صفحات الموقع

سورة البقرة الآية ٨٤

سورة البقرة الآية ٨٤

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِیثَـٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَاۤءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِیَـٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ ﴿٨٤﴾

التفسير

تفسير السعدي

وهذا الفعل المذكور في هذه الآية, فعل للذين كانوا في زمن الوحي بالمدينة. وذلك أن الأوس والخزرج - وهم الأنصار - كانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم مشركين, وكانوا يقتتلون على عادة الجاهلية. فنزلت عليهم الفرق الثلاث من فرق اليهود, بنو قريظة, وبنو النضير, وبنو قينقاع. فكل فرقة منهم, حالفت فرقة من أهل المدينة. فكانوا إذا اقتتلوا, أعان اليهودي حليفه على مقاتليه, الذين تعينهم الفرقة الأخرى من اليهود, فيقتل اليهودي اليهودي, ويخرجه من دياره إذا حصل جلاء ونهب. ثم إذا وضعت الحرب أوزارها, وكان قد حصل أسارى بين الطائفتين فدى بعضهم بعضا. والأمور الثلاثة كلها, قد فرضت عليهم. ففرض عليهم أن لا يسفك بعضهم دم بعض, ولا يخرج بعضهم بعضا من ديارهم, وإذا وجدوا أسيرا منهم, وجب عليهم فداؤه.

التفسير الميسر

واذكروا -يا بني إسرائيل- حين أَخَذْنا عليكم عهدًا مؤكدًا في التوراة: يحرم سفك بعضكم دم بعض، وإخراج بعضكم بعضًا من دياركم، ثم اعترفتم بذلك، وأنتم تشهدون على صحته.

تفسير الجلالين

"وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقكُمْ" وَقُلْنَا "لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ" تُرِيقُونَهَا بِقَتْلِ بَعْضكُمْ بَعْضًا "وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ" لَا يُخْرِج بَعْضكُمْ بَعْضًا مِنْ دَاره "ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ" قَبِلْتُمْ ذَلِكَ الْمِيثَاق "وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ" عَلَى أَنْفُسكُمْ

تفسير ابن كثير

يَقُول اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مُنْكِرًا عَلَى الْيَهُود الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَان رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِالْمَدِينَةِ وَمَا كَانُوا يُعَانُونَهُ مِنْ الْقِتَال مَعَ الْأَوْس وَالْخَزْرَج وَذَلِكَ أَنَّ الْأَوْس وَالْخَزْرَج وَهُمْ الْأَنْصَار كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّة عُبَّاد أَصْنَام وَكَانَتْ بَيْنهمْ حُرُوبٌ كَثِيرَةٌ وَكَانَتْ يَهُودُ الْمَدِينَة ثَلَاث قَبَائِل بَنُو قَيْنُقَاع وَبَنُو النَّضِير حُلَفَاء الْخَزْرَج وَبَنُو قُرَيْظَة حُلَفَاء الْأَوْس فَكَانَتْ الْحَرْب إِذَا نَشِبَتْ بَيْنهمْ قَاتَلَ كُلّ فَرِيق مَعَ حُلَفَائِهِ فَيَقْتُل الْيَهُودِيُّ أَعْدَاءَهُ وَقَدْ يَقْتُل الْيَهُودِيّ الْآخَر مِنْ الْفَرِيق الْآخَر وَذَلِكَ حَرَام عَلَيْهِمْ فِي دِينهمْ وَنَصّ كِتَابهمْ وَيُخْرِجُونَهُمْ مِنْ بُيُوتهمْ وَيَنْتَهِبُونَ مَا فِيهَا مِنْ الْأَثَاث وَالْأَمْتِعَة وَالْأَمْوَال ثُمَّ إِذَا وَضَعَتْ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا اسْتَفَكُّوا الْأُسَارَى مِنْ الْفَرِيق الْمَغْلُوب عَمَلًا بِحُكْمِ التَّوْرَاة وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى" أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَاب وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ " وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى " وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تَخْرُجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ " أَيْ لَا يَقْتُل بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَلَا يُخْرِجُهُ مِنْ مَنْزِلِهِ وَلَا يُظَاهِر عَلَيْهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى " فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْد بَارِئِكُمْ " وَذَلِكَ أَنَّ أَهْل الْمِلَّة الْوَاحِدَة بِمَنْزِلَةِ النَّفْس الْوَاحِدَة كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام " مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادّهمْ وَتَرَاحُمهمْ وَتَوَاصُلهمْ بِمَنْزِلَةِ الْجَسَد الْوَاحِد إِذَا اِشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَد بِالْحُمَّى وَالسَّهَر " وَقَوْله تَعَالَى " ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ" أَيْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ بِمَعْرِفَةِ هَذَا الْمِيثَاق وَصِحَّته وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ بِهِ .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : قَوْله : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ } فِي الْمَعْنَى وَالْإِعْرَاب نَظِير قَوْله : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاق بَنِي إسْرَائِيل لَا تَعْبُدُونَ إلَّا اللَّه } . 2 83 وَأَمَّا سَفْك الدَّم , فَإِنَّهُ صَبّه وَإِرَاقَته . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَمَا مَعْنَى قَوْله : { لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ } ؟ وَقَالَ : أَوَ كَانَ الْقَوْم يَقْتُلُونَ أَنْفُسهمْ , وَيُخْرِجُونَهَا مِنْ دِيَارهَا , فَنَهَوْا عَنْ ذَلِكَ ؟ قِيلَ : لَيْسَ الْأَمْر فِي ذَلِكَ عَلَى مَا ظَنَنْت , وَلَكِنَّهُمْ نَهَوْا عَنْ أَنْ يَقْتُل بَعْضهمْ بَعْضًا , فَكَانَ فِي قَتْل الرَّجُل مِنْهُمْ الرَّجُل قَتَلَ نَفْسه , إذْ كَانَتْ مِلَّتهمَا بِمَنْزِلَةِ رَجُل وَاحِد , كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام : " إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ فِي تَرَاحُمهمْ وَتَعَاطُفهمْ بَيْنهمْ بِمَنْزِلَةِ الْجَسَد الْوَاحِد إذَا اشْتَكَى بَعْضه تَدَاعَى لَهُ سَائِر الْجَسَد بِالْحُمَّى وَالسَّهَر " . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون مَعْنَى قَوْله : { لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ } أَيْ لَا يَقْتُل الرَّجُل مِنْكُمْ الرَّجُل مِنْكُمْ , فَيُقَاد بِهِ قِصَاصًا , فَيَكُون بِذَلِكَ قَاتِلًا نَفْسه ; لِأَنَّهُ كَانَ الَّذِي سَبَب لِنَفْسِهِ مَا اسْتَحَقَّتْ بِهِ الْقَتْل , فَأُضِيف بِذَلِكَ إلَيْهِ قَتْل وَلِيّ الْمَقْتُول إيَّاهُ قِصَاصًا بِوَلِيِّهِ , كَمَا يُقَال لِلرَّجُلِ يَرْكَب فِعْلًا مِنْ الْأَفْعَال يَسْتَحِقّ بِهِ الْعُقُوبَة فَيُعَاقِب الْعُقُوبَة : أَنْتَ جَنِيَتْ هَذَا عَلَى نَفْسك . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي تَأْوِيل ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1207 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ } أَيْ لَا يَقْتُل بَعْضكُمْ بَعْضًا , { وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ } وَنَفْسك يَا ابْن آدَم أَهْل مِلَّتك . 1208 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة فِي قَوْله : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ } يَقُول : لَا يَقْتُل بَعْضكُمْ بَعْضًا { وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ } يَقُول : لَا يُخْرِج بَعْضكُمْ بَعْضًا مِنْ الدِّيَار . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ } يَقُول : لَا يَقْتُل بَعْضكُمْ بَعْضًا بِغَيْرِ حَقّ { وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ } فَتَسْفِك يَا ابْن آدَم دِمَاء أَهْل مِلَّتك وَدَعْوَتك . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ } بِالْمِيثَاقِ الَّذِي أَخَذْنَا عَلَيْكُمْ { لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ } . كَمَا : 1209 - حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة : { ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ } يَقُول : أَقْرَرْتُمْ بِهَذَا الْمِيثَاق . * - وَحُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع مِثْله . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ } . اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِيمَنْ خُوطِبَ بِقَوْلِهِ { وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ } . فَقَالَ بَعْضهمْ : ذَلِكَ خِطَاب مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لِلْيَهُودِ الَّذِينَ كَانُوا بَيْن ظَهْرَانَيْ مُهَاجِر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّام هِجْرَته إلَيْهِ مُؤَنِّبًا لَهُمْ عَلَى تَضْيِيع أَحْكَام مَا فِي أَيْدِيهمْ مِنْ التَّوْرَاة الَّتِي كَانُوا يُقِرُّونَ بِحُكْمِهَا , فَقَالَ اللَّه تَعَالَى لَهُمْ : { ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ } يَعْنِي بِذَلِكَ إقْرَار أَوَائِلكُمْ وَسَلَفكُمْ { وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ } عَلَى إقْرَاركُمْ بِأَخْذِ الْمِيثَاق عَلَيْهِمْ , بِأَنْ لَا يَسْفِكُوا دِمَاءَهُمْ , وَلَا يُخْرِجُوا أَنْفُسهمْ مِنْ دِيَارهمْ , وَيُصَدِّقُونَ بِأَنَّ ذَلِكَ حَقّ مِنْ مِيثَاقِي عَلَيْهِمْ . وَمِمَّنْ حَكَى مَعْنَى هَذَا الْقَوْل عَنْهُ ابْن عَبَّاس . 1210 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة , قَالَ : حَدَّثَنِي ابْن إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَبِي مُحَمَّد , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر أَوْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ } أَنَّ هَذَا حَقّ مِنْ مِيثَاقِي عَلَيْكُمْ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ ذَلِكَ خَبَر مِنْ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ عَنْ أَوَائِلهمْ , وَلَكِنَّهُ تَعَالَى ذِكْره أَخَرَجَ الْخَبَر بِذَلِكَ عَنْهُمْ مَخْرَج الْمُخَاطَبَة عَلَى النَّحْو الَّذِي وَصَفْنَا فِي سَائِر الْآيَات الَّتِي هِيَ نَظَائِرهَا الَّتِي قَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيلهَا فِيمَا مَضَى . وَتَأَوَّلُوا قَوْله { وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ } عَلَى مَعْنَى : وَأَنْتُمْ شُهُود . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 1211 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا آدَم , قَالَ : ثنا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة قَوْله : { وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ } يَقُول وَأَنْتُمْ شُهُود . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي تَأْوِيل ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي أَنْ يَكُون قَوْله : { وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ } خَبَرًا عَنْ أَسْلَافهمْ , وَدَاخِلًا فِيهِ الْمُخَاطَبُونَ مِنْهُمْ الَّذِينَ أَدْرَكُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , كَمَا كَانَ قَوْله : { وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقكُمْ } خَبَرًا عَنْ أَسْلَافهمْ وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِلَّذِينَ أَدْرَكُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى أَخَذَ مِيثَاق الَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه مُوسَى صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل عَلَى سَبِيل مَا قَدْ بَيَّنَهُ لَنَا فِي كِتَابه , فَأَلْزَم جَمِيع مَنْ بَعْدهمْ مِنْ ذُرِّيَّتهمْ مِنْ حُكْم التَّوْرَاة مِثْل الَّذِي أُلْزِمَ مِنْهُ مَنْ كَانَ عَلَى عَهْد مُوسَى مِنْهُمْ . ثُمَّ أَنَّبَ الَّذِينَ خَاطَبَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَات عَلَى نَقْضِهِمْ وَنَقْضِ سَلَفهمْ ذَلِكَ الْمِيثَاق , وَتَكْذِيبهمْ مَا وَكَّدُوا عَلَى أَنْفُسهمْ لَهُ بِالْوَفَاءِ مِنْ الْعُهُود بِقَوْلِهِ : { ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ } فَإِذْ كَانَ خَارِجًا عَلَى وَجْه الْخِطَاب لِلَّذِينَ كَانُوا عَلَى عَهْد نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ , فَإِنَّهُ مَعَنِي بِهِ كُلّ مَنْ وَاثِق بِالْمِيثَاقِ مِنْهُمْ عَلَى عَهْد مُوسَى وَمَنْ بَعْده , وَكُلّ مَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ بِتَصْدِيقِ مَا فِي التَّوْرَاة ; لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ لَمْ يُخَصِّص بِقَوْلِهِ : { ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ } وَمَا أَشَبَه ذَلِكَ مِنْ الْآي بَعْضهمْ دُون بَعْض ; وَالْآيَة مُحْتَمَلَة أَنْ يَكُون أُرِيدَ بِهَا جَمِيعهمْ . فَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدَّعِي أَنَّهُ أُرِيدَ بِهَا بَعْض مِنْهُمْ دُون بَعْض . وَكَذَلِكَ حُكْم الْآيَة الَّتِي بَعْدهَا , أَعْنِي قَوْله : { ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسكُمْ } الْآيَة ; لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ لَهَا أَنَّ أَوَائِلهمْ قَدْ كَانُوا يَفْعَلُونَ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ يَفْعَلهُ أَوَاخِرهمْ الَّذِينَ أَدْرَكُوا عَصْر نَبِيّنَا مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

تفسير القرطبي

وَاخْتُلِفَ فِي الْمِيثَاق هُنَا , فَقَالَ مَكِّيّ : هُوَ الْمِيثَاق الَّذِي أُخِذَ عَلَيْهِمْ حِين أُخْرِجُوا مِنْ صُلْب آدَم كَالذَّرِّ . وَقِيلَ : هُوَ مِيثَاق أُخِذَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ عُقَلَاء فِي حَيَاتهمْ عَلَى أَلْسِنَة أَنْبِيَائِهِمْ . الْمُرَاد بَنُو إِسْرَائِيل , وَدَخَلَ فِيهِ بِالْمَعْنَى مَنْ بَعْدهمْ . " لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ " مِثْل " لَا تَعْبُدُونَ " [ الْبَقَرَة : 83 ] فِي الْإِعْرَاب . وَقَرَأَ طَلْحَة بْن مُصَرِّف وَشُعَيْب بْن أَبِي حَمْزَة بِضَمِّ الْفَاء , وَهِيَ لُغَة , وَأَبُو نَهِيك " تُسَفِّكُونَ " بِضَمِّ التَّاء وَتَشْدِيد الْفَاء وَفَتْح السِّين . وَالسَّفْك : الصَّبّ . فَإِنْ قِيلَ : وَهَلْ يَسْفِك أَحَد دَمه وَيُخْرِج نَفْسه مِنْ دَاره ؟ قِيلَ لَهُ : لَمَّا كَانَتْ مِلَّتهمْ وَاحِدَة وَأَمْرهمْ وَاحِد وَكَانُوا فِي الْأُمَم كَالشَّخْصِ الْوَاحِد جُعِلَ قَتْل بَعْضهمْ بَعْضًا وَإِخْرَاج بَعْضهمْ بَعْضًا قَتْلًا لِأَنْفُسِهِمْ وَنَفْيًا لَهَا . وَقِيلَ : الْمُرَاد الْقِصَاص , أَيْ لَا يَقْتُل أَحَد فَيُقْتَل قِصَاصًا , فَكَأَنَّهُ سَفَكَ دَمه . وَكَذَلِكَ لَا يَزْنِي وَلَا يَرْتَدّ , فَإِنَّ ذَلِكَ يُبِيح الدَّم . وَلَا يُفْسِد فَيُنْفَى , فَيَكُون قَدْ أَخْرَجَ نَفْسه مِنْ دِيَاره . وَهَذَا تَأْوِيل فِيهِ بُعْد وَإِنْ كَانَ صَحِيح الْمَعْنَى . وَإِنَّمَا كَانَ الْأَمْر أَنَّ اللَّه تَعَالَى قَدْ أَخَذَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل فِي التَّوْرَاة مِيثَاقًا أَلَّا يَقْتُل بَعْضهمْ بَعْضًا , وَلَا يَنْفِيه وَلَا يَسْتَرِقّهُ , وَلَا يَدَعهُ يَسْرِق , إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الطَّاعَات . قُلْت : وَهَذَا كُلّه مُحَرَّم عَلَيْنَا , وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ كُلّه بِالْفِتَنِ فِينَا , فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ! وَفِي التَّنْزِيل : " أَوْ يَلْبِسكُمْ شِيَعًا وَيُذِيق بَعْضكُمْ بَأْس بَعْض " [ الْأَنْعَام : 65 ] وَسَيَأْتِي . قَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : وَقَدْ يَجُوز أَنْ يُرَاد بِهِ الظَّاهِر , لَا يَقْتُل الْإِنْسَان نَفْسه , وَلَا يَخْرُج مِنْ دَاره سَفَهًا , كَمَا تَقْتُل الْهِنْد أَنْفُسهَا . أَوْ يَقْتُل الْإِنْسَان نَفْسه مِنْ جَهْد وَبَلَاء يُصِيبهُ , أَوْ يَهِيم فِي الصَّحْرَاء وَلَا يَأْوِي الْبُيُوت جَهْلًا فِي دِيَانَته وَسَفَهًا فِي حِلْمه , فَهُوَ عُمُوم فِي جَمِيع ذَلِكَ . وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُثْمَان بْن مَظْعُون بَايَعَ فِي عَشَرَة مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَزَمُوا أَنْ يَلْبَسُوا الْمُسُوح , وَأَنْ يَهِيمُوا فِي الصَّحْرَاء وَلَا يَأْوُوا الْبُيُوت , وَلَا يَأْكُلُوا اللَّحْم وَلَا يَغْشُوا النِّسَاء , فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ إِلَى دَار عُثْمَان بْن مَظْعُون فَلَمْ يَجِدهُ , فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ : ( مَا حَدِيث بَلَغَنِي عَنْ عُثْمَان ) ؟ وَكَرِهَتْ أَنْ تُفْشِي سِرّ زَوْجهَا , وَأَنْ تَكْذِب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَقَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه , إِنْ كَانَ قَدْ بَلَغَك شَيْء فَهُوَ كَمَا بَلَغَك , فَقَالَ : ( قُولِي لِعُثْمَان أَخِلَاف لِسُنَّتِي أَمْ عَلَى غَيْر مِلَّتِي إِنِّي أُصَلِّي وَأَنَام وَأَصُوم وَأُفْطِر وَأَغْشَى النِّسَاء وَآوِي الْبُيُوت وَآكُل اللَّحْم فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) فَرَجَعَ عُثْمَان وَأَصْحَابه عَمَّا كَانُوا عَلَيْهِ . مَعْطُوف . النَّفْس مَأْخُوذَة مِنْ النَّفَاسَة , فَنَفْس الْإِنْسَان أَشْرَف مَا فِيهِ . وَالدَّار : الْمَنْزِل الَّذِي فِيهِ أَبْنِيَة الْمَقَام بِخِلَافِ مَنْزِل الِارْتِحَال . وَقَالَ الْخَلِيل : كُلّ مَوْضِع حَلَّهُ قَوْم فَهُوَ دَار لَهُمْ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ أَبْنِيَة . وَقِيلَ : سُمِّيَتْ دَارًا لِدَوْرِهَا عَلَى سُكَّانهَا , كَمَا سُمِّيَ الْحَائِط حَائِطًا لِإِحَاطَتِهِ عَلَى مَا يَحْوِيه . مِنْ الْإِقْرَار , أَيْ بِهَذَا الْمِيثَاق الَّذِي أُخِذَ عَلَيْكُمْ وَعَلَى أَوَائِلكُمْ . مِنْ الشَّهَادَة , أَيْ شُهَدَاء بِقُلُوبِكُمْ عَلَى هَذَا وَقِيلَ : الشَّهَادَة بِمَعْنَى الْحُضُور , أَيْ تَحْضُرُونَ سَفْك دِمَائِكُمْ , وَإِخْرَاج أَنْفُسكُمْ مِنْ دِيَاركُمْ .

غريب الآية
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِیثَـٰقَكُمۡ لَا تَسۡفِكُونَ دِمَاۤءَكُمۡ وَلَا تُخۡرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِیَـٰرِكُمۡ ثُمَّ أَقۡرَرۡتُمۡ وَأَنتُمۡ تَشۡهَدُونَ ﴿٨٤﴾
مِیثَـٰقَكُمۡالعهدَ المؤكَّدَ منكم بالإيمان.
مِیثَـٰقَالعهدَ المؤكَّدَ.
مِیثَـٰقَكُمۡالعهدَ المؤكَّدَ في التَّوراة.
أَقۡرَرۡتُمۡاعترفتُمْ.
الإعراب
(وَإِذْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِذْ) : ظَرْفُ زَمَانٍ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ "اذْكُرْ".
(أَخَذْنَا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(مِيثَاقَكُمْ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(لَا)
حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَسْفِكُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(دِمَاءَكُمْ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَلَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تُخْرِجُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(أَنْفُسَكُمْ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(دِيَارِكُمْ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(ثُمَّ)
حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحٍ.
(أَقْرَرْتُمْ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ، وَ"تَاءُ الْفَاعِلِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(وَأَنْتُمْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ حَالٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَنْتُمْ) : ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(تَشْهَدُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ (أَنْتُمْ) :، وَجُمْلَةُ: (أَنْتُمْ ...) : فِي مَحَلِّ نَصْبٍ حَالٌ.