسَاء ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم . فَفِتْنَة النِّسَاء أَشَدّ مِنْ جَمِيع الْأَشْيَاء . وَيُقَال : فِي النِّسَاء فِتْنَتَانِ , وَفِي الْأَوْلَاد فِتْنَة وَاحِدَة . فَأَمَّا اللَّتَانِ فِي النِّسَاء فَإِحْدَاهُمَا أَنْ تُؤَدِّي إِلَى قَطْع الرَّحِم ; لِأَنَّ الْمَرْأَة تَأْمُر زَوْجهَا بِقَطْعِهِ عَنْ الْأُمَّهَات وَالْأَخَوَات وَالثَّانِيَة يُبْتَلَى بِجَمْعِ الْمَال مِنْ الْحَلَال وَالْحَرَام . وَأَمَّا الْبَنُونَ فَإِنَّ الْفِتْنَة فِيهِمْ وَاحِدَة وَهُوَ مَا اُبْتُلِيَ بِجَمْعِ الْمَال لِأَجْلِهِمْ . وَرَوَى عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تُسْكِنُوا نِسَاءَكُمْ الْغُرَف وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ الْكِتَاب ) . حَذَّرَهُمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّ فِي إِسْكَانهنَّ الْغُرَف تَطَلُّعًا إِلَى الرِّجَال , وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَحْصِين لَهُنَّ وَلَا سِتْر ; لِأَنَّهُنَّ قَدْ يَشْرُفْنَ عَلَى الرِّجَال فَتَحْدُث الْفِتْنَة وَالْبَلَاء , وَلِأَنَّهُنَّ قَدْ خُلِقْنَ مِنْ الرَّجُل ; فَهِمَّتهَا فِي الرَّجُل وَالرَّجُل خُلِقَ فِيهِ الشَّهْوَة وَجُعِلَتْ سَكَنًا لَهُ ; فَغَيْر مَأْمُون كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبه . وَفِي تَعَلُّمهنَّ الْكِتَاب هَذَا الْمَعْنَى مِنْ الْفِتْنَة وَأَشَدّ . وَفِي كِتَاب الشِّهَاب عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( أَعْرُوا النِّسَاء يَلْزَمْنَ الْحِجَال ) . فَعَلَى الْإِنْسَان إِذَا لَمْ يَصْبِر فِي هَذِهِ الْأَزْمَان أَنْ يَبْحَث عَنْ ذَات الدِّين لِيَسْلَم لَهُ الدِّين ; قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( عَلَيْك بِذَاتِ الدِّين تَرِبَتْ يَدَاك ) أَخْرَجَهُ مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة . وَفِي سُنَن اِبْن مَاجَهْ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَزَوَّجُوا النِّسَاء لِحُسْنِهِنَّ فَعَسَى حُسْنهنَّ أَنْ يُرْدِيَهِنَّ وَلَا تَزَوَّجُوهُنَّ لِأَمْوَالِهِنَّ فَعَسَى أَمْوَالهنَّ أَنْ تُطْغِيَهِنَّ وَلَكِنْ تَزَوَّجُوهُنَّ , عَلَى الدِّين وَلَأَمَة سَوْدَاء خَرْمَاء ذَات دِين أَفْضَل ) . عُطِفَ عَلَى مَا قَبْله . وَوَاحِد مِنْ الْبَنِينَ اِبْن . قَالَ اللَّه تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ نُوح : ( إِنَّ اِبْنِي مِنْ أَهْلِي ) . وَتَقُول فِي التَّصْغِير " بُنَيّ " كَمَا قَالَ لُقْمَان . وَفِي الْخَبَر أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْأَشْعَثِ بْن قَيْس : ( هَلْ لَك مِنْ اِبْنَة حَمْزَة مِنْ وَلَد ) ؟ قَالَ : نَعَمْ , لِي مِنْهَا غُلَام وَلَوَدِدْت أَنَّ لِي بِهِ جَفْنَة مِنْ طَعَام أُطْعِمهَا مَنْ بَقِيَ مِنْ بَنِي جَبَلَة . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَئِنْ قُلْت ذَلِكَ إِنَّهُمْ لَثَمَرَة الْقُلُوب وَقُرَّة الْأَعْيُن وَإِنَّهُمْ مَعَ ذَلِكَ لَمَجْبَنَة مَبْخَلَة مَحْزَنَة ) . الْقَنَاطِير جَمْع قِنْطَار , كَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا " [ النِّسَاء : 20 ] وَهُوَ الْعُقْدَة الْكَبِيرَة مِنْ الْمَال , وَقِيلَ : هُوَ اِسْم لِلْمِعْيَارِ الَّذِي يُوزَن بِهِ ; كَمَا هُوَ الرِّطْل وَالرُّبْع . وَيُقَال لِمَا بَلَغَ ذَلِكَ الْوَزْن : هَذَا قِنْطَار , أَيْ يَعْدِل الْقِنْطَار . وَالْعَرَب تَقُول : قَنْطَرَ الرَّجُل إِذَا بَلَغَ مَاله أَنْ يُوزَن بِالْقِنْطَارِ . وَقَالَ الزَّجَّاج : الْقِنْطَار مَأْخُوذ مِنْ عَقْد الشَّيْء وَإِحْكَامه ; تَقُول الْعَرَب : قَنْطَرْت الشَّيْء إِذَا أَحْكَمْته ; وَمِنْهُ سُمِّيَتْ الْقَنْطَرَة لِإِحْكَامِهَا . قَالَ طَرَفَة : كَقَنْطَرَةِ الرُّومِيِّ أَقْسَمَ رَبُّهَا لَتُكْتَنَفَنْ حَتَّى تُشَادَ بِقَرْمَدِ وَالْقَنْطَرَة الْمَعْقُودَة ; فَكَأَنَّ الْقِنْطَار عَقْد مَال . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي تَحْرِير حَدّه كَمْ هُوَ عَلَى أَقْوَال عَدِيدَة ; فَرَوَى أُبَيّ بْن كَعْب عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( الْقِنْطَار أَلْف أُوقِيَّة وَمِائَتَانِ أُوقِيَّة ) ; وَقَالَ بِذَلِكَ مُعَاذ بْن جَبَل وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر وَأَبُو هُرَيْرَة وَجَمَاعَة مِنْ الْعُلَمَاء . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : " وَهُوَ أَصَحّ الْأَقْوَال , لَكِنَّ الْقِنْطَار عَلَى هَذَا يَخْتَلِف بِاخْتِلَافِ الْبِلَاد فِي قَدْر الْأُوقِيَّة " . وَقِيلَ : اِثْنَا عَشَر أَلْف أُوقِيَّة ; أَسْنَدَهُ الْبُسْتِيّ فِي مُسْنَده الصَّحِيح عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " الْقِنْطَار اِثْنَا عَشَر أَلْف أُوقِيَّة الْأُوقِيَّة خَيْر مِمَّا بَيْنَ السَّمَاء وَالْأَرْض " . وَقَالَ بِهَذَا الْقَوْل أَبُو هُرَيْرَة أَيْضًا . وَفِي مُسْنَد أَبِي مُحَمَّد الدَّارِمِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ قَالَ : " مَنْ قَرَأَ فِي لَيْلَة عَشْر آيَات كُتِبَ مِنْ الذَّاكِرِينَ , وَمَنْ قَرَأَ بِمِائَةِ آيَة كُتِبَ مِنْ الْقَانِتِينَ , وَمَنْ قَرَأَ بِخَمْسِمِائَةِ آيَة إِلَى الْأَلْف أَصْبَحَ وَلَهُ قِنْطَار مِنْ الْأَجْر " قِيلَ : وَمَا الْقِنْطَار ؟ قَالَ : " مِلْء مَسْك ثَوْر ذَهَبًا " . مَوْقُوف ; وَقَالَ بِهِ أَبُو نَضْرَة الْعَبْدِيّ . وَذَكَرَ اِبْن سِيدَهْ أَنَّهُ هَكَذَا بِالسُّرْيَانِيَّةِ . وَقَالَ النَّقَّاش عَنْ اِبْن الْكَلْبِيّ أَنَّهُ هَكَذَا بِلُغَةِ الرُّوم . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَالضَّحَّاك وَالْحَسَن : أَلْف وَمِائَتَا مِثْقَال مِنْ الْفِضَّة ; وَرَفَعَهُ الْحَسَن . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس : اِثْنَا عَشَر أَلْف دِرْهَم مِنْ الْفِضَّة , وَمِنْ الذَّهَب أَلْف دِينَار دِيَة الرَّجُل الْمُسْلِم ; وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَن وَالضِّحَاك . وَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : ثَمَانُونَ أَلْفًا . قَتَادَة : مِائَة رِطْل مِنْ الذَّهَب أَوْ ثَمَانُونَ أَلْف دِرْهَم مِنْ الْفِضَّة . وَقَالَ أَبُو حَمْزَة الثُّمَالِيّ : الْقِنْطَار بِإِفْرِيقِيَّة وَالْأَنْدَلُس ثَمَانِيَة آلَاف مِثْقَال مِنْ ذَهَب أَوْ فِضَّة . السُّدِّيّ : أَرْبَعَة آلَاف مِثْقَال . مُجَاهِد : سَبْعُونَ أَلْف مِثْقَال ; وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر . وَحَكَى مَكِّيّ قَوْلًا أَنَّ الْقِنْطَار أَرْبَعُونَ أُوقِيَّة مِنْ ذَهَب أَوْ فِضَّة ; وَقَالَهُ اِبْن سِيدَهْ فِي الْمُحْكَم , وَقَالَ : الْقِنْطَار بِلُغَةِ بَرْبَر أَلْف مِثْقَال . وَقَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس : الْقِنْطَار الْمَال الْكَثِير بَعْضه عَلَى بَعْض ; وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف عِنْد الْعَرَب , وَمِنْهُ قَوْله : " وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا " أَيْ مَالًا كَثِيرًا . وَمِنْهُ الْحَدِيث : ( إِنَّ صَفْوَان بْن أُمَيَّة قَنْطَرَ فِي الْجَاهِلِيَّة وَقَنْطَرَ أَبُوهُ ) أَيْ صَارَ لَهُ قِنْطَار مِنْ الْمَال . وَعَنْ الْحَكَم هُوَ مَا بَيْنَ السَّمَاء وَالْأَرْض . وَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى " الْمُقَنْطَرَة " فَقَالَ الطَّبَرِيّ وَغَيْره : مَعْنَاهُ الْمُضَعَّفَة , وَكَأَنَّ الْقَنَاطِير ثَلَاثَة وَالْمُقَنْطَرَة تِسْع . وَرُوِيَ عَنْ الْفَرَّاء أَنَّهُ قَالَ : الْقَنَاطِير جَمْع الْقِنْطَار , وَالْمُقَنْطَرَة جَمْع الْجَمْع , فَيَكُون تِسْع قَنَاطِير . السُّدِّيّ : الْمُقَنْطَرَة الْمَضْرُوبَة حَتَّى صَارَتْ دَنَانِير أَوْ دَرَاهِم . مَكِّيّ : الْمُقَنْطَرَة الْمُكَمَّلَة ; وَحَكَاهُ الْهَرَوِيّ ; كَمَا يُقَال : بِدَر مُبَدَّرَة , وَآلَاف مُؤَلَّفَة . وَقَالَ بَعْضهمْ . وَلِهَذَا سُمِّيَ الْبِنَاء الْقَنْطَرَة لِتَكَاثُفِ الْبِنَاء بَعْضه عَلَى بَعْض . اِبْن كَيْسَان وَالْفَرَّاء : لَا تَكُون الْمُقَنْطَرَة أَقَلّ مِنْ تِسْع قَنَاطِير . وَقِيلَ : الْمُقَنْطَرَة إِشَارَة إِلَى حُضُور الْمَال وَكَوْنه عَتِيدًا . وَفِي صَحِيح الْبُسْتِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( مَنْ قَامَ بِعَشْرِ آيَات لَمْ يُكْتَب مِنْ الْغَافِلِينَ وَمَنْ قَامَ بِمِائَةِ آيَة كُتِبَ مِنْ الْقَانِتِينَ وَمَنْ قَامَ بِأَلْفِ آيَة كُتِبَ مِنْ الْمُقَنْطِرِينَ ) . الذَّهَب , مُؤَنَّثَة ; يُقَال : هِيَ الذَّهَب الْحَسَنَة جَمْعهَا ذَهَاب وَذُهُوب . وَيَجُوز أَنْ يَكُون جَمْع ذَهَبَة , وَيُجْمَع عَلَى الْأَذْهَاب . وَذَهَبَ فُلَان مَذْهَبًا حَسَنًا . وَالذَّهَب : مِكْيَال لِأَهْلِ الْيَمَن . وَرَجُل ذَهِبٌ إِذَا رَأَى مَعْدِن الذَّهَب فَدَهِشَ . وَالْفِضَّة مَعْرُوفَة , وَجَمْعهَا فِضَض . فَالذَّهَب مَأْخُوذَة مِنْ الذَّهَاب , وَالْفِضَّة مَأْخُوذَة مِنْ اِنْفَضَّ الشَّيْء تَفَرَّقَ ; وَمِنْهُ فَضَضْت الْقَوْم فَانْفَضُّوا , أَيْ فَرَّقْتهمْ فَتَفَرَّقُوا . وَهَذَا الِاشْتِقَاق يُشْعِر بِزَوَالِهِمَا وَعَدَم ثُبُوتهمَا كَمَا هُوَ مُشَاهَد فِي الْوُجُود . وَمِنْ أَحْسَن مَا قِيلَ فِي هَذَا الْمَعْنَى قَوْل بَعْضهمْ : النَّار آخِر دِينَار نَطَقْتَ بِهِ وَالْهَمّ آخِر هَذَا الدِّرْهَمِ الْجَارِي وَالْمَرْء بَيْنهمَا إِنْ كَانَ ذَا وَرَع مُعَذَّب الْقَلْب بَيْن الْهَمّ وَالنَّار الْخَيْل مُؤَنَّثَة . قَالَ اِبْن كَيْسَان : حُدِّثْت عَنْ أَبِي عُبَيْدَة أَنَّهُ قَالَ : وَاحِد الْخَيْل خَائِل , مِثْل طَائِر وَطَيْر , وَضَائِن وَضَيْن ; وَسُمِّيَ الْفَرَس بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يَخْتَال فِي مَشْيه . وَقَالَ غَيْره : هُوَ اِسْم جَمْع لَا وَاحِد لَهُ مِنْ لَفْظه وَاحِد فَرَس كَالْقَوْمِ وَالرَّهْط وَالنِّسَاء وَالْإِبِل وَنَحْوهَا . وَفِي الْخَبَر مِنْ حَدِيث عَلِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه خَلَقَ الْفَرَس مِنْ الرِّيح وَلِذَلِكَ جَعَلَهَا تَطِير بِلَا جَنَاح ) . وَهْب بْن مُنَبِّه : خَلَقَهَا مِنْ رِيح الْجَنُوب . قَالَ وَهْب : فَلَيْسَ تَسْبِيحَة وَلَا تَكْبِيرَة وَلَا تَهْلِيلَة يُكَبِّرهَا صَاحِبهَا إِلَّا وَهُوَ يَسْمَعهَا فَيُجِيبهُ بِمِثْلِهَا . وَسَيَأْتِي لِذِكْرِ الْخَيْل وَوَصْفهَا فِي سُورَة " الْأَنْفَال " مَا فِيهِ كِفَايَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَفِي الْخَبَر : ( إِنَّ اللَّه عَرَضَ عَلَى آدَم جَمِيع الدَّوَابّ , فَقِيلَ لَهُ : اِخْتَرْ مِنْهَا وَاحِدًا فَاخْتَارَ الْفَرَس ; فَقِيلَ لَهُ : اِخْتَرْت عِزّك ) ; فَصَارَ اِسْمه الْخَيْر مِنْ هَذَا الْوَجْه . وَسُمِّيَتْ خَيْلًا لِأَنَّهَا مَوْسُومَة بِالْعِزِّ فَمَنْ رَكِبَهُ اِعْتَزَّ بِنِحْلَةِ اللَّه لَهُ وَيَخْتَال بِهِ عَلَى أَعْدَاء اللَّه تَعَالَى . وَسُمِّيَ فَرَسًا لِأَنَّهُ يَفْتَرِس مَسَافَات الْجَوّ اِفْتِرَاس الْأَسَد وَثَبَانًا , وَيَقْطَعهَا كَالِالْتِهَامِ بِيَدَيْهِ عَلَى شَيْء خَبْطًا وَتَنَاوُلًا , وَسُمِّيَ عَرَبِيًّا لِأَنَّهُ جِيءَ بِهِ مِنْ بَعْد آدَم لِإِسْمَاعِيل جَزَاء عَنْ رَفْع قَوَاعِد الْبَيْت , وَإِسْمَاعِيل عَرَبِيّ , فَصَارَ لَهُ نِحْلَة مِنْ اللَّه تَعَالَى فَسُمِّيَ عَرَبِيًّا . وَفِي الْحَدِيث عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَدْخُل الشَّيْطَان دَارًا فِيهَا فَرَس عَتِيق ) . وَإِنَّمَا سُمِّيَ عَتِيقًا لِأَنَّهُ قَدْ تَخَلَّصَ مِنْ الْهَجَانَة . وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( خَيْر الْخَيْل الْأَدْهَم الْأَقْرَح الْأَرْثَم ثُمَّ الْأَقْرَح الْمُحَجَّل طَلْق الْيَمِين فَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَدْهَم فَكُمَيْت عَلَى هَذِهِ الشِّيَة ) . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي قَتَادَة . وَفِي مُسْنَد الدَّارِمِيّ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا قَالَ : يَا رَسُول اللَّه , إِنِّي أُرِيد أَنْ أَشْتَرِيَ فَرَسًا فَأَيّهَا أَشْتَرِي ؟ قَالَ : ( اِشْتَرِ أَدْهَم أَرْثَم مُحَجَّلًا طَلْق الْيَمِين أَوْ مِنْ الْكُمَيْت عَلَى هَذِهِ الشِّيَة تَغْنَم وَتَسْلَم ) . وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ أَنَس قَالَ : لَمْ يَكُنْ أَحَبّ إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد النِّسَاء مِنْ الْخَيْل . وَرَوَى الْأَئِمَّة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الْخَيْل ثَلَاثَة لِرَجُلٍ أَجْرٌ وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ وَلِرَجُلٍ وِزْرٌ . .. ) الْحَدِيث بِطُولِهِ , شُهْرَته أَغْنَتْ عَنْ ذِكْره . وَسَيَأْتِي ذِكْر أَحْكَام الْخَيْل فِي " الْأَنْفَال " و " النَّحْل " بِمَا فِيهِ كِفَايَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . يَعْنِي الرَّاعِيَة فِي الْمُرُوج وَالْمَسَارِح ; قَالَهُ سَعِيد بْن جُبَيْر . يُقَال : سَامَتْ الدَّابَّة وَالشَّاة إِذَا سَرَحَتْ تَسُوم سَوْمًا فَهِيَ سَائِمَة . وَأَسَمْتهَا أَنَا إِذَا تَرَكْتهَا لِذَلِكَ فَهِيَ مُسَامَة . وَسَوَّمْتهَا تَسْوِيمًا فَهِيَ مُسَوَّمَة . وَفِي سُنَن اِبْن مَاجَهْ عَنْ عَلِيّ قَالَ : ( نَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ السَّوْم قَبْل طُلُوع الشَّمْس , وَعَنْ ذَبْح ذَوَات الدَّرّ ) السَّوْم هُنَا فِي مَعْنَى الرَّعْي وَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " فِيهِ تُسِيمُونَ " [ النَّحْل : 10 ] قَالَ الْأَخْطَل : مِثْل اِبْن بزعة أَوْ كَآخَر مِثْله أَوْلَى لَك اِبْن مِسيمَة الْأَجْمَال أَرَادَ اِبْن رَاعِيَة الْإِبِل . وَالسَّوَام : كُلّ بَهِيمَة تَرْعَى , وَقِيلَ : الْمُعَدَّة لِلْجِهَادِ ; قَالَهُ اِبْن زَيْد . مُجَاهِد : الْمُسَوَّمَة الْمُطَهَّمَة الْحِسَان . وَقَالَ عِكْرِمَة : سَوَّمَهَا الْحُسْن ; وَاخْتَارَهُ النَّحَّاس , مِنْ قَوْلهمْ : رَجُل وَسِيم . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : الْمُسَوَّمَة الْمُعَلَّمَة بِشِيَاتِ الْخَيْل فِي وُجُوههَا مِنْ السِّيمَا وَهِيَ الْعَلَامَة . وَهَذَا مَذْهَب الْكِسَائِيّ وَأَبِي عُبَيْدَة . قُلْت : كُلّ مَا ذُكِرَ يَحْتَمِلهُ اللَّفْظ , فَتَكُون رَاعِيَة مُعَدَّة حِسَانًا مُعَلَّمَة لِتُعْرَف مِنْ غَيْرهَا . قَالَ أَبُو زَيْد : أَصْل ذَلِكَ أَنْ تَجْعَل عَلَيْهَا صُوفَة أَوْ عَلَامَة تُخَالِف سَائِر جَسَدهَا لِتَبِينَ مِنْ غَيْرهَا فِي الْمَرْعَى . وَحَكَى اِبْن فَارِس اللُّغَوِيّ فِي مُجْمَله : الْمُسَوَّمَة الْمُرْسَلَة وَعَلَيْهَا رُكْبَانهَا . وَقَالَ الْمُؤَرِّج : الْمُسَوَّمَة الْمَكْوِيَّة , الْمُبَرِّد : الْمَعْرُوفَة فِي الْبُلْدَان . اِبْن كَيْسَان : الْبُلْق . وَكُلّهَا مُتَقَارِب مِنْ السِّيمَا . قَالَ النَّابِغَة : وَضُمْر كَالْقِدَاحِ مُسَوَّمَات عَلَيْهَا مَعْشَر أَشْبَاه جِنّ قَالَ اِبْن كَيْسَان : إِذَا قُلْت نَعَمْ لَمْ تَكُنْ إِلَّا لِلْإِبِلِ , فَإِذَا قُلْت أَنْعَام وَقَعَتْ لِلْإِبِلِ وَكُلّ مَا يَرْعَى . قَالَ الْفَرَّاء : هُوَ مُذَكَّر وَلَا يُؤَنَّث ; يَقُولُونَ هَذَا نَعَم وَارِد , وَيُجْمَع أَنْعَامًا . قَالَ الْهَرَوِيّ : وَالنَّعَم يُذَكَّر وَيُؤَنَّث , وَالْأَنْعَام الْمَوَاشِي مِنْ الْإِبِل وَالْبَقَر وَالْغَنَم ; , وَإِذَا قِيلَ : النَّعَم فَهُوَ الْإِبِل خَاصَّة . وَقَالَ حَسَّان : وَكَانَتْ لَا يَزَال بِهَا أَنِيس خِلَال مُرُوجهَا نَعَم وَشَاء وَفِي سُنَن اِبْن مَاجَهْ عَنْ عُرْوَة الْبَارِقِيّ يَرْفَعهُ قَالَ : ( الْإِبِل عِزّ لِأَهْلِهَا وَالْغَنَم بَرَكَة وَالْخَيْر مَعْقُود فِي نَوَاصِي الْخَيْل إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ) . وَفِيهِ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( الشَّاة مِنْ دَوَابّ الْجَنَّة ) . وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : أَمَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَغْنِيَاء بِاِتِّخَاذِ الْغَنَم , وَالْفُقَرَاء بِاِتِّخَاذِ الدَّجَاج . وَقَالَ : عِنْد اِتِّخَاذ الْأَغْنِيَاء الدَّجَاج يَأْذَن اللَّه تَعَالَى بِهَلَاكِ الْقُرَى . وَفِيهِ عَنْ أُمّ هَانِئ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا : ( اِتَّخِذِي غَنَمًا فَإِنَّ فِيهَا بَرَكَة ) . أَخْرَجَهُ عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ وَكِيع عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُمّ هَانِئ , إِسْنَاد صَحِيح . الْحَرْث هُنَا اِسْم لِكُلِّ مَا يُحْرَث , وَهُوَ مَصْدَر سُمِّيَ بِهِ ; تَقُول : حَرَثَ الرَّجُل حَرْثًا إِذَا أَثَارَ الْأَرْض لِمَعْنَى الْفِلَاحَة ; فَيَقَع اِسْم الْحِرَاثَة عَلَى زَرْع الْحُبُوب وَعَلَى الْجَنَّات وَعَلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ نَوْع الْفِلَاحَة . وَفِي الْحَدِيث : ( اُحْرُثْ لِدُنْيَاك كَأَنَّك تَعِيش أَبَدًا ) . يُقَال حَرَثْت وَاحْتَرَثْت . وَفِي حَدِيث عَبْد اللَّه ( اُحْرُثُوا هَذَا الْقُرْآن ) أَيْ فَتِّشُوهُ . قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : الْحَرْث التَّفْتِيش ; وَفِي الْحَدِيث : ( أَصْدَق الْأَسْمَاء الْحَارِث ) لِأَنَّ الْحَارِث هُوَ الْكَاسِب , وَاحْتِرَاث الْمَال كَسْبه , وَالْمِحْرَاث مُسْعِر النَّار وَالْحَرَاث مَجْرَى الْوَتَر فِي الْقَوْس , وَالْجَمْع أَحْرِثَة , وَأَحْرَثَ الرَّجُل نَاقَته أَهْزَلَهَا . وَفِي حَدِيث مُعَاوِيَة : مَا فَعَلَتْ نَوَاضِحكُمْ ؟ قَالُوا : حَرَثْنَاهَا يَوْم بَدْر . قَالَ أَبُو عُبَيْد : يَعْنُونَ هَزَّلْنَاهَا ; يُقَال : حَرَثْت الدَّابَّة وَأَحْرَثْتهَا , لُغَتَانِ . وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ قَالَ وَقَدْ رَأَى سِكَّة وَشَيْئًا مِنْ آلَة الْحَرْث فَقَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( لَا يَدْخُل هَذَا بَيْت قَوْم إِلَّا دَخَلَهُ الذُّلّ ) . قِيلَ : إِنَّ الذُّلّ هُنَا مَا يَلْزَم أَهْل الشُّغْل بِالْحَرْثِ مِنْ حُقُوق الْأَرْض الَّتِي يُطَالِبهُمْ بِهَا الْأَئِمَّة وَالسَّلَاطِين . وَقَالَ الْمُهَلِّب : مَعْنَى قَوْله فِي هَذَا الْحَدِيث وَاَللَّه أَعْلَم الْحَضّ عَلَى مَعَالِي الْأَحْوَال وَطَلَب الرِّزْق مِنْ أَشْرَف الصِّنَاعَات ; وَذَلِكَ لَمَّا خَشِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أُمَّته مِنْ الِاشْتِغَال بِالْحَرْثِ وَتَضْيِيع رُكُوب الْخَيْل وَالْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه ; لِأَنَّهُمْ إِنْ اِشْتَغَلُوا بِالْحَرْثِ غَلَبَتْهُمْ الْأُمَم الرَّاكِبَة لِلْخَيْلِ الْمُتَعَيِّشَة مِنْ مَكَاسِبهَا ; فَحَضَّهُمْ عَلَى التَّعَيُّش مِنْ الْجِهَاد لَا مِنْ الْخُلُود إِلَى عِمَارَة الْأَرْض وَلُزُوم الْمِهْنَة . أَلَا تَرَى أَنَّ عُمَر قَالَ : تَمَعْدَدُوا وَاخْشَوْشِنُوا وَاقْطَعُوا الرُّكَب وَثِبُوا عَلَى الْخَيْل وَثْبًا لَا تَغْلِبَنَّكُمْ عَلَيْهَا رُعَاة الْإِبِل . فَأَمَرَهُمْ بِمُلَازَمَةِ الْخَيْل , وَرِيَاضَة أَبْدَانهمْ بِالْوُثُوبِ عَلَيْهَا . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَس بْن مَالِك قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا مِنْ مُسْلِم غَرَسَ غَرْسًا أَوْ زَرَعَ زَرْعًا فَيَأْكُل مِنْهُ طَيْر أَوْ إِنْسَان أَوْ بَهِيمَة إِلَّا كَانَ لَهُ بِهِ صَدَقَة ) . قَالَ الْعُلَمَاء : ذَكَرَ اللَّه تَعَالَى أَرْبَعَة أَصْنَاف مِنْ الْمَال , كُلّ نَوْع مِنْ الْمَال يَتَمَوَّل بِهِ صِنْف مِنْ النَّاس ; أَمَّا الذَّهَب وَالْفِضَّة فَيَتَمَوَّل بِهَا التُّجَّار , وَأَمَّا الْخَيْل الْمُسَوَّمَة فَيَتَمَوَّل بِهَا الْمُلُوك , وَأَمَّا الْأَنْعَام فَيَتَمَوَّل بِهَا أَهْل الْبَوَادِي , وَأَمَّا الْحَرْث فَيَتَمَوَّل بِهَا أَهْل الرَّسَاتِيق . فَتَكُون فِتْنَة كُلّ صِنْف فِي النَّوْع الَّذِي يَتَمَوَّل , فَأَمَّا النِّسَاء وَالْبَنُونَ فَفِتْنَة لِلْجَمِيعِ . أَيْ مَا يُتَمَتَّع بِهِ فِيهَا ثُمَّ يَذْهَب وَلَا يَبْقَى . وَهَذَا مِنْهُ تَزْهِيد فِي الدُّنْيَا وَتَرْغِيب فِي الْآخِرَة . رَوَى اِبْن مَاجَهْ وَغَيْره عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّمَا الدُّنْيَا مَتَاع وَلَيْسَ مِنْ مَتَاع الدُّنْيَا شَيْء أَفْضَل مِنْ الْمَرْأَة الصَّالِحَة ) . وَفِي الْحَدِيث : ( اِزْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبّك اللَّه ) أَيْ فِي مَتَاعهَا مِنْ الْجَاه وَالْمَال الزَّائِد عَلَى الضَّرُورِيّ . قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَيْسَ لِابْنِ آدَم حَقّ فِي سِوَى هَذِهِ الْخِصَال بَيْت يَسْكُنهُ وَثَوْب يُوَارِي عَوْرَته وَجِلْف الْخُبْز وَالْمَاء ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث الْمِقْدَام بْن مَعْد يَكْرُب . وَسُئِلَ سَهْل بْن عَبْد اللَّه : بِمَ يَسْهُل عَلَى الْعَبْد تَرْك الدُّنْيَا وَكُلّ الشَّهَوَات ؟ قَالَ : بِتَشَاغُلِهِ بِمَا أُمِرَ بِهِ . اِبْتِدَاءٌ وَخَبَرٌ . وَالْمَآب الْمَرْجِع ; آبَ يَؤُوبُ إِيَابًا إِذَا رَجَعَ ; قَالَ يَؤُوبُ إِيَابًا إِذَا رَجَعَ ; قَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس : وَقَدْ طَوَّفْت فِي الْآفَاق حَتَّى رَضِيت مِنْ الْغَنِيمَة بِالْإِيَابِ وَقَالَ آخَر : وَكُلّ ذِي غَيْبَة يَؤُوبُ وَغَائِب الْمَوْت لَا يَؤُوبُ وَأَصْل مَآب مَأَوِب , قُلِبَتْ حَرَكَة الْوَاو إِلَى الْهَمْزَة وَأُبْدِلَ مِنْ الْوَاو أَلِف , مِثْل مَقَال . وَمَعْنَى الْآيَة تَقْلِيل الدُّنْيَا وَتَحْقِيرهَا وَالتَّرْغِيب فِي حُسْن الْمَرْجِع إِلَى اللَّه تَعَالَى فِي الْآخِرَة .

غريب الآية
زُیِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ ٱلشَّهَوَ ٰ⁠تِ مِنَ ٱلنِّسَاۤءِ وَٱلۡبَنِینَ وَٱلۡقَنَـٰطِیرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِ مِنَ ٱلذَّهَبِ وَٱلۡفِضَّةِ وَٱلۡخَیۡلِ ٱلۡمُسَوَّمَةِ وَٱلۡأَنۡعَـٰمِ وَٱلۡحَرۡثِۗ ذَ ٰ⁠لِكَ مَتَـٰعُ ٱلۡحَیَوٰةِ ٱلدُّنۡیَاۖ وَٱللَّهُ عِندَهُۥ حُسۡنُ ٱلۡمَـَٔابِ ﴿١٤﴾
زُیِّنَحُسِّنَ.
وَٱلۡقَنَـٰطِیرِ ٱلۡمُقَنطَرَةِوالأموالِ الكثيرةِ.
ٱلۡمُسَوَّمَةِالمُعَلَّمَةِ الحِسانِ.
وَٱلۡأَنۡعَـٰمِمن الإبِلِ والبقرِوالغَنَمِ.
وَٱلۡحَرۡثِۗالأرضِ المتخَذَةِ للزِّراعةِ.
ٱلۡمَـَٔابِالمَرْجِعِ.
ذَ ٰ⁠لِكَالانصرافُ عن الحقِّ.
ذَ ٰ⁠لِكَهذا القولُ.
الإعراب
(زُيِّنَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(لِلنَّاسِ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(النَّاسِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(حُبُّ)
نَائِبُ فَاعِلٍ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(الشَّهَوَاتِ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِنَ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(النِّسَاءِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالْبَنِينَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْبَنِينَ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِجَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ.
(وَالْقَنَاطِيرِ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْقَنَاطِيرِ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْمُقَنْطَرَةِ)
نَعْتٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِنَ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(الذَّهَبِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالْفِضَّةِ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْفِضَّةِ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالْخَيْلِ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْخَيْلِ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْمُسَوَّمَةِ)
نَعْتٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالْأَنْعَامِ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْأَنْعَامِ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالْحَرْثِ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْحَرْثِ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(ذَلِكَ)
اسْمُ إِشَارَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(مَتَاعُ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْحَيَاةِ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(الدُّنْيَا)
نَعْتٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ.
(وَاللَّهُ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(اللَّهُ) : اسْمُ الْجَلَالَةِ مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(عِنْدَهُ)
ظَرْفُ مَكَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ مُقَدَّمٌ.
(حُسْنُ)
مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ (اللَّهُ) :.
(الْمَآبِ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.