سورة النمل الآية ٨٧
سورة النمل الآية ٨٧
وَیَوۡمَ یُنفَخُ فِی ٱلصُّورِ فَفَزِعَ مَن فِی ٱلسَّمَـٰوَ ٰتِ وَمَن فِی ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَاۤءَ ٱللَّهُۚ وَكُلٌّ أَتَوۡهُ دَ ٰخِرِینَ ﴿٨٧﴾
تفسير السعدي
يخوف الله عباده, ما أمامهم من يوم القيامة, وما فيه من المحن والكروب, ومزعجات القلوب, فقال: " وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ " بسبب النفخ فيه " مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ " أي: انزعجوا وارتاعوا, وماج بعضهم ببعض, خوفا مما هو مقدمة له. " إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ " ممن أكرمه الله, وثبته, وحفظه من الفزع. " وَكُلٌّ " من الخلق عند النفخ في الصور " أَتَوْهُ دَاخِرِينَ " صاغرين ذليلين. كما قال تعالى " إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا " . ففي ذلك اليوم, يتساوى الرؤساء والمرءوسون, في الذل والخضوع, لمالك الملك.
التفسير الميسر
واذكر -أيها الرسول- يوم يَنفخ الملَك في "القرن" ففزع مَن في السموات ومَن في الأرض فزعًا شديدًا مِن هول النفخة، إلا مَنِ استثناه الله ممن أكرمه وحفظه من الفزع، وكل المخلوقات يأتون إلى ربهم صاغرين مطيعين.
تفسير الجلالين
"وَيَوْم يُنْفَخ فِي الصُّور" الْقَرْن النَّفْخَة الْأُولَى مِنْ إسْرَافِيل "فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَات وَمَنْ فِي الْأَرْض" خَافُوا الْخَوْف الْمُفْضِي إلَى الْمَوْت كَمَا فِي آيَة أُخْرَى فَصَعِقَ وَالتَّعْبِير فِيهِ بِالْمَاضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعه "إلَّا مَنْ شَاءَ اللَّه" أَيْ جِبْرِيل وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيل وَمَلَك الْمَوْت وَعَنْ ابْن عَبَّاس هُمْ الشُّهَدَاء إذْ هُمْ أَحْيَاء عِنْد رَبّهمْ يُرْزَقُونَ "وَكُلّ" تَنْوِينه عِوَض عَنْ الْمُضَاف إلَيْهِ أَيْ وَكُلّهمْ بَعْد إحْيَائِهِمْ يَوْم الْقِيَامَة "أَتَوْهُ" بِصِيغَةِ الْفِعْل وَاسْم الْفَاعِل "دَاخِرِينَ" صَاغِرِينَ وَالتَّعْبِير فِي الْإِتْيَان بِالْمَاضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعه
تفسير ابن كثير
يُخْبِر تَعَالَى عَنْ هَوْل يَوْم نَفْخَة الْفَزَع فِي الصُّور وَهُوَ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيث قَرْن يُنْفَخ فِيهِ وَفِي حَدِيث الصُّور إِنَّ إِسْرَافِيل هُوَ الَّذِي يَنْفُخ فِيهِ بِأَمْرِ اللَّه تَعَالَى فَيَنْفُخ فِيهِ أَوَّلًا نَفْخَة الْفَزَع وَيُطَوِّلهَا وَذَلِكَ فِي آخِر عُمُر الدُّنْيَا حِين تَقُوم السَّاعَة عَلَى شِرَار النَّاس مِنْ الْأَحْيَاء فَيَفْزَع مَنْ فِي السَّمَوَات وَمَنْ فِي الْأَرْض " إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّه " وَهُمْ الشُّهَدَاء فَإِنَّهُمْ أَحْيَاء عِنْد رَبّهمْ يُرْزَقُونَ قَالَ الْإِمَام مُسْلِم بْن الْحَجَّاج حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُعَاذ الْعَنْبَرِيّ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ النُّعْمَان بْن سَالِم سَمِعْت يَعْقُوب بْن عَاصِم بْن عُرْوَة بْن مَسْعُود الثَّقَفِيّ سَمِعْت عَبْد اللَّه بْن عَمْرو رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَجَاءَهُ رَجُل فَقَالَ مَا هَذَا الْحَدِيث الَّذِي تُحَدِّث أَنَّ السَّاعَة تَقُوم إِلَى كَذَا وَكَذَا ؟ فَقَالَ سُبْحَان اللَّه ؟ أَوْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه أَوْ كَلِمَة نَحْوهمَا لَقَدْ هَمَمْت أَنْ لَا أُحَدِّث أَحَدًا شَيْئًا أَبَدًا إِنَّمَا قُلْت إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْد قَلِيل أَمْرًا عَظِيمًا يُخَرِّب الْبَيْت وَيَكُون وَيَكُون - ثُمَّ قَالَ - قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَخْرُج الدَّجَّال فِي أُمَّتِي فَيَمْكُث أَرْبَعِينَ - لَا أَدْرِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا أَوْ أَرْبَعِينَ شَهْرًا أَوْ أَرْبَعِينَ عَامًا - فَيَبْعَث اللَّه عِيسَى بْن مَرْيَم كَأَنَّهُ عُرْوَة بْن مَسْعُود فَيَطْلُبهُ فَيُهْلِكهُ ثُمَّ يَمْكُث النَّاس سَبْع سِنِينَ لَيْسَ بَيْن اِثْنَيْنِ عَدَاوَة ثُمَّ يُرْسِل اللَّه رِيحًا بَارِدَة مِنْ قِبَل الشَّام فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْه الْأَرْض أَحَد فِي قَلْبه مِثْقَال ذَرَّة مِنْ خَيْر أَوْ إِيمَان إِلَّا قَبَضَتْهُ حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدكُمْ دَخَلَ فِي كَبِد جَبَل لَدَخَلَتْهُ عَلَيْهِ حَتَّى تَقْبِضهُ " قَالَ سَمِعْتهَا مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " فَيَبْقَى شِرَار النَّاس فِي خِفَّة الطَّيْر وَأَحْلَام السِّبَاع لَا يَعْرِفُونَ مَعْرُوفًا وَلَا يُنْكِرُونَ مُنْكَرًا فَيَتَمَثَّل لَهُمْ الشَّيْطَان فَيَقُول أَلَا تَسْتَجِيبُونَ فَيَقُولُونَ فَمَا تَأْمُرنَا ؟ فَيَأْمُرهُمْ بِعِبَادَةِ الْأَوْثَان وَهُمْ فِي ذَلِكَ دَارّ رِزْقهمْ حَسَن عَيْشهمْ ثُمَّ يُنْفَخ فِي الصُّور فَلَا يَسْمَعهُ أَحَد إِلَّا أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا - قَالَ - وَأَوَّل مَنْ يَسْمَعهُ رَجُل يَلُوط حَوْض إِبِله قَالَ فَيُصْعَق وَيُصْعَق النَّاس ثُمَّ يُرْسِل اللَّه أَوْ قَالَ يُنْزِل اللَّه مَطَرًا كَأَنَّهُ الطَّلّ - أَوْ قَالَ الظِّلّ نُعْمَان الشَّاكّ - فَتَنْبُت مِنْهُ أَجْسَاد النَّاس ثُمَّ يُنْفَخ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَام يَنْظُرُونَ ثُمَّ يُقَال يَا أَيّهَا النَّاس هَلُمُّوا إِلَى رَبّكُمْ وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ثُمَّ يُقَال أَخْرِجُوا بَعْث النَّار فَيُقَال مِنْ كَمْ فَيُقَال مِنْ كُلّ أَلْف تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَة وَتِسْعُونَ قَالَ فَذَلِكَ يَوْم يَجْعَل الْوِلْدَان شِيبًا وَذَلِكَ يَوْم يُكْشَف عَنْ سَاق " وَقَوْله ثُمَّ يُنْفَخ فِي الصُّور فَلَا يَسْمَعهُ أَحَد إِلَّا أَصْغَى لِيتًا وَرَفَعَ لِيتًا اللِّيت هُوَ صَفْحَة الْعُنُق أَيْ أَمَالَ عُنُقه لِيَسْتَمِعهُ مِنْ السَّمَاء جَيِّدًا فَهَذِهِ نَفْخَة الْفَزَع ثُمَّ بَعْد ذَلِكَ نَفْخَة الصَّعْق وَهُوَ الْمَوْت ثُمَّ بَعْد ذَلِكَ نَفْخَة الْقِيَام لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَهُوَ النُّشُور مِنْ الْقُبُور لِجَمِيعِ الْخَلَائِق وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى" وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ " قُرِئَ بِالْمَدِّ وَبِغَيْرِهِ عَلَى الْفِعْل وَكُلّ بِمَعْنًى وَاحِد وَدَاخِرِينَ أَيْ صَاغِرِينَ مُطِيعِينَ لَا يَتَخَلَّف أَحَد عَنْ أَمْره كَمَا قَالَ تَعَالَى " يَوْم يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ " وَقَالَ تَعَالَى " ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَة مِنْ الْأَرْض إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ " وَفِي حَدِيث الصُّور أَنَّهُ فِي النَّفْخَة الثَّالِثَة يَأْمُر اللَّه الْأَرْوَاح فَتُوضَع فِي ثُقْب فِي الصُّور ثُمَّ يَنْفُخ إِسْرَافِيل فِيهِ بَعْدَمَا تَنْبُت الْأَجْسَاد فِي قُبُورهَا وَأَمَاكِنهَا فَإِذَا نَفَخَ فِي الصُّوَر طَارَتْ الْأَرْوَاح تَتَوَهَّج أَرْوَاح الْمُؤْمِنِينَ نُورًا وَأَرْوَاح الْكَافِرِينَ ظُلْمَة فَيَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَعِزَّتِي وَجَلَالِي لَتَرْجِعَنَّ كُلّ رُوح إِلَى جَسَدهَا فَتَجِيء الْأَرْوَاح إِلَى أَجْسَادهَا فَتَدِبّ فِيهَا كَمَا يَدِبّ السُّمّ فِي اللَّدِيغ ثُمَّ يَقُومُونَ يَنْفُضُونَ التُّرَاب مِنْ قُبُورهمْ قَالَ اللَّه تَعَالَى" يَوْم يَخْرُجُونَ مِنْ الْأَجْدَاث سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُب يُوفِضُونَ " .
تفسير القرطبي
يُنْفَخ فِي الصُّور فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَات وَمَنْ فِي الْأَرْض " أَيْ وَاذْكُرْ يَوْم أَوْ ذَكِّرْهُمْ يَوْم يُنْفَخ فِي الصُّور وَمَذْهَب الْفَرَّاء أَنَّ الْمَعْنَى : وَذَلِكُمْ يَوْم يُنْفَخ فِي الصُّور ; وَأَجَازَ فِيهِ الْحَذْف وَالصَّحِيح فِي الصُّور أَنَّهُ قَرْن مِنْ نُور يَنْفُخ فِيهِ إِسْرَافِيل قَالَ مُجَاهِد : كَهَيْئَةِ الْبُوق وَقِيلَ : هُوَ الْبُوق بِلُغَةِ أَهْل الْيَمَن وَقَدْ مَضَى فِي [ الْأَنْعَام ] بَيَانه وَمَا لِلْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ . " فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَات وَمَنْ فِي الْأَرْض إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّه " قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه لَمَّا فَرَغَ مِنْ خَلْق السَّمَوَات خَلَقَ الصُّور فَأَعْطَاهُ إِسْرَافِيل فَهُوَ وَاضِعه عَلَى فِيهِ شَاخِص بِبَصَرِهِ إِلَى الْعَرْش يَنْتَظِر مَتَى يُؤْمَر بِالنَّفْخَةِ ) قُلْت : يَا رَسُول اللَّه مَا الصُّور ؟ قَالَ : ( قَرْن وَاَللَّه عَظِيم وَاَلَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ إِنَّ عُظْم دَارَة فِيهِ كَعَرْضِ السَّمَاء وَالْأَرْض فَيَنْفُخ فِيهِ ثَلَاث نَفَخَات النَّفْخَة الْأُولَى نَفْخَة الْفَزَع وَالثَّانِيَة نَفْحَة الصَّعْق وَالثَّالِثَة نَفْخَة الْبَعْث وَالْقِيَام لِرَبِّ الْعَالَمِينَ . .. ) وَذَكَرَ الْحَدِيث ذَكَرَهُ عَلِيّ بْن مَعْبَد وَالطَّبَرِيّ وَالثَّعْلَبِيّ وَغَيْرهمْ , وَصَحَّحَهُ اِبْن الْعَرَبِيّ . وَقَدْ ذَكَرْته فِي كِتَاب ( التَّذْكِرَة ) وَتَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ هُنَالِكَ , وَأَنَّ الصَّحِيح فِي النَّفْخ فِي الصُّور أَنَّهُمَا نَفْخَتَانِ لَا ثَلَاث , وَأَنَّ نَفْخَة الْفَزَع إِنَّمَا تَكُون رَاجِعَة إِلَى نَفْخَة الصَّعْق لِأَنَّ الْأَمْرَيْنِ لَا زَمَان لَهُمَا ; أَيْ فَزِعُوا فَزَعًا مَاتُوا مِنْهُ ; أَوْ إِلَى نَفْخَة الْبَعْث وَهُوَ اِخْتِيَار الْقُشَيْرِيّ وَغَيْره ; فَإِنَّهُ قَالَ فِي كَلَامه عَلَى هَذِهِ الْآيَة : وَالْمُرَاد النَّفْخَة الثَّانِيَة أَيْ يَحْيَوْنَ فَزِعِينَ يَقُولُونَ : " مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدنَا " [ يس : 52 ] ; وَيُعَايِنُونَ مِنْ الْأُمُور مَا يَهُولهُمْ وَيُفْزِعهُمْ ; وَهَذَا النَّفْخ كَصَوْتِ الْبُوق لِتَجْتَمِع الْخَلْق فِي أَرْض الْجَزَاء . قَالَهُ قَتَادَة وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ : " وَيَوْم يُنْفَخ فِي الصُّور " . هُوَ يَوْم النُّشُور مِنْ الْقُبُور , قَالَ وَفِي هَذَا الْفَزَع قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ الْإِسْرَاع وَالْإِجَابَة إِلَى النِّدَاء مِنْ قَوْلهمْ : فَزِعْت إِلَيْك فِي كَذَا إِذَا أَسْرَعْت إِلَى نِدَائِك فِي مَعُونَتك وَالْقَوْل الثَّانِي : إِنَّ الْفَزَع هُنَا هُوَ الْفَزَع الْمَعْهُود مِنْ الْخَوْف وَالْحُزْن ; لِأَنَّهُمْ أُزْعِجُوا مِنْ قُبُورهمْ فَفَزِعُوا وَخَافُوا . وَهَذَا أَشْبَه الْقَوْلَيْنِ . قُلْت : وَالسُّنَّة الثَّابِتَة مِنْ حَدِيث أَبَى هُرَيْرَة وَحَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو يَدُلّ عَلَى أَنَّهُمَا نَفْخَتَانِ لَا ثَلَاث ; خَرَّجَهُمَا مُسْلِم وَقَدْ ذَكَرْنَاهُمَا فِي كِتَاب ( التَّذْكِرَة ) وَهُوَ الصَّحِيح إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى أَنَّهُمَا نَفْخَتَانِ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَنُفِخَ فِي الصُّوَر فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَوَات وَمَنْ فِي الْأَرْض إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّه " [ الزُّمَر : 68 ] فَاسْتَثْنَى هُنَا كَمَا اِسْتَثْنَى فِي نَفْخَة الْفَزَع فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا وَاحِدَة . وَقَدْ رَوَى اِبْن الْمُبَارَك عَنْ الْحَسَن قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( بَيْن النَّفْخَتَيْنِ أَرْبَعُونَ سَنَة الْأُولَى يُمِيت اللَّه بِهَا كُلّ حَيّ وَالْأُخْرَى يُحْيِي اللَّه بِهَا كُلّ مَيِّت ) فَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى : " يَوْم تَرْجُف الرَّاجِفَة تَتْبَعهَا الرَّادِفَة " [ النَّازِعَات : 7 ] إِلَى أَنْ قَالَ : " فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَة وَاحِدَة " [ النَّازِعَات : 13 ] وَهَذَا يَقْتَضِي بِظَاهِرِهِ أَنَّهَا ثَلَاث قِيلَ لَهُ : لَيْسَ كَذَلِكَ , وَإِنَّمَا الْمُرَاد بِالزَّجْرَةِ النَّفْخَة الثَّانِيَة الَّتِي يَكُون عَنْهَا خُرُوج الْخَلْق مِنْ قُبُورهمْ ; كَذَلِكَ قَالَ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَعَطَاء وَابْن زَيْد وَغَيْرهمْ . قَالَ مُجَاهِد : هُمَا صَيْحَتَانِ أَمَّا الْأُولَى فَتُمِيت كُلّ شَيْء بِإِذْنِ اللَّه , وَأَمَّا الْأُخْرَى فَتُحْيِي كُلّ شَيْء بِإِذْنِ اللَّه . وَقَالَ عَطَاء : " الرَّاجِفَة " الْقِيَامَة وَ " الرَّادِفَة " الْبَعْث . وَقَالَ اِبْن زَيْد : " الرَّاجِفَة " الْمَوْت وَ " الرَّادِفَة " السَّاعَة . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَوْله " فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَوَات " مَاضٍ وَ " يُنْفَخ " مُسْتَقْبَل فَيُقَال : كَيْف عُطِفَ مَاضٍ عَلَى مُسْتَقْبَل ؟ فَزَعَمَ الْفَرَّاء أَنَّ هَذَا مَحْمُول عَلَى الْمَعْنَى ; لِأَنَّ الْمَعْنَى : إِذَا نُفِخَ فِي الصُّوَر فَفَزِعَ . اُخْتُلِفَ فِي هَذَا الْمُسْتَثْنَى مَنْ هُمْ . فَفِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُمْ الشُّهَدَاء عِنْد رَبّهمْ يُرْزَقُونَ إِنَّمَا يَصِل الْفَزَع إِلَى الْأَحْيَاء ; وَهُوَ قَوْل سَعِيد بْن جُبَيْر أَنَّهُمْ الشُّهَدَاء مُتَقَلِّدُو السُّيُوف حَوْل الْعَرْش وَقَالَ الْقُشَيْرِيّ : الْأَنْبِيَاء دَاخِلُونَ فِي جُمْلَتهمْ ; لِأَنَّ لَهُمْ الشَّهَادَة مَعَ النُّبُوَّة وَقِيلَ : الْمَلَائِكَة . قَالَ الْحَسَن : اِسْتَثْنَى طَوَائِف مِنْ الْمَلَائِكَة يَمُوتُونَ بَيْن النَّفْخَتَيْنِ قَالَ مُقَاتِل : يَعْنِي جِبْرِيل وَمِيكَائِيل وَإِسْرَافِيل وَمَلَك الْمَوْت . وَقِيلَ : الْحُور الْعِين . وَقِيلَ : هُمْ الْمُؤْمِنُونَ , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى قَالَ عَقِب هَذَا : " مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْر مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَع يَوْمئِذٍ آمِنُونَ " وَقَالَ بَعْض عُلَمَائِنَا : وَالصَّحِيح أَنَّهُ لَمْ يَرِد فِي تَعْيِينهمْ خَبَر صَحِيح وَالْكُلّ مُحْتَمَل . قُلْت : خَفِيَ عَلَيْهِ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة وَقَدْ صَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ فَلْيُعَوَّلْ عَلَيْهِ , لِأَنَّهُ نَصّ فِي التَّعْيِين وَغَيْره اِجْتِهَاد . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقِيلَ غَيْر هَذَا مَا يَأْتِي فِي [ الزُّمَر ] " إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّه " نُصِبَ عَلَى الِاسْتِثْنَاء وَكُلّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ " قَرَأَ أَبُو عَمْرو وَعَاصِم وَالْكِسَائِيّ وَنَافِع وَابْن عَامِر وَابْن كَثِير : " آتُوهُ " جَعَلُوهُ فِعْلًا مُسْتَقْبَلًا . وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَيَحْيَى وَحَمْزَة وَحَفْص عَنْ عَاصِم : " وَكُلّ أَتَوْهُ " مَقْصُورًا عَلَى الْفِعْل الْمَاضِي , وَكَذَلِكَ قَرَأَهُ اِبْن مَسْعُود وَعَنْ قَتَادَة " وَكُلّ أَتَاهُ دَاخِرِينَ " قَالَ النَّحَّاس : وَفِي كِتَابِي عَنْ أَبِي إِسْحَاق فِي الْقِرَاءَات مَنْ قَرَأَ : " وَكُلّ أَتَوْهُ " وَحْده عَلَى لَفْظ " كُلّ " وَمَنْ قَرَأَ : " أَتُوهُ " جَمْع عَلَى مَعْنَاهَا , وَهَذَا الْقَوْل غَلَط قَبِيح ; لِأَنَّهُ إِذَا قَالَ : " وَكُلّ أَتَوْهُ " فَلَمْ يُوَحِّد وَإِنَّمَا جَمَعَ , وَلَوْ وَحَّدَ لَقَالَ : " أَتَاهُ " وَلَكِنْ مَنْ قَالَ : " أَتَوْهُ " جَمَعَ عَلَى الْمَعْنَى وَجَاءَ بِهِ مَاضِيًا لِأَنَّهُ رَدَّهُ إِلَى " فَفَزِعَ " وَمَنْ قَرَأَ " وَكُلّ آتَوْهُ " حَمَلَهُ عَلَى الْمَعْنَى أَيْضًا وَقَالَ : " آتُوهُ " لِأَنَّهَا جُمْلَة مُنْقَطِعَة مِنْ الْأَوَّل قَالَ اِبْن نَصْر : قَدْ حُكِيَ عَنْ أَبِي إِسْحَاق رَحِمَهُ اللَّه مَا لَمْ يَقُلْهُ , وَنَصّ أَبِي إِسْحَاق : " وَكُلّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ " وَيُقْرَأ : " آتُوهُ " فَمَنْ وَحَّدَ فَلِلَفْظِ " كُلّ " وَمَنْ جَمَعَ فَلِمَعْنَاهَا . يُرِيد مَا أُتِيَ فِي الْقُرْآن أَوْ غَيْره مِنْ تَوْحِيد خَبَر " كُلّ " فَعَلَى اللَّفْظ أَوْ جَمْع فَعَلَى الْمَعْنَى ; فَلَمْ يَأْخُذ أَبُو جَعْفَر هَذَا الْمَعْنَى قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَمَنْ قَرَأَ " وَكُلّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ " فَهُوَ فِعْل مِنْ الْإِتْيَان وَحُمِلَ عَلَى مَعْنَى " كُلّ " دُون لَفْظهَا , وَمَنْ قَرَأَ " وَكُلّ آتُوهُ دَاخِرِينَ " فَهُوَ اِسْم الْفَاعِل مِنْ أَتَى يَدُلّك عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : " وَكُلّهمْ آتِيه يَوْم الْقِيَامَة فَرْدًا " [ مَرْيَم : 95 ] وَمَنْ قَرَأَ " وَكُلّ أَتَاهُ " حَمَلَهُ عَلَى لَفْظ " كُلّ " دُون مَعْنَاهَا وَحَمَلَ " دَاخِرِينَ " عَلَى الْمَعْنَى , وَمَعْنَاهُ صَاغِرِينَ , عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة . وَقَدْ مَضَى فِي [ النَّحْل ] .
| ٱلصُّورِ | القَرْنِ الَّذي يُنفَخُ فيهِ للبَعْثِ. |
|---|---|
| فَفَزِعَ | خافَ خَوْفاً شَدِيداً مِنْ هَوْلِ النَّفخَةِ. |
| دَ ٰخِرِینَ | صاغِرِينَ مُطِيعِينَ. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian