سورة البقرة الآية ٧٩
سورة البقرة الآية ٧٩
فَوَیۡلࣱ لِّلَّذِینَ یَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَـٰبَ بِأَیۡدِیهِمۡ ثُمَّ یَقُولُونَ هَـٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِیَشۡتَرُوا۟ بِهِۦ ثَمَنࣰا قَلِیلࣰاۖ فَوَیۡلࣱ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتۡ أَیۡدِیهِمۡ وَوَیۡلࣱ لَّهُم مِّمَّا یَكۡسِبُونَ ﴿٧٩﴾
تفسير السعدي
توعد تعالى المحرفين للكتاب, الذين يقولون لتحريفهم وما يكتبون " هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ " وهذا فيه إظهار الباطل وكتم الحق, وإنما فعلوا ذلك مع علمهم " لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا " . والدنيا كلها - من أولها إلى آخرها ثمن - قليل. فجعلوا باطلهم شركا يصطادون به ما في أيدي الناس, فظلموهم من وجهين: من جهة تلبيس دينهم عليهم, ومن جهة أخذ أموالهم بغير حق, بل بأبطل الباطل, وذلك أعظم ممن يأخذها غصبا وسرقة ونحوهما. ولهذا توعدهم بهذين الأمرين فقال " فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ " أي: من التحريف والباطل " وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ " من الأموال. والويل: شدة العذاب والحسرة, وفي ضمنها الوعيد الشديد. قال شيخ الإسلام لما ذكر هذه الآيات من قوله " أَفَتَطْمَعُونَ " إلى " يَكْسِبُونَ " : فإن الله ذم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه, وهو متناول لمن حمل الكتاب والسنة, على ما أصله من البدع الباطلة. وذم الذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني, وهو متناول لمن ترك سر تدبر القرآن ولم يعلم إلا مجرد تلاوة حروفه. ومتناول لمن كتب كتابا بيده, مخالفا لكتاب الله, لينال به دنيا وقال: إنه من عند الله, مثل أن يقول: هذا هو الشرع والدين, وهذا معنى الكتاب والسنة, وهذا معقول السلف والأئمة, وهذا هو أصول الدين, الذي يجب اعتقاده على الأعيان والكفاية. ومتناول لمن كتم ما عنده من الكتاب والسنة, لئلا يحتج به مخالفه في الحق الذي يقوله. وهذه الأمور كثيرة جدا في أهل الأهواء جملة, كالرافضة, وتفصيلا مثل كثير من المنتسبين إلى الفقهاء. انتهى.
التفسير الميسر
فهلاك ووعيد شديد لأحبار السوء من اليهود الذين يكتبون الكتاب بأيديهم، ثم يقولون: هذا من عند الله وهو مخالف لما أنزل الله على نبيِّه موسى عليه الصلاة والسلام؛ ليأخذوا في مقابل هذا عرض الدنيا. فلهم عقوبة مهلكة بسبب كتابتهم هذا الباطل بأيديهم، ولهم عقوبة مهلكة بسبب ما يأخذونه في المقابل من المال الحرام، كالرشوة وغيرها.
تفسير الجلالين
"فَوَيْل" شِدَّة عَذَاب "لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَاب بِأَيْدِيهِمْ" أَيْ مُخْتَلَقًا مِنْ عِنْدهمْ "ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْد اللَّه لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا" مِنْ الدُّنْيَا وَهُمْ الْيَهُود غَيَّرُوا صِفَة النَّبِيّ فِي التَّوْرَاة وَآيَة الرَّجْم وَغَيْرهمَا وَكَتَبُوهَا عَلَى خِلَاف مَا أُنْزِلَ "فَوَيْل لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهمْ" مِنْ الْمُخْتَلَق "وَوَيْل لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ" مِنْ الرِّشَا جَمْع رِشْوَة
تفسير ابن كثير
وَقَوْله تَعَالَى " فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْد اللَّه لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا " الْآيَة . هَؤُلَاءِ صِنْف آخَر مِنْ الْيَهُود وَهُمْ الدُّعَاة إِلَى الضَّلَال بِالزُّورِ وَالْكَذِب عَلَى اللَّه وَأَكْل أَمْوَال النَّاس بِالْبَاطِلِ وَالْوَيْل وَالْهَلَاك وَالدَّمَار وَهِيَ كَلِمَة مَشْهُورَة فِي اللُّغَة : وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ زِيَاد بْن فَيَّاض سَمِعَ أَبَا عِيَاض يَقُول : وَيْل صَدِيد فِي أَصْل جَهَنَّم. وَقَالَ عَطَاء بْن يَسَار : الْوَيْل وَادٍ فِي جَهَنَّم لَوْ سُيِّرَتْ فِيهِ الْجِبَال لَمَاعَتْ . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب أَخْبَرَنِي عَمْرو بْن الْحَارِث عَنْ دَرَّاج عَنْ أَبِي الْهَيْثَم عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ عَنْ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ : " وَيْل وَادٍ فِي جَهَنَّم يَهْوِي فِيهِ الْكَافِر أَرْبَعِينَ خَرِيفًا قَبْل أَنْ يَبْلُغ قَعْره " وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن حُمَيْد عَنْ الْحَسَن بْن مُوسَى عَنْ اِبْن لَهِيعَة عَنْ دَرَّاج بِهِ وَقَالَ هَذَا حَدِيث غَرِيب لَا نَعْرِفهُ إِلَّا مِنْ حَدِيث اِبْن لَهِيعَة " قُلْت " لَمْ يَنْفَرِد بِهِ اِبْن لَهِيعَة كَمَا تَرَى وَلَكِنَّ الْآفَة مِمَّنْ بَعْده وَهَذَا الْحَدِيث بِهَذَا الْإِسْنَاد مَرْفُوع مُنْكَر وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عَبْد السَّلَام حَدَّثَنَا صَالِح الْقُشَيْرِيّ حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن جَرِير عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ عَبْد الْحَمِيد بْن جَعْفَر عَنْ كِنَانَة الْعَدَوِيّ عَنْ عُثْمَان بْن عَفَّان - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - عَنْ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - " فَوَيْل لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهمْ وَوَيْل لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ " قَالَ" الْوَيْل جَبَل فِي النَّار " وَهُوَ الَّذِي أُنْزِلَ فِي الْيَهُود لِأَنَّهُمْ حَرَّفُوا التَّوْرَاة زَادُوا فِيهَا مَا أَحَبُّوا وَمَحَوْا مِنْهَا مَا يَكْرَهُونَ وَمَحَوْا اِسْم مُحَمَّد - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - مِنْ التَّوْرَاة وَلِذَلِكَ غَضِبَ اللَّه عَلَيْهِمْ فَرَفَعَ بَعْض التَّوْرَاة فَقَالَ تَعَالَى " فَوَيْل لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهمْ وَوَيْل لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ " وَهَذَا غَرِيب أَيْضًا جِدًّا وَعَنْ اِبْن عَبَّاس الْوَيْل الْمَشَقَّة مِنْ الْعَذَاب وَقَالَ : الْخَلِيل بْن أَحْمَد الْوَيْل شِدَّة الشَّرّ وَقَالَ سِيبَوَيْهِ وَيْل لِمَنْ وَقَعَ فِي الْهَلَكَة وَوَيْح لِمَنْ أَشْرَفَ عَلَيْهَا وَقَالَ الْأَصْمَعِيّ الْوَيْل تَفَجُّع وَالْوَيْل تَرَحُّم وَقَالَ غَيْره : الْوَيْل الْحُزْن وَقَالَ الْخَلِيل وَفِي مَعْنَى وَيْل وَيْح وَوَيْش وَوَيْه وَوَيْك وَوَيْب وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّقَ بَيْنهَا وَقَالَ بَعْض النُّحَاة إِنَّمَا جَازَ الِابْتِدَاء بِهَا وَهِيَ نَكِرَةٌ لِأَنَّ فِيهَا مَعْنَى الدُّعَاء وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَ نَصْبهَا بِمَعْنَى أَلْزَمَهُمْ وَيْلًا " قُلْت " لَكِنْ لَمْ يَقْرَأ بِذَلِكَ أَحَد وَعَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا" فَوَيْل لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَاب بِأَيْدِيهِمْ " قَالَ هُمْ أَحْبَار الْيَهُود وَكَذَا قَالَ سَعِيد عَنْ قَتَادَة هُمْ الْيَهُود وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيّ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن عَلْقَمَة سَأَلْت اِبْن عَبَّاس - رَضِيَ اللَّه عَنْهُ - عَنْ قَوْله تَعَالَى فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَاب بِأَيْدِيهِمْ قَالَ : نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ وَأَهْل الْكِتَاب وَقَالَ : السُّدِّيّ كَانَ نَاس مِنْ الْيَهُود كَتَبُوا كِتَابًا مِنْ عِنْدهمْ يَبِيعُونَهُ مِنْ الْعَرَب وَيُحَدِّثُونَهُمْ أَنَّهُ مِنْ عِنْد اللَّه فَيَأْخُذُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا وَقَالَ الزُّهْرِيّ أَخْبَرَنِي عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : يَا مَعْشَر الْمُسْلِمِينَ كَيْف تَسْأَلُونَ أَهْل الْكِتَاب عَنْ شَيْء وَكِتَاب اللَّه الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى نَبِيّه أَحْدَث أَخْبَار اللَّه تَقْرَءُونَهُ غَضًّا لَمْ يُشَبْ وَقَدْ حَدَّثَكُمْ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ أَهْل الْكِتَاب قَدْ بَدَّلُوا كِتَاب اللَّه وَغَيَّرُوهُ وَكَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ الْكِتَاب وَقَالُوا هُوَ مِنْ عِنْد اللَّه لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أَفَلَا يَنْهَاكُمْ مَا جَاءَكُمْ مِنْ الْعِلْم عَنْ مُسَاءَلَتهمْ وَلَا وَاَللَّه مَا رَأَيْنَا مِنْهُمْ أَحَدًا قَطُّ سَأَلَكُمْ عَنْ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ مِنْ طُرُق عَنْ الزُّهْرِيّ وَقَالَ الْحَسَن بْن أَبِي الْحَسَن الْبَصْرِيّ : الثَّمَن الْقَلِيل الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا . وَقَوْله تَعَالَى " فَوَيْل لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهمْ وَوَيْل لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ " أَيْ فَوَيْل لَهُمْ مِمَّا كَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ الْكَذِب وَالْبُهْتَان وَالِافْتِرَاء وَوَيْل لَهُمْ مِمَّا أَكَلُوا بِهِ مِنْ السُّحْت كَمَا قَالَ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا فَوَيْل لَهُمْ يَقُول فَالْعَذَاب عَلَيْهِمْ مِنْ الَّذِي كَتَبُوا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ ذَلِكَ الْكَذِب وَوَيْل لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ يَقُول مِمَّا يَأْكُلُونَ بِهِ النَّاس السَّفَلَة وَغَيْرهمْ .
تفسير القرطبي
" فَوَيْل " اُخْتُلِفَ فِي الْوَيْل مَا هُوَ , فَرَوَى عُثْمَان بْن عَفَّان عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ جَبَل مِنْ نَار . وَرَوَى أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيّ أَنَّ الْوَيْل وَادٍ فِي جَهَنَّم بَيْن جَبَلَيْنِ يَهْوِي فِيهِ الْهَاوِي أَرْبَعِينَ خَرِيفًا . وَرَوَى سُفْيَان وَعَطَاء بْن يَسَار : إِنَّ الْوَيْل فِي هَذِهِ الْآيَة وَادٍ يَجْرِي بِفِنَاءِ جَهَنَّم مِنْ صَدِيد أَهْل النَّار . وَقِيلَ : صِهْرِيج فِي جَهَنَّم . وَحَكَى الزَّهْرَاوِيّ عَنْ آخَرِينَ : أَنَّهُ بَاب مِنْ أَبْوَاب جَهَنَّم . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس : الْوَيْل الْمَشَقَّة مِنْ الْعَذَاب . وَقَالَ الْخَلِيل : الْوَيْل شِدَّة الشَّرّ . الْأَصْمَعِيّ : الْوَيْل تَفَجُّع وَتَرَحُّم . سِيبَوَيْهِ : وَيْل لِمَنْ وَقَعَ فِي الْهَلَكَة , وَوَيْح زَجْر لِمَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَكَة . اِبْن عَرَفَة : الْوَيْل الْحُزْن : يُقَال : تَوَيَّلَ الرَّجُل إِذَا دَعَا بِالْوَيْلِ , وَإِنَّمَا يُقَال ذَلِكَ عِنْد الْحُزْن وَالْمَكْرُوه , وَمِنْهُ قَوْله : " فَوَيْل لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَاب بِأَيْدِيهِمْ " [ الْبَقَرَة : 79 ] . وَقِيلَ : أَصْله الْهَلَكَة , وَكُلّ مَنْ وَقَعَ فِي هَلَكَة دَعَا بِالْوَيْلِ , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " يَا وَيْلَتنَا مَا لِهَذَا الْكِتَاب " [ الْكَهْف : 49 ] . وَهِيَ الْوَيْل وَالْوَيْلَة , وَهُمَا الْهَلَكَة , وَالْجَمْع الْوَيْلَات , قَالَ : لَهُ الْوَيْل إِنْ أَمْسَى وَلَا أُمّ هَاشِم وَقَالَ أَيْضًا : فَقَالَتْ لَك الْوَيْلَات إِنَّك مُرْجِلِي وَارْتَفَعَ " وَيْل " بِالِابْتِدَاءِ , وَجَازَ الِابْتِدَاء بِهِ وَإِنْ كَانَ نَكِرَة لِأَنَّ فِيهِ مَعْنَى الدُّعَاء . قَالَ الْأَخْفَش : وَيَجُوز النَّصْب عَلَى إِضْمَار فِعْل , أَيْ أَلْزَمَهُمْ اللَّه وَيْلًا . وَقَالَ الْفَرَّاء : الْأَصْل فِي الْوَيْل " وَيْ " أَيْ حُزْن , كَمَا تَقُول : وَيْ لِفُلَانٍ , أَيْ حُزْن لَهُ , فَوَصَلَتْهُ الْعَرَب بِاللَّامِ وَقَدَّرُوهَا مِنْهُ فَأَعْرَبُوهَا . وَالْأَحْسَن فِيهِ إِذَا فُصِلَ عَنْ الْإِضَافَة الرَّفْع ; لِأَنَّهُ يَقْتَضِي الْوُقُوع . وَيَصِحّ النَّصْب عَلَى مَعْنَى الدُّعَاء , كَمَا ذَكَرْنَا . قَالَ الْخَلِيل : وَلَمْ يُسْمَع عَلَى بِنَائِهِ إِلَّا وَيْح وَوَيْس وَوَيْه وَوَيْك وَوَيْل وَوَيْب , وَكُلّه يَتَقَارَب فِي الْمَعْنَى . وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنهَا قَوْم , وَهِيَ مَصَادِر لَمْ تَنْطِق الْعَرَب مِنْهَا بِفِعْلٍ . قَالَ الْجَرْمِيّ : وَمِمَّا يَنْتَصِب اِنْتِصَاب الْمَصَادِر وَيْله وَعَوْله وَوَيْحه وَوَيْسه , فَإِذَا أُدْخِلَتْ اللَّام رُفِعَتْ فَقُلْت : وَيْل لَهُ , وَوَيْح لَهُ . الْكِتَابَة مَعْرُوفَة . وَأَوَّل مَنْ كَتَبَ بِالْقَلَمِ وَخَطَّ بِهِ إِدْرِيس عَلَيْهِ السَّلَام , وَجَاءَ ذَلِكَ فِي حَدِيث أَبِي ذَرّ , خَرَّجَهُ الْآجُرِّيّ وَغَيْره . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ آدَم عَلَيْهِ السَّلَام أُعْطِيَ الْخَطّ فَصَارَ وِرَاثَة فِي وَلَده . تَأْكِيد , فَإِنَّهُ قَدْ عُلِمَ أَنَّ الْكَتْب لَا يَكُون إِلَّا بِالْيَدِ , فَهُوَ مِثْل قَوْله : " وَلَا طَائِر يَطِير بِجَنَاحَيْهِ " [ الْأَنْعَام : 38 ] , وَقَوْله : " يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ " [ آل عِمْرَان : 167 ] . وَقِيلَ : فَائِدَة " بِأَيْدِيهِمْ " بَيَان لِجُرْمِهِمْ وَإِثْبَات لِمُجَاهَرَتِهِمْ , فَإِنَّ مَنْ تَوَلَّى الْفِعْل أَشَدّ مُوَاقَعَة مِمَّنْ لَمْ يَتَوَلَّهُ وَإِنْ كَانَ رَأْيًا لَهُ وَقَالَ اِبْن السَّرَّاج : " بِأَيْدِيهِمْ " كِنَايَة عَنْ أَنَّهُمْ مِنْ تِلْقَائِهِمْ دُون أَنْ يُنَزَّل عَلَيْهِمْ , وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَقِيقَة فِي كَتْب أَيْدِيهمْ . فِي هَذِهِ الْآيَة وَاَلَّتِي قَبْلهَا التَّحْذِير مِنْ التَّبْدِيل وَالتَّغْيِير وَالزِّيَادَة فِي الشَّرْع , فَكُلّ مَنْ بَدَّلَ وَغَيَّرَ أَوْ اِبْتَدَعَ فِي دِين اللَّه مَا لَيْسَ مِنْهُ وَلَا يَجُوز فِيهِ فَهُوَ دَاخِل تَحْت هَذَا الْوَعِيد الشَّدِيد , وَالْعَذَاب الْأَلِيم , وَقَدْ حَذَّرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّته لَمَّا قَدْ عَلِمَ مَا يَكُون فِي آخِر الزَّمَان فَقَالَ : ( أَلَا إِنَّ مَنْ قَبْلكُمْ مِنْ أَهْل الْكِتَاب اِفْتَرَقُوا عَلَى اِثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّة وَإِنَّ هَذِهِ الْأُمَّة سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلَاث وَسَبْعِينَ فِرْقَة كُلّهَا فِي النَّار إِلَّا وَاحِدَة ) الْحَدِيث , وَسَيَأْتِي . فَحَذَّرَهُمْ أَنْ يُحْدِثُوا مِنْ تِلْقَاء أَنْفُسهمْ فِي الدِّين خِلَاف كِتَاب اللَّه أَوْ سُنَّته أَوْ سُنَّة أَصْحَابه فَيُضِلُّوا بِهِ النَّاس , وَقَدْ وَقَعَ مَا حَذَّرَهُ وَشَاعَ , وَكَثُرَ وَذَاعَ , فَإِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ . قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَة اللَّه عَلَيْهِمْ : نَعَتَ اللَّه تَعَالَى أَحْبَارهمْ بِأَنَّهُمْ يُبَدِّلُونَ وَيُحَرِّفُونَ فَقَالَ وَقَوْله الْحَقّ : " فَوَيْل لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَاب بِأَيْدِيهِمْ " [ الْبَقَرَة : 79 ] الْآيَة . وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا دَرَسَ الْأَمْر فِيهِمْ , وَسَاءَتْ رَعِيَّة عُلَمَائِهِمْ , وَأَقْبَلُوا عَلَى الدُّنْيَا حِرْصًا وَطَمَعًا , طَلَبُوا أَشْيَاء تَصْرِف وُجُوه النَّاس إِلَيْهِمْ , فَأَحْدَثُوا فِي شَرِيعَتهمْ وَبَدَّلُوهَا , وَأَلْحَقُوا ذَلِكَ بِالتَّوْرَاةِ , وَقَالُوا لِسُفَهَائِهِمْ هَذَا مِنْ عِنْد اللَّه , لِيَقْبَلُوهَا عَنْهُمْ فَتَتَأَكَّد رِيَاسَتهمْ وَيَنَالُوا بِهِ حُطَام الدُّنْيَا وَأَوْسَاخهَا . وَكَانَ مِمَّا أَحْدَثُوا فِيهِ أَنْ قَالُوا : لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيل , وَهُمْ الْعَرَب , أَيْ مَا أَخَذْنَا مِنْ أَمْوَالهمْ فَهُوَ حِلّ لَنَا . وَكَانَ مِمَّا أَحْدَثُوا فِيهِ أَنْ قَالُوا : لَا يَضُرّنَا ذَنْب , فَنَحْنُ أَحِبَّاؤُهُ وَأَبْنَاؤُهُ , تَعَالَى اللَّه عَنْ ذَلِكَ ! وَإِنَّمَا كَانَ فِي التَّوْرَاة " يَا أَحْبَارِي وَيَا أَبْنَاء رُسُلِي " فَغَيَّرُوهُ وَكَتَبُوا " يَا أَحِبَّائِي وَيَا أَبْنَائِي " فَأَنْزَلَ اللَّه تَكْذِيبهمْ : " وَقَالَتْ الْيَهُود وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللَّه وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبكُمْ بِذُنُوبِكُمْ " [ الْمَائِدَة : 18 ] . فَقَالَتْ : لَنْ يُعَذِّبنَا اللَّه , وَإِنْ عَذَّبْنَا فَأَرْبَعِينَ يَوْمًا مِقْدَار أَيَّام الْعِجْل , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " وَقَالُوا لَنْ تَمَسّنَا النَّار إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْد اللَّه عَهْدًا " [ الْبَقَرَة : 80 ] قَالَ اِبْن مِقْسَم : يَعْنِي تَوْحِيدًا , بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : " إِلَّا مَنْ اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا " [ مَرْيَم : 87 ] يَعْنِي لَا إِلَه إِلَّا اللَّه " فَلَنْ يُخْلِف اللَّه عَهْده أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّه مَا لَا تَعْلَمُونَ " [ الْبَقَرَة : 80 ] ثُمَّ أَكْذَبَهُمْ فَقَالَ : " بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَة وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَته فَأُولَئِكَ أَصْحَاب النَّار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ . وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجَنَّة هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ " . [ الْبَقَرَة : 81 - 82 ] . فَبَيَّنَ تَعَالَى أَنَّ الْخُلُود فِي النَّار وَالْجَنَّة إِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الْكُفْر وَالْإِيمَان , لَا بِمَا قَالُوهُ . وَصَفَ اللَّه تَعَالَى مَا يَأْخُذُونَهُ بِالْقِلَّةِ , إِمَّا لِفَنَائِهِ وَعَدَم ثَبَاته , وَإِمَّا لِكَوْنِهِ حَرَامًا ; لِأَنَّ الْحَرَام لَا بَرَكَة فِيهِ وَلَا يَرْبُو عِنْد اللَّه . قَالَ اِبْن إِسْحَاق وَالْكَلْبِيّ : كَانَتْ صِفَة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كِتَابهمْ رَبْعَة أَسْمَر , فَجَعَلُوهُ آدَم سَبْطًا طَوِيلًا , وَقَالُوا لِأَصْحَابِهِمْ وَأَتْبَاعهمْ : اُنْظُرُوا إِلَى صِفَة النَّبِيّ - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - الَّذِي يُبْعَث فِي آخِر الزَّمَان لَيْسَ يُشْبِههُ نَعْت هَذَا , وَكَانَتْ لِلْأَحْبَارِ وَالْعُلَمَاء رِيَاسَة وَمَكَاسِب , فَخَافُوا إِنْ بَيَّنُوا أَنْ تَذْهَب مَآكِلهمْ وَرِيَاسَتهمْ , فَمِنْ ثَمَّ غَيَّرُوا . قِيلَ مِنْ الْمَآكِل . وَقِيلَ مِنْ الْمَعَاصِي . وَكَرَّرَ الْوَيْل تَغْلِيظًا لِفِعْلِهِمْ .
| ٱلۡكِتَـٰبَ | التوراةَ. |
|---|---|
| ٱلۡكِتَـٰبَ | التوراةَ وما فيها من صفاتِ محمدٍ ﷺ. |
| فَوَیۡلࣱ | فوعيدٌ شديدٌ. |
| ثَمَنࣰا قَلِیلࣰاۖ | عَرَضاً مِنَ الدنيا. |
| ٱلۡكِتَـٰبَ | الكُتُبَ السماويةَ. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian