سورة النور الآية ٣
سورة النور الآية ٣
ٱلزَّانِی لَا یَنكِحُ إِلَّا زَانِیَةً أَوۡ مُشۡرِكَةࣰ وَٱلزَّانِیَةُ لَا یَنكِحُهَاۤ إِلَّا زَانٍ أَوۡ مُشۡرِكࣱۚ وَحُرِّمَ ذَ ٰلِكَ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِینَ ﴿٣﴾
تفسير السعدي
هذا بيان لرذيلة الزنا, وأنه يدنس عرض صاحبه, وعرض من قارنه ومازجه, ما لا يفعله بقية الذنوب. فأخبر أن الزاني لا يقدم على نكاحه من النساء, إلا أنثى زانية, تناسب حاله حالها, أو مشركة بالله, لا تؤمن ببعث ولا جزاء, ولا تلتزم أمر الله. والزانية كذلك, لا ينكحها إلا زان أو مشرك " وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ " أي: حرم عليهم أن ينكحوا زانيا, أو ينكحوا زانية. ومعنى الآية: أن من اتصف بالزنا, من رجل أو امرأة, ولم يتب من ذلك, أن المقدم على نكاحه, مع تحريم الله لذلك, لا يخلو إما أن لا يكون ملتزما لحكم الله ورسوله, فذاك لا يكون إلا مشركا. وإما أن يكون ملتزما لحكم الله ورسوله, فأقدم على نكاحه مع علمه بزناه, فإن هذا النكاح زنا, والناكح زان مسافح. فلو كان مؤمنا بالله حقا, لم يقدم على ذلك. وهذا دليل صريح على تحريم نكاح الزانية, حتى تتوب, وكذلك نكاح الزاني حتى يتوب. فإن مقارنة الزوج لزوجته, والزوجة لزوجها, أشد الاقترانات, والازدواجات. وقد قال تعالى: " احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ " أي: قرناءهم. فحرم الله ذلك, لما فيه من الشر العظيم. وفيه من قلة الغيرة, وإلحاق الأولاد, الذين ليسوا من الزوج, وكون الزاني لا يعفها بسبب اشتغاله بغيرها, مما بعضه كاف في التحريم. وفي هذا دليل, على أن الزاني ليس مؤمنا, كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " فهو وإن لم يكن مشركا, فلا يطلق عليه اسم المدح, الذي هو الإيمان المطلق.
التفسير الميسر
الزاني لا يرضى إلا بنكاح زانية أو مشركة لا تُقِرُّ بحرمة الزنى، والزانية لا ترضى إلا بنكاح زان أو مشرك لا يُقِرُّ بحرمة الزنى، أما العفيفون والعفيفات فإنهم لا يرضون بذلك، وحُرِّم ذلك النكاح على المؤمنين. وهذا دليل صريح على تحريم نكاح الزانية حتى تتوب، وكذلك تحريم إنكاح الزاني حتى يتوب.
تفسير الجلالين
"الزَّانِي لَا يَنْكِح" يَتَزَوَّج "إلَّا زَانِيَة أَوْ مُشْرِكَة وَالزَّانِيَة لَا يَنْكِحهَا إلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِك" أَيْ الْمُنَاسِب لِكُلٍّ مِنْهُمَا مَا ذُكِرَ "وَحُرِّمَ ذَلِكَ" أَيْ نِكَاح الزَّوَانِي "عَلَى الْمُؤْمِنِينَ" الْأَخْيَار نَزَلَ ذَلِكَ لَمَّا هُمْ فُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ أَنْ يَتَزَوَّجُوا بَغَايَا الْمُشْرِكِينَ وَهُنَّ مُوسِرَات لِيُنْفِقْنَ عَلَيْهِمْ فَقِيلَ التَّحْرِيم خَاصّ بِهِمْ وَقِيلَ عَامّ وَنُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى "وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ"
تفسير ابن كثير
هَذَا خَبَر مِنْ اللَّه تَعَالَى بِأَنَّ الزَّانِيَ لَا يَطَأ إِلَّا زَانِيَة أَوْ مُشْرِكَة أَيْ لَا يُطَاوِعهُ عَلَى مُرَاده مِنْ الزِّنَا إِلَّا زَانِيَة عَاصِيَة أَوْ مُشْرِكَة لَا تَرَى حُرْمَة ذَلِكَ وَكَذَلِكَ " الزَّانِيَة لَا يَنْكِحهَا إِلَّا زَانٍ " أَيْ عَاصٍ بِزِنَاهُ " أَوْ مُشْرِك " لَا يَعْتَقِد تَحْرِيمه قَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ حَبِيب بْن أَبِي عَمْرَة عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس : " الزَّانِي لَا يَنْكِح إِلَّا زَانِيَة أَوْ مُشْرِكَة " قَالَ لَيْسَ هَذَا بِالنِّكَاحِ إِنَّمَا هُوَ الْجِمَاع لَا يَزْنِي بِهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِك وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح عَنْهُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ غَيْر وَجْه أَيْضًا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَعُرْوَة بْن الزُّبَيْر وَالضَّحَّاك وَمَكْحُول وَمُقَاتِل اِبْن حَيَّان وَغَيْر وَاحِد نَحْو ذَلِكَ . وَقَوْله تَعَالَى " وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ" أَيْ تَعَاطِيه وَالتَّزْوِيج بِالْبَغَايَا أَوْ تَزْوِيج الْعَفَائِف بِالرِّجَالِ الْفُجَّار . وَقَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ حَدَّثَنَا قَيْس عَنْ أَبِي حُصَيْن عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس" وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ " قَالَ : حَرَّمَ اللَّه الزِّنَا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَقَالَ قَتَادَة وَمُقَاتِل بْن حَيَّان : حَرَّمَ اللَّه عَلَى الْمُؤْمِنِينَ نِكَاح الْبَغَايَا وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فَقَالَ " وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ " وَهَذِهِ الْآيَة كَقَوْلِهِ تَعَالَى " مُحْصَنَات غَيْر مُسَافِحَات وَلَا مُتَّخِذَات أَخْدَان " وَقَوْله " مُحْصِنِينَ غَيْر مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَان " الْآيَة وَمِنْ هَهُنَا ذَهَبَ الْإِمَام أَحْمَد بْن حَنْبَل رَحِمَهُ اللَّه إِلَى أَنَّهُ لَا يَصِحّ الْعَقْد مِنْ الرَّجُل الْعَفِيف عَلَى الْمَرْأَة الْبَغِيّ مَا دَامَتْ كَذَلِكَ حَتَّى تُسْتَتَاب فَإِنْ تَابَتْ صَحَّ الْعَقْد عَلَيْهَا وَإِلَّا فَلَا وَكَذَلِكَ لَا يَصِحّ تَزْوِيج الْمَرْأَة الْحُرَّة الْعَفِيفَة بِالرَّجُلِ الْفَاجِر الْمُسَافِح حَتَّى يَتُوب تَوْبَة صَحِيحَة لِقَوْلِهِ تَعَالَى " وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ " وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا عَارِم حَدَّثَنَا مُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان قَالَ : قَالَ أَبِي حَدَّثَنَا الْحَضْرَمِيّ عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو" أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اِسْتَأْذَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اِمْرَأَة يُقَال لَهَا أُمّ مَهْزُول كَانَتْ تُسَافِح وَتَشْتَرِط لَهُ أَنْ تُنْفِق عَلَيْهِ قَالَ فَاسْتَأْذَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ ذَكَرَ لَهُ أَمْرهَا قَالَ فَقَرَأَ عَلَيْهِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" الزَّانِي لَا يَنْكِح إِلَّا زَانِيَة أَوْ مُشْرِكَة وَالزَّانِيَة لَا يَنْكِحهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِك وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ" وَقَالَ النَّسَائِيّ أَخْبَرَنَا عَمْرو بْن عَدِيّ حَدَّثَنَا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان عَنْ أَبِيهِ عَنْ الْحَضْرَمِيّ عَنْ الْقَاسِم بْن مُحَمَّد عَنْ عَبْد اللَّه اِبْن عَمْرو قَالَ : كَانَتْ اِمْرَأَة يُقَال لَهَا أُمّ مَهْزُول وَكَانَتْ تُسَافِح فَأَرَادَ رَجُل مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَزَوَّجهَا فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " الزَّانِي لَا يَنْكِح إِلَّا زَانِيَة أَوْ مُشْرِكَة وَالزَّانِيَة لَا يَنْكِحهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِك وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ " . قَالَ التِّرْمِذِيّ حَدَّثَنَا عَبْد بْن حُمَيْد حَدَّثَنَا رَوْح بْن عُبَادَة عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن الْأَخْنَس أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه قَالَ : كَانَ رَجُل يُقَال لَهُ مَرْثَد بْن أَبِي مَرْثَد وَكَانَ رَجُلًا يَحْمِل الْأَسْرَى مِنْ مَكَّة حَتَّى يَأْتِيَ بِهِمْ الْمَدِينَة قَالَ وَكَانَتْ اِمْرَأَة بَغِيّ بِمَكَّة يُقَال لَهَا عَنَاق وَكَانَتْ صَدِيقَة لَهُ وَأَنَّهُ وَاعَدَ رَجُلًا مِنْ أُسَارَى مَكَّة يَحْمِلهُ قَالَ فَجِئْت حَتَّى اِنْتَهَيْت إِلَى ظِلّ حَائِط مِنْ حَوَائِط مَكَّة فِي لَيْلَة مُقْمِرَة قَالَ : فَجَاءَتْ عَنَاق فَأَبْصَرَتْ سَوَاد ظِلّ تَحْت الْحَائِط فَلَمَّا اِنْتَهَتْ إِلَيَّ عَرَفَتْنِي فَقَالَتْ : مَرْثَد ؟ فَقُلْت : مَرْثَد فَقَالَتْ : مَرْحَبًا وَأَهْلًا هَلُمَّ فَبِتْ عِنْدنَا اللَّيْلَة . قَالَ فَقُلْت يَا عَنَاق حَرَّمَ اللَّه الزِّنَا فَقَالَتْ : يَا أَهْل الْخِيَام هَذَا الرَّجُل يَحْمِل أَسْرَاكُمْ قَالَ : فَتَبِعَنِي ثَمَانِيَة وَدَخَلْت الْحَدِيقَة فَانْتَهَيْت إِلَى غَار أَوْ كَهْف فَدَخَلْت فِيهِ فَجَاءُوا حَتَّى قَامُوا عَلَى رَأْسِي فَبَالُوا فَظَلَّ بَوْلهمْ عَلَى رَأْسِي فَأَعْمَاهُمْ اللَّه عَنِّي قَالَ ثُمَّ رَجَعُوا فَرَجَعْت إِلَى صَاحِبِي فَحَمَلْته وَكَانَ رَجُلًا ثَقِيلًا حَتَّى اِنْتَهَيْت إِلَى الْإِذْخِر فَفَكَكْت عَنْهُ أَحْبُلهُ فَجَعَلْت أَحْمِلهُ وَيُعِيننِي حَتَّى أَتَيْت بِهِ الْمَدِينَة فَأَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه أَنْكِح عَنَاقًا أَنْكِح عَنَاقًا مَرَّتَيْنِ ؟ فَأَمْسَكَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيَّ شَيْئًا حَتَّى نَزَلَتْ " الزَّانِي لَا يَنْكِح إِلَّا زَانِيَة أَوْ مُشْرِكَة وَالزَّانِيَة لَا يَنْكِحهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِك وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ " فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يَا مَرْثَد : الزَّانِي لَا يَنْكِح إِلَّا زَانِيَة أَوْ مُشْرِكَة فَلَا تَنْكِحهَا " ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْه وَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ فِي كِتَاب النِّكَاح مِنْ سُنَنهمَا مِنْ حَدِيث عُبَيْد اللَّه بْن الْأَخْنَس بِهِ وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا مُسَدَّد أَبُو الْحَسَن حَدَّثَنَا عَبْد الْوَارِث عَنْ حَبِيب الْمُعَلِّم حَدَّثَنِي عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ سَعِيد الْمَقْبُرِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" لَا يَنْكِح الزَّانِي الْمَجْلُود إِلَّا مِثْله " وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنه عَنْ مُسَدَّد وَأَبِي مَعْمَر عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو كِلَاهُمَا عَنْ عَبْد الْوَارِث بِهِ . وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا يَعْقُوب حَدَّثَنَا عَاصِم بْن مُحَمَّد بْن زَيْد بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر بْن الْخَطَّاب عَنْ أَخِيهِ عُمَر بْن مُحَمَّد عَنْ عَبْد اللَّه بْن يَسَار مَوْلَى اِبْن عُمَر قَالَ : أَشْهَد لَسَمِعْت سَالِمًا يَقُول : قَالَ عَبْد اللَّه : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ثَلَاثَة لَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّة وَلَا يَنْظُر اللَّه إِلَيْهِمْ يَوْم الْقِيَامَة : الْعَاقّ لِوَالِدَيْهِ وَالْمَرْأَة الْمُتَرَجِّلَة الْمُتَشَبِّهَة بِالرِّجَالِ وَالدَّيُّوث. وَثَلَاثَة لَا يَنْظُر اللَّه إِلَيْهِمْ يَوْم الْقِيَامَة : الْعَاقّ لِوَالِدَيْهِ وَمُدْمِن الْخَمْر وَالْمَنَّان بِمَا أَعْطَى " وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ عَمْرو بْن عَلِيّ الْفَلَّاس عَنْ يَزِيد بْن زُرَيْع عَنْ عُمَر بْن مُحَمَّد الْعُمَرِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن يَسَار بِهِ. وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد أَيْضًا حَدَّثَنَا يَعْقُوب حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الْوَلِيد بْن كَثِير عَنْ قَطَن بْن وَهْب عَنْ عُوَيْمِر بْن الْأَجْدَع عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنْ سَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر قَالَ حَدَّثَنِي عَبْد اللَّه بْن عُمَر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " ثَلَاثَة حَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِمْ الْجَنَّة مُدْمِن الْخَمْر وَالْعَاقّ لِوَالِدَيْهِ وَاَلَّذِي يُقِرّ فِي أَهْله الْخَبَث " وَقَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنَده حَدَّثَنِي شُعْبَة حَدَّثَنِي رَجُل مِنْ آلِ سَهْل بْن حُنَيْف عَنْ مُحَمَّد بْن عَمَّار عَنْ عَمَّار بْن يَاسِر قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا يَدْخُل الْجَنَّة دَيُّوث " يُسْتَشْهَد بِهِ لِمَا قَبْله مِنْ الْأَحَادِيث وَقَالَ اِبْن مَاجَهْ حَدَّثَنَا هِشَام بْن عَمَّار حَدَّثَنَا سَلَّام بْن سَوَّار حَدَّثَنَا كَثِير بْن سُلَيْم عَنْ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم سَمِعْت أَنَس بْن مَالِك يَقُول : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " مَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْقَى اللَّه وَهُوَ طَاهِر مُتَطَهِّر فَلْيَتَزَوَّجْ الْحَرَائِر " فِي إِسْنَاده ضَعْف. وَقَالَ الْإِمَام أَبُو نَصْر إِسْمَاعِيل بْن حَمَّاد الْجَوْهَرِيّ فِي كِتَابه الصِّحَاح فِي اللُّغَة : الدَّيُّوث الْقُنْزُع وَهُوَ الَّذِي لَا غَيْرَة لَهُ فَأَمَّا الْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الْإِمَام أَبُو عَبْد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ فِي كِتَاب النِّكَاح مِنْ سُنَنه : أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة عَنْ يَزِيد بْن هَارُون عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة وَغَيْره عَنْ هَارُون بْن رَيَّاب عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر وَعَبْد الْكَرِيم عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس عَبْد الْكَرِيم رَفَعَهُ إِلَى اِبْن عَبَّاس وَهَارُون لَمْ يَرْفَعهُ قَالَا جَاءَ رَجُل إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ عِنْدِي اِمْرَأَة مِنْ أَحَبّ النَّاس إِلَيَّ وَهِيَ لَا تَمْنَع يَد لَامِس قَالَ : " طَلِّقْهَا " قَالَ : لَا صَبْر لِي عَنْهَا قَالَ" اِسْتَمْتِعْ بِهَا " ثُمَّ قَالَ النَّسَائِيّ هَذَا الْحَدِيث غَيْر ثَابِت وَعَبْد الْكَرِيم لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَهَارُون أَثْبَت مِنْهُ وَقَدْ أَرْسَلَ الْحَدِيث وَهُوَ ثِقَة وَحَدِيثه أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ حَدِيث عَبْد الْكَرِيم قُلْت وَهُوَ اِبْن أَبِي الْمُخَارِق الْبَصْرِيّ الْمُؤَدِّب تَابِعِيّ ضَعِيف الْحَدِيث وَقَدْ خَالَفَهُ هَارُون بْن رِيَاب وَهُوَ تَابِعِيّ ثِقَة مِنْ رِجَال مُسْلِم فَحَدِيثه الْمُرْسَل أَوْلَى كَمَا قَالَ النَّسَائِيّ لَكِنْ قَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي كِتَاب الطَّلَاق عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهَوَيْهِ عَنْ النَّضْر بْن شُمَيْل عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ هَارُون بْن رِيَاب عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُبَيْد بْن عُمَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس مُسْنَدًا فَذَكَرَهُ بِهَذَا الْإِسْنَاد فَرِجَاله عَلَى شَرْط مُسْلِم إِلَّا أَنَّ النَّسَائِيّ بَعْد رِوَايَته لَهُ قَالَ : هَذَا خَطَأ وَالصَّوَاب مُرْسَل . وَرَوَاهُ غَيْر النَّضْر عَلَى الصَّوَاب وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضًا وَأَبُو دَاوُد عَنْ الْحُسَيْن بْن حُرَيْث أَخْبَرَنَا الْفَضْل بْن مُوسَى أَخْبَرَنَا الْحُسَيْن بْن وَاقِد عَنْ عُمَارَة بْن أَبِي حَفْصَة عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ وَهَذَا الْإِسْنَاد جَيِّد . وَقَدْ اِخْتَلَفَ النَّاس فِي هَذَا الْحَدِيث مَا بَيْن مُضَعِّف لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ النَّسَائِيّ وَمُنْكِر كَمَا قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : هُوَ حَدِيث مُنْكَر وَقَالَ اِبْن قُتَيْبَة : إِنَّمَا أَرَادَ أَنَّهَا سَخِيَّة لَا تَمْنَع سَائِلًا وَحَكَاهُ النَّسَائِيّ فِي سُنَنه عَنْ بَعْضهمْ فَقَالَ : وَقِيلَ سَخِيَّة تُعْطِي وَرُدَّ هَذَا بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَاد لَقَالَ لَا تَرُدّ يَد مُلْتَمِس وَقِيلَ : الْمُرَاد إِنَّ سَجِيَّتهَا لَا تَرُدّ يَد لَامِس لَا أَنَّ الْمُرَاد أَنَّ هَذَا وَاقِع مِنْهَا وَأَنَّهَا تَفْعَل الْفَاحِشَة فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَأْذَن فِي مُصَاحَبَة مَنْ هَذِهِ صِفَتهَا فَإِنَّ زَوْجهَا وَالْحَالَة هَذِهِ يَكُون دَيُّوثًا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْوَعِيد عَلَى ذَلِكَ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَتْ سَجِيَّتهَا هَكَذَا لَيْسَ فِيهَا مُمَانَعَة وَلَا مُخَالَفَة لِمَنْ أَرَادَهَا لَوْ خَلَا بِهَا أَحَد أَمَرَهُ رَسُول صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفِرَاقِهَا فَلَمَّا ذَكَرَ أَنَّهُ يُحِبّهَا أَبَاحَ لَهُ الْبَقَاء مَعَهَا لِأَنَّ مَحَبَّته لَهَا مُحَقَّقَة وَوُقُوع الْفَاحِشَة مِنْهَا مُتَوَهَّم فَلَا يُصَار إِلَى الضَّرَر الْعَاجِل لِتَوَهُّمِ الْآجِل وَاَللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى أَعْلَم قَالُوا فَأَمَّا إِذَا حَصَلَتْ تَوْبَة فَإِنَّهُ يَحِلّ التَّزْوِيج كَمَا قَالَ الْإِمَام أَبُو مُحَمَّد بْن أَبِي حَاتِم رَحِمَهُ اللَّه حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيد الْأَشَجّ حَدَّثَنَا أَبُو خَالِد عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب قَالَ سَمِعْت شُعْبَة مَوْلَى اِبْن عَبَّاس " رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ سَمِعْت اِبْن عَبَّاس وَسَأَلَهُ رَجُل فَقَالَ لَهُ إِنِّي كُنْت أُلِمّ بِامْرَأَةٍ آتِي مِنْهَا مَا حَرَّمَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَيَّ فَرَزَقَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْ ذَلِكَ تَوْبَة فَأَرَدْت أَنْ أَتَزَوَّجهَا فَقَالَ أُنَاس : إِنَّ الزَّانِي لَا يَنْكِح إِلَّا زَانِيَة أَوْ مُشْرِكَة . فَقَالَ اِبْن عَبَّاس لَيْسَ هَذَا فِي هَذَا اِنْكِحْهَا فَمَا كَانَ مِنْ إِثْم فَعَلَيَّ . وَقَدْ اِدَّعَى طَائِفَة آخَرُونَ مِنْ الْعُلَمَاء أَنَّ هَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَة قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيد الْأَشَجّ حَدَّثَنَا أَبُو خَالِد عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ ذَكَرَ عِنْده " الزَّانِي لَا يَنْكِح إِلَّا زَانِيَة أَوْ مُشْرِكَة وَالزَّانِيَة لَا يَنْكِحهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِك " قَالَ كَانَ يُقَال نَسَخَتْهَا الَّتِي بَعْدهَا" وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى " مِنْكُمْ قَالَ كَانَ يُقَال الْأَيَامَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَهَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عُبَيْد الْقَاسِم بْن سَلَّام فِي كِتَاب النَّاسِخ وَالْمَنْسُوخ لَهُ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَنَصَّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا الْإِمَام أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن إِدْرِيس الشَّافِعِيّ .
تفسير القرطبي
فِيهِ سَبْع مَسَائِل : الْأُولَى : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَة عَلَى سِتَّة أَوْجُه مِنْ التَّأْوِيل : ( الْأَوَّل ) : أَنْ يَكُون مَقْصِد الْآيَة تَشْنِيع الزِّنَى وَتَبْشِيع أَمْره , وَأَنَّهُ مُحَرَّم عَلَى الْمُؤْمِنِينَ. وَاتِّصَال هَذَا الْمَعْنَى بِمَا قَبْلُ حَسَن بَلِيغ . وَيُرِيد بِقَوْلِهِ " لَا يَنْكِح " أَيْ لَا يَطَأ ; فَيَكُون النِّكَاح بِمَعْنَى الْجِمَاع . وَرَدَّدَ الْقِصَّة مُبَالَغَة وَأَخْذًا مِنْ كِلَا الطَّرَفَيْنِ , ثُمَّ زَادَ تَقْسِيم الْمُشْرِكَة وَالْمُشْرِك مِنْ حَيْثُ الشِّرْك أَعَمّ فِي الْمَعَاصِي مِنْ الزِّنَى ; فَالْمَعْنَى : الزَّانِي لَا يَطَأ فِي وَقْت زِنَاهُ إِلَّا زَانِيَة مِنْ الْمُسْلِمِينَ , أَوْ مَنْ هِيَ أَحْسَن مِنْهَا مِنْ الْمُشْرِكَات . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَأَصْحَابه أَنَّ النِّكَاح فِي هَذِهِ الْآيَة الْوَطْء. وَأَنْكَرَ ذَلِكَ الزَّجَّاج وَقَالَ : لَا يُعْرَف النِّكَاح فِي كِتَاب اللَّه تَعَالَى إِلَّا بِمَعْنَى التَّزْوِيج . وَلَيْسَ كَمَا قَالَ ; وَفِي الْقُرْآن " حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره " [ الْبَقَرَة : 230 ] وَقَدْ بَيَّنَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ بِمَعْنَى الْوَطْء , وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " الْبَقَرَة " . وَذَكَرَ الطَّبَرِيّ مَا يَنْحُو إِلَى هَذَا التَّأْوِيل عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر وَابْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة , وَلَكِنْ غَيْر مُخَلَّص وَلَا مُكَمَّل . وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَأَنَّ مَعْنَاهُ الْوَطْء أَيْ لَا يَكُون زَنَى إِلَّا بِزَانِيَةٍ , وَيُفِيد أَنَّهُ زِنًى فِي الْجِهَتَيْنِ ; فَهَذَا قَوْل . ( الثَّانِي ) مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه أَنَّ مَرْثَد بْن أَبِي مَرْثَد كَانَ يَحْمِل الْأُسَارَى بِمَكَّةَ , وَكَانَ بِمَكَّةَ بَغِيّ يُقَال لَهَا " عَنَاق " وَكَانَتْ صَدِيقَته , قَالَ : فَجِئْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت : يَا رَسُول اللَّه ; أَنْكِح عَنَاق ؟ قَالَ : فَسَكَتَ عَنِّي ; فَنَزَلَتْ " وَالزَّانِيَة لَا يَنْكِحهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِك " ; فَدَعَانِي فَقَرَأَهَا عَلَيَّ وَقَالَ : ( لَا تَنْكِحهَا ) . لَفْظ أَبِي دَاوُد , وَحَدِيث التِّرْمِذِيّ أَكْمَل . قَالَ الْخَطَّابِيّ : هَذَا خَاصّ بِهَذِهِ الْمَرْأَة إِذْ كَانَتْ كَافِرَة , فَأَمَّا الزَّانِيَة الْمُسْلِمَة فَإِنَّ الْعَقْد عَلَيْهَا لَا يُفْسَخ . ( الثَّالِث ) : أَنَّهَا مَخْصُوصَة فِي رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا اِسْتَأْذَنَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نِكَاح اِمْرَأَة يُقَال لَهَا " أُمّ مَهْزُول " وَكَانَتْ مِنْ بَغَايَا الزَّانِيَات , وَشَرَطَتْ أَنْ تُنْفِق عَلَيْهِ ; فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى هَذِهِ الْآيَة ; قَالَهُ عَمْرو بْن الْعَاصِ وَمُجَاهِد . ( الرَّابِع ) : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَهْل الصُّفَّة وَكَانُوا قَوْمًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ , وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي الْمَدِينَة مَسَاكِن وَلَا عَشَائِر فَنَزَلُوا صُفَّة الْمَسْجِد وَكَانُوا أَرْبَعمِائَةِ رَجُل يَلْتَمِسُونَ الرِّزْق بِالنَّهَارِ وَيَأْوُونَ إِلَى الصُّفَّة بِاللَّيْلِ , وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ بَغَايَا مُتَعَالِنَات بِالْفُجُورِ , مَخَاصِيب بِالْكُسْوَةِ وَالطَّعَام ; فَهَمَّ أَهْل الصُّفَّة أَنْ يَتَزَوَّجُوهُنَّ فَيَأْوُوا إِلَى مَسَاكِنهنَّ وَيَأْكُلُوا مِنْ طَعَامهنَّ وَكِسْوَتهنَّ ; فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة صِيَانَة لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ ; قَالَهُ اِبْن أَبِي صَالِح . ( الْخَامِس ) : ذَكَرَهُ الزَّجَّاج وَغَيْره عَنْ الْحَسَن , وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ : الْمُرَاد الزَّانِي الْمَحْدُود وَالزَّانِيَة الْمَحْدُودَة , قَالَ : وَهَذَا حُكْم مِنْ اللَّه , فَلَا يَجُوز لِزَانٍ مَحْدُود أَنْ يَتَزَوَّج إِلَّا مَحْدُودَة . وَقَالَ إِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ نَحْوه . وَفِي مُصَنَّف أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَنْكِح الزَّانِي الْمَحْدُود إِلَّا مِثْله ) . وَرَوَى أَنَّ مَحْدُودًا تَزَوَّجَ غَيْر مَحْدُودَة فَفَرَّقَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بَيْنهمَا . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَهَذَا مَعْنَى لَا يَصِحّ نَظَرًا كَمَا لَمْ يَثْبُت نَقْلًا , وَهَلْ يَصِحّ أَنْ يُوقَف نِكَاح مَنْ حُدَّ مِنْ الرِّجَال عَلَى نِكَاح مَنْ حُدَّ مِنْ النِّسَاء فَبِأَيِّ أَثَر يَكُون ذَلِكَ , وَعَلَى أَيّ أَصْل يُقَاس مِنْ الشَّرِيعَة . قُلْت : وَحَكَى هَذَا الْقَوْل إِلْكِيَا عَنْ بَعْض أَصْحَاب الشَّافِعِيّ الْمُتَأَخِّرِينَ , وَأَنَّ الزَّانِي إِذَا تَزَوَّجَ غَيْر زَانِيَة فُرِّقَ بَيْنهمَا لِظَاهِرِ الْآيَة . قَالَ إِلْكِيَا : وَإِنْ هُوَ عَمِلَ بِالظَّاهِرِ فَيَلْزَمهُ عَلَيْهِ أَنْ يَجُوز لِلزَّانِي التَّزَوُّج بِالْمُشْرِكَةِ , وَيَجُوز لِلزَّانِيَةِ أَنْ تُزَوِّج نَفْسهَا مِنْ مُشْرِك ; وَهَذَا فِي غَايَة الْبُعْد , وَهُوَ خُرُوج عَنْ الْإِسْلَام بِالْكُلِّيَّةِ , وَرُبَّمَا قَالَ هَؤُلَاءِ : إِنَّ الْآيَة مَنْسُوخَة فِي الْمُشْرِك خَاصّ دُون الزَّانِيَة . ( السَّادِس ) أَنَّهَا مَنْسُوخَة ; رَوَى مَالِك عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ : " الزَّانِي لَا يَنْكِح إِلَّا زَانِيَة أَوْ مُشْرِكَة وَالزَّانِيَة لَا يَنْكِحهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِك " قَالَ : نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَة الَّتِي بَعْدهَا " وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ " [ النُّور : 32 ] ; وَقَالَهُ اِبْن عَمْرو , قَالَ : دَخَلَتْ الزَّانِيَة فِي أَيَامَى الْمُسْلِمِينَ. قَالَ أَبُو جَعْفَر النَّحَّاس : وَهَذَا الْقَوْل عَلَيْهِ أَكْثَر الْعُلَمَاء . وَأَهْل الْفُتْيَا يَقُولُونَ : إِنَّ مَنْ زَنَى بِامْرَأَةٍ فَلَهُ أَنْ يَتَزَوَّجهَا وَلِغَيْرِهِ أَنْ يَتَزَوَّجهَا. وَهُوَ قَوْل اِبْن عُمَر وَسَالِم وَجَابِر بْن زَيْد وَعَطَاء وَطَاوُس وَمَالِك بْن أَنَس وَهُوَ قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه. وَقَالَ الشَّافِعِيّ : الْقَوْل فِيهَا كَمَا قَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب , إِنْ شَاءَ اللَّه هِيَ مَنْسُوخَة . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَذِكْر الْإِشْرَاك فِي هَذِهِ الْآيَة يُضْعِف هَذِهِ الْمَنَاحِي. قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ النِّكَاح لَا يَخْلُو أَنْ يُرَاد بِهِ الْوَطْء كَمَا قَالَ اِبْن عَبَّاس أَوْ الْعَقْد ; فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْوَطْء فَإِنَّ مَعْنَاهُ : لَا يَكُون زِنًى إِلَّا بِزَانِيَةٍ , وَذَلِكَ عِبَارَة عَنْ أَنَّ الْوَطْأَيْنِ مِنْ الرَّجُل وَالْمَرْأَة زِنًى مِنْ الْجِهَتَيْنِ ; وَيَكُون تَقْدِير الْآيَة : وَطْء الزَّانِيَة لَا يَقَع إِلَّا مِنْ زَانٍ أَوْ مُشْرِك ; وَهَذَا يُؤْثَر عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَهُوَ مَعْنًى صَحِيح . فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا زَنَى بَالِغ بِصَبِيَّةٍ , أَوْ عَاقِل بِمَجْنُونَةٍ , أَوْ مُسْتَيْقِظ بِنَائِمَةٍ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ جِهَة الرَّجُل زِنًى ; فَهَذَا زَانٍ نَكَحَ غَيْر زَانِيَة , فَيَخْرُج الْمُرَاد عَنْ بَابه الَّذِي تَقَدَّمَ . قُلْنَا : هُوَ زِنًى مِنْ كُلّ جِهَة , إِلَّا أَنَّ أَحَدهمَا سَقَطَ فِيهِ الْحَدّ وَالْآخَر ثَبَتَ فِيهِ . وَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْعَقْد كَانَ مَعْنَاهُ : أَنَّ مُتَزَوِّج الزَّانِيَة الَّتِي قَدْ زَنَتْ وَدَخَلَ بِهَا وَلَمْ يَسْتَبْرِئهَا يَكُون بِمَنْزِلَةِ الزَّانِي , إِلَّا أَنَّهُ لَا حَدّ عَلَيْهِ لِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاء فِي ذَلِكَ . وَأَمَّا إِذَا عَقَدَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَدْخُل بِهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئهَا فَذَلِكَ جَائِز إِجْمَاعًا. وَقِيلَ : لَيْسَ الْمُرَاد فِي الْآيَة أَنَّ الزَّانِي لَا يَنْكِح قَطُّ إِلَّا زَانِيَة ; إِذْ قَدْ يُتَصَوَّر أَنْ يَتَزَوَّج غَيْر زَانِيَة , وَلَكِنَّ الْمَعْنَى أَنَّ مَنْ تَزَوَّجَ بِزَانِيَةٍ فَهُوَ زَانٍ , فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَا يَنْكِح الزَّانِيَة إِلَّا زَانٍ ; فَقُلِبَ الْكَلَام , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَنْكِح الزَّانِيَة إِلَّا وَهُوَ رَاضٍ بِزِنَاهَا , وَإِنَّمَا يَرْضَى بِذَلِكَ إِذَا كَانَ هُوَ أَيْضًا يَزْنِي . الثَّانِيَة : فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ التَّزَوُّج بِالزَّانِيَةِ صَحِيح . وَإِذَا زَنَتْ زَوْجَة الرَّجُل لَمْ يَفْسُد النِّكَاح , وَإِذَا زَنَى الزَّوْج لَمْ يَفْسُد نِكَاحه مَعَ زَوْجَته ; وَهَذَا عَلَى أَنَّ الْآيَة مَنْسُوخَة . وَقِيلَ إِنَّهَا مُحْكَمَة . وَسَيَأْتِي . الثَّالِثَة : رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا زَنَى بِامْرَأَةٍ فِي زَمَن أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَجَلَدَهُمَا مِائَة جَلْدَة , ثُمَّ زَوَّجَ أَحَدهمَا مِنْ الْآخَر مَكَانه , وَنَفَاهُمَا سَنَة . وَرُوِيَ مِثْل ذَلِكَ عَنْ عُمَر وَابْن مَسْعُود وَجَابِر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمْ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَوَّله سِفَاح وَآخِره نِكَاح . وَمَثَل ذَلِكَ مَثَل رَجُل سَرَقَ مِنْ حَائِط ثَمَره ثُمَّ أَتَى صَاحِب الْبُسْتَان فَاشْتَرَى مِنْهُ ثَمَره , فَمَا سَرَقَ حَرَام وَمَا اِشْتَرَى حَلَال . وَبِهَذَا أَخَذَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة , وَرَأَوْا أَنَّ الْمَاء لَا حُرْمَة لَهُ . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إِذَا زَنَى الرَّجُل بِالْمَرْأَةِ ثُمَّ نَكَحَهَا بَعْد ذَلِكَ فَهُمَا زَانِيَانِ أَبَدًا . وَبِهَذَا أَخَذَ مَالِك رَضِيَ اللَّه عَنْهُ ; فَرَأَى أَنَّهُ لَا يَنْكِحهَا حَتَّى يَسْتَبْرِئهَا مِنْ مَائِهِ الْفَاسِد ; لِأَنَّ النِّكَاح لَهُ حُرْمَة , وَمِنْ حُرْمَته أَلَّا يُصَبّ عَلَى مَاء السِّفَاح ; فَيَخْتَلِط الْحَرَام بِالْحَلَالِ , وَيَمْتَزِج مَاء الْمَهَانَة بِمَاءِ الْعِزَّة . الرَّابِعَة : قَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : مَنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالزِّنَى أَوْ بِغَيْرِهِ مِنْ الْفُسُوق مُعْلِنًا بِهِ فَتَزَوَّجَ إِلَى أَهْل بَيْت سَتَرَ وَغَرَّهُمْ مِنْ نَفْسه فَلَهُمْ الْخِيَار فِي الْبَقَاء مَعَهُ أَوْ فِرَاقه ; وَذَلِكَ كَعَيْبٍ مِنْ الْعُيُوب , وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَا يَنْكِح الزَّانِي الْمَجْلُود إِلَّا مِثْله ) . قَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد . وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْمَجْلُود لِاشْتِهَارِهِ بِالْفِسْقِ , وَهُوَ الَّذِي يَجِب أَنْ يُفَرَّق بَيْنه وَبَيْن غَيْره ; فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَشْتَهِر بِالْفِسْقِ فَلَا. الْخَامِسَة : قَالَ قَوْم مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ : الْآيَة مُحْكَمَة غَيْر مَنْسُوخَة , وَعِنْد هَؤُلَاءِ : مَنْ زَنَى فَسَدَ النِّكَاح بَيْنه وَبَيْن زَوْجَته , وَإِذَا زَنَتْ الزَّوْجَة فَسَدَ النِّكَاح بَيْنهَا وَبَيْن زَوْجهَا . وَقَالَ قَوْم مِنْ هَؤُلَاءِ : لَا يَنْفَسِخ النِّكَاح بِذَلِكَ , وَلَكِنْ يُؤْمَر الرَّجُل بِطَلَاقِهَا إِذَا زَنَتْ , وَلَوْ أَمْسَكَهَا أَثِمَ , وَلَا يَجُوز التَّزَوُّج بِالزَّانِيَةِ وَلَا مِنْ الزَّانِي , بَلْ لَوْ ظَهَرَتْ التَّوْبَة فَحِينَئِذٍ يَجُوز النِّكَاح. أَيْ نِكَاح أُولَئِكَ الْبَغَايَا ; فَيَزْعُم بَعْض أَهْل التَّأْوِيل أَنَّ نِكَاح أُولَئِكَ الْبَغَايَا حَرَّمَهُ اللَّه تَعَالَى عَلَى أُمَّة مُحَمَّد عَلَيْهِ السَّلَام , وَمِنْ أَشْهَرهنَّ عَنَاق . حَرَّمَ اللَّه تَعَالَى الزِّنَى فِي كِتَابه ; فَحَيْثُمَا زَنَى الرَّجُل فَعَلَيْهِ الْحَدّ . وَهَذَا قَوْل مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبِي ثَوْر . وَقَالَ أَصْحَاب الرَّأْي فِي الرَّجُل الْمُسْلِم إِذَا كَانَ فِي دَار الْحَرْب بِأَمَانٍ وَزَنَى هُنَالِكَ ثُمَّ خَرَجَ لَمْ يُحَدّ . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : دَار الْحَرْب وَدَار الْإِسْلَام سَوَاء , وَمَنْ زَنَى فَعَلَيْهِ الْحَدّ , عَلَى ظَاهِر قَوْله " الزَّانِيَة وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مِائَة جَلْدَة " [ النُّور : 2 ] .
| وَحُرِّمَ ذَ ٰلِكَ | أي: نكاحُ الزِّانِيةِ حتى تَتَوْبَ أوْ حُرِّم الزِّنى نَفْسُه. |
|---|
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian