سورة آل عمران الآية ١٢٤
سورة آل عمران الآية ١٢٤
إِذۡ تَقُولُ لِلۡمُؤۡمِنِینَ أَلَن یَكۡفِیَكُمۡ أَن یُمِدَّكُمۡ رَبُّكُم بِثَلَـٰثَةِ ءَالَـٰفࣲ مِّنَ ٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ مُنزَلِینَ ﴿١٢٤﴾
تفسير السعدي
" إِذْ تَقُولُ " مبشرا " لِلْمُؤْمِنِينَ " مثبتا لجنانهم: " أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ "
التفسير الميسر
اذكر -أيها الرسول- ما كان من أمر أصحابك في "بدر" حين شقَّ عليهم أن يأتي مَدَد للمشركين، فأوحينا إليك أن تقول لهم: ألن تكفيكم معونة ربكم بأن يمدكم بثلاثة آلاف من الملائكة مُنْزَلين من السماء إلى أرض المعركة، يثبتونكم، ويقاتلون معكم؟
تفسير الجلالين
"إذْ" ظَرْف لِنَصْرِكُمْ "تَقُول لِلْمُؤْمِنِينَ" تُوعِدهُمْ تَطْمِينًا "أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَنْ يُمِدّكُمْ" يُعِينكُمْ "رَبّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَاف مِنْ الْمَلَائِكَة مُنْزَلِينَ" بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّشْدِيد
تفسير ابن كثير
اِخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذَا الْوَعْد هَلْ كَانَ يَوْم بَدْر أَوْ يَوْم أُحُد ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ " أَحَدهمَا " أَنَّ قَوْله " إِذْ تَقُول لِلْمُؤْمِنِينَ " مُتَعَلِّق بِقَوْلِهِ " وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّه بِبَدْرٍ " وَهَذَا عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَعَامِر الشَّعْبِيّ وَالرَّبِيع بْن أَنَس وَغَيْرهمْ وَاخْتَارَهُ اِبْن جَرِير قَالَ عَبَّاد بْن مَنْصُور عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله " إِذْ تَقُول لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَنْ يُمِدّكُمْ رَبّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَاف مِنْ الْمَلَائِكَة " قَالَ : هَذَا يَوْم بَدْر رَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم . ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا مُوسَى بْن إِسْمَاعِيل حَدَّثَنَا وُهَيْب حَدَّثَنَا دَاوُدَ عَنْ عَامِر يَعْنِي الشَّعْبِيّ أَنَّ الْمُسْلِمِينَ بَلَغَهُمْ يَوْم بَدْر أَنَّ كُرْزَ بْن جَابِر يَمُدّ الْمُشْرِكِينَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى " أَلَنْ يَكْفِيكُمْ أَنْ يُمِدّكُمْ رَبّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَاف مِنْ الْمَلَائِكَة مُنْزَلِينَ - إِلَى قَوْله - مُسَوِّمِينَ " قَالَ : فَبَلَغَتْ كُرْزًا الْهَزِيمَة فَلَمْ يَمُدّ الْمُشْرِكِينَ وَلَمْ يُمِدّ اللَّه الْمُسْلِمِينَ بِالْخَمْسَةِ. وَقَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس : أَمَدَّ اللَّه الْمُسْلِمِينَ بِأَلْفٍ ثُمَّ صَارُوا ثَلَاثَة آلَاف ثُمَّ صَارُوا خَمْسَة آلَاف فَإِنْ قِيلَ فَمَا الْجَمْع بَيْن هَذِهِ الْآيَة عَلَى هَذَا الْقَوْل وَبَيْن قَوْله فِي قِصَّة بَدْر " إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلَائِكَة مُرْدِفِينَ - إِلَى قَوْله - إِنَّ اللَّه عَزِيز حَكِيم " ؟ فَالْجَوَاب أَنَّ التَّنْصِيص عَلَى الْأَلْف هَهُنَا لَا يُنَافِي الثَّلَاثَة الْآلَاف فَمَا فَوْقهَا لِقَوْلِهِ " مُرْدِفِينَ " بِمَعْنَى يُرْدِفُهُمْ غَيْرهمْ وَيَتْبَعهُمْ أُلُوف أُخَر مِثْلهمْ . وَهَذَا السِّيَاق شَبِيه بِهَذَا السِّيَاق فِي سُورَة آل عِمْرَان فَالظَّاهِر أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْم بَدْر كَمَا هُوَ الْمَعْرُوف مِنْ أَنَّ قِتَال الْمَلَائِكَة إِنَّمَا كَانَ يَوْم بَدْر وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ سَعِيد بْن أَبِي عَرُوبَة أَمَدَّ اللَّه الْمُسْلِمِينَ يَوْم بَدْر بِخَمْسَةِ آلَاف " الْقَوْل الثَّانِي " أَنَّ هَذَا الْوَعْد مُتَعَلِّق بِقَوْلِهِ " وَإِذْ غَدَوْت مِنْ أَهْلك تُبَوِّئ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِد لِلْقِتَالِ " وَذَلِكَ يَوْم أُحُد وَهُوَ قَوْل مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَالضَّحَّاك وَالزُّهْرِيّ وَمُوسَى بْن عُقْبَة وَغَيْرهمْ . لَكِنْ قَالُوا لَمْ يَحْصُل الْإِمْدَاد بِالْخَمْسَةِ الْآلَاف لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ فَرُّوا يَوْمئِذٍ زَادَ عِكْرِمَة وَلَا بِالثَّلَاثَةِ الْآلَاف لِقَوْلِهِ تَعَالَى " إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا " فَلَمْ يَصْبِرُوا بَلْ فَرُّوا فَلَمْ يُمَدُّوا بِمَلَكٍ وَاحِد .
تفسير القرطبي
وَتَظَاهَرَتْ الرِّوَايَات بِأَنَّ الْمَلَائِكَة حَضَرَتْ يَوْم بَدْر وَقَاتَلَتْ ; وَمِنْ ذَلِكَ قَوْل أَبِي أُسَيْد بْن مَالِك بْن رَبِيعَة وَكَانَ شَهِيد بَدْر : لَوْ كُنْت مَعَكُمْ الْآن بِبَدْرٍ وَمَعِي بَصَرِي لَأَرَيْتُكُمْ الشِّعْب الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ الْمَلَائِكَة , لَا أَشُكّ وَلَا أَمْتَرِي . رَوَاهُ عُقَيْل عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي حَازِم سَلَمَة بْن دِينَار . قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : لَا يُعْرَف لِلزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي حَازِم غَيْر هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد , وَأَبُو أُسَيْد يُقَال إِنَّهُ آخِر مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْل بَدْر ; ذَكَرَهُ أَبُو عُمَر فِي الِاسْتِيعَاب وَغَيْره . وَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث عُمَر بْن الْخَطَّاب قَالَ : لَمَّا كَانَ يَوْم بَدْر نَظَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْف , وَأَصْحَابه ثَلَاثمِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا , فَاسْتَقْبَلَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْقِبْلَة ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ فَجَعَلَ يَهْتِف بِرَبِّهِ : ( اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتنِي اللَّهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتنِي اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِك هَذِهِ الْعِصَابَة مِنْ أَهْل الْإِسْلَام لَا تُعْبَد فِي الْأَرْض ) فَمَا زَالَ يَهْتِف بِرَبِّهِ مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِل الْقِبْلَة حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ , فَأَتَاهُ أَبُو بَكْر فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ , ثُمَّ اِلْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ : يَا نَبِيّ اللَّه , كَفَاك مُنَاشَدَتك رَبّك , فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَك مَا وَعَدَك ; فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلَائِكَة مُرْدِفِينَ " [ الْأَنْفَال : 9 ] فَأَمَدَّهُ اللَّه تَعَالَى بِالْمَلَائِكَةِ . قَالَ أَبُو زُمَيْل : فَحَدَّثَنِي اِبْن عَبَّاس قَالَ : بَيْنَمَا رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمئِذٍ يَشْتَدّ فِي أَثَر رَجُل مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَمَامه إِذْ سَمِعَ ضَرْبَة بِالسَّوْطِ فَوْقه وَصَوْت الْفَارِس يَقُول : أَقْدِمْ حَيْزُوم ; فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِك أَمَامه فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا , فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفه وَشُقَّ وَجْهه كَضَرْبَةِ السَّوْط فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَع . فَجَاءَ الْأَنْصَارِيّ فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ( صَدَقْت ذَلِكَ مِنْ مَدَد السَّمَاء الثَّالِثَة ) فَقَتَلُوا يَوْمئِذٍ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ . وَذَكَرَ الْحَدِيث . وَسَيَأْتِي تَمَامه فِي آخِر " الْأَنْفَال " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . فَتَظَاهَرَتْ السُّنَّة وَالْقُرْآن عَلَى مَا قَالَهُ الْجُمْهُور , وَالْحَمْد لِلَّهِ . وَعَنْ خَارِجَة بْن إِبْرَاهِيم عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِجِبْرِيل : ( مَنْ الْقَائِل يَوْم بَدْر مِنْ الْمَلَائِكَة أَقْدِمْ حَيْزُوم ) ؟ فَقَالَ جِبْرِيل : ( يَا مُحَمَّد مَا كُلّ أَهْل السَّمَاء أَعْرِف ) . وَعَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ خَطَبَ النَّاس فَقَالَ : بَيْنَا أَنَا أَمْتَح مِنْ قَلِيب بَدْر جَاءَتْ رِيحًا شَدِيدَة لَمْ أَرَ مِثْلهَا قَطُّ , ثُمَّ ذَهَبَتْ , ثُمَّ جَاءَتْ رِيح شَدِيدَة لَمْ أَرَ مِثْلهَا قَطُّ إِلَّا الَّتِي كَانَتْ قَبْلهَا . قَالَ : وَأَظُنّهُ ذَكَرَ : ثُمَّ جَاءَتْ رِيح شَدِيدَة , فَكَانَتْ الرِّيح الْأُولَى جِبْرِيل نَزَلَ فِي أَلْف مِنْ الْمَلَائِكَة مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَكَانَتْ الرِّيح الثَّانِيَة مِيكَائِيل نَزَلَ فِي أَلْف مِنْ الْمَلَائِكَة عَنْ يَمِين رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ أَبُو بَكْر عَنْ يَمِينه , وَكَانَتْ الرِّيح الثَّالِثَة إِسْرَافِيل نَزَلَ فِي أَلْف مِنْ الْمَلَائِكَة عَنْ مَيْسَرَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا فِي الْمَيْسَرَة . وَعَنْ سَهْل بْن حُنَيْف رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : لَقَدْ رَأَيْتنَا يَوْم بَدْر وَأَنَّ أَحَدنَا يُشِير بِسَيْفِهِ إِلَى رَأْس الْمُشْرِك فَيَقَع رَأْسه عَنْ جَسَده قَبْل أَنْ يَصِل إِلَيْهِ . وَعَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس قَالَ : كَانَ النَّاس يَوْم بَدْر يَعْرِفُونَ قَتْلَى الْمَلَائِكَة مِمَّنْ قَتَلُوهُمْ بِضَرْبِ فَوْق الْأَعْنَاق وَعَلَى الْبَنَان مِثْل سِمَة النَّار قَدْ أَحْرَقَ بِهِ ; ذَكَرَ جَمِيعه الْبَيْهَقِيّ رَحِمَهُ اللَّه . وَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّ الْمَلَائِكَة كَانُوا يُقَاتِلُونَ وَكَانَتْ عَلَامَة ضَرْبهمْ فِي الْكُفَّار ظَاهِرَة ; لِأَنَّ كُلّ مَوْضِع أَصَابَتْ ضَرْبَتهمْ اِشْتَعَلَتْ النَّار فِي ذَلِكَ الْمَوْضِع , حَتَّى إِنَّ أَبَا جَهْل قَالَ لِابْنِ مَسْعُود : أَنْتَ قَتَلْتنِي ؟ ! إِنَّمَا قَتَلَنِي الَّذِي لَمْ يَصِل سِنَانِي إِلَى سُنْبُك فَرَسه وَإِنْ اِجْتَهَدْت . وَإِنَّمَا كَانَتْ الْفَائِدَة فِي كَثْرَة الْمَلَائِكَة لَتَسْكِين قُلُوب الْمُؤْمِنِينَ ; وَلِأَنَّ اللَّه تَعَالَى جَعَلَ أُولَئِكَ الْمَلَائِكَة مُجَاهِدِينَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ; فَكُلّ عَسْكَر صَبَرَ وَاحْتَسَبَ تَأْتِيهِمْ الْمَلَائِكَة وَيُقَاتِلُونَ مَعَهُمْ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد : لَمْ تُقَاتِل الْمَلَائِكَة إِلَّا يَوْم بَدْر , وَفِيمَا سِوَى ذَلِكَ يَشْهَدُونَ وَلَا يُقَاتِلُونَ إِنَّمَا يَكُونُونَ عَدَدًا أَوْ مَدَدًا . وَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّمَا كَانَتْ الْفَائِدَة فِي كَثْرَة الْمَلَائِكَة أَنَّهُمْ كَانُوا يَدْعُونَ وَيُسَبِّحُونَ , وَيُكَثِّرُونَ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ يَوْمئِذٍ ; فَعَلَى هَذَا لَمْ تُقَاتِل الْمَلَائِكَة يَوْم بَدْر وَإِنَّمَا حَضَرُوا لِلدُّعَاءِ بِالتَّثْبِيتِ , وَالْأَوَّل أَكْثَر . قَالَ قَتَادَة : كَانَ هَذَا يَوْم بَدْر , أَمَدَّهُمْ اللَّه بِأَلْفٍ ثُمَّ صَارُوا ثَلَاثَة آلَاف , ثُمَّ صَارُوا خَمْسَة آلَاف ; فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدّكُمْ بِأَلْفٍ مِنْ الْمَلَائِكَة مُرْدِفِينَ " وَقَوْله : " أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدّكُمْ رَبّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَاف مِنْ الْمَلَائِكَة مُنْزِلِينَ " [ آل عِمْرَان : 124 ] وَقَوْله : " بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرهمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَاف مِنْ الْمَلَائِكَة مُسَوِّمِينَ " [ آل عِمْرَان : 125 ] فَصَبَرَ الْمُؤْمِنُونَ يَوْم بَدْر وَاتَّقَوُا اللَّه فَأَمَدَّهُمْ اللَّه بِخَمْسَةِ آلَاف مِنْ الْمَلَائِكَة عَلَى مَا وَعَدَهُمْ ; فَهَذَا كُلّه يَوْم بَدْر . وَقَالَ الْحَسَن : فَهَؤُلَاءِ الْخَمْسَة آلَاف رِدْء لِلْمُؤْمِنِينَ إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . قَالَ الشَّعْبِيّ : بَلَغَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه يَوْم بَدْر أَنَّ كُرْز بْن جَابِر الْمُحَارِبِيّ يُرِيد أَنْ يُمِدّ الْمُشْرِكِينَ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ إِلَى قَوْله : مُسَوِّمِينَ " فَبَلَغَ كُرْزًا الْهَزِيمَة فَلَمْ يُمِدّهُمْ وَرَجَعَ , فَلَمْ يُمِدّهُمْ اللَّه أَيْضًا بِالْخَمْسَةِ آلَاف , وَكَانُوا قَدْ مُدُّوا بِأَلْفٍ . وَقِيلَ : إِنَّمَا وَعَدَ اللَّه الْمُؤْمِنِينَ يَوْم بَدْر إِنْ صَبَرُوا عَلَى طَاعَته , وَاتَّقُوا مَحَارِمه أَنْ يُمِدّهُمْ أَيْضًا فِي حُرُوبهمْ كُلّهَا , فَلَمْ يَصْبِرُوا وَلَمْ يَتَّقُوا مَحَارِمه إِلَّا فِي يَوْم الْأَحْزَاب , فَأَمَدَّهُمْ حِينَ حَاصَرُوا قُرَيْظَة . وَقِيلَ : إِنَّمَا كَانَ هَذَا يَوْم أُحُد , وَعَدَهُمْ اللَّه الْمَدَد إِنْ صَبَرُوا , فَمَا صَبَرُوا فَلَمْ يُمِدّهُمْ بِمَلَكٍ وَاحِد , وَلَوْ أُمِدُّوا لَمَا هُزِمُوا ; قَالَهُ عِكْرِمَة وَالضَّحَّاك . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْت عَنْ يَمِين رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ يَسَاره يَوْم بَدْر رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا ثِيَاب بِيض يُقَاتِلَانِ عَنْهُ أَشَدّ الْقِتَال , مَا رَأَيْتهمَا قَبْل وَلَا بَعْد . قِيلَ لَهُ : لَعَلَّ هَذَا مُخْتَصّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , خَصَّهُ بِمَلَكَيْنِ يُقَاتِلَانِ عَنْهُ , وَلَا يَكُون هَذَا إِمْدَادًا لِلصَّحَابَةِ . وَاَللَّه أَعْلَم . نُزُول الْمَلَائِكَة سَبَب مِنْ أَسْبَاب النَّصْر لَا يَحْتَاج إِلَيْهِ الرَّبّ تَعَالَى , وَإِنَّمَا يَحْتَاج إِلَيْهِ الْمَخْلُوق فَلْيُعَلِّقْ الْقَلْب بِاَللَّهِ وَلْيَثِقْ بِهِ , فَهُوَ النَّاصِر بِسَبَبٍ وَبِغَيْرِ سَبَب ; " إِنَّمَا أَمْره إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُول لَهُ كُنْ فَيَكُون [ يس : 82 ] . وَلَكِنْ أَخْبَرَ بِذَلِكَ لِيَمْتَثِل الْخَلْق مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ الْأَسْبَاب الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْل , " وَلَنْ تَجِد لِسُنَّةِ اللَّه تَبْدِيلًا " [ الْأَحْزَاب : 62 ] , وَلَا يَقْدَح ذَلِكَ فِي التَّوَكُّل . وَهُوَ رَدّ عَلَى مَنْ قَالَ : إِنَّ الْأَسْبَاب إِنَّمَا سُنَّتْ فِي حَقّ الضُّعَفَاء لَا لِلْأَقْوِيَاءِ ; فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه كَانُوا الْأَقْوِيَاء وَغَيْرهمْ هُمْ الضُّعَفَاء ; وَهَذَا وَاضِح . و " مَدَّ " فِي الشَّرّ و " أَمَدَّ " فِي الْخَيْر . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْبَقَرَة . وَقَرَأَ أَبُو حَيْوَة " مُنْزِلِينَ " بِكَسْرِ الزَّاي مُخَفَّفًا , يَعْنِي مُنْزِلِينَ النَّصْر . وَقَرَأَ اِبْن عَامِر مُشَدَّدَة الزَّاي مَفْتُوحَة عَلَى التَّكْثِير .
| مُنزَلِینَ | من السماءِ يُقاتِلون معكم. |
|---|
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian