صفحات الموقع

سورة النمل الآية ٦٠

سورة النمل الآية ٦٠

أَمَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ حَدَاۤىِٕقَ ذَاتَ بَهۡجَةࣲ مَّا كَانَ لَكُمۡ أَن تُنۢبِتُوا۟ شَجَرَهَاۤۗ أَءِلَـٰهࣱ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمࣱ یَعۡدِلُونَ ﴿٦٠﴾

التفسير

تفسير السعدي

ثم ذكر تفاصيل ما به يعرف, ويتبين أنه الإله المعبود, وأن عبادته هي الحق, وعبادة ما سواه, هي الباطل فقال: " أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ " إلى " يَعْدِلُونَ " . أي: أمن خلق السماوات, وما فيها, من الشمس والقمر, والنجوم, والملائكة, والأرض, وما فيها من جبال, وبحار, وأنهار, وأشجار, وغير ذلك. " وَأَنْزَلَ لَكُمْ " أي: لأجلكم " مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ " أي: بساتين " ذَاتَ بَهْجَةٍ " أي: حسن منظر, من كثرة أشجارها, وتنوعها, وحسن ثمارها. " مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا " لولا منة الله عليكم, بإنزال المطر. " أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ " فعل هذا الأفعال, حتى يعبد معه ويشرك به؟. " بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ " به غيره, ويسوون به سواه, مع علمهم أنه وحده, خالق العالم العلوي والسفلي, ومنزل الرزق.

التفسير الميسر

واسألهم مَن خلق السموات والأرض، وأنزل لكم من السماء ماء، فأنبت به حدائق ذات منظر حسن؟ ما كان لكم أن تنبتوا شجرها، لولا أن الله أنزل عليكم الماء من السماء. إن عبادته سبحانه هي الحق، وعبادة ما سواه هي الباطل. أمعبود مع الله فعل هذه الأفعال حتى يُعبد معه ويُشرك به؟ بل هؤلاء المشركون قوم ينحرفون عن طريق الحق والإيمان، فيسوون بالله غيره في العبادة والتعظيم.

تفسير الجلالين

"أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاء مَاء فَأَنْبَتْنَا" فِيهِ الْتِفَات مِنْ الْغَيْبَة إلَى التَّكَلُّم "بِهِ حَدَائِق" جَمْع حَدِيقَة وَهُوَ الْبُسْتَان الْمَحُوط "ذَات بَهْجَة" حُسْن "مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرهَا" لِعَدَمِ قُدْرَتكُمْ عَلَيْهِ "أَإِلَه" بِتَحْقِيقِ الْهَمْزَتَيْنِ وَتَسْهِيل الثَّانِيَة وَإِدْخَال أَلِف بَيْنهمَا عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي مَوَاضِعه السَّبْعَة "مَعَ اللَّه" أَعَانَهُ عَلَى ذَلِكَ أَيْ لَيْسَ مَعَهُ إلَه "بَلْ هُمْ قَوْم يَعْدِلُونَ" يُشْرِكُونَ بِاَللَّهِ غَيْره

تفسير ابن كثير

" أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَات " أَيْ خَلَقَ تِلْكَ السَّمَوَات فِي اِرْتِفَاعهَا وَصَفَائِهَا وَمَا جَعَلَ فِيهَا مِنْ الْكَوَاكِب النَّيِّرَة وَالنُّجُوم الزَّاهِرَة وَالْأَفْلَاك الدَّائِرَة وَخَلَقَ الْأَرْض فِي اِسْتِفَالهَا وَكَثَافَتهَا وَمَا جَعَلَ فِيهَا مِنْ الْجِبَال وَالْأَطْوَاد وَالسُّهُول وَالْأَوْعَار وَالْفَيَافِي وَالْقِفَار وَالزُّرُوع وَالْأَشْجَار وَالثِّمَار وَالْبِحَار وَالْحَيَوَان عَلَى اِخْتِلَاف الْأَصْنَاف وَالْأَشْكَال وَالْأَلْوَان وَغَيْر ذَلِكَ وَقَوْله تَعَالَى : " وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنْ السَّمَاء مَاء " أَيْ جَعَلَهُ رِزْقًا لِلْعِبَادِ " فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِق " أَيْ بَسَاتِين " ذَات بَهْجَة " أَيْ مَنْظَر حَسَن وَشَكْل حَسَن وَشَكْل بَهِيّ " مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرهَا " أَيْ لَمْ تَكُونُوا تَقْدِرُونَ عَلَى إِنْبَات أَشْجَارهَا وَإِنَّمَا يَقْدِر عَلَى ذَلِكَ الْخَالِق الرَّازِق الْمُسْتَقِلّ بِذَلِكَ الْمُتَفَرِّد بِهِ دُون مَا سِوَاهُ مِنْ الْأَصْنَام وَالْأَنْدَاد كَمَا اِعْتَرَفَ بِهِ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الْآيَة الْأُخْرَى " وَلَئِنْ سَأَلْتهمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّه " " وَلَئِنْ سَأَلْتهمْ مَنْ نَزَّلَ مِنْ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْض مِنْ بَعْد مَوْتهَا لَيَقُولُنَّ اللَّه " أَيْ هُمْ مُعْتَرِفُونَ بِأَنَّهُ الْفَاعِل لِجَمِيعِ ذَلِكَ وَحْده لَا شَرِيك لَهُ ثُمَّ هُمْ يَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْره مِمَّا يَعْتَرِفُونَ أَنَّهُ لَا يَخْلُق وَلَا يَرْزُق وَإِنَّمَا يَسْتَحِقّ أَنْ يُفْرَد بِالْعِبَادَةِ مَنْ هُوَ الْمُتَفَرِّد بِالْخَلْقِ وَالرِّزْق وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : " أَإِلَه مَعَ اللَّه " ؟ أَيْ أَإِلَه مَعَ اللَّه يُعْبَد وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ وَلِكُلِّ ذِي لُبّ مِمَّا يَعْتَرِفُونَ بِهِ أَيْضًا أَنَّهُ الْخَالِق الرَّازِق وَمِنْ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ يَقُول مَعْنَى قَوْله : " أَإِلَه مَعَ اللَّه " فَعَلَ هَذَا وَهُوَ يَرْجِع إِلَى مَعْنَى الْأَوَّل لِأَنَّ تَقْدِير الْجَوَاب أَنَّهُمْ يَقُولُونَ لَيْسَ ثَمَّ أَحَد فَعَلَ هَذَا مَعَهُ بَلْ هُوَ الْمُتَفَرِّد بِهِ فَيُقَال فَكَيْف تَعْبُدُونَ مَعَهُ غَيْره وَهُوَ الْمُسْتَقِلّ الْمُتَفَرِّد بِالْخَلْقِ وَالرِّزْق وَالتَّدْبِير ؟ كَمَا قَالَ تَعَالَى " أَفَمَنْ يَخْلُق كَمَنْ لَا يَخْلُق " الْآيَة وَقَوْله تَعَالَى هَهُنَا " أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض " " أَمَّنْ " فِي هَذِهِ الْآيَات كُلّهَا تَقْدِيره أَمَنْ يَفْعَل هَذِهِ الْأَشْيَاء كَمَنْ لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء مِنْهَا ؟ هَذَا مَعْنَى السِّيَاق وَإِنْ لَمْ يُذْكَر الْآخَر لِأَنَّ فِي قُوَّة الْكَلَام مَا يُرْشِد إِلَى ذَلِكَ وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى" آللَّه خَيْر أَمْ مَا يُشْرِكُونَ " ثُمَّ قَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى" بَلْ هُمْ قَوْم يَعْدِلُونَ " أَيْ يَجْعَلُونَ لِلَّهِ عِدْلًا وَنَظِيرًا وَهَكَذَا قَالَ تَعَالَى " أَمَّنْ هُوَ قَانِت آنَاء اللَّيْل سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَر الْآخِرَة وَيَرْجُو رَحْمَة رَبّه " أَيْ أَمَّنْ هُوَ هَكَذَا كَمَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ ؟ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : " قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَاَلَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّر أُولُوا الْأَلْبَاب " " أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّه صَدْره لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُور مِنْ رَبّه فَوَيْل لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبهمْ مِنْ ذِكْر اللَّه أُولَئِكَ فِي ضَلَال مُبِين " وَقَالَ تَعَالَى " أَمَّنْ هُوَ قَائِم عَلَى كُلّ نَفْس بِمَا كَسَبَتْ " أَيْ أَمَّنْ هُوَ شَهِيد عَلَى أَفْعَال الْخَلْق حَرَكَاتهمْ وَسَكَنَاتهمْ يَعْلَم الْغَيْب جَلِيله وَحَقِيره كَمَنْ هُوَ لَا يَعْلَم وَلَا يَسْمَع وَلَا يُبْصِر مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَام الَّتِي عَبَدُوهَا مِنْ دُون اللَّه ؟ وَلِهَذَا قَالَ " وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاء قُلْ سَمُّوهُمْ" وَهَكَذَا هَذِهِ الْآيَات الْكَرِيمَات كُلّهَا .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِلْمُشْرِكِينَ بِهِ مِنْ قُرَيْش : أَعِبَادَة مَا تَعْبُدُونَ مِنْ أَوْثَانكُمْ الَّتِي لَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَ خَيْر , أَمْ عِبَادَة مِنْ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض ؟ يَعْنِي مَطَرًا , وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون مُرِيدًا بِهِ الْعُيُون الَّتِي فَجَّرَهَا فِي الْأَرْض , لِأَنَّ كُلّ ذَلِكَ مِنْ خَلْقه يَعْنِي بِالْمَاءِ الَّذِي أُنْزِلَ مِنْ السَّمَاء . وَهِيَ جَمْع حَدِيقَة , وَالْحَدِيقَة : الْبُسْتَان عَلَيْهِ حَائِط مَحُوط , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِط لَمْ يَكُنْ حَدِيقَة . وَقَوْله : { ذَات بَهْجَة } يَقُول : ذَات مَنْظَر حَسَن . وَقِيلَ ذَات بِالتَّوْحِيدِ . وَقَدْ قِيلَ حَدَائِق , كَمَا قَالَ : { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى } 7 180 , وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِيمَا مَضَى . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20595 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْله : { حَدَائِق ذَات بَهْجَة } قَالَ : الْبَهْجَة : الْفُقَّاح مِمَّا يَأْكُل النَّاس وَالْأَنْعَام . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { حَدَائِق ذَات بَهْجَة } قَالَ : مِنْ كُلّ شَيْء تَأْكُلهُ النَّاس وَالْأَنْعَام . وَقَوْله : { مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرهَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَنْبَتْنَا بِالْمَاءِ الَّذِي أَنْزَلْنَاهُ مِنْ السَّمَاء لَكُمْ هَذِهِ الْحَدَائِق إِذْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ , لَوْلَا أَنَّهُ أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ الْمَاء مِنْ السَّمَاء طَاقَة أَنْ تُنْبِتُوا شَجَر هَذِهِ الْحَدَائِق , وَلَمْ تَكُونُوا قَادِرِينَ عَلَى ذَهَاب ذَلِكَ , لِأَنَّهُ لَا يَصْلُح ذَلِكَ إِلَّا بِالْمَاءِ . وَقَوْله : { أَإِلَه مَعَ اللَّه } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : أَمَعْبُود مَعَ اللَّه أَيّهَا الْجَهَلَة خَلَقَ ذَلِكَ , وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاء الْمَاء , فَأَنْبَتَ بِهِ لَكُمْ الْحَدَائِق ؟ ! فَقَوْله : أَإِلَه مَرْدُود عَلَى تَأْوِيل : أَمَعَ اللَّه إِلَه . يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : بَلْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ قَوْم ضُلَّال , يَعْدِلُونَ عَنْ الْحَقّ , وَيَجُورُونَ عَلَيْهِ , عَلَى عَمْد مِنْهُمْ لِذَلِكَ , مَعَ عِلْمهمْ بِأَنَّهُمْ عَلَى خَطَإ وَضَلَال وَلَمْ يَعْدِلُوا عَنْ جَهْل مِنْهُمْ , بِأَنَّ مَنْ لَا يَقْدِر عَلَى نَفْع وَلَا ضُرّ , خَيْر مِمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَفَعَلَ هَذِهِ الْأَفْعَال , وَلَكِنَّهُمْ عَدَلُوا عَلَى عِلْم مِنْهُمْ وَمَعْرِفَة , اِقْتِفَاء مِنْهُمْ سُنَّة مَنْ مَضَى قَبْلهمْ مِنْ آبَائِهِمْ .

تفسير القرطبي

وَالْأَرْض . .... " قَالَ أَبُو حَاتِم : تَقْدِيره ; آلِهَتكُمْ خَيْر أَمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض ; وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَمَعْنَاهُ : قَدَرَ عَلَى خَلْقهنَّ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى ; أَعِبَادَة مَا تَعْبُدُونَ مِنْ أَوْثَانكُمْ خَيْر أَمْ عِبَادَة مَنْ خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض ؟ فَهُوَ مَرْدُود عَلَى مَا قَبْله مِنْ الْمَعْنَى ; وَفِيهِ مَعْنَى التَّوْبِيخ لَهُمْ , وَالتَّنْبِيه عَلَى قُدْرَة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَعَجْز آلِهَتهمْ . فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِق ذَات بَهْجَة " الْحَدِيقَة الْبُسْتَان الَّذِي عَلَيْهِ حَائِط . وَالْبَهْجَة الْمَنْظَر الْحَسَن . قَالَ الْفَرَّاء : الْحَدِيقَة الْبُسْتَان الْمُحْظَر عَلَيْهِ حَائِط , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَائِط فَهُوَ الْبُسْتَان وَلَيْسَ بِحَدِيقَةٍ . وَقَالَ قَتَادَة وَعِكْرِمَة : الْحَدَائِق النَّخْل ذَات بَهْجَة , وَالْبَهْجَة الزِّينَة وَالْحُسْن ; يُبْهَج بِهِ مَنْ رَآهُ . كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرهَا " " مَا " لِلنَّفْيِ . وَمَعْنَاهُ الْحَظْر وَالْمَنْع مِنْ فِعْل هَذَا ; أَيْ مَا كَانَ لِلْبَشَرِ , وَلَا يَتَهَيَّأ لَهُمْ , وَلَا يَقَع تَحْت قُدْرَتهمْ , أَنْ يُنْبِتُوا شَجَرهَا ; إِذْ هُمْ عَجَزَة عَنْ مِثْلهَا , لِأَنَّ ذَلِكَ إِخْرَاج الشَّيْء مِنْ الْعَدَم إِلَى الْوُجُود . قُلْت : وَقَدْ يُسْتَدَلّ مِنْ هَذَا عَلَى مَنْع تَصْوِير شَيْء سَوَاء كَانَ لَهُ رُوح أَمْ لَمْ يَكُنْ ; وَهُوَ قَوْل مُجَاهِد . وَيُعَضِّدهُ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ أَظْلَم مِمَّنْ ذَهَبَ يَخْلُق خَلْقًا كَخَلْقِي فَلْيَخْلُقُوا ذَرَّة أَوْ لِيَخْلُقُوا حَبَّة أَوْ لِيَخْلُقُوا شَعِيرَة ) رَوَاهُ مُسْلِم فِي صَحِيحه مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة ; قَالَ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : ( قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ) فَذَكَرَهُ ; فَعَمَّ بِالذَّمِّ وَالتَّهْدِيد وَالتَّقْبِيح كُلّ مَنْ تَعَاطَى تَصْوِير شَيْء مِمَّا خَلَقَهُ اللَّه وَضَاهَاهُ فِي التَّشْبِيه فِي خَلْقه فِيمَا اِنْفَرَدَ بِهِ سُبْحَانه مِنْ الْخَلْق وَالِاخْتِرَاع هَذَا وَاضِح . وَذَهَبَ الْجُمْهُور إِلَى أَنَّ تَصْوِير مَا لَيْسَ فِيهِ رُوح يَجُوز هُوَ وَالِاكْتِسَاب بِهِ . وَقَدْ قَالَ اِبْن عَبَّاس لِلَّذِي سَأَلَهُ أَنْ يَصْنَع الصُّوَر : إِنْ كُنْت لَا بُدّ فَاعِلًا فَاصْنَعْ الشَّجَر وَمَا لَا نَفْس لَهُ خَرَّجَهُ مُسْلِم أَيْضًا . وَالْمَنْع أَوْلَى وَاَللَّه أَعْلَم لِمَا ذَكَرْنَا . وَسَيَأْتِي لِهَذَا مَزِيد بَيَان فِي [ سَبَأ ] إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى مَعَ اللَّه " قَالَ عَلَى جِهَة التَّوْبِيخ : " أَإِلَه مَعَ اللَّه " أَيْ هَلْ مَعْبُود مَعَ اللَّه يُعِينهُ عَلَى ذَلِكَ . قَوْم يَعْدِلُونَ " بِاَللَّهِ غَيْره . وَقِيلَ : " يَعْدِلُونَ " عَنْ الْحَقّ وَالْقَصْد ; أَيْ يَكْفُرُونَ . وَقِيلَ : " إِلَه " مَرْفُوع بِ " مَعَ " تَقْدِيره : أَمَعَ اللَّه وَيْلكُمْ إِلَه . وَالْوَقْف عَلَى " مَعَ اللَّه " حَسَن .

غريب الآية
أَمَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تِ وَٱلۡأَرۡضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلسَّمَاۤءِ مَاۤءࣰ فَأَنۢبَتۡنَا بِهِۦ حَدَاۤىِٕقَ ذَاتَ بَهۡجَةࣲ مَّا كَانَ لَكُمۡ أَن تُنۢبِتُوا۟ شَجَرَهَاۤۗ أَءِلَـٰهࣱ مَّعَ ٱللَّهِۚ بَلۡ هُمۡ قَوۡمࣱ یَعۡدِلُونَ ﴿٦٠﴾
حَدَاۤىِٕقَ ذَاتَ بَهۡجَةࣲبَسَاتِينَ ذاتَ مَنْظَرٍ حَسَنٍ.
یَعۡدِلُونَيَنْحَرِفُونَ عَن طَرِيقِ الحقِّ إلى طَرِيقِ الباطِلِ وهو الشِّركُ.
الإعراب
(أَمَّنْ)
(أَمْ) : حَرْفُ إِضْرَابٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ(مَنْ) : اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ، وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ "خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ".
(خَلَقَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(السَّمَاوَاتِ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُؤَنَّثٍ سَالِمٌ.
(وَالْأَرْضَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْأَرْضَ) : مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَأَنْزَلَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَنْزَلَ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(لَكُمْ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(مِنَ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(السَّمَاءِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مَاءً)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَأَنْبَتْنَا)
"الْفَاءُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَنْبَتْنَا) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(بِهِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(حَدَائِقَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(ذَاتَ)
نَعْتٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(بَهْجَةٍ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مَا)
حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(كَانَ)
فِعْلٌ مَاضٍ نَاسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(لَكُمْ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ خَبَرُ كَانَ مُقَدَّمٌ.
(أَنْ)
حَرْفُ نَصْبٍ وَمَصْدَرِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تُنْبِتُوا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنْ (أَنْ) : وَالْفِعْلِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ اسْمُ كَانَ مُؤَخَّرٌ.
(شَجَرَهَا)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(أَإِلَهٌ)
"الْهَمْزَةُ" حَرْفُ اسْتِفْهَامٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِلَهٌ) : مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(مَعَ)
ظَرْفُ مَكَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(اللَّهِ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ.
(بَلْ)
حَرْفُ إِضْرَابٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(هُمْ)
ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(قَوْمٌ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(يَعْدِلُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.