Your browser does not support the audio element.
إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسۡنَۢا بَعۡدَ سُوۤءࣲ فَإِنِّی غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ ﴿١١﴾
التفسير
تفسير السعدي " إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ " أي: فهذا الذي هو محل الخوف والوحشة بسبب ما أسدى من الظلم, وما تقدم له من الجرم.
وأما المرسلون, فما لهم وللوحشة, والخوف؟ ومع هذا, من ظلم نفسه بمعاصي الله, وتاب وأناب, فبدل سيئاته حسنات, ومعاصيه طاعات, فإن الله غفور رحيم.
فلا ييأس أحد من رحمته ومغفرته, فإنه يغفر الذنوب جميعا, وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها.
التفسير الميسر فلما جاء موسى النارَ ناداه الله وأخبره أن هذا مكانٌ قدَّسه الله وباركه فجعله موضعًا لتكليم موسى وإرساله، وأن الله بارك مَن في النار ومَن حولها مِنَ الملائكة، وتنزيهًا لله رب الخلائق عما لا يليق به. يا موسى إنه أنا الله المستحق للعبادة وحدي، العزيز الغالب في انتقامي من أعدائي، الحكيم في تدبير خلقي. وألق عصاك فألقاها فصارت حية، فلما رآها تتحرك في خفة تَحَرُّكَ الحية السريعة ولَّى هاربًا ولم يرجع إليها، فطمأنه الله بقوله: يا موسى لا تَخَفْ، إني لا يخاف لديَّ من أرسلتهم برسالتي، لكن مَن تجاوز الحدَّ بذنب، ثم تاب فبدَّل حُسْن التوبة بعد قبح الذنب، فإني غفور له رحيم به، فلا ييئس أحدٌ من رحمة الله ومغفرته. وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء كالثلج من غير بَرَص في جملة تسع معجزات، وهي مع اليد: العصا، والسنون، ونقص الثمرات، والطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع، والدم؛ لتأييدك في رسالتك إلى فرعون وقومه، إنهم كانوا قومًا خارجين عن أمر الله كافرين به.
تفسير الجلالين "إلَّا" لَكِنْ "مَنْ ظَلَمَ" نَفْسه "ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا" أَتَاهُ "بَعْد سُوء" أَيْ تَابَ "فَإِنِّي غَفُور رَحِيم" أَقْبَل التَّوْبَة وَأَغْفِر لَهُ
تفسير ابن كثير هَذَا اِسْتِثْنَاء مُنْقَطِع وَفِيهِ بِشَارَة عَظِيمَة لِلْبَشَرِ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ كَانَ عَلَى عَمَل شَيْء ثُمَّ أَقْلَعَ عَنْهُ وَرَجَعَ وَتَابَ وَأَنَابَ فَإِنَّ اللَّه يَتُوب عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : " وَإِنِّي لَغَفَّار لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اِهْتَدَى " وَقَالَ تَعَالَى : " وَمَنْ يَعْمَل سُوءًا أَوْ يَظْلِم نَفْسه " الْآيَة وَالْآيَات فِي هَذَا كَثِيرَة جِدًّا .
تفسير الطبري يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَنَادَاهُ رَبّه : يَا مُوسَى لَا تَخَفْ مِنْ هَذِهِ الْحَيَّة , إِنِّي لَا يَخَاف لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ : يَقُول : إِنِّي لَا يَخَاف عِنْدِي رُسُلِي وَأَنْبِيَائِي الَّذِينَ أَخْتَصّهُمْ بِالنُّبُوَّةِ , إِلَّا مَنْ ظَلَمَ مِنْهُمْ , فَعَمِلَ بِغَيْرِ الَّذِي أُذِنَ لَهُ فِي الْعَمَل بِهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20439 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَوْله : { يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَاف لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ } قَالَ : لَا يُخِيف اللَّه الْأَنْبِيَاء إِلَّا بِذَنْبٍ يُصِيبهُ أَحَدهمْ , فَإِنْ أَصَابَهُ أَخَافهُ حَتَّى يَأْخُذهُ مِنْهُ. 20440 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه الْفَزَارِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك , عَنْ أَبِي بَكْر , عَنْ الْحَسَن , قَالَ : قَوْله : { يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَاف لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ } قَالَ : إِنِّي إِنَّمَا أَخَفْتُك لِقَتْلِك النَّفْس , قَالَ : وَقَالَ الْحَسَن : كَانَتْ الْأَنْبِيَاء تُذْنِب فَتُعَاقَب . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَجْه دُخُول إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِع , وَهُوَ اِسْتِثْنَاء مَعَ وَعْد اللَّه الْغُفْرَان الْمُسْتَثْنَى مِنْ قَوْله : { إِنِّي لَا يَخَاف لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ } بِقَوْلِهِ : { فَإِنِّي غَفُور رَحِيم } . وَحُكْم الِاسْتِثْنَاء أَنْ يَكُون مَا بَعْده بِخِلَافِ مَعْنَى مَا قَبْله , وَذَلِكَ أَنْ يَكُون مَا بَعْده إِنْ كَانَ مَا قَبْله مَنْفِيًّا مُثْبَتًا كَقَوْلِهِ : مَا قَامَ إِلَّا زَيْد , فَزَيْد مُثْبَت لَهُ الْقِيَام , لِأَنَّهُ مُسْتَثْنًى مِمَّا قَبْل إِلَّا , وَمَا قَبْل إِلَّا مَنْفِيّ عَنْهُ الْقِيَام , وَأَنْ يَكُون مَا بَعْده إِنْ كَانَ مَا قَبْله مُثْبَتًا مَنْفِيًّا كَقَوْلِهِمْ : قَامَ الْقَوْم إِلَّا زَيْدًا ; فَزَيْد مَنْفِيّ عَنْهُ الْقِيَام ; وَمَعْنَاهُ : إِنَّ زَيْدًا لَمْ يَقُمْ , وَالْقَوْم مُثْبَت لَهُمْ الْقِيَام , { إِلَّا مَنْ ظَلَمَ , ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْد سُوء } , فَقَدْ أَمَّنَهُ اللَّه بِوَعْدِهِ الْغُفْرَان وَالرَّحْمَة , وَأَدْخَلَهُ فِي عِدَاد مَنْ لَا يَخَاف لَدَيْهِ مِنْ الْمُرْسَلِينَ . فَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة : أُدْخِلَتْ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِع , لِأَنَّ إِلَّا تَدْخُل فِي مِثْل هَذَا الْكَلَام , كَمِثْلِ قَوْل الْعَرَب : مَا أَشْتَكِي إِلَّا خَيْرًا ; فَلَمْ يَجْعَل قَوْله : إِلَّا خَيْرًا عَلَى الشَّكْوَى , وَلَكِنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ إِذَا قَالَ : مَا أَشْتَكِي شَيْئًا أَنْ يَذْكُر عَنْ نَفْسه خَيْرًا , كَأَنَّهُ قَالَ : مَا أَذْكُر إِلَّا خَيْرًا . وَقَالَ بَعْض نَحْوِيِّي الْكُوفَة : يَقُول الْقَائِل : كَيْفَ صَيَّرَ خَائِفًا مَنْ ظَلَمَ , ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْد سُوء , وَهُوَ مَغْفُور لَهُ ؟ فَأَقُول لَك : فِي هَذِهِ الْآيَة وَجْهَانِ : أَحَدهمَا أَنْ يَقُول : إِنَّ الرُّسُل مَعْصُومَة مَغْفُور لَهَا آمِنَة يَوْم الْقِيَامَة , وَمَنْ خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَر سَيِّئًا فَهُوَ يَخَاف وَيَرْجُو , فَهَذَا وَجْه . وَالْآخَر : أَنْ يَجْعَل الِاسْتِثْنَاء مِنْ الَّذِينَ تَرَكُوا فِي الْكَلِمَة , لِأَنَّ الْمَعْنَى : لَا يَخَاف لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ , إِنَّمَا الْخَوْف عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ , ثُمَّ اِسْتَثْنَى فَقَالَ : { إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا } يَقُول : كَانَ مُشْرِكًا , فَتَابَ مِنْ الشِّرْك , وَعَمِلَ حُسْنًا , فَذَلِكَ مَغْفُور لَهُ , وَلَيْسَ يَخَاف . قَالَ : وَقَدْ قَالَ بَعْض النَّحْوِيِّينَ : إِنَّ إِلَّا فِي اللُّغَة بِمَنْزِلَةِ الْوَاو , وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذِهِ الْآيَة : لَا يَخَاف لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ , وَلَا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا , قَالَ : وَجَعَلُوا مِثْله كَقَوْلِ اللَّه : { لِئَلَّا يَكُون لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّة إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } 2 150 قَالَ : وَلَمْ أَجِد الْعَرَبِيَّة تَحْتَمِل مَا قَالُوا , لِأَنِّي لَا أُجِيز : قَامَ النَّاس إِلَّا عَبْد اللَّه , وَعَبْد اللَّه قَائِم ; إِنَّمَا مَعْنَى الِاسْتِثْنَاء أَنْ يَخْرُج الِاسْم الَّذِي بَعْد إِلَّا مِنْ مَعْنَى الْأَسْمَاء الَّتِي قَبْل إِلَّا . وَقَدْ أَرَاهُ جَائِزًا أَنْ يَقُول : لِي عَلَيْك أَلْف سِوَى أَلْف آخَر ; فَإِنْ وُضِعَتْ إِلَّا فِي هَذَا الْمَوْضِع صَلَحَتْ , وَكَانَتْ إِلَّا فِي تَأْوِيل مَا قَالُوا , فَأَمَّا مُجَرَّدَة قَدْ اسْتُثْنِىَ قَلِيلهَا مِنْ كَثِيرهَا فَلَا , وَلَكِنَّ مِثْله مِمَّا يَكُون مَعْنَى إِلَّا كَمَعْنَى الْوَاو , وَلَيْسَتْ بِهَا قَوْله { خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك } 11 107 هُوَ فِي الْمَعْنَى. وَاَلَّذِي شَاءَ رَبّك مِنْ الزِّيَادَة , فَلَا تُجْعَل إِلَّا بِمَنْزِلَةِ الْوَاو , وَلَكِنْ بِمَنْزِلَةِ سِوَى ; فَإِذَا كَانَتْ " وَسِوَى " فِي مَوْضِع " إِلَّا " صَلَحَتْ بِمَعْنَى الْوَاو , لِأَنَّك تَقُول : عِنْدِي مَال كَثِير سِوَى هَذَا : أَيْ وَهَذَا عِنْدِي , كَأَنَّك قُلْت : عِنْدِي مَال كَثِير وَهَذَا أَيْضًا عِنْدِي , وَهُوَ فِي سِوَى أَبْعَد مِنْهُ فِي إِلَّا , لِأَنَّك تَقُول : عِنْدِي سِوَى هَذَا , وَلَا تَقُول : عِنْدِي إِلَّا هَذَا . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب مِنْ الْقَوْل فِي قَوْله { إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ } عِنْدِي غَيْر مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ حَكَيْنَا قَوْلهمْ مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة , بَلْ هُوَ الْقَوْل الَّذِي قَالَهُ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَابْن جُرَيْج وَمَنْ قَالَ قَوْلهمَا , وَهُوَ أَنَّ قَوْله : { إِلَّا مَنْ ظَلَمَ } اِسْتِثْنَاء صَحِيح مِنْ قَوْله { لَا يَخَاف لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ } مِنْهُمْ فَأَتَى ذَنْبًا , فَإِنَّهُ خَائِف لَدَيْهِ مِنْ عُقُوبَته . وَقَدْ بَيَّنَ الْحَسَن رَحِمَهُ اللَّه مَعْنَى قِيل اللَّه لِمُوسَى ذَلِكَ , وَهُوَ قَوْله قَالَ : إِنِّي إِنَّمَا أَخَفْتُك لِقَتْلِك النَّفْس . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَمَا وَجْه قِيله إِنْ كَانَ قَوْله { إِلَّا مَنْ ظَلَمَ } اِسْتِثْنَاء صَحِيحًا , وَخَارِجًا مِنْ عِدَاد مَنْ لَا يَخَاف لَدَيْهِ مِنْ الْمُرْسَلِينَ , وَكَيْفَ يَكُون خَائِفًا مَنْ كَانَ قَدْ وُعِدَ الْغُفْرَان وَالرَّحْمَة ؟ قِيلَ : إِنَّ قَوْله : { ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْد سُوء } كَلَام آخَر بَعْد الْأَوَّل , وَقَدْ تَنَاهَى الْخَبَر عَنْ الرُّسُل مَنْ ظَلَمَ مِنْهُمْ , وَمَنْ لَمْ يَظْلِم عِنْد قَوْله { إِلَّا مَنْ ظَلَمَ } ثُمَّ اِبْتَدَأَ الْخَبَر عَمَّنْ ظَلَمَ مِنْ الرُّسُل , وَسَائِر النَّاس غَيْرهمْ . وَقِيلَ : فَمَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْد سُوء فَإِنِّي لَهُ غَفُور رَحِيم . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَعَلَامَ تُعْطَف إِنْ كَانَ الْأَمْر كَمَا قُلْت بِثُمَّ إِنْ لَمْ يَكُنْ عَطْفًا عَلَى قَوْله : { ظَلَمَ } ؟ قِيلَ : عَلَى مَتْرُوك اُسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ قَوْله { ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْد سُوء } عَلَيْهِ عَنْ إِظْهَاره , إِذْ كَانَ قَدْ جَرَى قَبْل ذَلِكَ مِنْ الْكَلَام نَظِيره , وَهُوَ : فَمَنْ ظَلَمَ مِنْ الْخَلْق . وَأَمَّا الَّذِينَ ذَكَرْنَا قَوْلهمْ مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة , فَقَدْ قَالُوا عَلَى مَذْهَب الْعَرَبِيَّة , غَيْر أَنَّهُمْ أَغْفَلُوا مَعْنَى الْكَلِمَة وَحَمَلُوهَا عَلَى غَيْر وَجْههَا مِنْ التَّأْوِيل . وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَل الْكَلَام عَلَى وَجْهه مِنْ التَّأْوِيل , وَيُلْتَمَس لَهُ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْه لِلْإِعْرَابِ فِي الصِّحَّة مَخْرَج لَا عَلَى إِحَالَة الْكَلِمَة عَنْ مَعْنَاهَا وَوَجْههَا الصَّحِيح مِنْ التَّأْوِيل .
وَقَوْله : { ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْد سُوء } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : فَمَنْ أَتَى ظُلْمًا مِنْ خَلْق اللَّه , وَرَكِبَ مَأْثَمًا , ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا , يَقُول : ثُمَّ تَابَ مِنْ ظُلْمه ذَلِكَ وَرُكُوبه الْمَأْثَم , { فَإِنِّي غَفُور } يَقُول : فَإِنِّي سَاتِر عَلَى ذَنْبه وَظُلْمه ذَلِكَ بِعَفْوِي عَنْهُ , وَتَرْك عُقُوبَته عَلَيْهِ { رَحِيم } بِهِ أَنْ أُعَاقِبهُ بَعْد تَبْدِيله الْحَسَن بِضِدِّهِ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 20441 - حَدَّثني مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى ; وَحَدَّثني الْحَارِث , قَالَ : ثَنَا الْحَسَن , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { إِلَّا مَنْ ظَلَمَ , ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْد سُوء } ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْد إِسَاءَته { فَإِنِّي غَفُور رَحِيم }
تفسير القرطبي فَإِنَّهُ لَا يَخَاف ; قَالَهُ الْفَرَّاء . قَالَ النَّحَّاس : اِسْتِثْنَاء مِنْ مَحْذُوف مُحَال ; لِأَنَّهُ اِسْتِثْنَاء مِنْ شَيْء لَمْ يُذْكَر وَلَوْ جَازَ هَذَا لَجَازَ إِنِّي لَأَضْرِب الْقَوْم إِلَّا زَيْدًا بِمَعْنَى إِنِّي لَا أَضْرِب الْقَوْم وَإِنَّمَا أَضْرِب غَيْرهمْ إِلَّا زَيْدًا ; وَهَذَا ضِدّ الْبَيَان , وَالْمَجِيء بِمَا لَا يُعْرَف مَعْنَاهُ . وَزَعَمَ الْفَرَّاء أَيْضًا أَنَّ بَعْض النَّحْوِيِّينَ يَجْعَل إِلَّا بِمَعْنَى الْوَاو أَيْ وَلَا مَنْ ظَلَمَ ; قَالَ : وَكُلّ أَخٍ مُفَارِقه أَخُوهُ لَعَمْر أَبِيك إِلَّا الْفَرْقَدَانِ قَالَ النَّحَّاس : وَكَوْن " إِلَّا " بِمَعْنَى الْوَاو لَا وَجْه لَهُ وَلَا يَجُوز فِي شَيْء مِنْ الْكَلَام , وَمَعْنَى " إِلَّا " خِلَاف الْوَاو ; لِأَنَّك إِذَا قُلْت : جَاءَنِي إِخْوَتك إِلَّا زَيْدًا أَخْرَجْت زَيْدًا مِمَّا دَخَلَ فِيهِ الْإِخْوَة فَلَا نِسْبَة بَيْنهمَا وَلَا تَقَارُب . وَفِي الْآيَة قَوْل آخَر : وَهُوَ أَنْ يَكُون الِاسْتِثْنَاء مُتَّصِلًا ; وَالْمَعْنَى إِلَّا مَنْ ظَلَمَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ بِإِتْيَانِ الصَّغَائِر الَّتِي لَا يَسْلَم مِنْهَا أَحَد , سِوَى مَا رُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْن زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَام , وَمَا ذَكَرَهُ اللَّه تَعَالَى فِي نَبِيّنَا عَلَيْهِ السَّلَام فِي قَوْله : " لِيَغْفِر لَك اللَّه مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبك وَمَا تَأَخَّرَ " [ الْفَتْح : 2 ] ذَكَرَهُ الْمَهْدَوِيّ وَاخْتَارَهُ النَّحَّاس ; وَقَالَ : عَلِمَ اللَّه مَنْ عَصَى مِنْهُمْ يُسْر الْخِيفَة فَاسْتَثْنَاهُ فَقَالَ : " إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْد سُوء " فَإِنَّهُ يَخَاف وَإِنْ كُنْت قَدْ غُفِرَتْ لَهُ . الضَّحَّاك : يَعْنِي آدَم وَدَاوُد عَلَيْهِمَا السَّلَام الزَّمَخْشَرِيّ . كَاَلَّذِي فَرَطَ مِنْ آدَم وَيُونُس وَدَاوُد وَسُلَيْمَان وَإِخْوَة يُوسُف , وَمِنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام بِوَكْزِهِ الْقِبْطِيّ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَمَا مَعْنَى الْخَوْف بَعْد التَّوْبَة وَالْمَغْفِرَة ؟ قِيلَ لَهُ : هَذِهِ سَبِيل الْعُلَمَاء بِاَللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ يَكُونُوا خَائِفِينَ مِنْ مَعَاصِيهمْ وَجِلِينَ , وَهُمْ أَيْضًا لَا يَأْمَنُونَ أَنْ يَكُون قَدْ بَقِيَ مِنْ أَشْرَاط التَّوْبَة شَيْء لَمْ يَأْتُوا بِهِ , فَهُمْ يَخَافُونَ مِنْ الْمُطَالَبَة بِهِ . وَقَالَ الْحَسَن وَابْن جُرَيْج : قَالَ اللَّه لِمُوسَى إِنِّي أَخَفْتُك لِقَتْلِك النَّفْس . قَالَ الْحَسَن : وَكَانَتْ الْأَنْبِيَاء تُذْنِب فَتُعَاقَب . قَالَ الثَّعْلَبِيّ وَالْقُشَيْرِيّ وَالْمَاوَرْدِيّ وَغَيْرهمْ : فَالِاسْتِثْنَاء عَلَى هَذَا صَحِيح ; أَيْ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ نَفْسه مِنْ النَّبِيِّينَ وَالْمُرْسَلِينَ فِيمَا فَعَلَ مِنْ صَغِيرَة قَبْل النُّبُوَّة . وَكَانَ مُوسَى خَافَ مِنْ قَتْل الْقِبْطِيّ وَتَابَ مِنْهُ . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّهُمْ بَعْد النُّبُوَّة مَعْصُومُونَ مِنْ الصَّغَائِر وَالْكَبَائِر . وَقَدْ مَضَى هَذَا فِي " الْبَقَرَة " .
قُلْت : وَالْأَوَّل أَصَحّ لِتَنَصُّلِهِمْ مِنْ ذَلِكَ فِي الْقِيَامَة كَمَا فِي حَدِيث الشَّفَاعَة , وَإِذَا أَحْدَثَ الْمُقَرَّب حَدَثًا فَهُوَ وَإِنْ غُفِرَ لَهُ ذَلِكَ الْحَدَث فَأَثَر ذَلِكَ الْحَدَث بَاقٍ , وَمَا دَامَ الْأَثَر وَالتُّهْمَة قَائِمَة فَالْخَوْف كَائِن لَا خَوْف الْعُقُوبَة وَلَكِنْ خَوْف الْعَظَمَة , وَالْمُتَّهَم عِنْد السُّلْطَان يَجِد لِلتُّهْمَةِ حَزَازَة تُؤَدِّيه إِلَى أَنْ يُكَدِّر عَلَيْهِ صَفَاء الثِّقَة . وَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام قَدْ كَانَ مِنْهُ الْحَدَث فِي ذَلِكَ الْفِرْعَوْنِيّ , ثُمَّ اِسْتَغْفَرَ وَأَقَرَّ بِالظُّلْمِ عَلَى نَفْسه , ثُمَّ غُفِرَ لَهُ , ثُمَّ قَالَ بَعْد الْمَغْفِرَة : " رَبّ بِمَا أَنْعَمْت عَلَيَّ فَلَنْ أَكُون ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ " [ الْقَصَص : 17 ] ثُمَّ اُبْتُلِيَ مِنْ الْغَد بِالْفِرْعَوْنِيِّ الْآخَر وَأَرَادَ أَنْ يَبْطِش بِهِ , فَصَارَ حَدَثًا آخَر بِهَذِهِ الْإِرَادَة . وَإِنَّمَا اُبْتُلِيَ مِنْ الْغَد لِقَوْلِهِ : " فَلَنْ أَكُون ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ " وَتِلْكَ كَلِمَة اِقْتِدَار مِنْ قَوْله لَنْ أَفْعَل , فَعُوقِبَ بِالْإِرَادَةِ حِين أَرَادَ أَنْ يَبْطِش وَلَمْ يَفْعَل , فَسُلِّطَ عَلَيْهِ الْإِسْرَائِيلِيّ حَتَّى أَفْشَى سِرّه ; لِأَنَّ الْإِسْرَائِيلِيّ لَمَّا رَآهُ تَشَمَّرَ لِلْبَطْشِ ظَنَّ أَنَّهُ يُرِيدهُ , فَأَفْشَى عَلَيْهِ فَ " قَالَ يَا مُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلنِي كَمَا قَتَلْت نَفْسًا بِالْأَمْسِ " [ الْقَصَص : 19 ] فَهَرَبَ الْفِرْعَوْنِيّ وَأَخْبَرَ فِرْعَوْن بِمَا أَفْشَى الْإِسْرَائِيلِيّ عَلَى مُوسَى , وَكَانَ الْقَتِيل بِالْأَمْسِ مَكْتُومًا أَمْره لَا يَدْرِي مَنْ قَتْله , فَلَمَّا عَلِمَ فِرْعَوْن بِذَلِكَ , وَجَّهَ فِي طَلَب مُوسَى لِيَقْتُلهُ , وَاشْتَدَّ الطَّلَب وَأَخَذُوا مَجَامِع الطُّرُق ; جَاءَ رَجُل يَسْعَى فَ " قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلَأ يَأْتَمِرُونَ بِك لِيَقْتُلُوك " [ الْقَصَص : 20 ] الْآيَة . فَخَرَجَ كَمَا أَخْبَرَ اللَّه . فَخَوْف مُوسَى إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْل هَذَا الْحَدَث ; فَهُوَ وَإِنْ قَرَّبَهُ وَبِهِ وَأَكْرَمَهُ وَاصْطَفَاهُ بِالْكَلَامِ فَالتُّهْمَة الْبَاقِيَة وَلَّتْ بِهِ وَلَمْ يُعَقِّب .
غريب الآية
إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسۡنَۢا بَعۡدَ سُوۤءࣲ فَإِنِّی غَفُورࣱ رَّحِیمࣱ ﴿١١﴾
الإعراب
(إِلَّا) حَرْفُ اسْتِثْنَاءٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(مَنْ) اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مُسْتَثْنًى.
(ظَلَمَ) فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ ".
(ثُمَّ) حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحٍ.
(بَدَّلَ) فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ ".
(حُسْنًا) مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(بَعْدَ) ظَرْفُ زَمَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(سُوءٍ) مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَإِنِّي) "الْفَاءُ " حَرْفُ تَعْلِيلٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِنَّ ) : حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ الْمُقَدَّرِ لِاشْتِغَالِ الْمَحَلِّ بِحَرَكَةِ الْمُنَاسَبَةِ لِلْيَاءِ، وَ"يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ اسْمُ (إِنَّ ) :.
(غَفُورٌ) خَبَرُ (إِنَّ ) : مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(رَحِيمٌ) خَبَرُ (إِنَّ ) : ثَانٍ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
Facebook Twitter WhatsApp Pinterest LinkedIn Buffer Tumblr Reddit Mix Evernote Pocket Wordpress