Your browser does not support the audio element.
قَالُوا۟ سُبۡحَـٰنَكَ مَا كَانَ یَنۢبَغِی لَنَاۤ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنۡ أَوۡلِیَاۤءَ وَلَـٰكِن مَّتَّعۡتَهُمۡ وَءَابَاۤءَهُمۡ حَتَّىٰ نَسُوا۟ ٱلذِّكۡرَ وَكَانُوا۟ قَوۡمَۢا بُورࣰا ﴿١٨﴾
التفسير
تفسير السعدي " قَالُوا سُبْحَانَكَ " نزهوا الله عن شرك المشركين به, وبرأوا أنفسهم من ذلك.
" مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا " أي: لا يليق بنا, ولا يحسن منا, أن نتخذ من دونك منه أولياء, نتولاهم, ونعبدهم, وندعوهم.
فإذا كنا محتاجين ومفتقرين إلى عبادتك, ومتبرين من عبادة غيرك, فكيف نأمر أحدا بعبادتنا؟ هذا لا يكون.
أو, سبحانك " أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ " وهذا كقول المسيح عيسى بن مريم عليه السلام " وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ " الآية.
وقال تعالى: " وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ " , " وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ " .
فلما نزهوا أنفسهم, أن يدعوا لعبادة غير الله, أو يكونوا أضلوهم, ذكروا السبب الموجب لإضلال المشركين فقالوا: " وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ " في لذات الدنيا وشهواتها, ومطالبها النفسية.
" حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ " اشتغالا في لذات الدنيا, وانكبابا على شهواتها, فحافظوا على دنياهم, وضيعوا دينهم " وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا " أي: بائرين لا خير فيهم, ولا يصلحون لصالح, لا يصلحون إلا للهلاك والبوار.
فذكروا المانع من اتباعهم الهدى, وهو التمتع في الدنيا, الذي صرفهم عن الهدى.
وعدم المقتضي للهدى, وهو: أنهم لا خير فيهم.
فإذا عدموا المقتضي, ووجد المانع, فلا تشاء من شر وهلاك, إلا وجدته فيهم.
فلما تبرأوا منهم, قال الله توبيخا وتقريعا للمعاندين:
التفسير الميسر قال المعبودون من دون الله: تنزيهًا لك- يا ربنا- عَمَّا فعل هؤلاء، فما يصحُّ أن نَتَّخِذ سواك أولياء نواليهم، ولكن متعتَ هؤلاء المشركين وآباءهم بالمال والعافية في الدنيا، حتى نسوا ذكرك فأشركوا بك، وكانوا قومًا هلكى غلب عليهم الشقاء والخِذْلان.
تفسير الجلالين "قَالُوا سُبْحَانك" تَنْزِيهًا لَك عَمَّا لَا يَلِيق بِك "مَا كَانَ يَنْبَغِي" يَسْتَقِيم "لَنَا أَنْ نَتَّخِذ مِنْ دُونك" أَيْ غَيْرك "مِنْ أَوْلِيَاء" مَفْعُول أَوَّل وَمِنْ زَائِدَة لِتَأْكِيدِ النَّفْي وَمَا قَبْله الثَّانِي فَكَيْفَ نَأْمُر بِعِبَادَتِنَا ؟ "وَلَكِنْ مَتَّعْتهمْ وَآبَاءَهُمْ" مِنْ قَبْلهمْ بِإِطَالَةِ الْعُمُر وَسَعَة الرِّزْق "حَتَّى نَسُوا الذِّكْر" تَرَكُوا الْمَوْعِظَة وَالْإِيمَان بِالْقُرْآنِ "وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا" هَلْكَى
تفسير ابن كثير وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى مُخْبِرًا عَمَّا يُجِيب بِهِ الْمَعْبُودُونَ يَوْم الْقِيَامَة " قَالُوا سُبْحَانك مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذ مِنْ دُونك مِنْ أَوْلِيَاء" قَرَأَ الْأَكْثَرُونَ بِفَتْحِ النُّون مِنْ قَوْله " نَتَّخِذ مِنْ دُونك مِنْ أَوْلِيَاء " أَيْ لَيْسَ لِلْخَلَائِقِ كُلّهمْ أَنْ يَعْبُدُوا أَحَدًا سِوَاك لَا نَحْنُ وَلَا هُمْ فَنَحْنُ مَا دَعَوْنَاهُمْ إِلَى ذَلِكَ بَلْ هُمْ فَعَلُوا ذَلِكَ مِنْ تِلْقَاء أَنْفُسهمْ مِنْ غَيْر أَمْرنَا وَلَا رِضَانَا وَنَحْنُ بُرَآء مِنْهُمْ وَمِنْ عِبَادَتهمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَيَوْم يَحْشُرهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُول لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانك " الْآيَة وَقَرَأَ آخَرُونَ " مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذ مِنْ دُونك مِنْ أَوْلِيَاء " أَيْ مَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَعْبُدنَا فَإِنَّا عَبِيد لَك فُقَرَاء إِلَيْك وَهِيَ قَرِيبَة الْمَعْنَى مِنْ الْأُولَى" وَلَكِنْ مَتَّعْتهمْ وَآبَاءَهُمْ " أَيْ طَالَ عَلَيْهِمْ الْعُمُر حَتَّى نَسُوا الذِّكْر أَيْ نَسُوا مَا أَنْزَلْته إِلَيْهِمْ عَلَى أَلْسِنَة رُسُلك مِنْ الدَّعْوَة إِلَى عِبَادَتك وَحْدك لَا شَرِيك لَك " وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا " قَالَ اِبْن عَبَّاس أَيْ هَلْكَى وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ وَمَالِك عَنْ الزُّهْرِيّ أَيْ لَا خَيْر فِيهِمْ وَقَالَ اِبْن الزِّبَعْرَى حِين أَسْلَمَ : يَا رَسُول الْمَلِيك إِنَّ لِسَانِي رَاتِق مَا فَتَقْت إِذْ أَنَا بُور إِذْ أُبَارِي الشَّيْطَان فِي سُنَن الْ غَيّ وَمَنْ مَالَ مَيْله مَثْبُور
تفسير الطبري الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا سُبْحَانك مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذ مِنْ دُونك مِنْ أَوْلِيَاء وَلَكِنْ مَتَّعْتهمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْر وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا } . يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَتِ الْمَلَائِكَة الَّذِينَ كَانَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ يَعْبُدُونَهُمْ مِنْ دُون اللَّه وَعِيسَى : تَنْزِيهًا لَك يَا رَبّنَا وَتَبْرِئَة مِمَّا أَضَافَ إِلَيْك هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ , مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذ مِنْ دُونك مِنْ أَوْلِيَاء نُوَالِيهِمْ , أَنْتَ وَلِيّنَا مِنْ دُونهمْ , وَلَكِنْ مَتَّعْتهمْ بِالْمَالِ يَا رَبّنَا فِي الدُّنْيَا وَالصِّحَّة حَتَّى نَسُوا الذِّكْر وَكَانُوا قَوْمًا هَلْكَى قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِمْ الشَّقَاء وَالْخِذْلَان . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 19944 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَلَكِنْ مَتَّعْتهمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْر وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا } يَقُول : قَوْم قَدْ ذَهَبَتْ أَعْمَالهمْ وَهُمْ فِي الدُّنْيَا , وَلَمْ تَكُنْ لَهُمْ أَعْمَال صَالِحَة . 19945 - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنِ ابْن عَبَّاس , قَوْله : { وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا } يَقُول : هَلْكَى . 19946 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا } يَقُول : هَلْكَى . 19947 - حَدَّثَنَا الْحَسَن , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنِ الْحَسَن : { وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا } قَالَ : هُمْ الَّذِينَ لَا خَيْر فِيهِمْ . 19948 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا } قَالَ : يَقُول : لَيْسَ مِنْ الْخَيْر فِي شَيْء . الْبُور : الَّذِي لَيْسَ فِيهِ مِنَ الْخَيْر شَيْء . وَاخْتَلَفَتِ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذ مِنْ دُونك مِنْ أَوْلِيَاء } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار : { نَتَّخِذ } بِفَتْحِ النُّون ; سِوَى الْحَسَن وَيَزِيد بْن الْقَعْقَاع , فَإِنَّهُمَا قَرَآهُ : " أَنْ نُتَّخَذ " بِضَمِّ النُّون . فَذَهَبَ الَّذِينَ فَتَحُوهَا إِلَى الْمَعْنَى الَّذِي بَيَّنَّاهُ فِي تَأْوِيله , مِنْ أَنَّ الْمَلَائِكَة وَعِيسَى وَمَنْ عَبَدَ مِنْ دُون اللَّه مِنَ الْمُؤْمِنِينَ هُمْ الَّذِينَ تَبَرَّءُوا أَنْ يَكُون كَانَ لَهُمْ وَلِيّ غَيْر اللَّه تَعَالَى ذِكْره . وَأَمَّا الَّذِينَ قَرَءُوا ذَلِكَ بِضَمِّ النُّون , فَإِنَّهُمْ وَجَّهُوا مَعْنَى الْكَلَام إِلَى أَنَّ الْمَعْبُودِينَ فِي الدُّنْيَا إِنَّمَا تَبَرَّءُوا إِلَى اللَّه أَنْ يَكُون كَانَ لَهُمْ أَنْ يُعْبَدُوا مِنْ دُون اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ , كَمَا أَخْبَرَ اللَّه عَنْ عِيسَى أَنَّهُ قَالَ إِذَا قِيلَ { أَأَنْت قُلْت لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُون اللَّه قَالَ سُبْحَانك مَا يَكُون لِي أَنْ أَقُول مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ } 5 116 { مَا قُلْت لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّه رَبِّي وَرَبّكُمْ } 5 117 قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ بِفَتْحِ النُّون , لِعِلَلٍ ثَلَاث : إِحْدَاهُنَّ إِجْمَاع مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهَا . وَالثَّانِيَة : أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذَكَرَ نَظِير هَذِهِ الْقِصَّة فِي سُورَة سَبَأ , فَقَالَ : { وَيَوْم يَحْشُرهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُول لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانك أَنْتَ وَلِيّنَا مِنْ دُونهمْ } 34 40 : 41 فَأَخْبَرَ عَنْ الْمَلَائِكَة أَنَّهُمْ إِذَا سُئِلُوا عَنْ عِبَادَة مَنْ عَبَدَهُمْ تَبَرَّءُوا إِلَى اللَّه مِنْ وِلَايَتهمْ , فَقَالُوا لِرَبِّهِمْ : { أَنْتَ وَلِيّنَا مِنْ دُونهمْ } 34 41 فَذَلِكَ يُوَضِّح عَنْ صِحَّة قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ ذَلِكَ : { مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذ مِنْ دُونك مِنْ أَوْلِيَاء } بِمَعْنَى : مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذهُمْ مِنْ دُونك أَوْلِيَاء . وَالثَّالِثَة : أَنَّ الْعَرَب لَا تُدْخِل " مِنْ " هَذِهِ الَّتِي تَدْخُل فِي الْجَحْد إِلَّا فِي الْأَسْمَاء , وَلَا تُدْخِلهَا فِي الْأَخْبَار , لَا يَقُولُونَ : مَا رَأَيْت أَخَاك مِنْ رَجُل , وَإِنَّمَا يَقُولُونَ : مَا رَأَيْت مِنْ أَحَد , وَمَا عِنْدِي مِنْ رَجُل ; وَقَدْ دَخَلَتْ هَا هُنَا فِي الْأَوْلِيَاء وَهِيَ فِي مَوْضِع الْخَبَر , وَلَوْ لَمْ تَكُنْ فِيهَا " مِنْ " , كَانَ وَجْهًا حَسَنًا . وَأَمَّا الْبُور : فَمَصْدَر وَاحِد , وَجَمْع لِلْبَائِرِ , يُقَال : أَصْبَحَتْ مَنَازِلهمْ بُورًا : أَيْ خَالِيَة لَا شَيْء فِيهَا , وَمِنْهُ قَوْلهمْ : بَارَتْ السُّوق وَبَارَ الطَّعَام : إِذَا خَلَا مِنْ الطُّلَّاب وَالْمُشْتَرِي فَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَالِب , فَصَارَ كَالشَّيْءِ الْهَالِك ; وَمِنْهُ قَوْل ابْن الزِّبَعْرَى : يَا رَسُول الْمَلِيك إِنَّ لِسَانِي رَاتِق مَا فَتَقْت إِذْ أَنَا بُور وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ بُور : مَصْدَر , كَالْعَدْلِ وَالزُّور وَالْقَطْع , لَا يُثَنَّى وَلَا يُجْمَع وَلَا يُؤَنَّث . وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِالْبُورِ فِي هَذَا الْمَوْضِع أَنَّ أَعْمَال هَؤُلَاءِ الْكُفَّار كَانَتْ بَاطِلَة لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ لِلَّهِ , كَمَا ذَكَرْنَا عَنِ ابْن عَبَّاس .
تفسير القرطبي أَيْ قَالَ الْمَعْبُودُونَ مِنْ دُون اللَّه سُبْحَانك ; أَيْ تَنْزِيهًا لَك
فَإِنْ قِيلَ : فَإِنْ كَانَتْ الْأَصْنَام الَّتِي تُعْبَد تُحْشَر فَكَيْفَ تَنْطِق وَهِيَ جَمَاد ؟ قِيلَ لَهُ : يُنْطِقهَا اللَّه تَعَالَى يَوْم الْقِيَامَة كَمَا يُنْطِق الْأَيْدِي وَالْأَرْجُل . وَقَرَأَ الْحَسَن وَأَبُو جَعْفَر : " أَنْ نُتَّخَذ " بِضَمِّ النُّون وَفَتْح الْخَاء عَلَى الْفِعْل الْمَجْهُول . وَقَدْ تَكَلَّمَ فِي هَذِهِ الْقِرَاءَة النَّحْوِيُّونَ ; فَقَالَ أَبُو عَمْرو بْن الْعَلَاء وَعِيسَى بْن عُمَر : لَا يَجُوز " نُتَّخَذ " . وَقَالَ أَبُو عَمْرو : لَوْ كَانَتْ " نُتَّخَذ " لَحُذِفَتْ " مِنْ " الثَّانِيَة فَقُلْت : أَنْ نَتَّخِذ مِنْ دُونك أَوْلِيَاء . كَذَلِكَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة , لَا يَجُوز " نُتَّخَذ " لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذَكَرَ " مِنْ " مَرَّتَيْنِ , وَلَوْ كَانَ كَمَا قَرَأَ لَقَالَ : أَنْ نَتَّخِذ مِنْ دُونك أَوْلِيَاء . وَقِيلَ : إِنَّ " مِنْ " الثَّانِيَة صِلَة قَالَ النَّحَّاس : وَمِثْل أَبِي عَمْرو عَلَى جَلَالَته وَمَحَلّه يَسْتَحْسِن مَا قَالَ ; لِأَنَّهُ جَاءَ بِبَيِّنَةٍ . وَشَرْح مَا قَالَ أَنَّهُ يُقَال : مَا اِتَّخَذْت رَجُلًا وَلِيًّا ; فَيَجُوز أَنْ يَقَع هَذَا لِلْوَاحِدِ بِعَيْنِهِ ; ثُمَّ يُقَال : مَا اِتَّخَذْت مِنْ رَجُل وَلِيًّا فَيَكُون نَفْيًا عَامًّا , وَقَوْلك " وَلِيًّا " تَابِع لِمَا قَبْله فَلَا يَجُوز أَنْ تَدْخُل فِيهِ " مِنْ " لِأَنَّهُ لَا فَائِدَة فِي ذَلِكَ .
أَيْ فِي الدُّنْيَا بِالصِّحَّةِ وَالْغِنَى وَطُول الْعُمُر بَعْد مَوْت الرُّسُل صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِمْ .
أَيْ تَرَكُوا ذِكْرك فَأَشْرَكُوا بِك بَطَرًا وَجَهْلًا فَعَبَدُونَا مِنْ غَيْر أَنْ أَمَرْنَاهُمْ بِذَلِكَ . وَفِي الذِّكْر قَوْلَانِ : أَحَدهمَا : الْقُرْآن الْمُنَزَّل عَلَى الرُّسُل ; تَرَكُوا الْعَمَل بِهِ ; قَالَهُ اِبْن زَيْد . الثَّانِي : الشُّكْر عَلَى الْإِحْسَان إِلَيْهِمْ وَالْإِنْعَام عَلَيْهِمْ . إِنَّهُمْ " كَانُوا قَوْمًا بُورًا " أَيْ هَلْكَى ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . مَأْخُوذ مِنْ الْبَوَار وَهُوَ الْهَلَاك . وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء رَضِيَ اللَّه عَنْهُ وَقَدْ أَشْرَفَ عَلَى أَهْل حِمْص : يَا أَهْل حِمْص ! هَلُمَّ إِلَى أَخ لَكُمْ نَاصِح , فَلَمَّا اِجْتَمَعُوا حَوْله قَالَ : مَا لَكُمْ لَا تَسْتَحُونَ ! تَبْنُونَ مَا لَا تَسْكُنُونَ , وَتَجْمَعُونَ مَا لَا تَأْكُلُونَ , وَتَأْمُلُونَ مَا لَا تُدْرِكُونَ , إِنَّ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ بَنَوْا مَشِيدًا وَجَمَعُوا عَبِيدًا , وَأَمَّلُوا بَعِيدًا , فَأَصْبَحَ جَمْعهمْ بُورًا , وَآمَالهمْ غُرُورًا , وَمَسَاكِنهمْ قُبُورًا .
فَقَوْله : " بُورًا " أَيْ هَلْكَى . وَفِي خَبَر آخَر : فَأَصْبَحَتْ مَنَازِلهمْ بُورًا ; أَيْ خَالِيَة لَا شَيْء فِيهَا . وَقَالَ الْحَسَن : " بُورًا " لَا خَيْر فِيهِمْ . مَأْخُوذ مِنْ بَوَار الْأَرْض , وَهُوَ تَعْطِيلهَا مِنْ الزَّرْع فَلَا يَكُون فِيهَا خَيْر . وَقَالَ شَهْر بْن حَوْشَب : الْبَوَار . الْفَسَاد وَالْكَسَاد ; مَأْخُوذ مِنْ قَوْلهمْ : بَارَتْ السِّلْعَة إِذَا كَسَدَتْ كَسَاد الْفَاسِد ; وَمِنْهُ الْحَدِيث : ( نَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ بَوَار الْأَيْم ) . وَهُوَ اِسْم مَصْدَر كَالزُّورِ يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد وَالِاثْنَانِ وَالْجَمْع وَالْمُذَكَّر وَالْمُؤَنَّث . قَالَ اِبْن الزِّبَعْرَى : يَا رَسُول الْمَلِيك إِنَّ لِسَانِي رَاتِق مَا فَتَقْت إِذْ أَنَا بُور إِذْ أُبَارِي الشَّيْطَان فِي سُنَن اِلْغَ يّ وَمَنْ مَالَ مَيْله مَثْبُور وَقَالَ بَعْضهمْ : الْوَاحِد بَائِر وَالْجَمْع بُور . كَمَا يُقَال : عَائِذ وَعُوذ , وَهَائِد وَهُود . وَقِيلَ : " بُورًا " عُمْيًا عَنْ الْحَقّ .
غريب الآية
قَالُوا۟ سُبۡحَـٰنَكَ مَا كَانَ یَنۢبَغِی لَنَاۤ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنۡ أَوۡلِیَاۤءَ وَلَـٰكِن مَّتَّعۡتَهُمۡ وَءَابَاۤءَهُمۡ حَتَّىٰ نَسُوا۟ ٱلذِّكۡرَ وَكَانُوا۟ قَوۡمَۢا بُورࣰا ﴿١٨﴾
سُبۡحَـٰنَكَ تَنْزِيهاً لَكَ يا رَبَّنا.
مَا كَانَ یَنۢبَغِی لَنَاۤ ما كان يَحِقُّ ولا يَصِحُّ لَنا.
أَوۡلِیَاۤءَ المُرادُ به: آلهةٌ نَعْبُدُهُم.
نَسُوا۟ ٱلذِّكۡرَ غَفَلُوا عَن دَلَائِلِ الوَحْدَانيَّةِ.
بُورࣰا هَالِكِينَ أو فَاسِدِين.
الإعراب
(قَالُوا) فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(سُبْحَانَكَ) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(مَا) حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(كَانَ) فِعْلٌ مَاضٍ نَاسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَاسْمُ كَانَ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ ".
(يَنْبَغِي) فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلثِّقَلِ.
(لَنَا) "اللَّامُ " حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(نَا ) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(أَنْ) حَرْفُ نَصْبٍ وَمَصْدَرِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(نَتَّخِذَ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "نَحْنُ "، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنْ (أَنْ ) : وَالْفِعْلِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ خَبَرُ كَانَ.
(مِنْ) حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(دُونِكَ) اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(مِنْ) حَرْفُ جَرٍّ زَائِدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(أَوْلِيَاءَ) مَفْعُولٌ بِهِ مَجْرُورٌ لَفْظًا مَنْصُوبٌ مَحَلًّا وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْفَتْحَةُ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنَ الصَّرْفِ.
(وَلَكِنْ) "الْوَاوُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَكِنْ ) : حَرْفُ اسْتِدْرَاكٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(مَتَّعْتَهُمْ) فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ، وَ"تَاءُ الْفَاعِلِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(وَآبَاءَهُمْ) "الْوَاوُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(آبَاءَهُمْ ) : مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(حَتَّى) حَرْفُ غَايَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(نَسُوا) فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(الذِّكْرَ) مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَكَانُوا) "الْوَاوُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(كَانُوا ) : فِعْلٌ مَاضٍ نَاسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ اسْمُ كَانَ.
(قَوْمًا) خَبَرُ كَانَ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(بُورًا) نَعْتٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
Facebook Twitter WhatsApp Pinterest LinkedIn Buffer Tumblr Reddit Mix Evernote Pocket Wordpress