صفحات الموقع

سورة آل عمران الآية ١١٨

سورة آل عمران الآية ١١٨

یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ بِطَانَةࣰ مِّن دُونِكُمۡ لَا یَأۡلُونَكُمۡ خَبَالࣰا وَدُّوا۟ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَاۤءُ مِنۡ أَفۡوَ ٰ⁠هِهِمۡ وَمَا تُخۡفِی صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَیَّنَّا لَكُمُ ٱلۡـَٔایَـٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ﴿١١٨﴾

التفسير

تفسير السعدي

هذا تحذير من الله لعباده عن ولاية الكفار, واتخاذهم بطانة, أو خصيصة وأصدقاء, يسرون إليهم, ويفضون لهم بأسرار المؤمنين. فوضح لعباده المؤمنين, الأمور الموجبة للبراءة من اتخاذهم بطانة بأنهم لا يألونكم خبالا. أي: هم حريصون غير مقصرين, في إيصال الضرر بكم, وقد بدت البغضاء من كلامهم, وفلتات ألسنتهم, وما تخفيه صدورهم, من البغضاء والعداوة, أكبر مما ظهر لكم من أقوالهم وأفعالهم. فإن كانت لكم, فهوم وعقول, فقد وضح الله لكم أمرهم.

التفسير الميسر

يا أيها الذين صدَّقوا الله ورسوله وعملوا بشرعه، لا تتخذوا الكافرين أولياء من دون المؤمنين، تُطْلعونهم على أسراركم، فهؤلاء لا يَفْتُرون عن إفساد حالكم، وهم يفرحون بما يصيبكم من ضرر ومكروه، وقد ظهرت شدة البغض في كلامهم، وما تخفي صدورهم من العداوة لكم أكبر وأعظم. قد بيَّنَّا لكم البراهين والحجج، لتتعظوا وتحذروا، إن كنتم تعقلون عن الله مواعظه وأمره ونهيه.

تفسير الجلالين

"يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة" أَصْفِيَاء تُطْلِعُونَهُمْ عَلَى سِرّكُمْ "مِنْ دُونكُمْ" أَيْ غَيْركُمْ مِنْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَالْمُنَافِقِينَ "لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا" نُصِبَ بِنَزْعِ الْخَافِض أَيْ لَا يُقَصِّرُونَ لَكُمْ فِي الْفَسَاد "وَدُّوا" تَمَنَّوْا "مَا عَنِتُّمْ" أَيْ عَنَّتَكُمْ وَهُوَ شِدَّة الضَّرَر "قَدْ بَدَتْ" ظَهَرَتْ "الْبَغْضَاء" الْعَدَاوَة لَكُمْ "مِنْ أَفْوَاههمْ" بِالْوَقِيعَةِ فِيكُمْ وَإِطْلَاع الْمُشْرِكِينَ عَلَى سِرّكُمْ "وَمَا تُخْفِي صُدُورهمْ" مِنْ الْعَدَاوَة "أَكْبَر قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الْآيَات" عَلَى عَدَاوَتهمْ "إنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ" ذَلِكَ فَلَا تُوَالُوهُمْ

تفسير ابن كثير

يَقُول تَبَارَكَ وَتَعَالَى نَاهِيًا عِبَاده الْمُؤْمِنِينَ عَنْ اِتِّخَاذ الْمُنَافِقِينَ بِطَانَة أَيْ يُطْلِعُونَهُمْ عَلَى سَرَائِرهمْ وَمَا يُضْمِرُونَهُ لِأَعْدَائِهِمْ وَالْمُنَافِقُونَ بِجُهْدِهِمْ وَطَاقَتهمْ لَا يَأْلُونَ الْمُؤْمِنِينَ خَبَالًا أَيْ يَسْعَوْنَ فِي مُخَالَفَتهمْ وَمَا يَضُرّهُمْ بِكُلِّ مُمْكِن وَبِمَا يَسْتَطِيعُونَ مِنْ الْمَكْر وَالْخَدِيعَة وَيَوَدُّونَ مَا يَعْنَت الْمُؤْمِنِينَ وَيُحْرِجهُمْ وَيَشُقّ عَلَيْهِمْ وَقَوْله تَعَالَى " لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ " أَيْ مِنْ غَيْركُمْ مِنْ أَهْل الْأَدْيَان وَبِطَانَة الرَّجُل هُمْ خَاصَّة أَهْله الَّذِينَ يَطَّلِعُونَ عَلَى دَاخِل أَمْره وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ وَالنَّسَائِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ حَدِيث جَمَاعَة مِنْهُمْ يُونُس وَيَحْيَى بْن سَعِيد وَمُوسَى بْن عُقْبَة وَابْن أَبِي عَتِيق عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي سَعِيد أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " مَا بَعَثَ اللَّه مِنْ نَبِيّ وَلَا اِسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَة إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ بِطَانَة تَأْمُرهُ بِالْخَيْرِ وَتَحُضّهُ عَلَيْهِ وَبِطَانَة تَأْمُرهُ بِالسُّوءِ وَتَحُضّهُ عَلَيْهِ وَالْمَعْصُوم مَنْ عَصَمَهُ اللَّه " وَقَدْ رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ وَمُعَاوِيَة بْن سَلَّام عَنْ الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا بِنَحْوِهِ فَيَحْتَمِل أَنَّهُ عِنْد الزُّهْرِيّ عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْهُمَا وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ عَنْ الزُّهْرِيّ أَيْضًا وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه فَقَالَ : وَقَالَ عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر عَنْ صَفْوَان بْن سَلِيم عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ مَرْفُوعًا فَذَكَرَهُ فَيَحْتَمِل أَنَّهُ عِنْد أَبِي سَلَمَة عَنْ ثَلَاثَة مِنْ الصَّحَابَة وَاَللَّه أَعْلَم وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو أَيُّوب مُحَمَّد بْن الْوَزَّان حَدَّثَنَا عِيسَى بْن يُونُس عَنْ أَبِي حَيَّان التَّيْمِيّ عَنْ أَبِي الزنباع عَنْ اِبْن أَبِي الدِّهْقَانَة قَالَ : قِيلَ لِعُمَرَ بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ إِنَّ هَهُنَا غُلَامًا مِنْ أَهْل الْحِيرَة حَافِظ كَاتِب فَلَوْ اِتَّخَذْته كَاتِبًا فَقَالَ : قَدْ اِتَّخَذْت إِذًا بِطَانَة مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ فَفِي هَذَا الْأَثَر مَعَ هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ أَهْل الذِّمَّة لَا يَجُوز اِسْتِعْمَالهمْ فِي الْكِتَابَة الَّتِي فِيهَا اِسْتِطَالَة عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَاطِّلَاع عَلَى دَوَاخِل أُمُورهمْ الَّتِي يُخْشَى أَنْ يُفْشُوهَا إِلَى الْأَعْدَاء مِنْ أَهْل الْحَرْب وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ " وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو يَعْلَى حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِسْرَائِيل حَدَّثَنَا هُشَيْم حَدَّثَنَا الْعَوَّام عَنْ الْأَزْهَر بْن رَاشِد قَالَ : كَانُوا يَأْتُونَ أَنَسًا فَإِذَا حَدَّثَهُمْ بِحَدِيثٍ لَا يَدْرُونَ مَا هُوَ أَتَوْا الْحَسَن يَعْنِي الْبَصْرِيّ فَيُفَسِّرهُ لَهُمْ قَالَ : فَحَدَّثَ ذَات يَوْم عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ " لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ وَلَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمكُمْ عَرَبِيًّا " فَلَمْ يَدْرُوا مَا هُوَ فَأَتَوْا الْحَسَن فَقَالُوا لَهُ : إِنَّ أَنَسًا حَدَّثَنَا أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ وَلَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمكُمْ عَرَبِيًّا " فَقَالَ الْحَسَن : أَمَّا قَوْله " لَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمكُمْ عَرَبِيًّا " مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا قَوْله " لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ " يَقُول لَا تَسْتَشِيرُوا الْمُشْرِكِينَ فِي أُمُوركُمْ ثُمَّ قَالَ الْحَسَن : تَصْدِيق ذَلِكَ فِي كِتَاب اللَّه " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ " هَكَذَا رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو يَعْلَى رَحِمَهُ اللَّه تَعَالَى وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ مُجَاهِد بْن مُوسَى عَنْ هُشَيْم وَرَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد عَنْ هُشَيْم بِإِسْنَادِهِ مِثْله مِنْ غَيْر ذِكْر تَفْسِير الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَهَذَا التَّفْسِير فِيهِ نَظَر وَمَعْنَاهُ ظَاهِر " لَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمكُمْ عَرَبِيًّا " أَيْ بِخَطِّ عَرَبِيّ لِئَلَّا يُشَابِه نَقْش خَاتَم النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ كَانَ نَقْشه مُحَمَّد رَسُول اللَّه وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح أَنَّهُ نَهَى أَنْ يَنْقُش أَحَد عَلَى نَقْشه وَأَمَّا الِاسْتِضَاءَة بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ فَمَعْنَاهُ لَا تُقَارِبُوهُمْ فِي الْمَنَازِل بِحَيْثُ تَكُونُونَ مَعَهُمْ فِي بِلَادهمْ بَلْ تَبَاعَدُوا مِنْهُمْ وَهَاجِرُوا مِنْ بِلَادهمْ وَلِهَذَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ " لَا تَتَرَاءَى نَارَاهُمَا " وَفِي الْحَدِيث الْآخَر " مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِك أَوْ سَكَنَ مَعَهُ فَهُوَ مِثْله " فَحَمَلَ الْحَدِيث عَلَى مَا قَالَهُ الْحَسَن رَحِمَهُ اللَّه وَالِاسْتِشْهَاد عَلَيْهِ بِالْآيَةِ فِيهِ نَظَر وَاَللَّه أَعْلَم. ثُمَّ قَالَ تَعَالَى " قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاههمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورهمْ أَكْبَر " أَيْ قَدْ لَاحَ عَلَى صَفَحَات وُجُوههمْ وَفَلَتَات أَلْسِنَتهمْ مِنْ الْعَدَاوَة مَعَ مَا هُمْ مُشْتَمِلُونَ عَلَيْهِ فِي صُدُورهمْ مِنْ الْبَغْضَاء لِلْإِسْلَامِ وَأَهْله مَا لَا يَخْفَى مِثْله عَلَى لَبِيب عَامِل وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " قَدْ بَيَّنَا لَكُمْ الْآيَات إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ " .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ تَعَالَى ذِكْره : يَا أَيّهَا الَّذِينَ صَدَّقُوا اللَّه وَرَسُوله , وَأَقَرُّوا بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ نَبِيّهمْ مِنْ عِنْد رَبّهمْ , { لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ } يَقُول : لَا تَتَّخِذُوا أَوْلِيَاء وَأَصْدِقَاء لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ دُونكُمْ , يَقُول : مِنْ دُون أَهْل دِينكُمْ وَمِلَّتكُمْ , يَعْنِي مِنْ غَيْر الْمُؤْمِنِينَ . وَإِنَّمَا جَعَلَ الْبِطَانَة مَثَلًا لِخَلِيلِ الرَّجُل فَشَبَّهَهُ بِمَا وَلِيَ بَطْنه مِنْ ثِيَابه لِحُلُولِهِ مِنْهُ فِي اِطِّلَاعه عَلَى أَسْرَاره , وَمَا يَطْوِيه عَنْ أَبَاعِده وَكَثِير مِنْ أَقَارِبه , مَحَلّ مَا وَلِيَ جَسَده مِنْ ثِيَابه , فَنَهَى اللَّه الْمُؤْمِنِينَ بِهِ أَنْ يَتَّخِذُوا مِنْ الْكُفَّار بِهِ أَخِلَّاء وَأَصْفِيَاء ثُمَّ عَرَّفَهُمْ مَا هُمْ عَلَيْهِ لَهُمْ مُنْطَوُونَ مِنْ الْغِشّ وَالْخِيَانَة , وَبَغْيهمْ إِيَّاهُمْ الْغَوَائِل , فَحَذَّرَهُمْ بِذَلِكَ مِنْهُمْ عَنْ مُخَالَّتهمْ , فَقَالَ تَعَالَى ذِكْره : { لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } يَعْنِي لَا يَسْتَطِيعُونَ شَرًّا , مِنْ أَلَوْت أَلْوًا , يُقَال : مَا أَلَا فُلَان كَذَا , أَيْ مَا اِسْتَطَاعَ , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : جَهْرَاء لَا تَأْلُو إِذَا هِيَ أَظْهَرَتْ بَصَرًا وَلَا مِنْ عَيْلَة تُغْنِينِي يَعْنِي لَا تَسْتَطِيع عِنْد الظُّهْر إِبْصَارًا . وَإِنَّمَا يَعْنِي جَلَّ ذِكْره بِقَوْلِهِ : { لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } الْبِطَانَة الَّتِي نَهَى الْمُؤْمِنِينَ عَنْ اِتِّخَاذهَا مِنْ دُونهمْ , فَقَالَ : إِنَّ هَذِهِ الْبِطَانَة لَا تَتْرُككُمْ طَاقَتهَا خَبَالًا : أَيْ لَا تَدَع جَهْدهَا فِيمَا أَوْرَثَكُمْ الْخَبَال . وَأَصْل الْخَبَال وَالْخَبَال : الْفَسَاد , ثُمَّ يُسْتَعْمَل فِي مَعَادِن كَثِيرَة يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ الْخَبَر عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ أُصِيبَ بِخَبَلٍ - أَوْ جِرَاح " . وَأَمَّا قَوْله : { وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَدُّوا عَنَتكُمْ , يَقُول : يَتَمَنَّوْنَ لَكُمْ الْعَنَت وَالشَّرّ فِي دِينكُمْ وَمَا يَسُوءكُمْ وَلَا يَسُرّكُمْ . ذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ فِي قَوْم مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا حُلَفَاءَهُمْ مِنْ الْيَهُود وَأَهْل النِّفَاق مِنْهُمْ , وَيُصَادِفُونَهُمْ الْمَوَدَّة بِالْأَسْبَابِ الَّتِي كَانَتْ بَيْنهمْ فِي جَاهِلِيَّتهمْ قَبْل الْإِسْلَام , فَنَهَاهُمْ اللَّه عَنْ ذَلِكَ وَأَنْ يَسْتَنْصِحُوهُمْ فِي شَيْء مِنْ أُمُورهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6075 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق , قَالَ : قَالَ مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ عِكْرِمَة , أَوْ عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَ رِجَال مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُوَاصِلُونَ رِجَالًا مِنْ الْيَهُود لِمَا كَانَ بَيْنهمْ مِنْ الْجِوَار وَالْحِلْف فِي الْجَاهِلِيَّة , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ , فَنَهَاهُمْ عَنْ مُبَاطَنَتِهِمْ تَخَوُّفَ الْفِتْنَة عَلَيْهِمْ مِنْهُمْ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ } إِلَى قَوْله : { وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلّه } 6076 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } فِي الْمُنَافِقِينَ مِنْ أَهْل الْمَدِينَة , نَهَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَوَلَّوْهُمْ . 6077 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } نَهَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَسْتَدْخِلُوا الْمُنَافِقِينَ أَوْ يُؤَاخُوهُمْ , أَيْ يَتَوَلَّوْهُمْ مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ . 6078 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ } هُمْ الْمُنَافِقُونَ . 6079 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار . قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } يَقُول : لَا تَسْتَدْخِلُوا الْمُنَافِقِينَ , تَتَوَلَّوْهُمْ دُون الْمُؤْمِنِينَ . 6080 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَيَعْقُوب بْن إِبْرَاهِيم , قَالَا : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا الْعَوَّام بْن حَوْشَب , عَنْ الْأَزْهَر بْن رَاشِد , عَنْ أَنَس بْن مَالِك , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ أَهْل الشِّرْك , وَلَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمكُمْ عَرَبِيًّا " قَالَ : فَلَمْ نَدْرِ مَا ذَلِكَ حَتَّى أَتَوْا الْحَسَن فَسَأَلُوهُ , فَقَالَ : نَعَمْ , أَمَّا قَوْله : " لَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمكُمْ عَرَبِيًّا " , فَإِنَّهُ يَقُول : لَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمكُمْ " مُحَمَّد " ; وَأَمَّا قَوْله : " وَلَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ أَهْل الشِّرْك " , فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ الْمُشْرِكِينَ , يَقُول : لَا تَسْتَشِيرُوهُمْ فِي شَيْء مِنْ أُمُوركُمْ . قَالَ : قَالَ الْحَسَن : وَتَصْدِيق ذَلِكَ فِي كِتَاب اللَّه , ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ } . 6081 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ } أَمَّا الْبِطَانَة : فَهُمْ الْمُنَافِقُونَ . 6082 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ } . .. الْآيَة , قَالَ : لَا يَسْتَدْخِل الْمُؤْمِن الْمُنَافِق دُون أَخِيهِ . 6083 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ } . .. الْآيَة , قَالَ : هَؤُلَاءِ الْمُنَافِقُونَ , وَقَرَأَ قَوْله : { قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاههمْ } . .. الْآيَة . وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيل قَوْله { وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } فَقَالَ بَعْضهمْ مَعْنَاهُ : وَدُّوا مَا ضَلَلْتُمْ عَنْ دِينكُمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6084 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ . : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } يَقُول : مَا ضَلَلْتُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ بِمَا : 6085 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج : { وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } يَقُول فِي دِينكُمْ , يَعْنِي : أَنَّهُمْ يَوَدُّونَ أَنْ تَعْنَتُوا فِي دِينكُمْ . فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِل : وَكَيْفَ قِيلَ : { وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } فَجَاءَ بِالْخَبَرِ عَنْ الْبِطَانَة بِلَفْظِ الْمَاضِي فِي مَحَلّ الْحَال وَالْقَطْع بَعْد تَمَام الْخَبَر , وَالْحَالَات الَّتِي لَا تَكُون إِلَّا بِصُوَرِ الْأَسْمَاء وَالْأَفْعَال الْمُسْتَقْبَلَة دُون الْمَاضِيَة مِنْهَا ؟ قِيلَ : لَيْسَ الْأَمْر فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ظَنَنْت مِنْ أَنَّ قَوْله : { وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } حَال مِنْ الْبِطَانَة , وَإِنَّمَا هُوَ خَبَر عَنْهُمْ ثَانٍ , مُنْقَطِع عَنْ الْأَوَّل غَيْر مُتَّصِل بِهِ . وَإِنَّمَا تَأْوِيل الْكَلَام : يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة صِفَتهمْ كَذَا صِفَتهمْ كَذَا . فَالْخَبَر عَنْ الصِّفَة الثَّانِيَة غَيْر مُتَّصِل بِالصِّفَةِ الْأُولَى , وَإِنْ كَانَتَا جَمِيعًا مِنْ صِفَة شَخْص وَاحِد . وَقَدْ زَعَمَ بَعْض أَهْل الْعَرَبِيَّة أَنَّ قَوْله : { وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } مِنْ صِلَة الْبِطَانَة , وَقَدْ وُصِلَتْ بِقَوْلِهِ : { لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا } فَلَا وَجْه لِصِلَةٍ أُخْرَى بَعْد تَمَام الْبِطَانَة بِصِلَتِهِ , وَلَكِنَّ الْقَوْل فِي ذَلِكَ كَمَا بَيَّنَّا قَبْل مِنْ أَنَّ قَوْله : { وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ } خَبَر مُبْتَدَأ عَنْ الْبِطَانَة غَيْر الْخَبَر الْأَوَّل , وَغَيْر حَال مِنْ الْبِطَانَة وَلَا قُطِعَ مِنْهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاههمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قَدْ بَدَتْ بَغْضَاء هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَهَيْتُكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْ تَتَّخِذُوهُمْ بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ لَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ , يَعْنِي بِأَلْسِنَتِهِمْ . وَاَلَّذِي بَدَا لَهُمْ مِنْهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ إِقَامَتهمْ عَلَى كُفْرهمْ , وَعَدَاوَتهمْ مَنْ خَالَفَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مُقِيمُونَ مِنْ الضَّلَالَة , فَذَلِكَ مِنْ أَوْكَد الْأَسْبَاب مِنْ مُعَادَاتهمْ أَهْل الْإِيمَان , لِأَنَّ ذَلِكَ عَدَاوَة عَلَى الدِّين , وَالْعَدَاوَة عَلَى الدِّين , الْعَدَاوَة الَّتِي لَا زَوَال لَهَا إِلَّا بِانْتِقَالِ أَحَد الْمُتَعَادِيَيْنِ إِلَى مِلَّة الْآخَر مِنْهُمَا , وَذَلِكَ اِنْتِقَال مِنْ هُدًى إِلَّا ضَلَالَة كَانَتْ عِنْد الْمُنْتَقِل إِلَيْهَا ضَلَالَة قَبْل ذَلِكَ , فَكَانَ فِي إِبْدَائِهِمْ ذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَمُقَامهمْ عَلَيْهِ أَبْيَن الدَّلَالَة لِأَهْلِ الْإِيمَان عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْبَغْضَاء وَالْعَدَاوَة . وَقَدْ قَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى قَوْله : { قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاههمْ } قَدْ بَدَتْ بَغْضَاؤُهُمْ لِأَهْلِ الْإِيمَان إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَأَهْل الْكُفْر بِإِطْلَاعِ بَعْضهمْ بَعْضًا عَلَى ذَلِكَ . وَزَعَمَ قَائِلُو هَذِهِ الْمَقَالَة أَنَّ الَّذِينَ عَنَوْا بِهَذِهِ الْآيَة : أَهْل النِّفَاق , دُون مَنْ كَانَ مُصَرِّحًا بِالْكُفْرِ مِنْ الْيَهُود وَأَهْل الشِّرْك . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ 6086 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاههمْ } يَقُول : قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاه الْمُنَافِقِينَ إِلَى إِخْوَانهمْ مِنْ الْكُفَّار , مِنْ غِشّهمْ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْله وَبُغْضهمْ إِيَّاهُمْ . 6087 - حُدِّثْنَا عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاههمْ } يَقُول : مِنْ أَفْوَاه الْمُنَافِقِينَ . وَهَذَا الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ قَتَادَة قَوْل لَا مَعْنًى لَهُ , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره إِنَّمَا نَهَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَّخِذُوا بِطَانَة مِمَّنْ قَدْ عُرِفُوهُ بِالْغِشِّ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْله , وَالْبَغْضَاء إِمَّا بِأَدِلَّةِ ظَاهِرَة دَالَّة عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَتهمْ , وَإِمَّا بِإِظْهَارِ الْمَوْصُوفِينَ بِذَلِكَ الْعَدَاوَة وَالشَّنَآن وَالْمُنَاصَبَة لَهُمْ . فَأَمَّا مَنْ لَمْ يُثْبِتُوهُ مَعْرِفَة أَنَّهُ الَّذِي نَهَاهُمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ مُخَالَّته وَمُبَاطَنَتِهِ , فَغَيْر جَائِز أَنْ يَكُونُوا نَهَوْا عَنْ مُخَالَّته وَمُصَادَقَته إِلَّا بَعْد تَعْرِيفهمْ إِيَّاهُمْ , إِمَّا بِأَعْيَانِهِمْ وَأَسْمَائِهِمْ , وَإِمَّا بِصِفَاتٍ قَدْ عَرَفُوهُمْ بِهَا . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , وَكَانَ إِبْدَاء الْمُنَافِقِينَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا فِي قُلُوبهمْ مِنْ بَغْضَاء الْمُؤْمِنِينَ إِلَى إِخْوَانهمْ مِنْ الْكُفَّار , غَيْر مُدْرِك بِهِ الْمُؤْمِنُونَ مَعْرِفَة مَا هُمْ عَلَيْهِ لَهُمْ مَعَ إِظْهَارهمْ الْإِيمَان بِأَلْسِنَتِهِمْ لَهُمْ وَالتَّوَدُّد إِلَيْهِمْ , كَانَ بَيِّنًا أَنَّ الَّذِي نَهَى اللَّه الْمُؤْمِنُونَ عَنْ اِتِّخَاذهمْ لِأَنْفُسِهِمْ بِطَانَة دُونهمْ , هُمْ الَّذِينَ قَدْ ظَهَرَتْ لَهُمْ بَغْضَاؤُهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ عَلَى مَا وَصَفَهُمْ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِهِ , فَعَرَفَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ بِالصِّفَةِ الَّتِي نَعَتَهُمْ اللَّه بِهَا , وَأَنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ تَعَالَى ذِكْره بِأَنَّهُمْ أَصْحَاب النَّار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ مِمَّنْ كَانَ لَهُ ذِمَّة وَعَهْد مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه مِنْ أَهْل الْكِتَاب , لِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا الْمُنَافِقِينَ لَكَانَ الْأَمْر فِيهِمْ عَلَى مَا قَدْ بَيَّنَّا , وَلَوْ كَانُوا الْكُفَّار مِمَّنْ قَدْ نَاصَبَ الْمُؤْمِنِينَ الْحَرْب , لَمْ يَكُنْ الْمُؤْمِنُونَ مُتَّخِذِيهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ بِطَانَة مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ مَعَ اِخْتِلَاف بِلَادهمْ وَافْتِرَاق أَمْصَارهمْ , وَلَكِنَّهُمْ الَّذِينَ كَانُوا بَيْن أَظْهُر الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْل الْكِتَاب أَيَّام رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , مِمَّنْ كَانَ لَهُ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهْد وَعَقْد مِنْ يَهُود بَنِي إِسْرَائِيل . وَالْبَغْضَاء : مَصْدَر , وَقَدْ ذُكِرَ أَنَّهَا فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : " قَدْ بَدَا الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاههمْ " , عَلَى وَجْه التَّذْكِير , وَإِنَّمَا جَازَ ذَلِكَ بِالتَّذْكِيرِ وَلَفْظه لَفْظ الْمُؤَنَّث , لِأَنَّ الْمَصَادِر تَأْنِيثهَا لَيْسَ بِالتَّأْنِيثِ اللَّازِم , فَيَجُوز تَذْكِير مَا خَرَجَ مِنْهَا عَلَى لَفْظ الْمُؤَنَّث وَتَأْنِيثه , كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلَّ : { وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَة } 11 67 وَكَمَا قَالَ : { فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَة مِنْ رَبّكُمْ } 6 157 وَفِي مَوْضِع آخَر : { وَأَخَذَتْ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَة } 11 94 { وَجَاءَتْكُمْ بَيِّنَة مِنْ رَبّكُمْ } 7 73 , 85 وَقَالَ : { مِنْ أَفْوَاههمْ } وَإِنَّمَا بَدَا مَا بَدَا مِنْ الْبَغْضَاء بِأَلْسِنَتِهِمْ , لِأَنَّ الْمَعْنِيّ بِهِ الْكَلَام الَّذِي ظَهَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ مِنْ أَفْوَاههمْ , فَقَالَ : قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاههمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَمَا تُخْفِي صُدُورهمْ أَكْبَر } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : وَاَلَّذِي تُخْفِي صُدُورهمْ , يَعْنِي صُدُور هَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَهَاهُمْ عَنْ اِتِّخَاذهمْ بِطَانَة فَتُخْفِيه عَنْكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَكْبَر , يَقُول : أَكْبَر مِمَّا قَدْ بَدَا لَكُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ أَفْوَاههمْ مِنْ الْبَغْضَاء وَأَعْظَم . كَمَا : 6088 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَمَا تُخْفِي صُدُورهمْ أَكْبَر } يَقُول : وَمَا تُخْفِي صُدُورهمْ أَكْبَر مِمَّا قَدْ أَبْدَوْا بِأَلْسِنَتِهِمْ . 6089 - حُدِّثْنَا عَنْ عَمَّار , عَنْ اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , قَوْله : { وَمَا تُخْفِي صُدُورهمْ أَكْبَر } يَقُول : مَا تُكِنّ صُدُورهمْ أَكْبَر مِمَّا قَدْ أَبْدَوْا بِأَلْسِنَتِهِمْ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ الْآيَات إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْآيَات , يَعْنِي بِالْآيَاتِ : الْعِبَر , قَدْ بَيَّنَّا لَكُمْ مِنْ أَمْر هَؤُلَاءِ الْيَهُود الَّذِينَ نَهَيْنَاكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوهُمْ بِطَانَة مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ مَا تَعْتَبِرُونَ وَتَتَّعِظُونَ بِهِ مِنْ أَمْرهمْ , { إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ } يَعْنِي : إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ عَنْ اللَّه مَوَاعِظه وَأَمْره وَنَهْيه , وَتَعْرِفُونَ مَوَاقِع نَفْع ذَلِكَ مِنْكُمْ وَمَبْلَغ عَائِدَته عَلَيْكُمْ .

تفسير القرطبي

فِيهِ سِتّ مَسَائِل : الْأُولَى : أَكَّدَ اللَّه تَعَالَى الزَّجْر عَنْ الرُّكُون إِلَى الْكُفَّار . وَهُوَ مُتَّصِل بِمَا سَبَقَ مِنْ قَوْله : " إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب " [ آل عِمْرَان : 100 ] . وَالْبِطَانَة مَصْدَر , يُسَمَّى بِهِ الْوَاحِد وَالْجَمْع . وَبِطَانَة الرَّجُل خَاصَّته الَّذِينَ يَسْتَبْطِنُونَ أَمْرَهُ , وَأَصْله مِنْ الْبَطْن الَّذِي هُوَ خِلَاف الظَّهْر . وَبَطَنَ فُلَان بِفُلَانٍ يَبْطُن بُطُونًا وَبِطَانَة إِذَا كَانَ خَاصًّا بِهِ . قَالَ الشَّاعِر : أُولَئِكَ خُلَصَائِي نَعَمْ وَبِطَانَتِي وَهُمْ عَيْبَتِي مِنْ دُون كُلّ قَرِيب الثَّانِيَة : نَهَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ الْمُؤْمِنِينَ بِهَذِهِ الْآيَة أَنْ يَتَّخِذُوا مِنْ الْكُفَّار وَالْيَهُود وَأَهْل الْأَهْوَاء دُخَلَاء وَوُلَجَاء , يُفَاوِضُونَهُمْ فِي الْآرَاء , وَيُسْنِدُونَ إِلَيْهِمْ أُمُورهمْ . وَيُقَال : كُلّ مَنْ كَانَ عَلَى خِلَاف مَذْهَبك وَدِينك فَلَا يَنْبَغِي لَك أَنْ تُحَادِثهُ ; قَالَ الشَّاعِر : عَنْ الْمَرْء لَا تَسْأَل وَسَلْ عَنْ قَرِينه فَكُلّ قَرِين بِالْمُقَارِنِ يَقْتَدِي وَفِي سُنَن أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( الْمَرْء عَلَى دِين خَلِيله فَلْيَنْظُرْ أَحَدكُمْ مَنْ يُخَالِلْ ) . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود أَنَّهُ قَالَ : اِعْتَبِرُوا النَّاس بِإِخْوَانِهِمْ . ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالَى الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ نَهَى عَنْ الْمُوَاصَلَة فَقَالَ : " لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا " يَقُول فَسَادًا . يَعْنِي لَا يَتْرُكُونَ الْجَهْد فِي فَسَادكُمْ , يَعْنِي أَنَّهُمْ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الظَّاهِر فَإِنَّهُمْ لَا يَتْرُكُونَ الْجَهْد فِي الْمَكْر وَالْخَدِيعَة , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي أُمَامَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا " قَالَ : ( هُمْ الْخَوَارِج ) . وَرُوِيَ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ اِسْتَكْتَبَ ذِمِّيًّا فَكَتَبَ إِلَيْهِ عُمَر يُعَنِّفهُ وَتَلَا عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَة . وَقَدِمَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَلَى عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا بِحِسَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى عُمَر فَأَعْجَبَهُ , وَجَاءَ عُمَر كِتَاب فَقَالَ لِأَبِي مُوسَى : أَيْنَ كَاتِبك يَقْرَأ هَذَا الْكِتَاب عَلَى النَّاس ؟ فَقَالَ : إِنَّهُ لَا يَدْخُل الْمَسْجِد . فَقَالَ لِمَ ! أَجْنَبَ هُوَ ؟ قَالَ : إِنَّهُ نَصْرَانِيّ ; فَانْتَهَرَهُ وَقَالَ : لَا تُدْنِهِمْ وَقَدْ أَقْصَاهُمْ اللَّه , وَلَا تُكْرِمهُمْ وَقَدْ أَهَانَهُمْ اللَّه , وَلَا تَأْمَنهُمْ وَقَدْ خَوَّنَهُمْ اللَّه . وَعَنْ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : لَا تَسْتَعْمِلُوا أَهْل الْكِتَاب فَإِنَّهُمْ يَسْتَحِلُّونَ الرِّشَا , وَاسْتَعِينُوا عَلَى أُمُوركُمْ وَعَلَى رَعِيَّتكُمْ بِاَلَّذِينَ يَخْشَوْنَ اللَّه تَعَالَى . وَقِيلَ لِعُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : إِنَّ هَهُنَا رَجُلًا مِنْ نَصَارَى الْحِيرَة لَا أَحَد أَكْتَب مِنْهُ وَلَا أَخَطّ بِقَلَمٍ أَفَلَا يَكْتُب عَنْك ؟ فَقَالَ : لَا آخُذ بِطَانَة مِنْ دُون الْمُؤْمِنِينَ . فَلَا يَجُوز اِسْتِكْتَاب أَهْل الذِّمَّة , وَلَا غَيْر ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفَاتهمْ فِي الْبَيْع وَالشِّرَاء وَالِاسْتِنَابَة إِلَيْهِمْ . قُلْت : وَقَدْ اِنْقَلَبَتْ الْأَحْوَال فِي هَذِهِ الْأَزْمَان بِاِتِّخَاذِ أَهْل الْكِتَاب كَتَبَة وَأُمَنَاء وَتَسْوَدُّوا بِذَلِكَ عِنْد الْجَهَلَة الْأَغْبِيَاء مِنْ الْوُلَاة وَالْأُمَرَاء . رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا بَعَثَ اللَّه مِنْ نَبِيّ وَلَا اِسْتَخْلَفَ مِنْ خَلِيفَة إِلَّا كَانَتْ لَهُ بِطَانَتَانِ بِطَانَة تَأْمُرهُ بِالْمَعْرُوفِ وَتَحُضّهُ عَلَيْهِ وَبِطَانَة تَأْمُرهُ بِالشَّرِّ وَتَحُضّهُ عَلَيْهِ فَالْمَعْصُوم مَنْ عَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى ) . وَرَوَى أَنَس بْن مَالِك قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَسْتَضِيئُوا بِنَارِ الْمُشْرِكِينَ وَلَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمكُمْ غَرِيبًا ) . فَسَّرَهُ الْحَسَن بْن أَبِي الْحَسَن فَقَالَ : أَرَادَ عَلَيْهِ السَّلَام لَا تَسْتَشِيرُوا الْمُشْرِكِينَ فِي شَيْء مِنْ أُمُوركُمْ , وَلَا تَنْقُشُوا فِي خَوَاتِيمكُمْ مُحَمَّدًا . قَالَ الْحَسَن : وَتَصْدِيق ذَلِكَ فِي كِتَاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ " الْآيَة . الثَّالِثَة : قَوْله تَعَالَى : " مِنْ دُونكُمْ " أَيْ مِنْ سِوَاكُمْ . قَالَ الْفَرَّاء : " وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُون ذَلِكَ " أَيْ سِوَى ذَلِكَ . وَقِيلَ : " مِنْ دُونكُمْ " يَعْنِي فِي السَّيْر وَحُسْن الْمَذْهَب . وَمَعْنَى " لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا " لَا يُقَصِّرُونَ فِيمَا فِيهِ الْفَسَاد عَلَيْكُمْ . وَهُوَ فِي مَوْضِع الصِّفَة ل " بِطَانَة مِنْ دُونكُمْ " . يُقَال : لَا آلُو جَهْدًا أَيْ لَا أُقَصِّر . وَأَلَوْت أَلْوًا قَصَّرْت ; قَالَ امْرُؤُ الْقَيْس : وَمَا الْمَرْء مَا دَامَتْ حُشَاشَة نَفْسه بِمُدْرِكٍ اَطْرَافَ الْخُطُوب وَلَا آل وَالْخَبَال : الْخَبَل . وَالْخَبَل : الْفَسَاد ; وَقَدْ يَكُون ذَلِكَ فِي الْأَفْعَال وَالْأَبْدَان وَالْعُقُول . وَفِي الْحَدِيث : ( مَنْ أُصِيبَ بِدَمٍ أَوْ خَبَل ) أَيْ جُرْح يُفْسِد الْعُضْو . وَالْخَبَل : فَسَاد الْأَعْضَاء , وَرَجُل خَبَل وَمُخْتَبِل , وَخَبَلَهُ الْحُبّ أَيْ أَفْسَدَهُ . قَالَ أَوْس : أَبَنِي لُبَيْنَى لَسْتُمْ بِيَدٍ إِلَّا يَدًا مَخْبُولَة الْعَضُد أَيْ فَاسِدَة الْعَضُد . وَأَنْشَدَ الْفَرَّاء : نَظَرَ اِبْن سَعْد نَظْرَة وَبَّتْ بِهَا كَانَتْ لِصُحْبِك وَالْمَطِيّ خَبَالَا أَيْ فَسَاد . وَانْتَصَبَ ( خَبَالًا ) بِالْمَفْعُولِ الثَّانِي ; لِأَنَّ الْأَلْو يَتَعَدَّى إِلَى مَفْعُولَيْنِ , وَإِنْ شِئْت عَلَى الْمَصْدَر , أَيْ يَخْبِلُونَكُمْ خَبَالًا : وَإِنْ شِئْت بِنَزْعِ الْخَافِض , أَيْ بِالْخَبَالِ ; كَمَا قَالُوا : أَوْجَعْته ضَرْبًا : " وَمَا " فِي قَوْله : " وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ " مَصْدَرِيَّة , أَيْ وَدُّوا عَنَتكُمْ . أَيْ مَا يَشُقّ عَلَيْكُمْ . وَالْعَنَت الْمَشَقَّة , وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " مَعْنَاهُ . الرَّابِعَة : قَوْله تَعَالَى : " قَدْ بَدَتْ الْبَغْضَاء مِنْ أَفْوَاههمْ " يَعْنِي ظَهَرَتْ الْعَدَاوَة وَالتَّكْذِيب لَكُمْ مِنْ أَفْوَاههمْ . وَالْبَغْضَاء : الْبُغْض , وَهُوَ ضِدّ الْحُبّ . وَالْبَغْضَاء مَصْدَر مُؤَنَّث . وَخَصَّ تَعَالَى الْأَفْوَاه بِالذِّكْرِ دُون الْأَلْسِنَة إِشَارَة إِلَى تَشَدُّقهمْ وَثَرْثَرَتهمْ فِي أَقْوَالهمْ هَذِهِ , فَهُمْ فَوْق الْمُتَسَتِّر الَّذِي تَبْدُو الْبَغْضَاء فِي عَيْنَيْهِ . وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى نَهْيه عَلَيْهِ السَّلَام أَنْ يَشْتَحِيَ الرَّجُل فَاهُ فِي عِرْض أَخِيهِ . مَعْنَاهُ أَنْ يَفْتَح ; يُقَال : شَحَى الْحِمَار فَاهُ بِالنَّهِيقِ , وَشَحَى الْفَم نَفْسه . وَشَحَى اللِّجَام فَم الْفَرَس شَحْيًا , وَجَاءَتْ الْخَيْل شَوَاحِي : فَاتِحَات أَفْوَاههَا . وَلَا يُفْهَم مِنْ هَذَا الْحَدِيث دَلِيل خِطَاب عَلَى الْجَوَاز فَيَأْخُذ أَحَد فِي عِرْض أَخِيهِ هَمْسًا ; فَإِنَّ ذَلِكَ يَحْرُم بِاتِّفَاقٍ مِنْ الْعُلَمَاء . وَفِي التَّنْزِيل " وَلَا يَغْتَبْ بَعْضكُمْ بَعْضًا " [ الْحُجُرَات : 12 ] الْآيَة . وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالكُمْ وَأَعْرَاضكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَام ) . فَذِكْر الشَّحْو إِنَّمَا هُوَ إِشَارَة إِلَى التَّشَدُّق وَالِانْبِسَاط , فَاعْلَمْ . الْخَامِسَة : وَفِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ شَهَادَة الْعَدُوّ عَلَى عَدُوّهُ لَا يَجُوز , وَبِذَلِكَ قَالَ أَهْل الْمَدِينَة وَأَهْل الْحِجَاز ; وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَة جَوَاز ذَلِكَ . وَحَكَى اِبْن بَطَّال عَنْ اِبْن شَعْبَان أَنَّهُ قَالَ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لَا تَجُوز شَهَادَة الْعَدُوّ عَلَى عَدُوّهُ فِي شَيْء وَإِنْ كَانَ عَدْلًا , وَالْعَدَاوَة تُزِيل الْعَدَالَة فَكَيْفَ بِعَدَاوَةِ كَافِر . السَّادِسَة : قَوْله تَعَالَى : " وَمَا تُخْفِي صُدُورهمْ أَكْبَر " إِخْبَار وَإِعْلَام بِأَنَّهُمْ يُبْطِنُونَ مِنْ الْبَغْضَاء أَكْثَر مِمَّا يُظْهِرُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ . وَقَرَأَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : " قَدْ بَدَأَ الْبَغْضَاء " بِتَذْكِيرِ الْفِعْل ; لَمَّا كَانَتْ الْبَغْضَاء بِمَعْنَى الْبُغْض .

غريب الآية
یَـٰۤأَیُّهَا ٱلَّذِینَ ءَامَنُوا۟ لَا تَتَّخِذُوا۟ بِطَانَةࣰ مِّن دُونِكُمۡ لَا یَأۡلُونَكُمۡ خَبَالࣰا وَدُّوا۟ مَا عَنِتُّمۡ قَدۡ بَدَتِ ٱلۡبَغۡضَاۤءُ مِنۡ أَفۡوَ ٰ⁠هِهِمۡ وَمَا تُخۡفِی صُدُورُهُمۡ أَكۡبَرُۚ قَدۡ بَیَّنَّا لَكُمُ ٱلۡـَٔایَـٰتِۖ إِن كُنتُمۡ تَعۡقِلُونَ ﴿١١٨﴾
كُنتُمۡأنتم يا أمةَ محمدٍ ﷺ، على الشَّرْطِ المذكورِ.
بِطَانَةࣰ مِّن دُونِكُمۡأصفياءَ مِنْ دونِ المؤمنين، تُطْلِعُونَهم على أسرارِكم.
لَا یَأۡلُونَكُمۡ خَبَالࣰالا يُقَصِّرُون في إفسادِ حالِكم .
مَا عَنِتُّمۡمَشَقَّتَكم.
ٱلۡـَٔایَـٰتِۖ: الحُجَجَ.
الإعراب
(يَاأَيُّهَا)
(يَا) : حَرْفُ نِدَاءٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ(أَيُّ) : مُنَادًى مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ، وَ(هَا) : حَرْفُ تَنْبِيهٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الَّذِينَ)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ نَعْتٌ.
(آمَنُوا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(لَا)
حَرْفُ نَهْيٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَتَّخِذُوا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(بِطَانَةً)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(دُونِكُمْ)
اسْمٌ ظَرْفِيٌّ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(لَا)
حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يَأْلُونَكُمْ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(خَبَالًا)
مَفْعُولٌ بِهِ ثَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَدُّوا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(مَا)
حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(عَنِتُّمْ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ، وَ"تَاءُ الْفَاعِلِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ (مَا عَنِتُّمْ) : فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(قَدْ)
حَرْفُ تَحْقِيقٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(بَدَتِ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ الْمُقَدَّرِ لِلتَّعَذُّرِ عَلَى الْأَلِفِ الْمَحْذُوفَةِ، وَ"التَّاءُ" حَرْفُ تَأْنِيثٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(الْبَغْضَاءُ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(أَفْوَاهِهِمْ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَمَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ حَالٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مَا) : اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(تُخْفِي)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلثِّقَلِ.
(صُدُورُهُمْ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(أَكْبَرُ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ حَالٌ.
(قَدْ)
حَرْفُ تَحْقِيقٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(بَيَّنَّا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(لَكُمُ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(الْآيَاتِ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُؤَنَّثٍ سَالِمٌ.
(إِنْ)
حَرْفُ شَرْطٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(كُنْتُمْ)
فِعْلٌ مَاضٍ نَاسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ فِعْلُ الشَّرْطِ، وَ"تَاءُ الْفَاعِلِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ اسْمُ كَانَ.
(تَعْقِلُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ خَبَرُ كَانَ.