صفحات الموقع

سورة آل عمران الآية ١٠٦

سورة آل عمران الآية ١٠٦

یَوۡمَ تَبۡیَضُّ وُجُوهࣱ وَتَسۡوَدُّ وُجُوهࣱۚ فَأَمَّا ٱلَّذِینَ ٱسۡوَدَّتۡ وُجُوهُهُمۡ أَكَفَرۡتُم بَعۡدَ إِیمَـٰنِكُمۡ فَذُوقُوا۟ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ﴿١٠٦﴾

التفسير

تفسير السعدي

ثم بين متى يكون هذا العذاب العظيم, ويمسهم هذا العذاب الأليم فقال: " يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ " الآيتين. يخبر تعالى, بتفاوت الخلق يوم القيامة, في السعادة والشقاوة. وأنه تبيض وجوه أهل السعادة, الذين آمنوا بالله, وصدقوا رسله, وامتثلوا أمره, واجتنبوا نهيه. وأن الله تعالى, يدخلهم الجنات, ويفيض عليهم أنواع الكرامات, وهم فيها خالدون. وتسود وجوه أهل الشقاوة, الذين كذبوا رسله, وعصوا أمره, وفرقوا دينهم شيعا وأنهم يوبخون فيقال لهم " أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ " فكيف اخترتم الكفر على الإيمان؟!. " فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ " .

التفسير الميسر

يوم القيامة تَبْيَضُّ وجوه أهل السعادة الذين آمنوا بالله ورسوله، وامتثلوا أمره، وتَسْوَدُّ وجوه أهل الشقاوة ممن كذبوا رسوله، وعصوا أمره. فأما الذين اسودَّت وجوههم، فيقال لهم توبيخًا: أكفرتم بعد إيمانكم، فاخترتم الكفر على الإيمان؟ فذوقوا العذاب بسبب كفركم.

تفسير الجلالين

"يَوْم تَبْيَضّ وُجُوه وَتَسْوَدّ وُجُوه" أَيْ يَوْم الْقِيَامَة "فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوههمْ" وَهُمْ الْكَافِرُونَ فَيُلْقَوْنَ فِي النَّار وَيُقَال لَهُمْ تَوْبِيخًا "أَكَفَرْتُمْ بَعْد إيمَانكُمْ" يَوْم أَخْذ الْمِيثَاق

تفسير ابن كثير

وَقَوْله تَعَالَى " يَوْم تَبْيَضّ وُجُوه وَتَسْوَدّ وُجُوه " يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة حِين تَبْيَضّ وُجُوه أَهْل السُّنَّة وَالْجَمَاعَة وَتَسْوَدّ وُجُوه أَهْل الْبِدْعَة وَالْفُرْقَة قَالَهُ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا " فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوههمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ " قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ : وَهُمْ الْمُنَافِقُونَ " فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ " وَهَذَا الْوَصْف يَعُمّ كُلّ كَافِر.

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَوْم تَبْيَضّ وُجُوه وَتَسْوَدّ وُجُوه فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوههمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَاب عَظِيم فِي يَوْم تَبْيَضّ وُجُوه وَتَسْوَدّ وُجُوه . وَأَمَّا قَوْله : { فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوههمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوههمْ , فَيُقَال لَهُمْ : { أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } . وَلَا بُدّ لِ " أَمَّا " مِنْ جَوَاب بِالْفَاءِ , فَلَمَّا أُسْقِطَ الْجَوَاب سَقَطَتْ الْفَاء مَعَهُ , وَإِنَّمَا جَازَ تَرْك ذِكْر " فَيُقَال " لِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْكَلَام عَلَيْهِ . وَأَمَّا مَعْنَى قَوْله جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ } فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل اِخْتَلَفُوا فِيمَنْ عُنِيَ بِهِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : عُنِيَ بِهِ أَهْل قِبْلَتنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6007 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَاده , قَوْله : { يَوْم تَبْيَضّ وُجُوه وَتَسْوَدّ وُجُوه } . .. الْآيَة , لَقَدْ كَفَرَ أَقْوَام بَعْد إِيمَانهمْ كَمَا تَسْمَعُونَ , وَلَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " وَاَلَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ , لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ الْحَوْض مِمَّنْ صَحِبَنِي أَقْوَام , حَتَّى إِذَا رُفِعُوا إِلَيَّ وَرَأَيْتهمْ اخْتُلِجُوا دُونِي , فَلَأَقُولَنَّ رَبّ أَصْحَابِي أَصْحَابِي , فَلَيُقَالَنَّ إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدك " . وَقَوْله : { وَأَمَّا الَّذِينَ اِبْيَضَّتْ وُجُوههمْ فَفِي رَحْمَة اللَّه } هَؤُلَاءِ أَهْل طَاعَة اللَّه وَالْوَفَاء بِعَهْدِ اللَّه , قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { فَفِي رَحْمَة اللَّه هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } 6008 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { يَوْم تَبْيَضّ وُجُوه وَتَسْوَدّ وُجُوه فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوههمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } فَهَذَا مَنْ كَفَرَ مِنْ أَهْل الْقِبْلَة حِين اِقْتَتَلُوا 6009 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة وَالرَّبِيع بْن صُبَيْح , عَنْ أَبِي مُجَالِد , عَنْ أَبِي أُمَامَة : { فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوههمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ } قَالَ : هُمْ الْخَوَارِج . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ كُلّ مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ بَعْد الْإِيمَان الَّذِي آمَنَ حِين أَخَذَ اللَّه مِنْ صُلْب آدَم ذُرِّيَّته وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسهمْ بِمَا بَيَّنَ فِي كِتَابه . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6010 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَلِيّ بْن الْهَيْثَم , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب , فِي قَوْله : { يَوْم تَبْيَضّ وُجُوه وَتَسْوَدّ وُجُوه } قَالَ : صَارُوا يَوْم الْقِيَامَة فَرِيقَيْنِ , فَقَالَ لِمَنْ اِسْوَدَّ وَجْهه وَغَيْرهمْ . { أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } قَالَ : هُوَ الْإِيمَان الَّذِي كَانَ قَبْل الِاخْتِلَاف فِي زَمَان آدَم , حِين أَخَذَ مِنْهُمْ عَهْدهمْ وَمِيثَاقهمْ , وَأَقَرُّوا كُلّهمْ بِالْعُبُودِيَّةِ , وَفَطَرَهُمْ عَلَى الْإِسْلَام , فَكَانُوا أُمَّة وَاحِدَة مُسْلِمِينَ , يَقُول : أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ , يَقُول بَعْد ذَلِكَ الَّذِي كَانَ فِي زَمَان آدَم , وَقَالَ فِي الْآخَرِينَ : الَّذِينَ اِسْتَقَامُوا عَلَى إِيمَانهمْ ذَلِكَ , فَأَخْلَصُوا لَهُ الدِّين وَالْعَمَل , فَبَيَّضَ اللَّه وُجُوههمْ , وَأَدْخَلَهُمْ فِي رِضْوَانه وَجَنَّته . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الَّذِينَ عَنَوْا بِقَوْلِهِ : { أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ } : الْمُنَافِقُونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 6011 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سِنَان , قَالَ : ثنا أَبُو بَكْر الْحَنَفِيّ , عَنْ عَبَّاد , عَنْ الْحَسَن : { يَوْم تَبْيَضّ وُجُوه وَتَسْوَدّ وُجُوه } . .. الْآيَة , قَالَ : هُمْ الْمُنَافِقُونَ كَانُوا أَعْطَوْا كَلِمَة الْإِيمَان بِأَلْسِنَتِهِمْ , وَأَنْكَرُوهَا بِقُلُوبِهِمْ وَأَعْمَالهمْ . وَأَوْلَى الْأَقْوَال الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب أَنَّهُ عَنَى بِذَلِكَ جَمِيع الْكُفَّار , وَأَنَّ الْإِيمَان الَّذِي يُوَبَّخُونَ عَلَى اِرْتِدَادهمْ عَنْهُ , هُوَ الْإِيمَان الَّذِي أَقَرُّوا بِهِ يَوْم قِيلَ لَهُمْ : { أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا } 3 172 وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ جَعَلَ جَمِيع أَهْل الْآخِرَة فَرِيقَيْنِ : أَحَدهمَا سَوْدَاء وُجُوهه , وَالْآخَر بَيْضَاء وُجُوهه , فَمَعْلُوم إِذْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ إِلَّا هَذَانِ الْفَرِيقَانِ أَنَّ جَمِيع الْكُفَّار دَاخِلُونَ فِي فَرِيق مَنْ سُوِّدَ وَجْهه , وَأَنَّ جَمِيع الْمُؤْمِنِينَ دَاخِلُونَ فِي فَرِيق مَنْ بُيِّضَ وَجْهه , فَلَا وَجْه إِذًا لِقَوْلِ قَائِل عَنَى بِقَوْلِهِ : { أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ } بَعْض الْكُفَّار دُون بَعْض , وَقَدْ عَمَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْخَبَر عَنْهُمْ جَمِيعهمْ , وَإِذَا دَخَلَ جَمِيعهمْ فِي ذَلِكَ ثُمَّ لَمْ يَكُنْ لِجَمِيعِهِمْ حَالَة آمَنُوا فِيهَا , ثُمَّ اِرْتَدُّوا كَافِرِينَ بَعْد إِلَّا حَالَة وَاحِدَة , كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهَا الْمُرَادَة بِذَلِكَ . فَتَأْوِيل الْآيَة إِذًا : أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَاب عَظِيم فِي يَوْم تَبْيَضّ وُجُوه قَوْم , وَتَسْوَدّ وُجُوه آخَرِينَ ; فَأَمَّا الَّذِينَ اِسْوَدَّتْ وُجُوههمْ , فَيُقَال : أَجَحَدْتُمْ تَوْحِيد اللَّه وَعَهْده وَمِيثَاقه الَّذِي وَاثَقْتُمُوهُ عَلَيْهِ , بِأَنْ لَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا , وَتُخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَة بَعْد إِيمَانكُمْ , يَعْنِي : بَعْد تَصْدِيقكُمْ بِهِ , { فَذُوقُوا الْعَذَاب بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ } يَقُول : بِمَا كُنْتُمْ تَجْحَدُونَ فِي الدُّنْيَا مَا كَانَ اللَّه قَدْ أَخَذَ مِيثَاقكُمْ بِالْإِقْرَارِ بِهِ وَالتَّصْدِيق .

تفسير القرطبي

يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة حِينَ يُبْعَثُونَ مِنْ قُبُورهمْ تَكُون وُجُوه الْمُؤْمِنِينَ مُبْيَضَّة وَوُجُوه الْكَافِرِينَ مُسْوَدَّة . وَيُقَال : إِنَّ ذَلِكَ عِنْد قِرَاءَة الْكِتَاب , إِذْ قَرَأَ الْمُؤْمِن كِتَابه فَرَأَى فِي كِتَابه حَسَنَاته اِسْتَبْشَرَ وَابْيَضَّ وَجْهه , وَإِذَا قَرَأَ الْكَافِر وَالْمُنَافِق كِتَابه فَرَأَى فِيهِ سَيِّئَاته اِسْوَدَّ وَجْهه . وَيُقَال : إِنَّ ذَلِكَ عِنْد الْمِيزَان إِذَا رَجَحَتْ حَسَنَاته اِبْيَضَّ وَجْهه , وَإِذَا رَجَحَتْ سَيِّئَاته اِسْوَدَّ وَجْهه . وَيُقَال : ذَلِكَ عِنْد قَوْله تَعَالَى : " وَامْتَازُوا الْيَوْم أَيّهَا الْمُجْرِمُونَ " [ يس : 59 ] . وَيُقَال : إِذَا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة يُؤْمَر كُلّ فَرِيق بِأَنْ يَجْتَمِع إِلَى مَعْبُوده , فَإِذَا اِنْتَهَوْا إِلَيْهِ حَزِنُوا وَاسْوَدَّتْ وُجُوههمْ , فَيَبْقَى الْمُؤْمِنُونَ وَأَهْل الْكِتَاب وَالْمُنَافِقُونَ ; فَيَقُول اللَّه تَعَالَى لِلْمُؤْمِنِينَ : " مَنْ رَبّكُمْ " ؟ فَيَقُولُونَ : رَبّنَا اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فَيَقُول لَهُمْ : " أَتَعْرِفُونَهُ إِذَا رَأَيْتُمُوهُ " . فَيَقُولُونَ : سُبْحَانه ! إِذَا اِعْتَرَفَ عَرَفْنَاهُ . فَيَرَوْنَهُ كَمَا شَاءَ اللَّه فَيَخِرّ الْمُؤْمِنُونَ سُجَّدًا لِلَّهِ تَعَالَى , فَتَصِير وُجُوههمْ مِثْل الثَّلْج بَيَاضًا , وَيَبْقَى الْمُنَافِقُونَ وَأَهْل الْكِتَاب لَا يَقْدِرُونَ عَلَى السُّجُود فَيَحْزَنُوا وَتَسْوَدّ وُجُوههمْ ; وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " يَوْم تَبْيَضّ وُجُوه وَتَسْوَدّ وُجُوه " . وَيَجُوز " تِبْيَضّ وَتِسْوَدّ " بِكَسْرِ التَّائَيْنِ ; لِأَنَّك تَقُول : اِبْيَضَّتْ , فَتُكْسَر التَّاء كَمَا تُكْسَر الْأَلِف , وَهِيَ لُغَة تَمِيم وَبِهَا قَرَأَ يَحْيَى بْن وَثَّاب . وَقَرَأَ الزُّهْرِيّ " يَوْم تَبْيَاضّ وَتَسْوَادّ " وَيَجُوز كَسْر التَّاء أَيْضًا , وَيَجُوز " يَوْم يَبْيَضّ وُجُوه " بِالْيَاءِ عَلَى تَذْكِير الْجَمْع , وَيَجُوز " أَجْوُه " مِثْل " أَقْتُت " . وَابْيِضَاض الْوُجُوه إِشْرَاقهَا بِالنَّعِيمِ . وَاسْوِدَادهَا هُوَ مَا يُرْهِقهَا مِنْ الْعَذَاب الْأَلِيم . وَاخْتَلَفُوا فِي التَّعْيِين ; فَقَالَ اِبْن عَبَّاس : تَبْيَضّ وُجُوه أَهْل السُّنَّة وَتَسْوَدّ وُجُوه أَهْل الْبِدْعَة . قُلْت : وَقَوْل اِبْن عَبَّاس هَذَا رَوَاهُ مَالِك بْن سُلَيْمَان الْهَرَوِيّ أَخُو غَسَّان عَنْ مَالِك بْن أَنَس عَنْ نَافِع عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى " يَوْم تَبْيَضّ وُجُوه وَتَسْوَدّ وُجُوه " قَالَ : ( يَعْنِي تَبْيَضّ وُجُوه أَهْل السُّنَّة وَتَسْوَدّ وُجُوه أَهْل الْبِدْعَة ) ذَكَرَهُ أَبُو بَكْر أَحْمَد بْن عَلِيّ بْن ثَابِت الْخَطِيب . وَقَالَ فِيهِ : مُنْكَر مِنْ حَدِيث مَالِك . قَالَ عَطَاء : تَبْيَضّ وُجُوه الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار , وَتَسْوَدّ وُجُوه بَنِي قُرَيْظَة وَالنَّضِير . وَقَالَ أُبَيّ بْن كَعْب : الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوههمْ هُمْ الْكُفَّار , وَقِيلَ لَهُمْ : أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ لِإِقْرَارِكُمْ حِينَ أُخْرِجْتُمْ مِنْ ظَهْر آدَم كَالذَّرِّ . هَذَا اِخْتِيَار الطَّبَرِيّ . الْحَسَن : الْآيَة فِي الْمُنَافِقِينَ . قَتَادَة هِيَ فِي الْمُرْتَدِّينَ . عِكْرِمَة : هُمْ قَوْم مِنْ أَهْل الْكِتَاب كَانُوا مُصَدِّقِينَ بِأَنْبِيَائِهِمْ مُصَدِّقِينَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل أَنْ يُبْعَث فَلَمَّا بُعِثَ عَلَيْهِ السَّلَام كَفَرُوا بِهِ ; فَذَلِكَ قَوْله : " أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ " وَهُوَ اِخْتِيَار الزَّجَّاج . مَالِك بْن أَنَس : هِيَ فِي أَهْل الْأَهْوَاء . أَبُو أُمَامَة الْبَاهِلِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هِيَ فِي الْحَرُورِيَّة . وَفِي خَبَر آخَر أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام قَالَ : ( هِيَ فِي الْقَدَرِيَّة ) . رَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي غَالِب قَالَ : رَأَى أَبُو أُمَامَة رُءُوسًا مَنْصُوبَة عَلَى بَاب دِمَشْق , فَقَالَ أَبُو أُمَامَة : كِلَاب النَّار شَرّ قَتْلَى تَحْت أَدِيم السَّمَاء , خَيْر قَتْلَى مَنْ قَتَلُوهُ - ثُمَّ قَرَأَ - " يَوْم تَبْيَضّ وُجُوه وَتَسْوَدّ وُجُوه " إِلَى آخِر الْآيَة . قُلْت لِأَبِي أُمَامَة : أَنْتَ سَمِعْته مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : لَوْ لَمْ أَسْمَعهُ مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مَرَّة أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا - حَتَّى عَدَّ سَبْعًا - مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ . قَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن . وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ عَنْ سَهْل بْن سَعْد قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنِّي فَرَطكُمْ عَلَى الْحَوْض مَنْ مَرَّ عَلَيَّ شَرِبَ وَمَنْ شَرِبَ لَمْ يَظْمَأ أَبَدًا لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ أَقْوَام أَعْرِفهُمْ وَيَعْرِفُونِي ثُمَّ يُحَال بَيْنِي وَبَيْنهمْ ) . قَالَ أَبُو حَازِم : فَسَمِعَنِي النُّعْمَان بْن أَبِي عَيَّاش فَقَالَ : أَهَكَذَا سَمِعْت مِنْ سَهْل بْن سَعْد ؟ فَقُلْت : نَعَمْ . فَقَالَ : أَشْهَد عَلَى أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ لَسَمِعْته وَهُوَ يَزِيد فِيهَا : ( فَأَقُول إِنَّهُمْ مِنِّي فَيُقَال إِنَّك لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدك فَأَقُول سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي ) . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّث أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( يَرِد عَلَى الْحَوْض يَوْم الْقِيَامَة رَهْط مِنْ أَصْحَابِي فَيُجْلَوْنَ عَنْ الْحَوْض فَأَقُول يَا رَبّ أَصْحَابِي فَيَقُول إِنَّك لَا عِلْم لَك بِمَا أَحْدَثُوا بَعْدك إِنَّهُمْ اِرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارهمْ الْقَهْقَرَى ) . وَالْأَحَادِيث فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَة . فَمَنْ بَدَّلَ أَوْ غَيَّرَ أَوْ اِبْتَدَعَ فِي دِين اللَّه مَا لَا يَرْضَاهُ اللَّه وَلَمْ يَأْذَن بِهِ اللَّه فَهُوَ مِنْ الْمَطْرُودِينَ عَنْ الْحَوْض الْمُبْتَدَعِينَ مِنْهُ الْمُسَوَّدِي الْوُجُوه , وَأَشَدّهمْ طَرْدًا وَإِبْعَادًا مَنْ خَالَفَ جَمَاعَة الْمُسْلِمِينَ وَفَارَقَ سَبِيلهمْ ; كَالْخَوَارِجِ عَلَى اِخْتِلَاف فِرَقهَا , وَالرَّوَافِض عَلَى تَبَايُن ضَلَالهَا , وَالْمُعْتَزِلَة عَلَى أَصْنَاف أَهْوَائِهَا ; فَهَؤُلَاءِ كُلّهمْ مُبَدِّلُونَ وَمُبْتَدِعُونَ , وَكَذَلِكَ الظَّلَمَة الْمُسْرِفُونَ فِي الْجَوْر وَالظُّلْم وَطَمْس الْحَقّ وَقَتْل أَهْله وَإِذْلَالهمْ , وَالْمُعْلِنُونَ بِالْكَبَائِرِ الْمُسْتَخِفُّونَ بِالْمَعَاصِي , وَجَمَاعَة أَهْل الزَّيْغ وَالْأَهْوَاء وَالْبِدَع ; كُلّ يُخَاف عَلَيْهِمْ أَنْ يَكُونُوا عُنُوا بِالْآيَةِ , وَالْخَبَر كَمَا بَيَّنَّا , وَلَا يُخَلَّد فِي النَّار إِلَّا كَافِر جَاحِد لَيْسَ فِي قَلْبه مِثْقَال حَبَّة خَرْدَل مِنْ إِيمَان . وَقَدْ قَالَ اِبْن الْقَاسِم : وَقَدْ يَكُون مِنْ غَيْر أَهْل الْأَهْوَاء مَنْ هُوَ شَرّ مِنْ أَهْل الْأَهْوَاء . وَكَانَ يَقُول : تَمَام الْإِخْلَاص تَجَنُّب الْمَعَاصِي . فِي الْكَلَام حَذْف , أَيْ فَيُقَال لَهُمْ " أَكَفَرْتُمْ بَعْد إِيمَانكُمْ " يَعْنِي يَوْم الْمِيثَاق حِينَ قَالُوا بَلَى . وَيُقَال : هَذَا لِلْيَهُودِ وَكَانُوا مُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل أَنْ يَبْعَث فَلَمَّا بُعِثَ كَفَرُوا بِهِ . وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة : هَذَا لِلْمُنَافِقِينَ , يُقَال : أَكَفَرْتُمْ فِي السِّرّ بَعْد إِقْرَاركُمْ فِي الْعَلَانِيَة . وَأَجْمَعَ أَهْل الْعَرَبِيَّة عَلَى أَنَّهُ لَا بُدّ مِنْ الْفَاء فِي جَوَاب ( أَمَّا ) لِأَنَّ الْمَعْنَى فِي قَوْلك : أَمَّا زَيْد فَمُنْطَلِق , مَهْمَا يَكُنْ مِنْ شَيْء فَزَيْد مُنْطَلِق .

غريب الآية
یَوۡمَ تَبۡیَضُّ وُجُوهࣱ وَتَسۡوَدُّ وُجُوهࣱۚ فَأَمَّا ٱلَّذِینَ ٱسۡوَدَّتۡ وُجُوهُهُمۡ أَكَفَرۡتُم بَعۡدَ إِیمَـٰنِكُمۡ فَذُوقُوا۟ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ﴿١٠٦﴾
تَبۡیَضُّ وُجُوهࣱهم أهلُ السَّعادَةِ.
وَتَسۡوَدُّ وُجُوهࣱۚهم أهلُ الشَّقاءِ.
أَكَفَرۡتُمفُيقال لهم توبيخاً
كُنتُمۡأنتم يا أمةَ محمدٍ ﷺ، على الشَّرْطِ المذكورِ.
الإعراب
(يَوْمَ)
ظَرْفُ زَمَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(تَبْيَضُّ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(وُجُوهٌ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَتَسْوَدُّ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(تَسْوَدُّ) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(وُجُوهٌ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَأَمَّا)
"الْفَاءُ" حَرْفُ عَطْفٍ تَفْرِيعِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَمَّا) : حَرْفُ شَرْطٍ وَتَفْصِيلٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الَّذِينَ)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(اسْوَدَّتْ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"التَّاءُ" حَرْفُ تَأْنِيثٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(وُجُوهُهُمْ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ، وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ "فَيُقَالُ لَهُمْ".
(أَكَفَرْتُمْ)
"الْهَمْزَةُ" حَرْفُ اسْتِفْهَامٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(كَفَرْتُمْ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ، وَ"تَاءُ الْفَاعِلِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(بَعْدَ)
ظَرْفُ زَمَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(إِيمَانِكُمْ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(فَذُوقُوا)
"الْفَاءُ" حَرْفٌ رَابِطٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(ذُوقُوا) : فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(الْعَذَابَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(بِمَا)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(مَا) : حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(كُنْتُمْ)
فِعْلٌ مَاضٍ نَاسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ، وَ"تَاءُ الْفَاعِلِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ اسْمُ كَانَ.
(تَكْفُرُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ خَبَرُ كَانَ، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ (مَا كُنْتُمْ ...) : فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْبَاءِ.