سورة البقرة الآية ٧١
سورة البقرة الآية ٧١
قَالَ إِنَّهُۥ یَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةࣱ لَّا ذَلُولࣱ تُثِیرُ ٱلۡأَرۡضَ وَلَا تَسۡقِی ٱلۡحَرۡثَ مُسَلَّمَةࣱ لَّا شِیَةَ فِیهَاۚ قَالُوا۟ ٱلۡـَٔـٰنَ جِئۡتَ بِٱلۡحَقِّۚ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا۟ یَفۡعَلُونَ ﴿٧١﴾
تفسير السعدي
قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ " أي مذللة بالعمل. " تُثِيرُ الْأَرْضَ " بالحراثة " وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ " أي: ليست بسانية " مُسَلَّمَةٌ " من العيوب أو من العمل " لَا شِيَةَ فِيهَا " أي: لا لون فيها غير لونها الموصوف المتقدم. " قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ " أي: بالبيان الواضح. وهذا من جهلهم, وإلا فقد جاءهم بالحق أول مرة. فلو أنهم اعترضوا أي بقرة, لحصل المقصود, ولكنهم شددوا بكثرة الأسئلة فشدد الله عليهم, ولو لم يقولوا " إن شاء الله " لم يهتدوا أيضا إليها. " فَذَبَحُوهَا " أي: البقرة التي وصفت بتلك الصفات. " وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ " بسب التعنت الذي جرى منهم.
التفسير الميسر
قال لهم موسى: إن الله يقول: إنها بقرة غير مذللة للعمل في حراثة الأرض للزراعة، وغير معدة للسقي من الساقية، وخالية من العيوب جميعها، وليس فيها علامة من لون غير لون جلدها. قالوا: الآن جئت بحقيقة وصف البقرة، فاضطروا إلى ذبحها بعد طول المراوغة، وقد قاربوا ألا يفعلوا ذلك لعنادهم. وهكذا شددوا فشدَّد الله عليهم.
تفسير الجلالين
"قَالَ إنَّهُ يَقُول إنَّهَا بَقَرَة لَا ذَلُول" غَيْر مُذَلَّلَة بِالْعَمَلِ "تُثِير الْأَرْض" تُقَلِّبهَا لِلزِّرَاعَةِ وَالْجُمْلَة صِفَة ذَلُول دَاخِلَة فِي النَّهْي "وَلَا تَسْقِي الْحَرْث" الْأَرْض الْمُهَيَّأَة لِلزِّرَاعَةِ "مُسَلَّمَة" مِنْ الْعُيُوب وَآثَار الْعَمَل "لَا شِيَة" لَوْن "فِيهَا" غَيْر لَوْنهَا "قَالُوا الْآن جِئْت بِالْحَقِّ" نَطَقْت بِالْبَيَانِ التَّامّ فَطَلَبُوهَا فَوَجَدُوهَا عِنْد الْفَتَى الْبَارّ بِأُمِّهِ فَاشْتَرَوْهَا بِمِلْءِ مِسْكهَا ذَهَبًا "فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ" لِغَلَاءِ ثَمَنهَا وَفِي الْحَدِيث : (لَوْ ذَبَحُوا أَيّ بَقَرَة كَانَتْ لَأَجْزَأَتْهُمْ وَلَكِنْ شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسهمْ فَشَدَّدَ اللَّه عَلَيْهِمْ)
تفسير ابن كثير
" قَالَ إِنَّهُ يَقُول إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ " أَيْ إِنَّهَا لَيْسَتْ مُذَلَّلَة بِالْحِرَاثَةِ وَلَا مُعَدَّة لِلسَّقْيِ فِي السَّاقِيَّة بَلْ هِيَ مُكَرَّمَة حَسَنَة صَبِيحَة مُسَلَّمَة صَحِيحَة لَا عَيْب بِهَا " لَا شِيَة فِيهَا " أَيْ لَيْسَ فِيهَا لَوْن غَيْر لَوْنهَا وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ قَتَادَة مُسَلَّمَة يَقُول لَا عَيْب فِيهَا وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَالِيَة وَالرَّبِيع وَقَالَ مُجَاهِد : مُسَلَّمَة مِنْ الشِّيَة. وَقَالَ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ : مُسَلَّمَة الْقَوَائِم وَالْخَلْق لَا شِيَة فِيهَا قَالَ مُجَاهِد : لَا بَيَاض وَلَا سَوَاد وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة وَالرَّبِيع وَالْحَسَن وَقَتَادَة : لَيْسَ فِيهَا بَيَاض . وَقَالَ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ : لَا شِيَة فِيهَا قَالَ لَوْنهَا وَاحِد بَهِيم وَرُوِيَ عَنْ عَطِيَّة الْعَوْفِيّ وَوَهْب بْن مُنَبِّه وَإِسْمَاعِيل بْن أَبِي خَالِد نَحْو ذَلِكَ وَقَالَ السُّدِّيّ لَا شِيَة فِيهَا مِنْ بَيَاض وَلَا سَوَاد وَلَا حُمْرَة . وَكُلّ هَذِهِ الْأَقْوَال مُتَقَارِبَة فِي الْمَعْنَى وَقَدْ زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى " إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ" لَيْسَ بِمُذَلَّلَةٍ بِالْعَمَلِ ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ فَقَالَ " تُثِيرُ الْأَرْضَ " أَيْ يُعْمَل عَلَيْهَا بِالْحِرَاثَةِ لَكِنَّهَا لَا تَسْقِي الْحَرْث وَهَذَا ضَعِيف لِأَنَّهُ فَسَّرَ الذَّلُول الَّتِي لَمْ تُذَلَّل بِالْعَمَلِ بِأَنَّهَا لَا تُثِير الْأَرْض وَلَا تَسْقِي الْحَرْث كَذَا قَرَّرَهُ الْقُرْطُبِيّ وَغَيْره " قَالُوا الْآن جِئْت بِالْحَقِّ" قَالَ قَتَادَة الْآن بَيَّنْت لَنَا وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ وَقَبْلَ ذَلِكَ وَاَللَّهِ جَاءَهُمْ الْحَقُّ " فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ " قَالَ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس كَادُوا أَنْ لَا يَفْعَلُوا وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الَّذِي أَرَادُوا لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ لَا يَذْبَحُوهَا يَعْنِي أَنَّهُمْ مَعَ هَذَا الْبَيَان وَهَذِهِ الْأَسْئِلَة وَالْأَجْوِبَة وَالْإِيضَاح مَا ذَبَحُوهَا إِلَّا بَعْد الْجَهْد وَفِي هَذَا ذَمّ لَهُمْ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ غَرَضهمْ إِلَّا التَّعَنُّت فَلِهَذَا مَا كَادُوا يَذْبَحُونَهَا . وَقَالَ مُحَمَّد بْن كَعْب وَمُحَمَّد بْن قَيْس فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ لِكَثْرَةِ ثَمَنهَا وَفِي هَذَا نَظَر لِأَنَّ كَثْرَة الثَّمَن لَمْ يَثْبُت إِلَّا مِنْ نَقْل بَنِي إِسْرَائِيل كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حِكَايَة أَبِي الْعَالِيَة وَالسُّدِّيّ وَرَوَاهُ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ عَبِيدَة وَمُجَاهِد وَوَهْب بْن مُنَبِّه وَأَبُو الْعَالِيَة وَعَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ أَنَّهُمْ اِشْتَرَوْهَا بِمَالٍ كَثِير وَفِيهِ اِخْتِلَاف ثُمَّ قَدْ قِيلَ فِي ثَمَنهَا غَيْر ذَلِكَ وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق أَنْبَأَنَا اِبْن عُيَيْنَة أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن سُوقَة عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : مَا كَانَ ثَمَنهَا إِلَّا ثَلَاثَة دَنَانِير وَهَذَا إِسْنَاد جَيِّد عَنْ عِكْرِمَة وَالظَّاهِر أَنَّهُ نَقَلَهُ عَنْ أَهْل الْكِتَاب أَيْضًا وَقَالَ اِبْن جَرِير وَقَالَ آخَرُونَ لَمْ يَكَادُوا أَنْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ خَوْف الْفَضِيحَة إِنْ اِطَّلَعَ اللَّه عَلَى قَاتِل الْقَتِيل الَّذِي اِخْتَصَمُوا فِيهِ وَلَمْ يُسْنِدهُ عَنْ أَحَد ثُمَّ اِخْتَارَ أَنَّ الصَّوَاب فِي ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَمْ يَكَادُوا يَفْعَلُوا ذَلِكَ لِغَلَاءِ ثَمَنهَا وَلِلْفَضِيحَةِ وَفِي هَذَا نَظَر بَلْ الصَّوَاب وَاَللَّه أَعْلَم مَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس عَلَى مَا وَجَّهْنَاهُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق . " مَسْأَلَة" اُسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْآيَة فِي حَصْر صِفَات هَذِهِ الْبَقَرَة حَتَّى تَعَيَّنَتْ أَوْ تَمَّ تَقْيِيدهَا بَعْد الْإِطْلَاق عَلَى صِحَّة السَّلْم فِي الْحَيَوَان كَمَا هُوَ مَذْهَب مَالِك وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَجُمْهُور الْعُلَمَاء سَلَفًا وَخَلَفًا بِدَلِيلِ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا تَنْعَتُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ لِزَوْجِهَا كَأَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا " وَكَمَا وَصَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِبِل الدِّيَة فِي قَتْل الْخَطَأ وَشِبْه الْعَمْد بِالصِّفَاتِ الْمَذْكُورَة بِالْحَدِيثِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَالثَّوْرِيّ وَالْكُوفِيُّونَ لَا يَصِحّ السَّلْم فِي الْحَيَوَان لِأَنَّهُ لَا تَنْضَبِط أَحْوَاله وَحَكَى مِثْله عَنْ اِبْن مَسْعُود وَحُذَيْفَة بْن الْيَمَان وَعَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة وَغَيْرهمْ .
تفسير القرطبي
قَرَأَ الْجُمْهُور " لَا ذَلُولٌ " بِالرَّفْعِ عَلَى , الصِّفَة لِبَقَرَة . قَالَ الْأَخْفَش : " لَا ذَلُول " نَعْته وَلَا يَجُوز نَصْبه . وَقَرَأَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن السُّلَمِيّ " لَا ذَلُول " بِالنَّصْبِ عَلَى النَّفْي وَالْخَبَر مُضْمَر . وَيَجُوز لَا هِيَ ذَلُول , لَا هِيَ تَسْقِي الْحَرْث , هِيَ مُسَلَّمَة . وَمَعْنَى " لَا ذَلُول " لَمْ يُذَلِّلهَا الْعَمَل , يُقَال : بَقَرَة مُذَلَّلَة بَيِّنَة الذِّلّ ( بِكَسْرِ الذَّال ) . وَرَجُل ذَلِيل بَيِّن الذُّلّ ( بِضَمِّ الذَّال ) . أَيْ هِيَ بَقَرَة صَعْبَة غَيْر رَيِّضَة لَمْ تُذَلَّل بِالْعَمَلِ . " تُثِير " فِي مَوْضِع رَفْع عَلَى الصِّفَة لِلْبَقَرَةِ أَيْ هِيَ بَقَرَة لَا ذَلُول مُثِيرَة . قَالَ الْحَسَن : وَكَانَتْ تِلْكَ الْبَقَرَة وَحْشِيَّة ; وَلِهَذَا وَصَفَهَا اللَّه تَعَالَى بِأَنَّهَا لَا تُثِير الْأَرْض وَلَا تَسْقِي الْحَرْث أَيْ لَا يُسْنَى بِهَا لِسَقْيِ الزَّرْع وَلَا يُسْقَى عَلَيْهَا . وَالْوَقْف هَاهُنَا حَسَن . وَقَالَ قَوْم : " تُثِير " فِعْل مُسْتَأْنَف , وَالْمَعْنَى إِيجَاب الْحَرْث لَهَا , وَأَنَّهَا كَانَتْ تَحْرُث وَلَا تَسْقِي . وَالْوَقْف عَلَى هَذَا التَّأْوِيل " لَا ذَلُول " وَالْقَوْل الْأَوَّل أَصَحّ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدهمَا : مَا ذَكَرَهُ النَّحَّاس , عَنْ عَلِيّ بْن سُلَيْمَان أَنَّهُ قَالَ : لَا يَجُوز أَنْ يَكُون " تُثِير " مُسْتَأْنَفًا ; لِأَنَّ بَعْده " وَلَا تَسْقِي الْحَرْث " , فَلَوْ كَانَ مُسْتَأْنَفًا لَمَا جَمَعَ بَيْن الْوَاو وَ " لَا " . الثَّانِي أَنَّهَا لَوْ كَانَتْ تُثِير الْأَرْض لَكَانَتْ الْإِثَارَة قَدْ ذَلَّلَتْهَا , وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ نَفَى عَنْهَا الذُّلَّ بِقَوْلِهِ : " لَا ذَلُول " قُلْت : وَيُحْتَمَل أَنْ تَكُون " تُثِير الْأَرْض " فِي غَيْر الْعَمَل مَرَحًا وَنَشَاطًا , كَمَا قَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس : يُهِيل وَيُذْرِي تُرْبه وَيُثِيرهُ إِثَارَة نَبَّاث الْهَوَاجِر مُخْمِس فَعَلَى هَذَا يَكُون " تُثِير " مُسْتَأْنَفًا , " وَلَا تَسْقِي " مَعْطُوف عَلَيْهِ , فَتَأَمَّلْهُ . وَإِثَارَة الْأَرْض : تَحْرِيكهَا وَبَحْثهَا , وَمِنْهُ الْحَدِيث : ( أَثِيرُوا الْقُرْآن فَإِنَّهُ عِلْم الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ ) وَفِي رِوَايَة أُخْرَى : ( مَنْ أَرَادَ الْعِلْم فَلْيُثَوِّرْ الْقُرْآن ) وَقَدْ تَقَدَّمَ . وَفِي التَّنْزِيل : " وَأَثَارُوا الْأَرْض " [ الرُّوم : 9 ] أَيْ قَلَّبُوهَا لِلزِّرَاعَةِ . وَالْحَرْث : مَا حُرِثَ وَزُرِعَ . وَسَيَأْتِي . مَسْأَلَة : فِي هَذِهِ الْآيَة أَدَلّ دَلِيل عَلَى حَصْر الْحَيَوَان بِصِفَاتِهِ , وَإِذَا ضُبِطَ بِالصِّفَةِ وَحُصِرَ بِهَا جَازَ السَّلَم فِيهِ . وَبِهِ قَالَ مَالِك وَأَصْحَابه وَالْأَوْزَاعِيّ وَاللَّيْث وَالشَّافِعِيّ . وَكَذَلِكَ كُلّ مَا يُضْبَط بِالصِّفَةِ , لِوَصْفِ اللَّه تَعَالَى فِي كِتَابه وَصْفًا يَقُوم مَقَام التَّعْيِين , وَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَصِف الْمَرْأَة الْمَرْأَة لِزَوْجِهَا حَتَّى كَأَنَّهُ يَنْظُر إِلَيْهَا ) . أَخْرَجَهُ مُسْلِم . فَجَعَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصِّفَة تَقُوم مَقَام الرُّؤْيَة , وَجَعَلَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دِيَة الْخَطَأ فِي ذِمَّة مَنْ أَوْجَبَهَا عَلَيْهِ دَيْنًا إِلَى أَجَل , وَلَمْ يَجْعَلهَا عَلَى الْحُلُول . وَهُوَ يَرُدّ قَوْل الْكُوفِيِّينَ أَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَالثَّوْرِيّ وَالْحَسَن بْن صَالِح حَيْثُ قَالُوا : لَا يَجُوز السَّلَم فِي الْحَيَوَان . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود وَحُذَيْفَة وَعَبْد الرَّحْمَن بْن سَمُرَة ; لِأَنَّ الْحَيَوَان لَا يُوقَف عَلَى حَقِيقَة صِفَته مِنْ مَشْي وَحَرَكَة , وَكُلّ ذَلِكَ يَزِيد فِي ثَمَنه وَيَرْفَع مِنْ قِيمَته . وَسَيَأْتِي حُكْم السَّلَم وَشُرُوطه فِي آخِر السُّورَة فِي آيَة الدَّيْن , إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . أَيْ هِيَ مُسَلَّمَة . وَيَجُوز أَنْ يَكُون وَصْفًا , أَيْ أَنَّهَا بَقَرَة مُسَلَّمَة مِنْ الْعَرَج وَسَائِر الْعُيُوب , قَالَهُ قَتَادَة وَأَبُو الْعَالِيَة . وَلَا يُقَال : مُسَلَّمَة مِنْ الْعَمَل لِنَفْيِ اللَّه الْعَمَل عَنْهَا . وَقَالَ الْحَسَن : يَعْنِي سَلِيمَة الْقَوَائِم لَا أَثَر فِيهَا لِلْعَمَلِ . أَيْ لَيْسَ فِيهَا لَوْن يُخَالِف مُعْظَم لَوْنهَا , هِيَ صَفْرَاء كُلّهَا لَا بَيَاض فِيهَا وَلَا حُمْرَة وَلَا سَوَاد , كَمَا قَالَ : " فَاقِع لَوْنهَا " . وَأَصْل " شِيَة " وَشِي حُذِفَتْ الْوَاو كَمَا حُذِفَتْ مِنْ يَشِي , وَالْأَصْل يُوشِي , وَنَظِيره الزِّنَة وَالْعِدَة وَالصِّلَة . وَالشِّيَة مَأْخُوذَة مِنْ وَشْي الثَّوْب إِذَا نُسِجَ عَلَى لَوْنَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ . وَثَوْر مُوَشًّى : فِي وَجْهه وَقَوَائِمه سَوَاد . قَالَ اِبْن عَرَفَة : الشِّيَة اللَّوْن . وَلَا يُقَال لِمَنْ نَمَّ : وَاشٍ , حَتَّى يُغَيِّر الْكَلَام وَيُلَوِّنهُ فَيَجْعَلهُ ضُرُوبًا وَيُزَيِّن مِنْهُ مَا شَاءَ . وَالْوَشْي : الْكَثْرَة . وَوَشَى بَنُو فُلَان : كَثُرُوا . وَيُقَال : فَرَس أَبْلَق , وَكَبْش أَخْرَج , وَتَيْس أَبْرَق , وَغُرَاب أَبْقَع , وَثَوْر أَشِيه كُلّ ذَلِكَ بِمَعْنَى الْبُلْقَة , هَكَذَا نَصَّ أَهْل اللُّغَة . وَهَذِهِ الْأَوْصَاف فِي الْبَقَرَة سَبَبهَا أَنَّهُمْ شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّه عَلَيْهِمْ , وَدِين اللَّه يُسْر , وَالتَّعَمُّق فِي سُؤَال الْأَنْبِيَاء وَغَيْرهمْ مِنْ الْعُلَمَاء مَذْمُوم , نَسْأَل اللَّه الْعَافِيَة . وَرُوِيَ فِي قَصَص هَذِهِ الْبَقَرَة رِوَايَات تَلْخِيصهَا : أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل وُلِدَ لَهُ اِبْن , وَكَانَتْ لَهُ عِجْلَة فَأَرْسَلَهَا فِي غَيْضَة وَقَالَ : اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَوْدِعك هَذِهِ الْعِجْلَة لِهَذَا الصَّبِيّ . وَمَاتَ الرَّجُل , فَلَمَّا كَبِرَ الصَّبِيّ قَالَتْ لَهُ أُمّه وَكَانَ بَرًّا بِهَا : إِنَّ أَبَاك اِسْتَوْدَعَ اللَّه عِجْلَة لَك فَاذْهَبْ فَخُذْهَا , فَذَهَبَ فَلَمَّا رَأَتْهُ الْبَقَرَة جَاءَتْ إِلَيْهِ حَتَّى أَخَذَ بِقَرْنَيْهَا وَكَانَتْ مُسْتَوْحِشَة فَجَعَلَ يَقُودهَا نَحْو أُمّه , فَلَقِيَهُ بَنُو إِسْرَائِيل وَوَجَدُوا بَقَرَة عَلَى الصِّفَة الَّتِي أُمِرُوا بِهَا , فَسَامُوهُ فَاشْتَطَّ عَلَيْهِمْ . وَكَانَ قِيمَتهَا عَلَى مَا رُوِيَ عَنْ عِكْرِمَة ثَلَاثَة دَنَانِير , فَأَتَوْا بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَام وَقَالُوا : إِنَّ هَذَا اِشْتَطَّ عَلَيْنَا , فَقَالَ لَهُمْ : أَرْضُوهُ فِي مُلْكه , فَاشْتَرَوْهَا مِنْهُ بِوَزْنِهَا مَرَّة , قَالَهُ عُبَيْدَة . السُّدِّيّ : بِوَزْنِهَا عَشْر مَرَّات . وَقِيلَ : بِمِلْءِ مَسْكهَا دَنَانِير . وَذَكَرَ مَكِّيّ : أَنَّ هَذِهِ الْبَقَرَة نَزَلَتْ مِنْ السَّمَاء وَلَمْ تَكُنْ مِنْ بَقَر الْأَرْض فَاَللَّه أَعْلَم . أَيْ بَيَّنْت الْحَقّ , قَالَهُ قَتَادَة . وَحَكَى الْأَخْفَش : " قَالُوا أَلْآنَ " قَطَعَ أَلِف الْوَصْل , كَمَا يُقَال : يَا أَللَّه . وَحَكَى وَجْهًا آخَر " قَالُوا لَانَ " بِإِثْبَاتِ الْوَاو . نَظِيره قِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة وَأَبِي عَمْرو " عَادًا لُولَى " وَقَرَأَ الْكُوفِيُّونَ " قَالُوا الْآن " بِالْهَمْزِ . وَقِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة " قَالُ لَانَ " بِتَخْفِيفِ الْهَمْز مَعَ حَذْف الْوَاو لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ . قَالَ الزَّجَّاج : " الْآن " مَبْنِيّ عَلَى الْفَتْح لِمُخَالَفَتِهِ سَائِر مَا فِيهِ الْأَلِف وَاللَّام ; لِأَنَّ الْأَلِف وَاللَّام دَخَلَتَا لِغَيْرِ عَهْد , تَقُول : أَنْتَ إِلَى الْآن هُنَا , فَالْمَعْنَى إِلَى هَذَا الْوَقْت . فَبُنِيَتْ كَمَا بُنِيَ هَذَا , وَفُتِحَتْ النُّون لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ . وَهُوَ عِبَارَة عَمَّا بَيْن الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَل . أَجَازَ سِيبَوَيْهِ : كَادَ أَنْ يَفْعَل , تَشْبِيهًا بِعَسَى . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَوَّل السُّورَة . وَهَذَا إِخْبَار عَنْ تَثْبِيطهمْ فِي ذَبْحهَا وَقِلَّة مُبَادَرَتهمْ إِلَى أَمْر اللَّه . وَقَالَ الْقُرَظِيّ مُحَمَّد بْن كَعْب : لِغَلَاءِ ثَمَنهَا . وَقِيلَ : خَوْفًا مِنْ الْفَضِيحَة عَلَى أَنْفُسهمْ فِي مَعْرِفَة الْقَاتِل مِنْهُمْ , قَالَهُ وَهْب بْن مُنَبِّه .
| لَّا ذَلُولࣱ تُثِیرُ ٱلۡأَرۡضَ | غيرُ مُذَلَّلَةٍ للعَمَلِ في حِراثةِ الأرضِ. |
|---|---|
| ٱلۡحَرۡثَ | الزرعَ. |
| مُسَلَّمَةࣱ | خاليةٌ مِنَ العيوبِ. |
| لَّا شِیَةَ فِیهَاۚ | لا لونَ فيها يخالِفُ لونَ جِلْدِها. |
| ٱلۡحَرۡثَ | الزَّرْعَ. |
| قَالُوا۟ | قال الذين عَبَرُوا، وحَصَلَ معهم استضعافٌ لأنفسهم. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian