سورة طه الآية ١٢٤
سورة طه الآية ١٢٤
وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِی فَإِنَّ لَهُۥ مَعِیشَةࣰ ضَنكࣰا وَنَحۡشُرُهُۥ یَوۡمَ ٱلۡقِیَـٰمَةِ أَعۡمَىٰ ﴿١٢٤﴾
تفسير السعدي
" وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي " أي: كتابي الذي يتذكر به جميع المطالب العالية, وأن يتركه على وجه الإعراض عنه, أو ما هو أعظم من ذلك, بأن يكون على وجه الإنكار له, والكفر به " فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا " أي فإن جزاءه, أن نجعل معيشته ضيقة مشقة, ولا يكون ذلك إلا عذابا. وفسرت المعيشة الضنك, بعذاب القبر, وأنه يضيق عليه قبره, ويحصر فيه, ويعذب, جزاء لإعراضه عن ذكر ربه, وهذه إحدى الآيات الدالة على عذاب القبر. والثانية قوله تعالى " وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ " الآية. والثالثة قوله " وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ " . والرابعة قوله عن آل فرعون " النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا " الآية. والذي أوجب لمن فسرها بعذاب القبر فقط من السلف, وقصرها على ذلك - والله أعلم - آخر الآية, وأن الله ذكر في آخرها عذاب يوم القيامة. وبعض المفسرين, يرى أن المعيشة الضنك, عامة في دار الدنيا, بما يصيب المعرض عن ذكر ربه, من الهموم, والغموم, والآلام, التي هي عذاب معجل, وفي دار البرزخ, وفي الدار الآخرة, لإطلاق المعيشة الضنك, وعدم تقييدها. " وَنَحْشُرُهُ " أي: هذا المعرض عن ذكر ربه " يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى " البصر على الصحيح, كما قال تعالى " وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا " .
التفسير الميسر
ومن تولَّى عن ذكري الذي أذكِّره به فإن له في الحياة الأولى معيشة ضيِّقة شاقة -وإن ظهر أنه من أهل الفضل واليسار-، ويُضيَّق قبره عليه ويعذَّب فيه، ونحشره يوم القيامة أعمى عن الرؤية وعن الحجة.
تفسير الجلالين
"وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي" الْقُرْآن فَلَمْ يُؤْمِن بِهِ "فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَة ضَنْكًا" بِالتَّنْوِينِ مَصْدَر بِمَعْنَى ضَيِّقَة وَفُسِّرَتْ فِي حَدِيث بِعَذَابِ الْكَافِر فِي قَبْره "وَنَحْشُرهُ" أَيْ الْمُعْرِض عَنْ الْقُرْآن "يَوْم الْقِيَامَة أَعْمَى" أَعْمَى الْبَصَر
تفسير ابن كثير
" وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي " أَيْ خَالَفَ أَمْرِي وَمَا أَنْزَلْته عَلَى رَسُولِي أَعْرَضَ عَنْهُ وَتَنَاسَاهُ وَأَخَذَ مِنْ غَيْره هُدَاهُ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَة ضَنْكًا أَيْ ضَنْك فِي الدُّنْيَا فَلَا طُمَأْنِينَة لَهُ وَلَا اِنْشِرَاح لِصَدْرِهِ بَلْ صَدْره ضَيِّق حَرَج لِضَلَالِهِ وَإِنْ تَنَعَّمَ ظَاهِره وَلَبِسَ مَا شَاءَ وَأَكَلَ مَا شَاءَ وَسَكَنَ حَيْثُ شَاءَ فَإِنَّ قَلْبه مَا لَمْ يَخْلُص إِلَى الْيَقِين وَالْهُدَى فَهُوَ فِي قَلَق وَحِيرَة وَشَكّ فَلَا يَزَال فِي رِيبَة يَتَرَدَّد فَهَذَا مِنْ ضَنْك الْمَعِيشَة قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَة ضَنْكًا قَالَ الشَّقَاء وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَة ضَنْكًا قَالَ كُلَّمَا أَعْطَيْته عَبْدًا مِنْ عِبَادِي قَلَّ أَوْ كَثُرَ لَا يَتَّقِينِي فِيهِ فَلَا خَيْر فِيهِ وَهُوَ الضَّنْك فِي الْمَعِيشَة وَقَالَ أَيْضًا إِنَّ قَوْمًا ضُلَّالًا أَعْرَضُوا عَنْ الْحَقّ وَكَانُوا فِي سَعَة مِنْ الدُّنْيَا مُتَكَبِّرِينَ فَكَانَتْ مَعِيشَتهمْ ضَنْكًا وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ اللَّه لَيْسَ مُخْلِفًا لَهُمْ مَعَايِشهمْ مِنْ سُوء ظَنّهمْ بِاَللَّهِ وَالتَّكْذِيب فَإِذَا كَانَ الْعَبْد يَكْذِب بِاَللَّهِ وَيُسِيء الظَّنّ بِهِ وَالثِّقَة بِهِ اِشْتَدَّتْ عَلَيْهِ مَعِيشَته فَذَلِكَ الضَّنْك وَقَالَ الضَّحَّاك هُوَ الْعَمَل السَّيِّئ وَالرِّزْق الْخَبِيث وَكَذَا قَالَ عِكْرِمَة وَمَالِك بْن دِينَار وَقَالَ سُفْيَان بْن عُيَيْنَة عَنْ أَبِي حَازِم عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي سَعِيد فِي قَوْله مَعِيشَة ضَنْكًا قَالَ يُضَيِّق عَلَيْهِ قَبْره حَتَّى تَخْتَلِف أَضْلَاعه فِيهِ قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ : النُّعْمَان بْن أَبِي عِيَاض يُكَنَّى أَبَا سَلَمَة وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة حَدَّثَنَا صَفْوَان أَنْبَأَنَا الْوَلِيد أَنْبَأَنَا عَبْد اللَّه بْن لَهِيعَة عَنْ دَرَّاج عَنْ أَبِي الْهَيْثَم عَنْ أَبِي سَعِيد قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَة ضَنْكًا " قَالَ " ضَمَّة الْقَبْر لَهُ " وَالْمَوْقُوف أَصَحّ . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم أَيْضًا حَدَّثَنَا الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان حَدَّثَنَا أَسَد بْن مُوسَى حَدَّثَنَا اِبْن لَهِيعَة حَدَّثَنَا دَرَّاج أَبُو السَّمْح عَنْ اِبْن حُجَيْرَة وَاسْمه عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " الْمُؤْمِن فِي قَبْره فِي رَوْضَة خَضْرَاء وَيُفْسَح لَهُ فِي قَبْره سَبْعُونَ ذِرَاعًا وَيُنَوَّر لَهُ قَبْره كَالْقَمَرِ لَيْلَة الْبَدْر أَتَدْرُونَ فِيمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَة ضَنْكًا أَتَدْرُونَ مَا الْمَعِيشَة الضَّنْك ؟ " قَالُوا اللَّه وَرَسُوله أَعْلَم قَالَ " عَذَاب الْكَافِر فِي قَبْره وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهُ لِيُسَلَّط عَلَيْهِ تِسْعَة وَتِسْعُونَ تِنِّينًا أَتَدْرُونَ مَا التِّنِّين ؟ تِسْعَة وَتِسْعُونَ حَيَّة لِكُلِّ حَيَّة سَبْعَة رُءُوس يَنْفُخُونَ فِي جِسْمه وَيَلْسَعُونَهُ وَيَخْدِشُونَهُ إِلَى يَوْم يُبْعَثُونَ " رَفْعه مُنْكَر جِدًّا وَقَالَ الْبَزَّار حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن يَحْيَى الْأَزْدِيّ حَدَّثَنَا ابْن عَمْرو حَدَّثَنَا هِشَام بْن سَعْد عَنْ سَعِيد بْن أَبِي هِلَال عَنْ اِبْن حُجَيْرَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ " فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَة ضَنْكًا " قَالَ الْمَعِيشَة الضَّنْك الَّذِي قَالَ اللَّه إِنَّهُ يُسَلَّط عَلَيْهِ تِسْعَة وَتِسْعُونَ حَيَّة يَنْهَشُونَ لَحْمه حَتَّى تَقُوم السَّاعَة . وَقَالَ أَيْضًا حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيد حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ مُحَمَّد بْن عَمْرو عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَة ضَنْكًا قَالَ " عَذَاب الْقَبْر " إِسْنَاد جَيِّد وَقَوْله " وَنَحْشُرهُ يَوْم الْقِيَامَة أَعْمَى " قَالَ مُجَاهِد وَأَبُو صَالِح وَالسُّدِّيّ لَا حُجَّة لَهُ وَقَالَ عِكْرِمَة عَمِيَ عَلَيْهِ كُلّ شَيْء إِلَّا جَهَنَّم وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد أَنَّهُ يُبْعَث أَوْ يُحْشَر إِلَى النَّار أَعْمَى الْبَصَر وَالْبَصِيرَة أَيْضًا كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَنَحْشُرهُمْ يَوْم الْقِيَامَة عَلَى وُجُوههمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّم " الْآيَة .
تفسير القرطبي
أَيْ دِينِي , وَتِلَاوَة كِتَابِي , وَالْعَمَل بِمَا فِيهِ . وَقِيلَ : عَمَّا أَنْزَلْت مِنْ الدَّلَائِل . وَيَحْتَمِل أَنْ يُحْمَل الذِّكْر عَلَى الرَّسُول ; لِأَنَّهُ كَانَ مِنْهُ الذِّكْر . أَيْ عَيْشًا ضَيِّقًا ; يُقَال مَنْزِل ضَنْك وَعَيْش ضَنْك يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِد وَالِاثْنَانِ وَالْمُؤَنَّث وَالْجَمْع ; قَالَ عَنْتَرَة : إِنْ يُلْحِقُوا أَكْرُرْ وَإِنْ يَسْتَلْحِمُوا أَشْدُدْ وَإِنْ يُلْفَوْا بِضَنْكٍ أَنْزِل وَقَالَ أَيْضًا : إِنَّ الْمَنِيَّة لَوْ تُمَثَّل مُثِّلَتْ مِثْلِي إِذَا نَزَلُوا بِضَنْكِ الْمَنْزِل وَقُرِئَ " ضَنْكَى " عَلَى وَزْن فَعْلَى : وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ مَعَ الدِّين التَّسْلِيم وَالْقَنَاعَة وَالتَّوَكُّل عَلَيْهِ وَعَلَى قِسْمَته , فَصَاحِبه يُنْفِق مِمَّا رَزَقَهُ اللَّه - عَزَّ وَجَلَّ - بِسَمَاحٍ وَسُهُولَة وَيَعِيش عَيْشًا رَافِعًا ; كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى : " فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاة طَيِّبَة " [ النَّحْل 97 ] . وَالْمُعْرِض عَنْ الدِّين مُسْتَوْلٍ عَلَيْهِ الْحِرْص الَّذِي لَا يَزَال يَطْمَح بِهِ إِلَى الِازْدِيَاد مِنْ الدُّنْيَا , مُسَلَّط عَلَيْهِ الشُّحّ , الَّذِي يَقْبِض يَده عَنْ الْإِنْفَاق , فَعَيْشه ضَنْك , وَحَاله مُظْلِمَة , كَمَا قَالَ بَعْضهمْ : لَا يُعْرِض أَحَد عَنْ ذِكْر رَبّه إِلَّا أَظْلَمَ عَلَيْهِ وَقْته وَتَشَوَّشَ عَلَيْهِ رِزْقه , وَكَانَ فِي عِيشَة ضَنْك . وَقَالَ عِكْرِمَة : " ضَنْكًا " كَسْبًا حَرَامًا . الْحَسَن : طَعَام الضَّرِيع وَالزَّقُّوم . وَقَوْل رَابِع وَهُوَ الصَّحِيح أَنَّهُ عَذَاب الْقَبْر ; قَالَهُ أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيّ وَعَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , وَرَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة مَرْفُوعًا عَنْ النَّبِيّ صَلِّي اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي كِتَاب " التَّذْكِرَة " ; قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : يُضَيَّق عَلَى الْكَافِر قَبْره حَتَّى تَخْتَلِف فِيهِ أَضْلَاعه , وَهُوَ الْمَعِيشَة الضَّنْك . قِيلَ أَعْمَى فِي حَال وَبَصِيرًا فِي حَال ; وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِر " سُبْحَان " [ الْإِسْرَاء 1 ] وَقِيلَ : أَعْمَى عَنْ الْحُجَّة ; قَالَهُ مُجَاهِد . وَقِيلَ : أَعْمَى عَنْ جِهَات الْخَيْر , لَا يَهْتَدِي لِشَيْءٍ مِنْهَا . وَقِيلَ : عَنْ الْحِيلَة فِي دَفْع الْعَذَاب عَنْ نَفْسه , كَالْأَعْمَى الَّذِي لَا حِيلَة لَهُ فِيمَا لَا يَرَاهُ .
| وَنَحۡشُرُ | نَسُوقُ. |
|---|---|
| ذِكۡرِی | أي: عَن ذِكْرِي الَّذِي أُذَكِّرهُ بِهِ مِن قُرآنٍ وَغَيْرِهِ. |
| ضَنكࣰا | ضَيِّقةً شاقَّةً في حَياتِه وقَبْرِه. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian