سورة الحج الآية ٢٥
سورة الحج الآية ٢٥
إِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ وَیَصُدُّونَ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ ٱلَّذِی جَعَلۡنَـٰهُ لِلنَّاسِ سَوَاۤءً ٱلۡعَـٰكِفُ فِیهِ وَٱلۡبَادِۚ وَمَن یُرِدۡ فِیهِ بِإِلۡحَادِۭ بِظُلۡمࣲ نُّذِقۡهُ مِنۡ عَذَابٍ أَلِیمࣲ ﴿٢٥﴾
تفسير السعدي
يخبر تعالى عن شناعة ما عليه المشركون الكافرون بربهم, وأنهم جمعوا بين الكفر بالله ورسوله, وبن الصد عن سبيل الله, ومنع الناس من الإيمان, والصد أيضا, عن المسجد الحرام, الذي ليس ملكا لهم ولا لآبائهم, بل الناس فيه سواء, المقيم فيه, والطارئ إليه. بل صدوا عنه أفضل الخلق محمدا وأصحابه, والحال أن المسجد الحرام, من حرمته واحترامه وعظمته, أن من يرد فيه بإلحاد بظلم, نذقه من عذاب أليم. فمجرد الإرادة للظلم والإلحاد في الحرم, موجب للعذاب, وإن كان غيره لا يعاقب العبد عليه إلا بعمل الظلم. فكيف بمن أتى فيه أعظم الظلم, من الكفر والشرك, والصد عن سبيله ومنع من يريده بزيارة, فما ظنكم أن يفعل الله بهم؟!! وفي هذه الآية الكريمة, وجوب احترام الحرم, وشدة تعظيمه, والتحذير من إرادة المعاصي فيه, وفعلها.
التفسير الميسر
إن الذين كفروا بالله، وكذبوا بما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم، ويمنعون غيرهم من الدخول في دين الله، ويصدون رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في عام "الحديبية" عن المسجد الحرام، الذي جعلناه لجميع المؤمنين، سواء المقيم فيه والقادم إليه، لهم عذاب أليم موجع، ومن يرد في المسجد الحرام الميْلَ عن الحق ظلمًا فيَعْصِ الله فيه، نُذِقْه مِن عذاب أليم موجع.
تفسير الجلالين
"إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيل اللَّه" طَاعَته "وَ" عَنِ "الْمَسْجِد الْحَرَام الَّذِي جَعَلْنَاهُ" مَنْسَكًا وَمُتَعَبَّدًا "لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِف" الْمُقِيم "فِيهِ وَالْبَادِي" الطَّارِئ "وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ" الْبَاء زَائِدَة "بِظُلْمٍ" أَيْ بِسَبَبِهِ بِأَنْ ارْتَكَبَ مَنْهِيًّا وَلَوْ شَتَمَ الْخَادِمَ "نُذِقْهُ مِنْ عَذَاب أَلِيم" مُؤْلِم : أَيْ بَعْضه وَمِنْ هَذَا يُؤْخَذ خَبَر إنَّ : أَيْ نُذِيقهُمْ مِنْ عَذَاب أَلِيم
تفسير ابن كثير
يَقُول تَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْكُفَّار فِي صَدّهمْ الْمُؤْمِنِينَ عَنْ إِتْيَان الْمَسْجِد الْحَرَام وَقَضَاء مَنَاسِكهمْ فِيهِ وَدَعْوَاهُمْ أَنَّهُمْ أَوْلِيَاؤُهُ " وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ " الْآيَة وَفِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّهَا مَدَنِيَّة كَمَا قَالَ فِي سُورَة الْبَقَرَة " يَسْأَلُونَك عَنْ الشَّهْر الْحَرَام قِتَال فِيهِ قُلْ قِتَال فِيهِ كَبِير وَصَدّ عَنْ سَبِيل اللَّه وَكُفْر بِهِ وَالْمَسْجِد الْحَرَام وَإِخْرَاج أَهْله مِنْهُ أَكْبَر عِنْد اللَّه " وَقَالَ هَهُنَا " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيل اللَّه وَالْمَسْجِد الْحَرَام " أَيْ وَمِنْ صِفَتهمْ أَنَّهُمْ مَعَ كُفْرهمْ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيل اللَّه وَالْمَسْجِد الْحَرَام أَيْ وَيَصُدُّونَ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام مَنْ أَرَادَهُ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ هُمْ أَحَقّ النَّاس بِهِ فِي نَفْس الْأَمْر وَهَذَا التَّرْتِيب فِي هَذِهِ الْآيَة كَقَوْلِهِ تَعَالَى " الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنّ قُلُوبهمْ بِذِكْرِ اللَّه أَلَا بِذِكْرِ اللَّه تَطْمَئِنّ الْقُلُوب " أَيْ وَمِنْ صِفَتهمْ أَنَّهُمْ تَطْمَئِنّ قُلُوبهمْ بِذِكْرِ اللَّه " وَقَوْله " الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِف فِيهِ وَالْبَاد " أَيْ يَمْنَعُونَ النَّاس عَنْ الْوُصُول إِلَى الْمَسْجِد الْحَرَام وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّه شَرْعًا سَوَاء لَا فَرْق فِيهِ بَيْن الْمُقِيم فِيهِ وَالنَّائِي عَنْهُ الْبَعِيد الدَّار مِنْهُ " سَوَاء الْعَاكِف فِيهِ وَالْبَاد " وَمِنْ ذَلِكَ اِسْتِوَاء النَّاس فِي رِبَاع مَكَّة وَسُكْنَاهَا كَمَا قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " سَوَاء الْعَاكِف فِيهِ وَالْبَاد" قَالَ يَنْزِل أَهْل مَكَّة وَهُمْ فِي الْمَسْجِد الْحَرَام وَقَالَ مُجَاهِد سَوَاء الْعَاكِف فِيهِ وَالْبَاد " أَهْل مَكَّة وَغَيْرهمْ فِيهِ سَوَاء فِي الْمَنَازِل وَكَذَا قَالَ أَبُو صَالِح وَعَبْد الرَّحْمَن بْن سَابِط وَعَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَم وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَة سَوَاء فِيهِ أَهْله وَغَيْر أَهْله وَهَذِهِ الْمَسْأَلَة هِيَ الَّتِي اِخْتَلَفَ فِيهَا الشَّافِعِيّ وَإِسْحَاق بْن رَاهَوَيْهِ بِمَسْجِدِ الْخَيْف وَأَحْمَد بْن حَنْبَل حَاضِر أَيْضًا فَذَهَبَ الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه إِلَى أَنَّ رِبَاع مَكَّة تُمْلَك وَتُوَرَّث وَتُؤَجَّر وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ الزُّهْرِيّ عَنْ عَلِيّ بْن الْحَسَن عَنْ عَمْرو بْن عُثْمَان عَنْ أُسَامَة بْن زَيْد قَالَ قُلْت يَا رَسُول اللَّه أَنَنْزِلُ غَدًا فِي دَارِكَ بِمَكَّة ؟ فَقَالَ " وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيل مِنْ رِبَاع " ثُمَّ قَالَ " لَا يَرِث الْكَافِر الْمُسْلِم وَلَا الْمُسْلِم الْكَافِر" وَهَذَا الْحَدِيث مُخَرَّج فِي الصَّحِيحَيْنِ وَبِمَا ثَبَتَ أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب اِشْتَرَى مِنْ صَفْوَان بْن أُمَيَّة دَارًا بِمَكَّة فَجَعَلَهَا سِجْنًا بِأَرْبَعَةِ آلَاف دِرْهَم وَبِهِ قَالَ طَاوُس وَعَمْرو بْن دِينَار وَذَهَبَ إِسْحَاق بْن رَاهَوَيْهِ إِلَى أَنَّهَا لَا تُوَرَّث وَلَا تُؤَجَّر وَهُوَ مَذْهَب طَائِفَة مِنْ السَّلَف وَنَصَّ عَلَيْهِ مُجَاهِد وَعَطَاء وَاحْتَجَّ إِسْحَاق بْن رَاهَوَيْهِ بِمَا رَوَاهُ اِبْن مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ عِيسَى بْن يُونُس عَنْ عُمَر بْن سَعِيد بْن أَبِي حَيْوَة عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي سُلَيْمَان عَنْ عَلْقَمَة بْن نَضْلَة قَالَ : تُوُفِّيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْر وَعُمَر وَمَا تُدْعَى رِبَاع مَكَّة إِلَّا السَّوَائِب مَنْ اِحْتَاجَ سَكَنَ وَمَنْ اِسْتَغْنَى أَسْكَنَ وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق بْن مُجَاهِد عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو أَنَّهُ قَالَ لَا يَحِلّ بَيْع دُور مَكَّة وَلَا كِرَاؤُهَا وَقَالَ أَيْضًا عَنْ اِبْن جُرَيْج كَانَ عَطَاء يَنْهَى عَنْ الْكِرَاء فِي الْحَرَم وَأَخْبَرَنِي أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب كَانَ يَنْهَى عَنْ تَبْوِيب دُور مَكَّة لِأَنْ يَنْزِل الْحَاجّ فِي عَرَصَاتهَا فَكَانَ أَوَّل مَنْ بَوَّبَ دَاره سُهَيْل بْن عَمْرو فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عُمَر بْن الْخَطَّاب فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَنْظِرْنِي يَا أَمِير الْمُؤْمِنِينَ إِنِّي كُنْت اِمْرَأً تَاجِرًا فَأَرَدْت أَنْ أَتَّخِذ بَابَيْنِ يَحْبِسَانِ لِي ظَهْرِي قَالَ فَلَك ذَلِكَ إِذًا وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ مَنْصُور عَنْ مُجَاهِد أَنَّ عُمَر بْن الْخَطَّاب قَالَ يَا أَهْل مَكَّة لَا تَتَّخِذُوا لِدُورِكُمْ أَبْوَابًا لِيَنْزِل الْبَادِي حَيْثُ يَشَاء قَالَ وَأَخْبَرَنَا مَعْمَر عَمَّنْ سَمِعَ عَطَاء يَقُول" سَوَاء الْعَاكِف فِيهِ وَالْبَاد " قَالَ يَنْزِلُونَ حَيْثُ شَاءُوا وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيث اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مَوْقُوفًا " مَنْ أَكَلَ كِرَاء بُيُوت مَكَّة أَكَلَ نَارًا " وَتَوَسَّطَ الْإِمَام أَحْمَد فَقَالَ تُمْلَك وَتُوَرَّث وَلَا تُؤَجَّر جَمْعًا بَيْن الْأَدِلَّة وَاَللَّه أَعْلَم وَقَوْله" وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَاب أَلِيم" قَالَ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة الْبَاء هَهُنَا زَائِدَة كَقَوْلِهِ " تَنْبُت بِالدُّهْنِ " أَيْ تُنْبِت الدُّهْن وَكَذَا قَوْله " وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ " تَقْدِيره إِلْحَادًا وَكَمَا قَالَ الْأَعْشَى : ضَمِنْت بِرِزْقِ عِيَالنَا أَرْمَاحنَا بَيْن الْمَرَاجِل وَالصَّرِيح الْأَجْرَد وَقَالَ الْآخَر : بِوَادٍ يَمَان يُنْبِت الْعُشْب صَدْره وَأَسْفَله بِالْمَرْخِ وَالشَّبَهَانِ وَالْأَجْوَد أَنَّهُ ضَمَّنَ الْفِعْل هَهُنَا مَعْنًى يَهِمّ وَلِهَذَا عَدَّاهُ بِالْبَاءِ فَقَالَ " وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ " أَيْ يَهُمّ فِيهِ بِأَمْرٍ فَظِيع مِنْ الْمَعَاصِي الْكِبَار وَقَوْله" بِظُلْمٍ " أَيْ عَامِدًا قَاصِدًا أَنَّهُ ظُلْم لَيْسَ بِمُتَأَوَّلٍ كَمَا قَالَ اِبْن جُرَيْج عَنْ اِبْن عَبَّاس هُوَ التَّعَمُّد . وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس بِظُلْمٍ بِشِرْك وَقَالَ مُجَاهِد أَنْ يَعْبُد فِيهِ غَيْر اللَّه وَكَذَا قَالَ قَتَادَة وَغَيْر وَاحِد وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس بِظُلْمٍ هُوَ أَنْ تَسْتَحِلّ مِنْ الْحَرَم مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْك مِنْ إِسَاءَة أَوْ قَتْل فَتَظْلِم مَنْ لَا يَظْلِمك وَتَقْتُل مَنْ لَا يَقْتُلك فَإِذَا فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ وَجَبَ لَهُ الْعَذَاب الْأَلِيم وَقَالَ مُجَاهِد بِظُلْمٍ يَعْمَل فِيهِ عَمَلًا سَيِّئًا وَهَذَا مِنْ خُصُوصِيَّة الْحَرَم أَنَّهُ يُعَاقَب الْبَادِي فِيهِ الشَّرّ إِذَا كَانَ عَازِمًا عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُوقِعهُ كَمَا قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم فِي تَفْسِيره حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن سِنَان حَدَّثَنَا يَزِيد بْن هَارُون أَنْبَأَنَا شُعْبَة عَنْ السُّدِّيّ أَنَّهُ سَمِعَ مُرَّة يُحَدِّث عَنْ عَبْد اللَّه يَعْنِي اِبْن مَسْعُود فِي قَوْله " وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ" قَالَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ وَهُوَ بِعَدَن أَبْيَن لَأَذَاقَهُ اللَّه مِنْ الْعَذَاب الْأَلِيم قَالَ شُعْبَة هُوَ رَفَعَهُ لَنَا وَأَنَا لَا أَرْفَعهُ لَكُمْ قَالَ يَزِيد هُوَ قَدْ رَفَعَهُ وَرَوَاهُ أَحْمَد عَنْ يَزِيد بْن هَارُون بِهِ قُلْت هَذَا الْإِسْنَاد صَحِيح عَلَى شَرْط الْبُخَارِيّ وَوَقْفه أَشْبَه مِنْ رَفْعه وَلِهَذَا صَمَّمَ شُعْبَة عَلَى وَقْفه مِنْ كَلَام اِبْن مَسْعُود وَكَذَلِكَ رَوَاهُ أَسْبَاط وَسُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ السُّدِّيّ عَنْ مُرَّة عَنْ اِبْن مَسْعُود مَوْقُوفًا وَاَللَّه أَعْلَم وَقَالَ الثَّوْرِيّ عَنْ السُّدِّيّ عَنْ مُرَّة عَنْ عَبْد اللَّه قَالَ مَا مِنْ رَجُل يَهِمّ بِسَيِّئَةٍ فَتُكْتَب عَلَيْهِ وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بِعَدَن أَبْيَن هَمَّ أَنْ يَقْتُل رَجُلًا بِهَذَا الْبَيْت لَأَذَاقَهُ اللَّه مِنْ الْعَذَاب الْأَلِيم وَكَذَا قَالَ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ مَنْصُور عَنْ مُجَاهِد إِلْحَاد فِيهِ لَا وَاَللَّه وَبَلَى وَاَللَّه وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِد عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو مِثْله وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر شَتْم الْخَادِم ظُلْمٌ فَمَا فَوْقه وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَطَاء عَنْ مَيْمُون بْن مِهْرَان عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله" وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ " قَالَ تِجَارَة الْأَمِير فِيهِ وَعَنْ اِبْن عُمَر بَيْع الطَّعَام بِمَكَّة إِلْحَاد وَقَالَ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت " وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ" قَالَ الْمُحْتَكِر بِمَكَّة وَكَذَا قَالَ غَيْر وَاحِد . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن إِسْحَاق الْجَوْهَرِيّ أَنْبَأَنَا أَبُو عَاصِم عَنْ جَعْفَر بْن يَحْيَى عَنْ عَمّه عُمَارَة بْن ثَوْبَان حَدَّثَنِي مُوسَى بْن بَاذَان عَنْ عَلِيّ بْن أُمَيَّة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " اِحْتِكَار الطَّعَام بِمَكَّة إِلْحَاد " وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن عَبْد اللَّه بْن بُكَيْر حَدَّثَنَا اِبْن لَهِيعَة حَدَّثَنَا عَطَاء بْن دِينَار حَدَّثَنِي سَعِيد بْن جُبَيْر قَالَ قَالَ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْل اللَّه " وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ " قَالَ نَزَلَتْ فِي عَبْد اللَّه بْن أُنَيْس أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ مَعَ رَجُلَيْنِ أَحَدهمَا مُهَاجِر وَالْآخَر مِنْ الْأَنْصَار فَافْتَخَرُوا فِي الْأَنْسَاب فَغَضِبَ عَبْد اللَّه بْن أُنَيْس فَقَتَلَ الْأَنْصَارِيّ ثُمَّ اِرْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَام ثُمَّ هَرَبَ إِلَى مَكَّة فَنَزَلَتْ فِيهِ " وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ " يَعْنِي مَنْ لَجَأَ إِلَى الْحَرَم بِإِلْحَادٍ يَعْنِي بِمَيْلٍ عَنْ الْإِسْلَام وَهَذِهِ الْآثَار وَإِنْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاء مِنْ الْإِلْحَاد وَلَكِنْ هُوَ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ بَلْ فِيهَا تَنْبِيه عَلَى مَا هُوَ أَغْلَظ مِنْهَا وَلِهَذَا لَمَّا هَمَّ أَصْحَاب الْفِيل عَلَى تَخْرِيب الْبَيْت أَرْسَلَ اللَّه عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيل تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيل فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُول " أَيْ دَمَّرَهُمْ وَجَعَلَهُمْ عِبْرَة وَنَكَالًا لِكُلِّ مَنْ أَرَادَهُ بِسُوءٍ وَلِذَلِكَ ثَبَتَ فِي الْحَدِيث أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَغْزُو هَذَا الْبَيْت جَيْش حَتَّى إِذَا كَانُوا بِبَيْدَاء مِنْ الْأَرْض خُسِفَ بِأَوَّلِهِمْ وَآخِرهمْ " الْحَدِيث وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن كُنَاسَة حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن سَعِيد عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَتَى عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر فَقَالَ يَا اِبْن الزُّبَيْر إِيَّاكَ وَالْإِلْحَاد فِي حَرَم اللَّه فَإِنِّي سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول " إِنَّهُ سَيُلْحِدُ فِيهِ رَجُل مِنْ قُرَيْش لَوْ تُوزَن ذُنُوبه بِذُنُوبِ الثَّقَلَيْنِ لَرَجَحَتْ " فَانْظُرْ لَا تَكُنْ هُوَ وَقَالَ أَيْضًا فِي مُسْنَد عَبْد اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص حَدَّثَنَا هَاشِم حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن سَعِيد حَدَّثَنَا سَعِيد بْن عَمْرو قَالَ أَتَى عَبْد اللَّه بْن عُمَر عَبْد اللَّه بْن الزُّبَيْر وَهُوَ جَالِس فِي الْحِجْر فَقَالَ يَا اِبْن الزُّبَيْر إِيَّاكَ وَالْإِلْحَاد فِي الْحَرَم فَإِنِّي أَشْهَد لَسَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول " يَحِلّهَا وَيَحِلّ بِهِ رَجُل مِنْ قُرَيْش لَوْ وُزِنَتْ ذُنُوبه بِذُنُوبِ الثَّقَلَيْنِ لَوَزَنَتْهَا " قَالَ فَانْظُرْ لَا تَكُنْ هُوَ لَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَد مِنْ أَصْحَاب الْكُتُب مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ .
تفسير القرطبي
أَعَادَ الْكَلَام إِلَى مُشْرِكِي الْعَرَب حِين صَدُّوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام عَام الْحُدَيْبِيَة , وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُعْلَم لَهُمْ صَدّ قَبْل ذَلِكَ الْجَمْع ; إِلَّا أَنْ يُرِيد صَدّهمْ لِأَفْرَادٍ مِنْ النَّاس , فَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ فِي صَدْر الْمَبْعَث . وَالصَّدّ : الْمَنْع ; أَيْ وَهُمْ يَصُدُّونَ . وَبِهَذَا حَسُنَ عَطْف الْمُسْتَقْبَل عَلَى الْمَاضِي . وَقِيلَ : الْوَاو زَائِدَة " وَيَصُدُّونَ " خَبَر " إِنَّ " . وَهَذَا مُفْسِد لِلْمَعْنَى الْمَقْصُود , وَإِنَّمَا الْخَبَر مَحْذُوف مُقَدَّر عِنْد قَوْله ( وَالْبَادِ ) تَقْدِيره : خَسِرُوا إِذَا هَلَكُوا . وَجَاءَ " وَيَصُدُّونَ " مُسْتَقْبَلًا إِذْ هُوَ فِعْل يُدِيمُونَهُ ; كَمَا جَاءَ قَوْله تَعَالَى : " الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنّ قُلُوبهمْ بِذِكْرِ اللَّه " [ الرَّعْد : 28 ] ; فَكَأَنَّهُ قَالَ : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ شَأْنهمْ الصَّدّ . وَلَوْ قَالَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا لَجَازَ . قَالَ النَّحَّاس : وَفِي كِتَابِي عَنْ أَبِي إِسْحَاق قَالَ وَجَائِز أَنْ يَكُون - وَهُوَ الْوَجْه - الْخَبَر " نُذِقْهُ مِنْ عَذَاب أَلِيم " . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا غَلَط , وَلَسْت أَعْرِف مَا الْوَجْه فِيهِ ; لِأَنَّهُ جَاءَ بِخَبَرِ " إِنَّ " جَزْمًا , وَأَيْضًا فَإِنَّهُ جَوَاب الشَّرْط , وَلَوْ كَانَ خَبَر " إِنَّ " لَبَقِيَ الشَّرْط بِلَا جَوَاب , وَلَا سِيَّمَا وَالْفِعْل الَّذِي فِي الشَّرْط مُسْتَقْبَل فَلَا بُدّ لَهُ مِنْ جَوَاب . قِيلَ : إِنَّهُ الْمَسْجِد نَفْسه , وَهُوَ ظَاهِر الْقُرْآن ; لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُر غَيْره . وَقِيلَ : الْحَرَم كُلّه ; لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ صَدُّوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه عَنْهُ عَام الْحُدَيْبِيَة , فَنَزَلَ خَارِجًا عَنْهُ ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَصَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِد الْحَرَام " [ الْفَتْح : 25 ] وَقَالَ : " سُبْحَان الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِد الْحَرَام " [ الْإِسْرَاء : 1 ] . وَهَذَا صَحِيح , لَكِنَّهُ قَصَدَ هُنَا بِالذِّكْرِ الْمُهِمّ الْمَقْصُود مِنْ ذَلِكَ . أَيْ لِلصَّلَاةِ وَالطَّوَاف وَالْعِبَادَة ; وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " إِنَّ أَوَّل بَيْت وُضِعَ لِلنَّاسِ " [ آل عِمْرَان : 96 ] . الْعَاكِف : الْمُقِيم الْمُلَازِم . وَالْبَادِي : أَهْل الْبَادِيَة وَمَنْ يُقْدِم عَلَيْهِمْ . يَقُول : سَوَاء فِي تَعْظِيم حُرْمَته وَقَضَاء النُّسُك فِيهِ الْحَاضِر وَاَلَّذِي يَأْتِيه مِنْ الْبِلَاد ; فَلَيْسَ أَهْل مَكَّة أَحَقّ مِنْ النَّازِح إِلَيْهِ . وَقِيلَ : إِنَّ الْمُسَاوَاة إِنَّمَا هِيَ فِي دُوره وَمَنَازِله , لَيْسَ الْمُقِيم فِيهَا أَوْلَى مِنْ الطَّارِئ عَلَيْهَا . وَهَذَا عَلَى أَنَّ الْمَسْجِد الْحَرَام الْحَرَم كُلّه ; وَهَذَا قَوْل مُجَاهِد وَمَالِك ; رَوَاهُ عَنْهُ اِبْن الْقَاسِم . وَرُوِيَ عَنْ عُمَر وَابْن عَبَّاس وَجَمَاعَة ( إِلَى أَنَّ الْقَادِم لَهُ النُّزُول حَيْثُ وُجِدَ , وَعَلَى رَبّ الْمَنْزِل أَنْ يُؤْوِيه شَاءَ أَوْ أَبَى ) . وَقَالَ ذَلِكَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ وَغَيْره , وَكَذَلِكَ كَانَ الْأَمْر فِي الصَّدْر الْأَوَّل , كَانَتْ دُورهمْ بِغَيْرِ أَبْوَاب حَتَّى كَثُرَتْ السَّرِقَة ; فَاِتَّخَذَ رَجُل بَابًا فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ عُمَر وَقَالَ : أَتُغْلِقُ بَابًا فِي وَجْه حَاجّ بَيْت اللَّه ؟ فَقَالَ : إِنَّمَا أَرَدْت حِفْظ مَتَاعهمْ مِنْ السَّرِقَة , فَتَرَكَهُ فَاِتَّخَذَ النَّاس الْأَبْوَاب . وَرُوِيَ عَنْ عُمَر بْن الْخَطَّاب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يَأْمُر فِي الْمَوْسِم بِقَلْعِ أَبْوَاب دُور مَكَّة , حَتَّى يَدْخُلهَا الَّذِي يَقْدَم فَيَنْزِل حَيْثُ شَاءَ , وَكَانَتْ الْفَسَاطِيط تُضْرَب فِي الدُّور . وَرُوِيَ عَنْ مَالِك أَنَّ الدُّور لَيْسَتْ كَالْمَسْجِدِ وَلِأَهْلِهَا الِامْتِنَاع مِنْهَا وَالِاسْتِبْدَاد ; وَهَذَا هُوَ الْعَمَل الْيَوْم . وَقَالَ بِهَذَا جُمْهُور مِنْ الْأُمَّة . وَهَذَا الْخِلَاف يُبْنَى عَلَى أَصْلَيْنِ : أَحَدهمَا أَنَّ دُور مَكَّة هَلْ هِيَ مِلْك لِأَرْبَابِهَا أَمْ لِلنَّاسِ . وَلِلْخِلَافِ سَبَبَانِ : أَحَدهمَا هَلْ فَتْح مَكَّة كَانَ عَنْوَة فَتَكُون مَغْنُومَة , لَكِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْسِمهَا وَأَقَرَّهَا لِأَهْلِهَا وَلِمَنْ جَاءَ بَعْدهمْ ; كَمَا فَعَلَ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِأَرْضِ السَّوَاد وَعَفَا لَهُمْ عَنْ الْخَرَاج كَمَا عَفَا عَنْ سَبْيهمْ وَاسْتِرْقَاقهمْ إِحْسَانًا إِلَيْهِمْ دُون سَائِر الْكُفَّار فَتَبْقَى عَلَى ذَلِكَ لَا تُبَاع وَلَا تُكْرَى , وَمَنْ سَبَقَ إِلَى مَوْضِع كَانَ أَوْلَى بِهِ . وَبِهَذَا قَالَ مَالِك وَأَبُو حَنِيفَة وَالْأَوْزَاعِيّ . أَوْ كَانَ فَتْحهَا صُلْحًا - وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيّ - فَتَبْقَى دِيَارهمْ بِأَيْدِيهِمْ , وَفِي أَمْلَاكهمْ يَتَصَرَّفُونَ كَيْفَ شَاءُوا . وَرُوِيَ عَنْ عُمَر أَنَّهُ اِشْتَرَى دَار صَفْوَان بْن أُمَيَّة بِأَرْبَعَةِ آلَاف وَجَعَلَهَا سِجْنًا , وَهُوَ أَوَّل مَنْ حَبَسَ فِي السِّجْن فِي الْإِسْلَام , عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي آيَة الْمُحَارِبِينَ مِنْ سُورَة " الْمَائِدَة " . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبَسَ فِي تُهْمَة . وَكَانَ طَاوُس يَكْرَه السِّجْن بِمَكَّةَ وَيَقُول : لَا يَنْبَغِي لِبَيْتِ عَذَاب أَنْ يَكُون فِي بَيْت رَحْمَة . قُلْت : الصَّحِيح مَا قَالَهُ مَالِك ; وَعَلَيْهِ تَدُلّ ظَوَاهِر الْأَخْبَار الثَّابِتَة بِأَنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَة . قَالَ أَبُو عُبَيْد : وَلَا نَعْلَم مَكَّة يُشْبِههَا شَيْء مِنْ الْبِلَاد . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ عَلْقَمَة بْن نَضْلَة قَالَ : تُوُفِّيَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْر وَعُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا وَمَا تُدْعَى رِبَاع مَكَّة إِلَّا السَّوَائِب ; مَنْ اِحْتَاجَ سَكَنَ وَمَنْ اِسْتَغْنَى أُسْكِنَ . وَزَادَ فِي رِوَايَة : وَعُثْمَان . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَلْقَمَة بْن نَضْلَة الْكِنَانِيّ قَالَ : كَانَتْ تُدْعَى بُيُوت مَكَّة عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْر وَعُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا السَّوَائِب , لَا تُبَاع ; مَنْ اِحْتَاجَ سَكَنَ وَمَنْ اِسْتَغْنَى أُسْكِنَ . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( إِنَّ اللَّه تَعَالَى حَرَّمَ مَكَّة فَحَرَام بَيْع رِبَاعهَا وَأَكْل ثَمَنهَا - وَقَالَ - مَنْ أَكَلَ مِنْ أَجْر بُيُوت مَكَّة شَيْئًا فَإِنَّمَا يَأْكُل نَارًا ) . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ : كَذَا رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَة مَرْفُوعًا وَوَهَمَ فِيهِ , وَوَهَمَ أَيْضًا فِي قَوْله عُبَيْد اللَّه بْن أَبِي يَزِيد وَإِنَّمَا هُوَ اِبْن أَبِي زِيَاد الْقَدَّاح , وَالصَّحِيح أَنَّهُ مَوْقُوف , وَأَسْنَدَ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضًا عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَمْرو قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَكَّة مُنَاخ لَا تُبَاع رِبَاعهَا وَلَا تُؤَاجَر بُيُوتهَا ) . وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا قَالَتْ : قُلْت يَا رَسُول اللَّه ; أَلَا أَبْنِي لَك بِمِنًى بَيْتًا أَوْ بِنَاء يُظِلّك مِنْ الشَّمْس ؟ فَقَالَ : ( لَا , إِنَّمَا هُوَ مُنَاخ مَنْ سَبَقَ إِلَيْهِ ) . وَتَمَسَّكَ الشَّافِعِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارهمْ " الْحَجّ : 40 ] فَأَضَافَهَا إِلَيْهِمْ . وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام يَوْم الْفَتْح : ( مَنْ أَغْلَقَ بَابه فَهُوَ آمِن وَمَنْ دَخَلَ دَار أَبِي سُفْيَان فَهُوَ آمِن ) . قَرَأَ جُمْهُور النَّاس " سَوَاء " بِالرَّفْعِ , وَهُوَ عَلَى الِابْتِدَاء , وَ " الْعَاكِف " خَبَره . وَقِيلَ : الْخَبَر " سَوَاء " وَهُوَ مُقَدَّم ; أَيْ الْعَاكِف فِيهِ وَالْبَادِي سَوَاء ; وَهُوَ قَوْل أَبِي عَلِيّ , وَالْمَعْنَى : الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ قِبْلَة أَوْ مُتَعَبَّدًا الْعَاكِف فِيهِ وَالْبَادِي سَوَاء . وَقَرَأَ حَفْص عَنْ عَاصِم " سَوَاء " بِالنَّصْبِ , وَهِيَ قِرَاءَة الْأَعْمَش . وَذَلِكَ يَحْتَمِل أَيْضًا وَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : أَنْ يَكُون مَفْعُولًا ثَانِيًا لَجَعَلَ , وَيَرْتَفِع " الْعَاكِف " بِهِ لِأَنَّهُ مَصْدَر , فَأُعْمِلَ عَمَل اِسْم الْفَاعِل لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى مُسْتَوٍ . وَالْوَجْه الثَّانِي : أَنْ يَكُون حَالًا مِنْ الضَّمِير فِي جَعَلْنَاهُ . وَقَرَأَتْ فِرْقَة " سَوَاء " بِالنَّصْبِ " الْعَاكِف " بِالْخَفْضِ , وَ " الْبَادِي " عَطْفًا عَلَى النَّاس , التَّقْدِير : الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ الْعَاكِف وَالْبَادِي . وَقِرَاءَة اِبْن كَثِير فِي الْوَقْف وَالْوَصْل بِالْيَاءِ , وَوَقَفَ أَبُو عَمْرو بِغَيْرِ يَاء وَوَصَلَ بِالْيَاءِ . وَقَرَأَ نَافِع بِغَيْرِ يَاء فِي الْوَصْل وَالْوَقْف . وَأَجْمَعَ النَّاس عَلَى الِاسْتِوَاء فِي نَفْس الْمَسْجِد الْحَرَام , وَاخْتَلَفُوا فِي مَكَّة ; وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ . شَرْط , وَجَوَابه " نُذِقْهُ مِنْ عَذَاب أَلِيم " . وَالْإِلْحَاد فِي اللُّغَة : الْمَيْل ; إِلَّا أَنَّ اللَّه تَعَالَى بَيَّنَ أَنَّ الْمَيْل بِالظُّلْمِ هُوَ الْمُرَاد . وَاخْتُلِفَ فِي الظُّلْم ; فَرَوَى عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس ( " وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ " قَالَ : الشِّرْك ) . وَقَالَ عَطَاء : الشِّرْك وَالْقَتْل . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ صَيْد حَمَامه , وَقَطْع شَجَره ; وَدُخُول غَيْر مُحْرِم . وَقَالَ اِبْن عُمَر : ( كُنَّا نَتَحَدَّث أَنَّ الْإِلْحَاد فِيهِ أَنْ يَقُول الْإِنْسَان : لَا وَاَللَّه ! وَبَلَى وَاَللَّه ! وَكَلَّا وَاَللَّه ! وَلِذَلِكَ كَانَ لَهُ فُسْطَاطَانِ , أَحَدهمَا فِي الْحِلّ وَالْآخَر فِي الْحَرَم ; فَكَانَ إِذَا أَرَادَ الصَّلَاة دَخَلَ فُسْطَاط الْحَرَم , وَإِذَا أَرَادَ بَعْض شَأْنه دَخَلَ فُسْطَاط الْحِلّ , صِيَانَة لِلْحَرَمِ عَنْ قَوْلهمْ كَلَّا وَاَللَّه وَبَلَى وَاَللَّه , حِين عَظَّمَ اللَّه الذَّنْب فِيهِ ) . وَكَذَلِكَ كَانَ لِعَبْدِ اللَّه بْن عَمْرو بْن الْعَاص فُسْطَاطَانِ أَحَدهمَا فِي الْحِلّ وَالْآخَر فِي الْحَرَم , فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُعَاتِب أَهْله عَاتَبَهُمْ فِي الْحِلّ , وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُصَلِّي صَلَّى فِي الْحَرَم , فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : إِنْ كُنَّا لَنَتَحَدَّث أَنَّ مِنْ الْإِلْحَاد فِي الْحَرَم أَنْ نَقُول كَلَّا وَاَللَّه وَبَلَى وَاَللَّه , وَالْمَعَاصِي تُضَاعَف بِمَكَّةَ كَمَا تُضَاعَف الْحَسَنَات , فَتَكُون الْمَعْصِيَة مَعْصِيَتَيْنِ , إِحْدَاهُمَا بِنَفْسِ الْمُخَالَفَة وَالثَّانِيَة بِإِسْقَاطِ حُرْمَة الْبَلَد الْحَرَام ; وَهَكَذَا الْأَشْهُر الْحُرُم سَوَاء . وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ يَعْلَى بْن أُمَيَّة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( اِحْتِكَار الطَّعَام فِي الْحَرَم إِلْحَاد فِيهِ ) . وَهُوَ قَوْل عُمَر بْن الْخَطَّاب . وَالْعُمُوم يَأْتِي عَلَى هَذَا كُلّه . ذَهَبَ قَوْم مِنْ أَهْل التَّأْوِيل مِنْهُمْ الضَّحَّاك وَابْن زَيْد إِلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَة تَدُلّ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَان يُعَاقَب عَلَى مَا يَنْوِيه مِنْ الْمَعَاصِي بِمَكَّةَ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلهُ . وَقَدْ رُوِيَ نَحْو ذَلِكَ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَابْن عُمَر قَالُوا : لَوْ هَمَّ رَجُل بِقَتْلِ رَجُل بِهَذَا الْبَيْت وَهُوَ ( بِعَدَن أَبْيَن ) لَعَذَّبَهُ اللَّه . قُلْت : هَذَا صَحِيح , وَقَدْ جَاءَ هَذَا الْمَعْنَى فِي سُورَة " ن وَالْقَلَم " [ الْقَلَم : 1 ] مُبَيَّنًا , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه هُنَاكَ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . الْبَاء فِي " بِإِلْحَادٍ " زَائِدَة كَزِيَادَتِهَا فِي قَوْله تَعَالَى : " تَنْبُت بِالدُّهْنِ " [ الْمُؤْمِنُونَ : 20 ] ; وَعَلَيْهِ حَمَلُوا قَوْل الشَّاعِر : نَحْنُ بَنُو جَعْدَة أَصْحَاب الْفَلَج نَضْرِب بِالسَّيْفِ وَنَرْجُو بِالْفَرَجِ أَرَادَ : نَرْجُو الْفَرَج . وَقَالَ الْأَعْشَى : ضَمِنَتْ بِرِزْقِ عِيَالنَا أَرْمَاحنَا أَيْ رِزْق : وَقَالَ آخَر : أَلَمْ يَأْتِيك وَالْأَنْبَاء تَنْمِي بِمَا لَاقَتْ لَبُون بَنِي زِيَاد أَيْ مَا لَاقَتْ ; وَالْبَاء زَائِدَة , وَهُوَ كَثِير . وَقَالَ الْفَرَّاء : سَمِعْت أَعْرَابِيًّا وَسَأَلْته عَنْ شَيْء فَقَالَ : أَرْجُو بِذَاكَ , أَيْ أَرْجُو ذَاكَ . وَقَالَ الشَّاعِر : بِوَادٍ يَمَان يَنْبُت الشَّثّ صَدْره وَأَسْفَله بِالْمَرْخِ وَالشَّبَهَانِ أَيْ الْمَرْخ . وَهُوَ قَوْل الْأَخْفَش , وَالْمَعْنَى عِنْده : وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ إِلْحَادًا بِظُلْمٍ . وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : دَخَلَتْ الْبَاء لِأَنَّ الْمَعْنَى بِأَنْ يُلْحِد , وَالْبَاء مَعَ أَنْ تَدْخُل وَتُحْذَف . وَيَجُوز أَنْ يَكُون التَّقْدِير : وَمَنْ يُرِدْ النَّاس فِيهِ بِإِلْحَادٍ . وَهَذَا الْإِلْحَاد وَالظُّلْم يَجْمَع الْمَعَاصِي مِنْ الْكُفْر إِلَى الصَّغَائِر ; فَلِعِظَمِ حُرْمَة الْمَكَان تَوَعَّدَ اللَّه تَعَالَى عَلَى نِيَّة السَّيِّئَة فِيهِ . وَمَنْ نَوَى سَيِّئَة وَلَمْ يَعْمَلهَا لَمْ يُحَاسَب عَلَيْهَا إِلَّا فِي مَكَّة . هَذَا قَوْل اِبْن مَسْعُود وَجَمَاعَة مِنْ الصَّحَابَة وَغَيْرهمْ . وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ آنِفًا .
| سَوَاۤءً | مُسْتَوِياً. |
|---|---|
| ٱلۡعَـٰكِفُ فِیهِ | المقيمُ فيه المُلازمُ له. |
| وَٱلۡبَادِۚ | القادمُ إليه مِنْ غَيْرِ أهْلِه. |
| بِإِلۡحَادِۭ | بِعُدُولٍ عَنِ القَصْدِ. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian