صفحات الموقع

سورة البقرة الآية ٦٥

سورة البقرة الآية ٦٥

وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِینَ ٱعۡتَدَوۡا۟ مِنكُمۡ فِی ٱلسَّبۡتِ فَقُلۡنَا لَهُمۡ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔینَ ﴿٦٥﴾

التفسير

تفسير السعدي

" وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ " أي: ولقد تقرر عندكم حالة " الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ " وهم الذين ذكر الله قصتهم مبسوطة في سورة الأعراف في قوله " وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ " الآيات. فأوجب لهم هذا الذنب العظيم, أن غضب الله عليهم, وجعلهم " قِرَدَةً خَاسِئِينَ " حقيرين ذليلين.

التفسير الميسر

ولقد علمتم -يا معشر اليهود- ما حلَّ من البأس بأسلافكم من أهل القرية التي عصت الله، فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت، فاحتالوا لاصطياد السمك في يوم السبت، بوضع الشِّباك وحفر البِرَك، ثم اصطادوا السمك يوم الأحد حيلة إلى المحرم، فلما فعلوا ذلك، مسخهم الله قردة منبوذين.

تفسير الجلالين

"وَلَقَدْ" لَام قَسَم "عَلِمْتُمْ" عَرَفْتُمْ "الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْت" تَجَاوَزُوا الْحَدّ بِصَيْدِ السَّمَك وَقَدْ نَهَيْنَاهُمْ عَنْهُ وَهُمْ أَهْل أَيْلَة "فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ" مُبْعَدِينَ فَكَانُوا وَهَلَكُوا بَعْد ثَلَاثَة أَيَّام

تفسير ابن كثير

يَقُول تَعَالَى " وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ " يَا مَعْشَر الْيَهُود مَا حَلَّ مِنْ الْبَأْس بِأَهْلِ الْقَرْيَة الَّتِي عَصَتْ أَمْر اللَّه وَخَالَفُوا عَهْده وَمِيثَاقه فِيمَا أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ تَعْظِيم السَّبْت وَالْقِيَام بِأَمْرِهِ إِذْ كَانَ مَشْرُوعًا لَهُمْ فَتَحَيَّلُوا عَلَى اِصْطِيَاد الْحِيتَان فِي يَوْم السَّبْت بِمَا وَضَعُوا لَهَا مِنْ الشُّصُوص وَالْحَبَائِل وَالْبِرَك قَبْل يَوْم السَّبْت فَلَمَّا جَاءَتْ يَوْم السَّبْت عَلَى عَادَتهَا فِي الْكَثْرَة نَشِبَتْ بِتِلْكَ الْحَبَائِل وَالْحِيَل فَلَمْ تَخْلُص مِنْهَا يَوْمهَا ذَلِكَ فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل أَخَذُوهَا بَعْد اِنْقِضَاء السَّبْت فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ مَسَخَهُمْ اللَّهُ إِلَى صُورَة الْقِرَدَة وَهِيَ أَشْبَه شَيْء بِالْأَنَاسِيِّ فِي الشَّكْل الظَّاهِر وَلَيْسَ بِإِنْسَانٍ حَقِيقَة فَكَذَلِكَ أَعْمَال هَؤُلَاءِ وَحِيلَتهمْ لَمَّا كَانَتْ مُشَابِهَة لِلْحَقِّ فِي الظَّاهِر وَمُخَالِفَة لَهُ فِي الْبَاطِن كَانَ جَزَاؤُهُمْ مِنْ جِنْس عَمَلهمْ وَهَذِهِ الْقِصَّة مَبْسُوطَة فِي سُورَة الْأَعْرَاف حَيْثُ يَقُول تَعَالَى" وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَة الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْر إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْت إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْم سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْم لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ " الْقِصَّة بِكَمَالِهَا . وَقَالَ السُّدِّيّ : أَهْل هَذِهِ الْقَرْيَة هُمْ أَهْل أَيْلَة وَكَذَا قَالَ قَتَادَة وَسَنُورِدُ أَقْوَال الْمُفَسِّرِينَ هُنَاكَ مَبْسُوطَة إِنْ شَاءَ اللَّه وَبِهِ الثِّقَة وَقَوْله تَعَالَى " فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ " قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة حَدَّثَنَا شِبْل عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد" فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ " قَالَ مُسِخَتْ قُلُوبهمْ وَلَمْ يُمْسَخُوا قِرَدَة . وَإِنَّمَا هُوَ مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه" كَمَثَلِ الْحِمَار يَحْمِل أَسْفَارًا " وَرَوَاهُ اِبْن جَرِير عَنْ الْمُثَنَّى عَنْ أَبِي حُذَيْفَة وَعَنْ مُحَمَّد بْن عُمَر الْبَاهِلِيّ وَعَنْ أَبِي عَاصِم عَنْ عِيسَى عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد بِهِ وَهَذَا سَنَد جَيِّد عَنْ مُجَاهِد وَقَوْل غَرِيب خِلَاف الظَّاهِر مِنْ السِّيَاق فِي هَذَا الْمَقَام وَفِي غَيْره قَالَ اللَّه تَعَالَى" قُلْ هَلْ أُنَبِّئكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَة عِنْد اللَّه مَنْ لَعَنَهُ اللَّه وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير وَعَبَدَ الطَّاغُوت " الْآيَة وَقَالَ الْعَوْفِيّ فِي تَفْسِيره عَنْ اِبْن عَبَّاس " فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ" فَجَعَلَ اللَّه مِنْهُمْ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير فَزَعَمَ أَنَّ شَبَاب الْقَوْم صَارُوا قِرَدَة وَأَنَّ الشِّيَخَة صَارُوا خَنَازِير : وَقَالَ شَيْبَان النَّحْوِيّ عَنْ قَتَادَة " فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ " فَصَارَ الْقَوْم قِرَدَة تَعَاوَى لَهَا أَذْنَاب بَعْد مَا كَانُوا رِجَالًا وَنِسَاء وَقَالَ عَطَاء الْخُرَاسَانِيّ نُودُوا يَا أَهْل الْقَرْيَة كُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ فَجَعَلَ الَّذِينَ نَهُوهُمْ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ فَيَقُولُونَ يَا فُلَان أَلَمْ نَنْهَكُمْ فَيَقُولُونَ بِرُءُوسِهِمْ أَيْ بَلَى وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن الْحَسَن حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن رَبِيعَة بِالْمِصِّيصَةِ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مُسْلِم يَعْنِي الطَّائِفِيّ عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ إِنَّمَا كَانَ الَّذِينَ اِعْتَدَوْا فِي السَّبْت فَجُعِلُوا قِرَدَة فَوَاقًا ثُمَّ هَلَكُوا مَا كَانَ لِلْمَسْخِ نَسْل . وَقَالَ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس فَمَسَخَهُمْ اللَّه قِرَدَة بِمَعْصِيَتِهِمْ يَقُول إِذْ لَا يَحْيَوْنَ فِي الْأَرْض إِلَّا ثَلَاثَة أَيَّام قَالَ وَلَمْ يَعِشْ مَسْخ قَطُّ فَوْق ثَلَاثَة أَيَّام وَلَمْ يَأْكُل وَلَمْ يَشْرَب وَلَمْ يَنْسِل وَقَدْ خَلَقَ اللَّه الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير وَسَائِر الْخَلْق فِي السِّتَّة أَيَّام الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّه فِي كِتَابه فَمُسِخَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم فِي صُورَة الْقِرَدَة وَكَذَلِكَ يَفْعَل بِمَنْ يَشَاء كَمَا يَشَاء . وَيُحَوِّلهُ كَمَا يَشَاء وَقَالَ أَبُو جَعْفَر عَنْ الرَّبِيع عَنْ أَبِي الْعَالِيَة فِي قَوْله " كُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ " قَالَ يَعْنِي أَذِلَّة صَاغِرِينَ وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِد وَقَتَادَة وَالرَّبِيع وَأَبِي مَالِك نَحْوه وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ دَاوُد بْن أَبِي الْحُصَيْن عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس إِنَّ اللَّه إِنَّمَا اِفْتَرَضَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيل الْيَوْم الَّذِي اِفْتَرَضَ عَلَيْكُمْ فِي عِيدكُمْ - يَوْم الْجُمْعَة - فَخَالَفُوا إِلَى السَّبْت فَعَظَّمُوهُ وَتَرَكُوا مَا أُمِرُوا بِهِ فَلَمَّا أَبَوْا إِلَّا لُزُوم السَّبْت اِبْتَلَاهُمْ اللَّه فِيهِ فَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ لَهُمْ فِي غَيْره وَكَانُوا فِي قَرْيَة بَيْن أَيْلَة وَالطُّور يُقَال لَهَا مَدْيَن فَحَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِمْ فِي السَّبْت الْحِيتَان صَيْدهَا وَأَكْلهَا وَكَانُوا إِذَا كَانَ يَوْم السَّبْت أَقْبَلَتْ إِلَيْهِمْ شُرَّعًا إِلَى سَاحِل بَحْرهمْ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ السَّبْت ذَهَبْنَ فَلَمْ يَرَوْا حُوتًا صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْم السَّبْت أَتَيْنَ شُرَّعًا حَتَّى إِذَا ذَهَبَ السَّبْت ذَهَبْنَ فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمْ الْأَمَد وَقَرِمُوا إِلَى الْحِيتَان عَمَدَ رَجُل مِنْهُمْ فَأَخَذَ حُوتًا سِرًّا يَوْم السَّبْت فَحَزَمَهُ بِخَيْطٍ ثُمَّ أَرْسَلَهُ فِي الْمَاء وَأَوْتَدَ لَهُ وَتَدًا فِي السَّاحِل فَأَوْثَقه ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ الْغَد جَاءَ فَأَخَذَهُ أَيْ إِنِّي لَمْ آخُذهُ فِي يَوْم السَّبْت فَانْطَلَقَ بِهِ فَأَكَلَهُ حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْم السَّبْت الْآخَر عَادَ لِمِثْلِ ذَلِكَ وَوَجَدَ النَّاس رِيح الْحِيتَان فَقَالَ أَهْل الْقَرْيَة وَاَللَّه لَقَدْ وَجَدْنَا رِيح الْحِيتَان ثُمَّ عَثَرُوا عَلَى صَنِيع ذَلِكَ الرَّجُل قَالَ فَفَعَلُوا كَمَا فَعَلَ وَصَنَعُوا سِرًّا زَمَانًا طَوِيلًا لَمْ يُعَجِّل اللَّهُ عَلَيْهِمْ الْعُقُوبَة حَتَّى صَادُوهَا عَلَانِيَة وَبَاعُوهَا فِي الْأَسْوَاق فَقَالَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ مِنْ أَهْل الْبَقِيَّة وَيْحَكُمْ اِتَّقُوا اللَّه وَنَهَوْهُمْ عَمَّا كَانُوا يَصْنَعُونَ فَقَالَتْ طَائِفَة أُخْرَى لَمْ تَأْكُل الْحِيتَان وَلَمْ تَنْهَ الْقَوْم عَمَّا صَنَعُوا : لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا ؟ قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبّكُمْ بِسَخَطِنَا أَعْمَالهمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَبَيْنَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ أَصْبَحَتْ تِلْكَ الْبَقِيَّة فِي أَنْدِيَتهمْ وَمَسَاجِدهمْ فَقَدُوا النَّاس فَلَمْ يَرَوْهُمْ قَالَ : فَقَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ إِنَّ لِلنَّاسِ شَأْنًا فَانْظُرُوا مَا هُوَ فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ فِي دُورهمْ فَوَجَدُوهَا مُغْلَقَة عَلَيْهِمْ قَدْ دَخَلُوهَا لَيْلًا فَغَلَقُوهَا عَلَى أَنْفُسهمْ كَمَا يُغْلِق النَّاسُ عَلَى أَنْفُسهمْ فَأَصْبَحُوا فِيهَا قِرَدَة وَإِنَّهُمْ لَيَعْرِفُونَ الرَّجُل بِعَيْنِهِ وَإِنَّهُ لَقِرْد وَالْمَرْأَة بِعَيْنِهَا وَإِنَّهَا لَقِرْدَة وَالصَّبِيّ بِعَيْنِهِ وَإِنَّهُ لَقِرْد قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس : فَلَوْلَا مَا ذَكَرَ اللَّهُ أَنَّهُ نَجَّى الَّذِينَ نَهَوْا عَنْ السُّوء لَقَدْ أَهْلَكَ اللَّه الْجَمِيع مِنْهُمْ قَالَ وَهِيَ الْقَرْيَة الَّتِي قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَة الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَة الْبَحْر" الْآيَة . وَرَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس نَحْوًا مِنْ هَذَا وَقَالَ السُّدِّيّ فِي قَوْله تَعَالَى " وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْت فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ " قَالَ هُمْ أَهْل أَيْلَة وَهِيَ الْقَرْيَة الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَة الْبَحْر فَكَانَتْ الْحِيتَان إِذَا كَانَ يَوْم السَّبْت - وَقَدْ حَرَّمَ اللَّه عَلَى الْيَهُود أَنْ يَعْمَلُوا فِي السَّبْت شَيْئًا - لَمْ يَبْقَ فِي الْبَحْر حُوت إِلَّا خَرَجَ حَتَّى يُخْرِجْنَ خَرَاطِيمهنَّ مِنْ الْمَاء يَوْم الْأَحَد لِزَمَنِ سُفْل الْبَحْر فَلَمْ يُرَ مِنْهُنَّ شَيْء حَتَّى يَكُون يَوْم السَّبْت فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى " وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَة الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَة الْبَحْر إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْت إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْم لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ" فَاشْتَهَى بَعْضهمْ السَّمَك فَجَعَلَ الرَّجُل يَحْفِر الْحَفِيرَة وَيَجْعَل لَهَا نَهَرًا إِلَى الْبَحْر فَإِذَا كَانَ يَوْم السَّبْت فَتَحَ النَّهَر فَأَقْبَلَ الْمَوْج بِالْحِيتَانِ يَضْرِبهَا حَتَّى يُلْقِيهَا فِي الْحَفِيرَة فَيُرِيد الْحُوت أَنْ يَخْرُج فَلَا يُطِيق مِنْ أَجْل قِلَّة مَاء النَّهَر فَيَمْكُث فِيهَا فَإِذَا كَانَ يَوْم الْأَحَد جَاءَ فَأَخَذَهُ فَجَعَلَ الرَّجُل يَشْوِي السَّمَك فَيَجِد جَاره رَوَائِحه فَيَسْأَلهُ فَيُخْبِرهُ فَيَصْنَع مِثْل مَا صَنَعَ جَاره حَتَّى فَشَا فِيهِمْ أَكْلُ السَّمَك فَقَالَ لَهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ : وَيْحَكُمْ إِنَّمَا تَصْطَادُونَ يَوْم السَّبْت وَهُوَ لَا يَحِلّ لَكُمْ فَقَالُوا إِنَّمَا صِدْنَاهُ يَوْم الْأَحَد حِين أَخَذْنَاهُ فَقَالَ الْفُقَهَاء لَا وَلَكِنَّكُمْ صِدْتُمُوهُ يَوْم فَتَحْتُمْ لَهُ الْمَاء فَدَخَلَ قَالَ وَغُلِبُوا أَنْ يَنْتَهُوا . فَقَالَ بَعْض الَّذِينَ نَهَوْهُمْ لِبَعْضٍ " لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا " يَقُول لِمَ تَعِظُوهُمْ وَقَدْ وَعَظْتُمُوهُمْ فَلَمْ يُطِيعُوكُمْ فَقَالَ بَعْضهمْ " مَعْذِرَة إِلَى رَبّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ " فَلَمَّا أَبَوْا قَالَ الْمُسْلِمُونَ وَاَللَّه لَا نُسَاكِنكُمْ فِي قَرْيَة وَاحِدَة فَقَسَمُوا الْقَرْيَة بِجِدَارٍ فَفَتَحَ الْمُسْلِمُونَ بَابًا وَالْمُعْتَدُونَ فِي السَّبْت بَابًا وَلَعَنَهُمْ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام فَجَعَلَ الْمُسْلِمُونَ يَخْرُجُونَ مِنْ بَابهمْ وَالْكُفَّار مِنْ بَابهمْ فَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ ذَات يَوْم وَلَمْ يَفْتَح الْكُفَّار بَابهمْ فَلَمَّا أَبْطَئُوا عَلَيْهِمْ تَسَوَّرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ الْحَائِط فَإِذَا هُمْ قِرَدَة يَثِبُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض فَفَتَحُوا عَنْهُمْ فَذَهَبُوا فِي الْأَرْض فَذَلِكَ قَوْل اللَّه تَعَالَى " فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ " وَذَلِكَ حِين يَقُول " لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل عَلَى لِسَان دَاوُد وَعِيسَى اِبْن مَرْيَم " الْآيَة فَهُمْ الْقِرَدَة " قُلْت " وَالْغَرَض مِنْ هَذَا السِّيَاق عَنْ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة بَيَان خِلَاف مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مُجَاهِد رَحِمَهُ اللَّه مِنْ أَنَّ مَسْخهمْ إِنَّمَا كَانَ مَعْنَوِيًّا لَا صُورِيًّا بَلْ الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَعْنَوِيٌّ صُورِيٌّ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْت } يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ } وَلَقَدْ عَرَفْتُمْ , كَقَوْلِك : قَدْ عَلِمْت أَخَاك وَلَمْ أَكُنْ أَعْلَمهُ , يَعْنِي عَرَفْته وَلَمْ أَكُنْ أَعْرِفهُ , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَآخَرِينَ مِنْ دُونهمْ لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّه يَعْلَمهُمْ } 8 60 يَعْنِي : لَا تَعْرِفُونَهُمْ اللَّه يَعْرِفهُمْ . وَقَوْله : { الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْت } أَيْ الَّذِينَ تَجَاوَزُوا حَدِّي وَرَكِبُوا مَا نَهَيْتهمْ عَنْهُ فِي يَوْم السَّبْت وَعَصَوْا أَمْرِي . وَقَدْ دَلَّلْت فِيمَا مَضَى عَلَى أَنَّ الِاعْتِدَاء أَصْله تَجَاوُز الْحَدّ فِي كُلّ شَيْء بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . قَالَ : وَهَذِهِ الْآيَة وَآيَات بَعْدهَا تَتْلُوهَا , مِمَّا عَدَّ جَلَّ ثَنَاؤُهُ فِيهَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيل الَّذِينَ كَانُوا بَيْن خِلَال دُور الْأَنْصَار زَمَان النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ ابْتَدَأَ بِذِكْرِهِمْ فِي أَوَّل هَذِهِ السُّورَة مِنْ نَكْث أَسْلَافهمْ عَهْد اللَّه وَمِيثَاقه مَا كَانُوا يُبْرِمُونَ مِنْ الْعُقُود , وَحَذَّرَ الْمُخَاطَبِينَ بِهَا أَنْ يَحِلّ بِهِمْ بِإِصْرَارِهِمْ عَلَى كُفْرهمْ وَمَقَامهمْ عَلَى جُحُود نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرْكهمْ اتِّبَاعه وَالتَّصْدِيق بِمَا جَاءَهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّه مِثْل الَّذِي حَلَّ بِأَوَائِلِهِمْ مِنْ الْمَسْخ وَالرَّجْف وَالصَّعْق , وَمَا لَا قِبَل لَهُمْ بِهِ مِنْ غَضَب اللَّه وَسَخَطه . كَاَلَّذِي : 950 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ , قَالَ : ثنا عُثْمَان بْن سَعِيد , قَالَ : ثنا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْت } يَقُول : وَلَقَدْ عَرَفْتُمْ وَهَذَا تَحْذِير لَهُمْ مِنْ الْمَعْصِيَة , يَقُول : احْذَرُوا أَنْ يُصِيبكُمْ مَا أَصَابَ أَصْحَاب السَّبْت إذْ عَصَوْنِي , { اعْتَدَوْا } يَقُول اجْتَرَءُوا فِي السَّبْت . قَالَ : لَمْ يَبْعَث اللَّه نَبِيًّا إلَّا أَمَرَهُ بِالْجُمُعَةِ وَأَخْبَرَهُ بِفَضْلِهَا وَعِظَمهَا فِي السَّمَوَات وَعِنْد الْمَلَائِكَة , وَأَنَّ السَّاعَة تَقُوم فِيهَا , فَمَنْ اتَّبَعَ الْأَنْبِيَاء فِيمَا مَضَى كَمَا اتَّبَعَتْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَمَّدًا قَبْل الْجُمُعَة وَسَمِعَ وَأَطَاعَ وَعَرَفَ فَضْلهَا وَثَبَتَ عَلَيْهَا بِمَا أَمَرَهُ اللَّه تَعَالَى بِهِ وَنَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَنْ لَمْ يَفْعَل ذَلِكَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِينَ ذَكَرَ اللَّه فِي كِتَابه , فَقَالَ : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْت فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ } . وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُود قَالَتْ لِمُوسَى حِين أَمَرَهُمْ بِالْجُمُعَةِ وَأَخْبَرَهُمْ بِفَضْلِهَا : يَا مُوسَى كَيْفَ تَأْمُرنَا بِالْجُمُعَةِ وَتُفَضِّلهَا عَلَى الْأَيَّام كُلّهَا , وَالسَّبْت أَفَضْل الْأَيَّام كُلّهَا لِأَنَّ اللَّه خَلَقَ السَّمَوَات وَالْأَرْض وَالْأَقْوَات فِي سِتَّة أَيَّام وَسَبَّتْ لَهُ كُلّ شَيْء مُطِيعًا يَوْم السَّبْت , وَكَانَ آخِر السِّتَّة ؟ قَالَ : وَكَذَلِكَ قَالَتْ النَّصَارَى لِعِيسَى ابْن مَرْيَم حِين أَمَرَهُمْ بِالْجُمُعَةِ , قَالُوا لَهُ : كَيْفَ تَأْمُرنَا بِالْجُمُعَةِ , وَأَفْضَل الْأَيَّام أَفْضَلهَا وَسَيِّدهَا , وَالْأَوَّل أَفْضَل , وَاَللَّه وَاحِد , وَالْوَاحِد الْأَوَّل أَفْضَل ؟ فَأَوْحَى اللَّه إلَى عِيسَى أَنْ دَعْهُمْ وَالْأَحَد , وَلَكِنْ لِيَفْعَلُوا فِيهِ كَذَا وَكَذَا مِمَّا أَمَرَهُمْ بِهِ . فَلَمْ يَفْعَلُوا , فَقَصَّ اللَّه تَعَالَى قَصَصهمْ فِي الْكِتَاب بِمَعْصِيَتِهِمْ . قَالَ : وَكَذَلِكَ قَالَ اللَّه لِمُوسَى حِين قَالَتْ لَهُ الْيَهُود مَا قَالُوا فِي أَمْر السَّبْت : أَنْ دَعْهُمْ وَالسَّبْت فَلَا يَصِيدُوا فِيهِ سَمَكًا وَلَا غَيْره , وَلَا يَعْمَلُونَ شَيْئًا كَمَا قَالُوا . قَالَ : فَكَانَ إذَا كَانَ السَّبْت ظَهَرَتْ الْحِيتَان عَلَى الْمَاء فَهُوَ قَوْله : { إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانهمْ يَوْم سَبْتهمْ شُرَّعًا } 7 163 يَقُول : ظَاهِرَة عَلَى الْمَاء , ذَلِكَ لِمَعْصِيَتِهِمْ مُوسَى . وَإِذَا كَانَ غَيْر يَوْم السَّبْت صَارَتْ صَيْدًا كَسَائِرِ الْأَيَّام , فَهُوَ قَوْله : { وَيَوْم لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ } . 7 163 فَفَعَلَتْ الْحِيتَان ذَلِكَ مَا شَاءَ اللَّه ; فَلَمَّا رَأَوْهَا كَذَلِكَ طَمِعُوا فِي أَخْذهَا وَخَافُوا الْعُقُوبَة , فَتَنَاوَلَ بَعْضهمْ مِنْهَا فَلَمْ تَمْتَنِع عَلَيْهِ , وَحَذِرَ الْعُقُوبَة الَّتِي حَذَّرَهُمْ مُوسَى مِنْ اللَّه تَعَالَى . فَلَمَّا رَأَوْا أَنَّ الْعُقُوبَة لَا تَحِلّ بِهِمْ عَادُوا وَأَخْبَرَ بَعْضهمْ بَعْضًا بِأَنَّهُمْ قَدْ أَخَذُوا السَّمَك وَلَمْ يُصِبْهُمْ شَيْء , فَكَثُرُوا فِي ذَلِكَ وَظَنُّوا أَنَّ مَا قَالَ لَهُمْ مُوسَى كَانَ بَاطِلًا , وَهُوَ قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْت فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ } يَقُول لِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ صَادُوا السَّمَك , فَمَسَخَهُمْ اللَّه قِرَدَة بِمَعْصِيَتِهِمْ , يَقُول : إذَا لَمْ يَحْيَوْا فِي الْأَرْض إلَّا ثَلَاثَة أَيَّام , وَلَمْ تَأْكُل , وَلَمْ تَشْرَب , وَلَمْ تَنْسَلّ , وَقَدْ خَلَقَ اللَّه الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير وَسَائِر الْخَلْق فِي السِّتَّة الْأَيَّام الَّتِي ذَكَرَ اللَّه فِي كِتَابه , فَمُسِخَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم فِي صُورَة الْقِرَدَة , وَكَذَلِكَ يَفْعَل بِمَنْ شَاءَ كَمَا يَشَاء , وَيُحَوِّلهُ كَمَا يَشَاء . 951 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا سَلَمَة بْن الْفَضْل , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ دَاوُد بْن الْحُصَيْن , عَنْ عِكْرِمَة مَوْلَى ابْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ ابْن عَبَّاس : إنَّ اللَّه إنَّمَا افْتَرَضَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيل الْيَوْم الَّذِي افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ فِي عِيدكُمْ يَوْم الْجُمُعَة , فَخَالَفُوا إلَى السَّبْت فَعَظَّمُوهُ وَتَرَكُوا مَا أُمِرُوا بِهِ , فَلَمَّا أَبَوْا إلَّا لُزُوم السَّبْت ابْتَلَاهُمْ اللَّه فِيهِ , فَحَرَّمَ عَلَيْهِمْ مَا أَحَلَّ لَهُمْ فِي غَيْره . وَكَانُوا فِي قَرْيَة بَيْن أَيْلَةَ وَالطُّور يُقَال لَهَا " مَدْيَن " , فَحَرَّمَ اللَّه عَلَيْهِمْ فِي السَّبْت الْحِيتَان صَيْدهَا وَأَكْلهَا , وَكَانُوا إذَا كَانَ يَوْم السَّبْت أَقْبَلَتْ إلَيْهِمْ شُرَّعًا إلَى سَاحِل بَحْرهمْ , حَتَّى إذَا ذَهَبَ السَّبْت ذَهَبْنَ , فَلَمْ يَرَوْا حُوتًا صَغِيرًا وَلَا كَبِيرًا . حَتَّى إذَا كَانَ يَوْم السَّبْت أَتَيْنَ إلَيْهِمْ شُرَّعًا , حَتَّى إذَا ذَهَبَ السَّبْت ذَهَبْنَ . فَكَانُوا كَذَلِكَ , حَتَّى إذَا طَالَ عَلَيْهِمْ الْأَمَد وَقَرِمُوا إلَى الْحِيتَان , عَمِدَ رَجُل مِنْهُمْ فَأَخَذَ حُوتًا سِرًّا يَوْم السَّبْت فَخَزَمَهُ بِخَيْطٍ , ثُمَّ أَرْسَلَهُ فِي الْمَاء , وَأَوْتَدَ لَهُ وَتِدًا فِي السَّاحِل , فَأَوْثَقه ثُمَّ تَرَكَهُ . حَتَّى إذَا كَانَ الْغَد جَاءَ فَأَخَذَهُ ; أَيْ إنِّي لَمْ آخُذهُ فِي يَوْم السَّبْت , ثُمَّ انْطَلَقَ بِهِ فَأَكَلَهُ . حَتَّى إذَا كَانَ يَوْم السَّبْت الْآخَر عَادَ لِمِثْلِ ذَلِكَ . وَوَجَدَ النَّاس رِيح الْحِيتَان . فَقَالَ أَهْل الْقَرْيَة : وَاَللَّه لَقَدْ وَجَدْنَا رِيح الْحِيتَان . ثُمَّ عَثَرُوا عَلَى مَا صَنَعَ ذَلِكَ الرَّجُل . قَالَ : فَفَعَلُوا كَمَا فَعَلَ , وَأَكَلُوا سِرًّا زَمَانًا طَوِيلًا لَمْ يُعَجِّل اللَّه عَلَيْهِمْ بِعُقُوبَةٍ حَتَّى صَادُوهَا عَلَانِيَة وَبَاعُوهَا بِالْأَسْوَاقِ , وَقَالَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ مِنْ أَهْل الْبَقِيَّة : وَيْحكُمْ اتَّقُوا اللَّه ! وَنَهَوْهُمْ عَمَّا كَانُوا يَصْنَعُونَ . وَقَالَتْ طَائِفَة أُخْرَى لِمَ تَأْكُل الْحِيتَان وَلَمْ تَنْهَ الْقَوْم عَمَّا صَنَعُوا : { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّه مُهْلِكهمْ أَوْ مُعَذِّبهمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَة إلَى رَبّكُمْ } لَسَخَطنَا أَعْمَالهمْ { وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } . 7 164 قَالَ ابْن عَبَّاس : فَبَيْنَمَا هُمْ عَلَى ذَلِكَ أَصْبَحَتْ تلك الْبَقِيَّة في أَنْدِيَتهمْ وَمَسَاجِدهمْ , وَفَقَدُوا النَّاس فَلَا يَرَوْنَهُمْ , فَقَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : إنَّ لِلنَّاسِ لَشَأْنًا فَانْظُرُوا مَا هُوَ ! فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ فِي دُورهمْ , فَوَجَدُوهَا مُغْلَقَة عَلَيْهِمْ , قَدْ دَخَلُوا لَيْلًا فَغَلَقُوهَا عَلَى أَنْفُسهمْ كَمَا تَغْلِق النَّاس عَلَى أَنْفُسهمْ , فَأَصْبَحُوا فِيهَا قِرَدَة , إنَّهُمْ لَيَعْرِفُونَ الرَّجُل بِعَيْنِهِ وَإِنَّهُ لَقِرْد , وَالْمَرْأَة بِعَيْنِهَا وَإِنَّهَا لَقِرْدَة , وَالصَّبِيّ بِعَيْنِهِ وَإِنَّهُ لَقِرْد . قَالَ : يَقُول ابْن عَبَّاس : فَلَوْلَا مَا ذَكَرَ اللَّه أَنَّهُ أَنْجَى الَّذِينَ نُهُوا عَنْ السُّوء لَقُلْنَا أَهَلَكَ الْجَمِيع مِنْهُمْ . قَالُوا : وَهِيَ الْقَرْيَة الَّتِي قَالَ اللَّه لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَة الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَة الْبَحْر } الْآيَة 7 163 . 952 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْع , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْت فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ } أُحِلَّتْ لَهُمْ الْحِيتَان وَحُرِّمَتْ عَلَيْهِمْ يَوْم السَّبْت بَلَاء مِنْ اللَّه لِيَعْلَم مَنْ يُطِيعهُ مِمَّنْ يَعْصِيه . فَصَارَ الْقَوْم ثَلَاثَة أَصْنَاف : فَإِمَّا صِنْف فَأَمْسَكَ وَنَهَى عَنْ الْمَعْصِيَة , وَإِمَّا صِنْف فَأَمْسَكَ عَنْ حُرْمَة اللَّه . وَإِمَّا صِنْف فَانْتَهَكَ حُرْمَة اللَّه وَمُرْد عَلَى الْمَعْصِيَة , فَلَمَّا أَبَوْا إلَّا الِاعْتِدَاء إلَى مَا نُهُوا عَنْهُ , قَالَ اللَّه لَهُمْ : { كُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ } فَصَارُوا قِرَدَة لَهَا أَذْنَاب , تَعَاوِي بَعْد مَا كَانُوا رِجَالًا وَنِسَاء . 953 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ فِي قَوْله : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْت } قَالَ : نُهُوا عَنْ صَيْد الْحِيتَان يَوْم السَّبْت , فَكَانَتْ تُشْرِع إلَيْهِمْ يَوْم السَّبْت , وَبُلُوا بِذَلِكَ فَاعْتَدَوْا فَاصْطَادُوهَا , فَجَعَلَهُمْ اللَّه قِرَدَة خَاسِئِينَ . 954 - حَدَّثَنِي مُوسَى قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْت فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ } قَالَ : فَهُمْ أَهْل أَيْلَةَ , وَهِيَ الْقَرْيَة الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَة الْبَحْر . فَكَانَتْ الْحِيتَان إذَا كَانَ يَوْم السَّبْت - وَقَدْ حَرَّمَ اللَّه عَلَى الْيَهُود أَنْ يَعْمَلُوا فِي السَّبْت شَيْئًا - لَمْ يَبْقَ فِي الْبَحْر حُوت إلَّا خَرَجَ حَتَّى يُخْرِجْنَ خَرَاطِيمهنَّ مِنْ الْمَاء , فَإِذَا كَانَ يَوْم الْأَحَد لِزَمَنِ سُفْل الْبَحْر فَلَمْ يُرَ مِنْهُنَّ شَيْء حَتَّى يَكُون يَوْم السَّبْت . فَذَلِكَ قَوْله : { وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَة الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَة الْبَحْر إذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْت إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانهمْ يَوْم سَبْتهمْ شُرَّعًا وَيَوْم لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ } 7 163 فَاشْتَهَى بَعْضهمْ السَّمَك , فَجَعَلَ الرَّجُل يَحْفِر الْحَفِيرَة وَيَجْعَل لَهَا نَهَرًا إلَى الْبَحْر , فَإِذَا كَانَ يَوْم السَّبْت فَتْح النَّهَر , فَأَقْبَلَ الْمَوْج بِالْحِيتَانِ يَضْرِبهَا حَتَّى يُلْقِيهَا فِي الْحَفِيرَة , وَيُرِيد الْحُوت أَنْ يَخْرَج فَلَا يُطِيق مِنْ أَجْل قِلَّة مَاء النَّهَر , فَيَمْكُث , فَإِذَا كَانَ يَوْم الْأَحَد جَاءَ فَأَخَذَهُ . فَجَعَلَ الرَّجُل يَشْوِي السَّمَك , فَيَجِد جَاره رِيحه , فَيَسْأَلهُ فَيُخْبِرهُ فَيَصْنَع مِثْل مَا صَنَعَ جَاره . حَتَّى إذَا فَشَا فِيهِمْ أَكْل السَّمَك قَالَ لَهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ : وَيْحكُمْ إنَّمَا تَصْطَادُونَ السَّمَك يَوْم السَّبْت , وَهُوَ لَا يَحِلّ لَكُمْ ! فَقَالُوا : إنَّمَا صِدْنَاهُ يَوْم الْأَحَد حِين أَخَذْنَاهُ , فَقَالَ الْفُقَهَاء : لَا , وَلَكِنَّكُمْ صِدْتُمُوهُ يَوْم فَتَحْتُمْ لَهُ الْمَاء فَدَخَلَ ; فَقَالُوا : لَا . وَعَتَوْا أَنْ يَنْتَهُوا , فَقَالَ بَعْض الَّذِينَ نَهَوْهُمْ لِبَعْضٍ : { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّه مُهْلِكهمْ أَوْ مُعَذِّبهمْ عَذَابًا شَدِيدًا } 7 164 يَقُول : لِمَ تَعِظُونَهُمْ وَقَدْ وَعَظْتُمُوهُمْ فَلَمْ يُطِيعُوكُمْ ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : { مَعْذِرَة إلَى رَبّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ } . 7 164 فَلَمَّا أَبَوْا قَالَ الْمُسْلِمُونَ : وَاَللَّه لَا نُسَاكِنكُمْ فِي قَرْيَة وَاحِدَة ! فَقَسَّمُوا الْقَرْيَة بِجِدَارٍ , فَفَتَحَ الْمُسْلِمُونَ بَابًا وَالْمُعْتَدُونَ فِي السَّبْت بَابًا , وَلَعَنَهُمْ دَاوُد . فَحَمَلَ الْمُسْلِمُونَ يَخْرُجُونَ مِنْ بَابهمْ وَالْكُفَّار مِنْ بَابهمْ ; فَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ ذَات يَوْم وَلَمْ يَفْتَح الْكُفَّار بَابهمْ , فَلَمَّا أَبْطَئُوا عَلَيْهِمْ تَسَوَّرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ الْحَائِط , فَإِذَا هُمْ قِرَدَة يَثِب بَعْضهمْ عَلَى بَعْض , فَفَتَحُوا عَنْهُمْ فَذَهَبُوا فِي الْأَرْض . فَذَلِكَ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ } 7 166 فَذَلِكَ حِين يَقُول : { لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيل عَلَى لِسَان دَاوُد وَعِيسَى ابْن مَرْيَم } 5 78 فَهُمْ الْقِرَدَة . 955 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْت فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ } قال : لم يُمْسَخُوا إنَّمَا هو مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لَهُمْ مِثْل مَا ضَرَبَ مَثَل الْحِمَار يَحْمِل أَسْفَارًا . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْت فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ } قَالَ : مُسِخَتْ قُلُوبهمْ , وَلَمْ يُمْسَخُوا قِرَدَة , وَإِنَّمَا هُوَ مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لَهُمْ كَمَثَلِ الْحِمَار يَحْمِل أَسْفَارًا . وَهَذَا الْقَوْل الَّذِي قَالَهُ مُجَاهِد قَوْل لِظَاهِرِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ كِتَاب اللَّه مَخَالِف , وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه أَخْبَرَ فِي كِتَابه أَنَّهُ جَعَلَ مِنْهُمْ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير وَعَبْد الطَّاغُوت , كَمَا أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا لِنَبِيِّهِمْ : { أَرِنَا اللَّه جَهْرَة } 4 153 وَأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره أَصْعَقهُمْ عِنْد مَسْأَلَتهمْ ذَلِكَ رَبّهمْ وَأَنَّهُمْ عَبَدُوا الْعِجْل , فَجَعَلَ تَوْبَتهمْ قَتْل أَنْفُسهمْ , وَأَنَّهُمْ أُمِرُوا بِدُخُولِ الْأَرْض الْمُقَدَّسَة , فَقَالُوا لِنَبِيِّهِمْ : { اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّك فَقَاتِلَا إنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ } 5 24 فَابْتَلَاهُمْ بِالتِّيهِ . فَسَوَاء قَالَ قَائِل : هُمْ لَمْ يَمْسَخهُمْ قِرَدَة , وَقَدْ أَخْبَرَ جَلَّ ذِكْره أَنَّهُ جَعَلَ مِنْهُمْ قِرَدَة وَخَنَازِير , وَآخَر قَالَ : لَمْ يَكُنْ شَيْء مِمَّا أَخْبَرَ اللَّه عَنْ بَنِي إسْرَائِيل أَنَّهُ كَانَ مِنْهُمْ مِنْ الْخِلَاف عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ وَالْعُقُوبَات وَالْأَنْكَال الَّتِي أَحَلَّهَا اللَّه بِهِمْ . وَمَنْ أَنْكَرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَأَقَرَّ بِآخَر مِنْهُ , سُئِلَ الْبُرْهَان عَلَى قَوْله وَعُورِضَ فِيمَا أَنْكَرَ مِنْ ذَلِكَ بِمَا أَقَرَّ بِهِ , ثُمَّ يَسْأَل الْفَرْق مِنْ خَبَر مُسْتَفِيض أَوْ أَثَر صَحِيح . هَذَا مَعَ خِلَاف قَوْل مُجَاهِد قَوْل جَمِيع الْحُجَّة الَّتِي لَا يَجُوز عَلَيْهَا الْخَطَأ وَالْكَذِب فِيمَا نَقَلْته مُجْمَعَة عَلَيْهِ , وَكَفَى دَلِيلًا عَلَى فَسَاد قَوْل إجْمَاعهَا عَلَى تَخْطِئَته . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ } . يَعْنِي بِقَوْلِهِ : { فَقُلْنَا لَهُمْ } أَيْ فَقُلْنَا لِلَّذِينَ اعْتَدَوْا فِي السَّبْت ; يَعْنِي فِي يَوْم السَّبْت . وَأَصْل السَّبْت الْهُدُوء السُّكُون فِي رَاحَة وَدَعَة , وَلِذَلِكَ قِيلَ لِلنَّائِمِ مَسْبُوت لِهُدُوئِهِ وَسُكُون جَسَده وَاسْتِرَاحَته , كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { وَجَعَلْنَا نَوْمكُمْ سُبَاتًا } 78 9 أَيْ رَاحَة لِأَجْسَادِكُمْ . وَهُوَ مَصْدَر مِنْ قَوْل الْقَائِل : سَبَتَ فُلَان يَسْبِت سَبْتًا . وَقَدْ قِيلَ أَنَّهُ سُمِّيَ سَبْتًا لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَرَغَ يَوْم الْجُمُعَة , وَهُوَ الْيَوْم الَّذِي قَبْله , مِنْ خَلْق جَمِيع خَلْقه . وَقَوْله : { كُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ } أَيْ صِيرُوا كَذَلِكَ . وَالْخَاسِئ : الْمُعَبَّد الْمَطْرُود كَمَا يَخْسَأ الْكَلْب , يُقَال مِنْهُ : خَسَأْتُهُ أَخْسَؤُهُ خَسْأً وَخُسُوءًا , وَهُوَ يَخْسَأ خُسُوءًا , قَالَ : وَيُقَال خَسَأْتُهُ فَخَسَأَ وَانْخَسَأَ , وَمِنْهُ قَوْل الرَّاجِز : كَالْكَلْبِ إنْ قُلْت لَهُ اخْسَأْ انْخَسَأَ يَعْنِي إنْ طَرَدْته انْطَرَدَ ذَلِيلًا صَاغِرًا . فَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْله : { كُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ } أَيْ مُبْعَدِينَ مِنْ الْخَيْر أَذِلَّاء صُغَرَاء . كَمَا : 956 - حَدَّثَنَا بَشَّار , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد الزُّبَيْرِيّ , قَالَ , حَدَّثَنَا سُفْيَان , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { كُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ } قَالَ : صَاغِرِينَ . * حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان , عَنْ رَجُل , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 957 - حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَةَ : { خَاسِئِينَ } قَالَ : صَاغِرِينَ . 958 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { كُونُوا قِرَدَة خَاسِئِينَ } أَيْ أَذِلَّة صَاغِرِينَ . 959 - وَحُدِّثْت عَنْ المنجاب , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس : خَاسِئًا : يَعْنِي ذَلِيلًا .

تفسير القرطبي

" عَلِمْتُمْ " مَعْنَاهُ عَرَفْتُمْ أَعْيَانهمْ . وَقِيلَ : عَلِمْتُمْ أَحْكَامهمْ . وَالْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ الْمَعْرِفَة مُتَوَجِّهَة إِلَى ذَات الْمُسَمَّى . وَالْعِلْم مُتَوَجِّه إِلَى أَحْوَال الْمُسَمَّى . فَإِذَا قُلْت : عَرَفْت زَيْدًا , فَالْمُرَاد شَخْصه وَإِذَا قُلْت : عَلِمْت زَيْدًا , فَالْمُرَاد بِهِ الْعِلْم بِأَحْوَالِهِ مِنْ فَضْل وَنَقْص . فَعَلَى الْأَوَّل يَتَعَدَّى الْفِعْل إِلَى مَفْعُول وَاحِد , وَهُوَ قَوْل سِيبَوَيْهِ : " عَلِمْتُمْ " بِمَعْنَى عَرَفْتُمْ . وَعَلَى الثَّانِي إِلَى مَفْعُولَيْنِ وَحَكَى الْأَخْفَش وَلَقَدْ عَلِمْت زَيْدًا وَلَمْ أَكُنْ أَعْلَمهُ . وَفِي التَّنْزِيل : " لَا تَعْلَمُونَهُمْ اللَّه يَعْلَمهُمْ " [ الْأَنْفَال : 60 ] كُلّ هَذَا بِمَعْنَى الْمَعْرِفَة , فَاعْلَمْ . " الَّذِينَ اِعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْت " [ الْبَقَرَة : 65 ] صِلَة " الَّذِينَ " . وَالِاعْتِدَاء . التَّجَاوُز , وَقَدْ تَقَدَّمَ . رَوَى النَّسَائِيّ عَنْ صَفْوَان بْن عَسَّال قَالَ : قَالَ يَهُودِيّ لِصَاحِبِهِ : اِذْهَبْ بِنَا إِلَى هَذَا النَّبِيّ . فَقَالَ لَهُ صَاحِبه : لَا تَقُلْ نَبِيّ لَوْ سَمِعَك فَإِنَّ لَهُ أَرْبَعَة أَعْيُن . فَأَتَيَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَأَلَاهُ عَنْ تِسْع آيَات بَيِّنَات , فَقَالَ لَهُمْ : ( لَا تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا وَلَا تَسْرِقُوا وَلَا تَزْنُوا وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْس الَّتِي حَرَّمَ اللَّه إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا تَمْشُوا بِبَرِيءٍ إِلَى سُلْطَان وَلَا تَسْحَرُوا وَلَا تَأْكُلُوا الرِّبَا وَلَا تَقْذِفُوا الْمُحْصَنَة وَلَا تُوَلُّوا يَوْم الزَّحْف وَعَلَيْكُمْ خَ اصَّة يَهُود أَلَّا تَعْدُوا فِي السَّبْت ) . فَقَبَّلُوا يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ وَقَالُوا : نَشْهَد أَنَّك نَبِيّ . قَالَ : ( فَمَا يَمْنَعكُمْ أَنْ تَتَّبِعُونِي ) قَالُوا : إِنَّ دَاوُد دَعَا بِأَلَّا يُزَال مِنْ ذُرِّيَّته نَبِيّ وَإِنَّا نَخَاف إِنْ اِتَّبَعْنَاك أَنْ تَقْتُلنَا يَهُود . وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ : حَدِيث حَسَن صَحِيح . وَسَيَأْتِي لَفْظه فِي سُورَة " سُبْحَان " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . مَعْنَاهُ فِي يَوْم السَّبْت , وَيُحْتَمَل أَنْ يُرِيد فِي حُكْم السَّبْت . وَالْأَوَّل قَوْل الْحَسَن , وَأَنَّهُمْ أَخَذُوا فِيهِ الْحِيتَان عَلَى جِهَة الِاسْتِحْلَال . وَرَوَى أَشْهَب عَنْ مَالِك قَالَ : زَعَمَ اِبْن رُومَان أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذ الرَّجُل مِنْهُمْ خَيْطًا وَيَضَع فِيهِ وَهْقَة وَأَلْقَاهَا فِي ذَنَب الْحُوت , وَفِي الطَّرَف الْآخَر مِنْ الْخَيْط وَتَد وَتَرَكَهُ كَذَلِكَ إِلَى الْأَحَد , ثُمَّ تَطَرَّقَ النَّاس حِين رَأَوْا مَنْ صَنَعَ لَا يُبْتَلَى , حَتَّى كَثُرَ صَيْد الْحُوت وَمُشِيَ بِهِ فِي الْأَسْوَاق , وَأَعْلَنَ الْفَسَقَة بِصَيْدِهِ . فَقَامَتْ فِرْقَة فَنَهَتْ وَجَاهَرَتْ بِالنَّهْيِ وَاعْتَزَلَتْ . وَيُقَال : إِنَّ النَّاهِينَ قَالُوا : لَا نُسَاكِنكُمْ , فَقَسَمُوا الْقَرْيَة بِجِدَارٍ . فَأَصْبَحَ النَّاهُونَ ذَات يَوْم فِي مَجَالِسهمْ وَلَمْ يَخْرُج مِنْ الْمُعْتَدِينَ أَحَد , فَقَالُوا : إِنَّ لِلنَّاسِ لَشَأْنًا , فَعَلَوْا عَلَى الْجِدَار فَنَظَرُوا فَإِذَا هُمْ قِرَدَة , فَفَتَحُوا الْبَاب وَدَخَلُوا عَلَيْهِمْ , فَعَرَفَتْ الْقِرَدَة أَنْسَابهَا مِنْ الْإِنْس , وَلَا يَعْرِف الْإِنْس أَنْسَابهمْ مِنْ الْقِرَدَة , فَجَعَلَتْ الْقِرَدَة تَأْتِي نَسِيبهَا مِنْ الْإِنْس فَتَشُمّ ثِيَابه وَتَبْكِي , فَيَقُول : أَلَمْ نَنْهَكُمْ فَتَقُول بِرَأْسِهَا نَعَمْ . قَالَ قَتَادَة : صَارَ الشُّبَّان قِرَدَة , وَالشُّيُوخ خَنَازِير , فَمَا نَجَا إِلَّا الَّذِينَ نَهَوْا وَهَلَكَ سَائِرهمْ . وَسَيَأْتِي فِي " الْأَعْرَاف " قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّهُمْ كَانُوا ثَلَاث فِرَق . وَهُوَ أَصَحّ مِنْ قَوْل مَنْ قَالَ : إِنَّهُمْ لَمْ يَفْتَرِقُوا إِلَّا فِرْقَتَيْنِ . وَاَللَّه أَعْلَم . وَالسَّبْت مَأْخُوذ مِنْ السَّبْت وَهُوَ الْقَطْع , فَقِيلَ : إِنَّ الْأَشْيَاء سَبَتَتْ وَتَمَّتْ خِلْقَتهَا . وَقِيلَ : هُوَ مَأْخُوذ مِنْ السُّبُوت الَّذِي هُوَ الرَّاحَة وَالدَّعَة . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي الْمَمْسُوخ هَلْ يَنْسِل عَلَى قَوْلَيْنِ . قَالَ الزَّجَّاج : قَالَ قَوْم يَجُوز أَنْ تَكُون هَذِهِ الْقِرَدَة مِنْهُمْ . وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ . وَقَالَ الْجُمْهُور : الْمَمْسُوخ لَا يَنْسِل وَإِنَّ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير وَغَيْرهمَا كَانَتْ قَبْل ذَلِكَ , وَاَلَّذِينَ مَسَخَهُمْ اللَّه قَدْ هَلَكُوا وَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ نَسْل ; لِأَنَّهُ قَدْ أَصَابَهُمْ السُّخْط وَالْعَذَاب , فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ قَرَار فِي الدُّنْيَا بَعْد ثَلَاثَة أَيَّام . قَالَ اِبْن عَبَّاس : لَمْ يَعِشْ مَسْخ قَطُّ فَوْق ثَلَاثَة أَيَّام , وَلَمْ يَأْكُل وَلَمْ يَشْرَب وَلَمْ يَنْسِل . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَبَتَ أَنَّ الْمَمْسُوخ لَا يَنْسِل , وَلَا يَأْكُل وَلَا يَشْرَب وَلَا يَعِيش أَكْثَر مِنْ ثَلَاثَة أَيَّام . قُلْت : هَذَا هُوَ الصَّحِيح مِنْ الْقَوْلَيْنِ . وَأَمَّا مَا اِحْتَجَّ بِهِ اِبْن الْعَرَبِيّ وَغَيْره عَلَى صِحَّة الْقَوْل الْأَوَّل مِنْ قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فُقِدَتْ أُمَّة مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل لَا يُدْرَى مَا فَعَلَتْ وَلَا أَرَاهَا إِلَّا الْفَأْر أَلَا تَرَوْنَهَا إِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَان الْإِبِل لَمْ تَشْرَبهُ وَإِذَا وُضِعَ لَهَا أَلْبَان الشَّاء شَرِبَتْهُ ) . رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة أَخْرَجَهُ مُسْلِم , وَبِحَدِيثِ الضَّبّ رَوَاهُ مُسْلِم أَيْضًا عَنْ أَبِي سَعِيد وَجَابِر , قَالَ جَابِر : أُتِيَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِضَبٍّ فَأَبَى أَنْ يَأْكُل مِنْهُ , وَقَالَ : ( لَا أَدْرِي لَعَلَّهُ مِنْ الْقُرُون الَّتِي مُسِخَتْ ) فَمُتَأَوَّل عَلَى مَا يَأْتِي . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : /و فِي الْبُخَارِيّ عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْت فِي الْجَاهِلِيَّة قِرَدَة قَدْ زَنَتْ فَرَجَمُوهَا فَرَجَمْتهَا مَعَهُمْ . ثَبَتَ فِي بَعْض نُسَخ الْبُخَارِيّ وَسَقَطَ فِي بَعْضهَا , وَثَبَتَ فِي نَصّ الْحَدِيث " قَدْ زَنَتْ " وَسَقَطَ هَذَا اللَّفْظ عِنْد بَعْضهمْ . قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ : فَإِنْ قِيلَ : وَكَأَنَّ الْبَهَائِم بَقِيَتْ فِيهِمْ مَعَارِف الشَّرَائِع حَتَّى وَرِثُوهَا خَلَفًا عَنْ سَلَف إِلَى زَمَان عَمْرو ؟ قُلْنَا : نَعَمْ كَذَلِكَ كَانَ , لِأَنَّ الْيَهُود غَيَّرُوا الرَّجْم فَأَرَادَ اللَّه أَنْ يُقِيمهُ فِي مُسُوخهمْ حَتَّى يَكُون أَبْلَغ فِي الْحُجَّة عَلَى مَا أَنْكَرُوهُ مِنْ ذَلِكَ وَغَيَّرُوهُ , حَتَّى تَشْهَد عَلَيْهِمْ كُتُبهمْ وَأَحْبَارهمْ وَمُسُوخهمْ , حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّه يَعْلَم مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ , وَيُحْصِي مَا يُبَدِّلُونَ وَمَا يُغَيِّرُونَ , وَيُقِيم عَلَيْهِمْ الْحُجَّة مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ وَيَنْصُر نَبِيّه عَلَيْهِ السَّلَام , وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ . قُلْت : هَذَا كَلَامه فِي الْأَحْكَام , وَلَا حُجَّة فِي شَيْء مِنْهُ . وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ قِصَّة عَمْرو فَذَكَرَ الْحُمَيْدِيّ فِي جَمْع الصَّحِيحَيْنِ : حَكَى أَبُو مَسْعُود الدِّمَشْقِيّ أَنَّ لِعَمْرِو بْن مَيْمُون الْأَوْدِيّ فِي الصَّحِيحَيْنِ حِكَايَة مِنْ رِوَايَة حُصَيْن عَنْهُ قَالَ : رَأَيْت فِي الْجَاهِلِيَّة قِرَدَة اِجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَة فَرَجَمُوهَا فَرَجَمْتهَا مَعَهُمْ . كَذَا حَكَى أَبُو مَسْعُود وَلَمْ يَذْكُر فِي أَيّ مَوْضِع أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ مِنْ كِتَابه , فَبَحَثْنَا عَنْ ذَلِكَ فَوَجَدْنَاهُ فِي بَعْض النُّسَخ لَا فِي كُلّهَا , فَذَكَرَ فِي كِتَاب أَيَّام الْجَاهِلِيَّة . وَلَيْسَ فِي رِوَايَة النُّعَيْمِيّ عَنْ الْفَرَبْرِيّ أَصْلًا شَيْء مِنْ هَذَا الْخَبَر فِي الْقِرَدَة , وَلَعَلَّهَا مِنْ الْمُقْحَمَات فِي كِتَاب الْبُخَارِيّ . وَاَلَّذِي قَالَ الْبُخَارِيّ فِي التَّارِيخ الْكَبِير : قَالَ لِي نُعَيْم بْن حَمَّاد أَخْبَرَنَا هُشَيْم عَنْ أَبِي بَلْج وَحُصَيْن عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون قَالَ : رَأَيْت فِي الْجَاهِلِيَّة قِرَدَة اِجْتَمَعَ عَلَيْهَا قُرُود فَرَجَمُوهَا فَرَجَمْتهَا مَعَهُمْ . وَلَيْسَ فِيهِ " قَدْ زَنَتْ " . فَإِنْ صَحَّتْ هَذِهِ الرِّوَايَة فَإِنَّمَا أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيّ دَلَالَة عَلَى أَنَّ عَمْرو بْن مَيْمُون قَدْ أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّة وَلَمْ يُبَالِ بِظَنِّهِ الَّذِي ظَنَّهُ فِي الْجَاهِلِيَّة . وَذَكَرَ أَبُو عُمَر فِي الِاسْتِيعَاب عَمْرو بْن مَيْمُون وَأَنَّ كُنْيَته أَبُو عَبْد اللَّه " مَعْدُود فِي كِبَار التَّابِعِينَ مِنْ الْكُوفِيِّينَ , وَهُوَ الَّذِي رَأَى الرَّجْم فِي الْجَاهِلِيَّة مِنْ الْقِرَدَة إِنْ صَحَّ ذَلِكَ ; لِأَنَّ رُوَاته مَجْهُولُونَ . وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ نُعَيْم عَنْ هُشَيْم عَنْ حُصَيْن عَنْ عَمْرو بْن مَيْمُون الْأَوْدِيّ مُخْتَصَرًا قَالَ : رَأَيْت فِي الْجَاهِلِيَّة قِرَدَة زَنَتْ فَرَجَمُوهَا يَعْنِي الْقِرَدَة فَرَجَمْتهَا مَعَهُمْ . وَرَوَاهُ عَبَّاد بْن الْعَوَّام عَنْ حُصَيْن كَمَا رَوَاهُ هُشَيْم مُخْتَصَرًا . وَأَمَّا الْقِصَّة بِطُولِهَا فَإِنَّهَا تَدُور عَلَى عَبْد الْمَلِك بْن مُسْلِم عَنْ عِيسَى بْن حِطَّان , وَلَيْسَا مِمَّنْ يُحْتَجّ بِهِمَا . وَهَذَا عِنْد جَمَاعَة أَهْل الْعِلْم مُنْكَر إِضَافَة الزِّنَى إِلَى غَيْر مُكَلَّف , وَإِقَامَة الْحُدُود فِي الْبَهَائِم . وَلَوْ صَحَّ لَكَانُوا مِنْ الْجِنّ ; لِأَنَّ الْعِبَادَات فِي الْإِنْس وَالْجِنّ دُون غَيْرهمَا " . وَأَمَّا قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة : ( وَلَا أَرَاهَا إِلَّا الْفَأْر ) وَفِي الضَّبّ : ( لَا أَدْرِي لَعَلَّهُ مِنْ الْقُرُون الَّتِي مُسِخَتْ ) وَمَا كَانَ مِثْله , فَإِنَّمَا كَانَ ظَنًّا وَخَوْفًا لِأَنْ يَكُون الضَّبّ وَالْفَأْر وَغَيْرهمَا مِمَّا مُسِخَ , وَكَانَ هَذَا حَدْسًا مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْل أَنْ يُوحَى إِلَيْهِ أَنَّ اللَّه لَمْ يَجْعَل لِلْمَسْخِ نَسْلًا , فَلَمَّا أَوْحَى إِلَيْهِ بِذَلِكَ زَالَ عَنْهُ ذَلِكَ التَّخَوُّف , وَعَلِمَ أَنَّ الضَّبّ وَالْفَأْر لَيْسَا مِمَّا مُسِخَ , وَعِنْد ذَلِكَ أَخْبَرَنَا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير : هِيَ مِمَّا مُسِخَ فَقَالَ : ( إِنَّ اللَّه لَمْ يُهْلِك قَوْمًا أَوْ يُعَذِّب قَوْمًا فَيَجْعَل لَهُمْ نَسْلًا وَإِنَّ الْقِرَدَة وَالْخَنَازِير كَانُوا قَبْل ذَلِكَ ) . وَهَذَا نَصّ صَرِيح صَحِيح رَوَاهُ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود أَخْرَجَهُ مُسْلِم فِي كِتَاب الْقَدَر . وَثَبَتَتْ النُّصُوص بِأَكْلِ الضَّبّ بِحَضْرَتِهِ وَعَلَى مَائِدَته وَلَمْ يُنْكِر , فَدَلَّ عَلَى صِحَّة مَا ذَكَرْنَا . وَبِاَللَّهِ تَوْفِيقنَا . وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِد فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة أَنَّهُ إِنَّمَا مُسِخَتْ قُلُوبهمْ فَقَطْ , وَرُدَّتْ أَفْهَامهمْ كَأَفْهَامِ الْقِرَدَة . وَلَمْ يَقُلْهُ غَيْره مِنْ الْمُفَسِّرِينَ فِيمَا أَعْلَم , وَاَللَّه أَعْلَم . " قِرَدَة " خَبَر كَانَ . " خَاسِئِينَ " نَعْت , وَإِنْ شِئْت جَعَلْته خَبَرًا ثَانِيًا لِكَانَ , أَوْ حَالًا مِنْ الضَّمِير فِي " كُونُوا " . وَمَعْنَاهُ مُبْعَدِينَ . يُقَال : خَسَأْته فَخَسَأَ وَخُسِئَ , وَانْخَسَأَ أَيْ أَبْعَدْته فَبَعُدَ . وَقَوْله تَعَالَى : " يَنْقَلِب إِلَيْك الْبَصَر خَاسِئًا " [ الْمُلْك : 4 ] أَيْ مُبْعَدًا . وَقَوْلُهُ : " اِخْسَئُوا فِيهَا " [ الْمُؤْمِنُونَ : 108 ] أَيْ تَبَاعَدُوا . تَبَاعُد سُخْط . قَالَ الْكِسَائِيّ : خَسَأَ الرَّجُل خُسُوءًا , وَخَسَأْته خَسْأً . وَيَكُون الْخَاسِئ بِمَعْنَى الصَّاغِر الْقَمِيء . يُقَال : قَمُؤَ الرَّجُل قِمَاء وَقَمَاءَة صَارَ قَمِيئًا , وَهُوَ الصَّاغِر الذَّلِيل . وَأَقْمَأْته : صَغَّرْته وَذَلَّلْته , فَهُوَ قَمِيء عَلَى فَعِيل .

غريب الآية
وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِینَ ٱعۡتَدَوۡا۟ مِنكُمۡ فِی ٱلسَّبۡتِ فَقُلۡنَا لَهُمۡ كُونُوا۟ قِرَدَةً خَـٰسِـِٔینَ ﴿٦٥﴾
فِی ٱلسَّبۡتِفي هذا اليومِ الذي أُمِرُوا بتعظيمِه.
خَـٰسِـِٔینَأذِلَّةً صاغِرين.
الإعراب
(وَلَقَدْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"اللَّامُ" حَرْفُ جَوَابٍ لِلْقَسَمِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(قَدْ) : حَرْفُ تَحْقِيقٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(عَلِمْتُمُ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ، وَ"تَاءُ الْفَاعِلِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(الَّذِينَ)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(اعْتَدَوْا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ الْمُقَدَّرِ عَلَى الْأَلِفِ الْمَحْذُوفَةِ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(مِنْكُمْ)
(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(السَّبْتِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَقُلْنَا)
"الْفَاءُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(قُلْنَا) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(لَهُمْ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(كُونُوا)
فِعْلُ أَمْرٍ نَاسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ اسْمُ كَانَ.
(قِرَدَةً)
خَبَرُ كَانَ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(خَاسِئِينَ)
خَبَرُ كَانَ ثَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.