صفحات الموقع

سورة البقرة الآية ٥١

سورة البقرة الآية ٥١

وَإِذۡ وَ ٰ⁠عَدۡنَا مُوسَىٰۤ أَرۡبَعِینَ لَیۡلَةࣰ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَـٰلِمُونَ ﴿٥١﴾

التفسير

تفسير السعدي

ثم ذكر منته عليهم بوعده لموسى أربعين ليلة لينزل عليهم التوراة المتضمنة للنعم العظيمة والمصالح العميمة. ثم إنهم لم يصبروا قبل استكمال الميعاد حتى عبدوا العجل من بعده, أي ذهابه. " وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ " تعلمون بظلمكم, قد قامت عليكم الحجة, فهو أعظم جرما وأكبر إثما.

التفسير الميسر

واذكروا نعمتنا عليكم: حين واعدنا موسى أربعين ليلة لإنزال التوراة هدايةً ونورًا لكم، فإذا بكم تنتهزون فرصة غيابه هذه المدة القليلة، وتجعلون العجل الذي صنعتموه بأيديكم معبودًا لكم من دون الله - وهذا أشنع الكفر بالله- وأنتم ظالمون باتخاذكم العجل إلهًا.

تفسير الجلالين

"وَإِذْ وَاعَدْنَا" بِأَلِفٍ وَدُونهَا "مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَة" نُعْطِيه عِنْد انْقِضَائِهَا التَّوْرَاة لِتَعْمَلُوا بِهَا "ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْل" الَّذِي صَاغَهُ لَكُمْ السَّامِرِيّ إلَهًا "مِنْ بَعْده" أَيْ بَعْد ذَهَابه إلَى مِيعَادنَا "وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ" بِاِتِّخَاذِهِ ; لِوَضْعِكُمْ الْعِبَادَة فِي غَيْر مَحَلّهَا

تفسير ابن كثير

يَقُول تَعَالَى وَاذْكُرُوا نِعْمَتِيَ عَلَيْكُمْ فِي عَفْوِي عَنْكُمْ لَمَّا عَبَّدْتُمْ الْعِجْل بَعْد ذَهَاب مُوسَى لِمِيقَاتِ رَبّه عِنْد اِنْقِضَاء أَمَد الْمُوَاعَدَة وَكَانَتْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَهِيَ الْمَذْكُورَة فِي الْأَعْرَاف فِي قَوْله تَعَالَى " وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَة وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ " قِيلَ إِنَّهَا ذُو الْقِعْدَة بِكَمَالِهِ وَعَشْر مِنْ ذِي الْحِجَّة وَكَانَ ذَلِكَ بَعْد خَلَاصهمْ مِنْ فِرْعَوْن وَإِنْجَائِهِمْ مِنْ الْبَحْر .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ وَاعَدْنَا } اخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَ بَعْضهمْ : { وَاعَدْنَا } بِمَعْنَى أَنَّ اللَّه تَعَالَى وَاعَدَ مُوسَى مُلَاقَاة الطُّور لِمُنَاجَاتِهِ , فَكَانَتْ الْمُوَاعَدَة مِنْ اللَّه لِمُوسَى , وَمِنْ مُوسَى لِرَبِّهِ . وَكَانَ مِنْ حُجَّتهمْ عَلَى اخْتِيَارهمْ قِرَاءَة { وَاعَدْنَا } عَلَى " وَعَدْنَا " أَنْ قَالُوا : كُلّ إيعَاد كَانَ بَيْن اثْنَيْنِ لِلِالْتِقَاءِ أَوْ الِاجْتِمَاع , فَكُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مَوَاعِد صَاحِبه ذَلِكَ , فَلِذَلِكَ زَعَمُوا أَنَّهُ وَجَبَ أَنْ يَقْضِي لِقِرَاءَةِ مَنْ قَرَأَ : { وَاعَدْنَا } بِالِاخْتِيَارِ عَلَى قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ " وَعَدْنَا " . وَقَرَأَ بَعْضهمْ : " وَعَدْنَا " بِمَعْنَى أَنَّ اللَّه الْوَاعِد مُوسَى , وَالْمُنْفَرِد بِالْوَعْدِ دُونه . وَكَانَ مِنْ حُجَّتهمْ فِي اخْتِيَارهمْ ذَلِكَ , أَنْ قَالُوا : إنَّمَا تَكُون الْمُوَاعَدَة بَيْن الْبَشَر , فَأَمَّا اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ فَإِنَّهُ الْمُنْفَرِد بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيد فِي كُلّ خَيْر وَشَرّ . قَالُوا : وَبِذَلِك جَاءَ التَّنْزِيل فِي الْقُرْآن كُلّه , فَقَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { إنَّ اللَّه وَعَدَكُمْ وَعْد الْحَقّ } 14 22 وَقَالَ : { وَإِذْ يَعِدكُمْ اللَّه إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ } 8 7 قَالُوا : فَكَذَلِكَ الْوَاجِب أَنْ يَكُون هُوَ الْمُنْفَرِد بِالْوَعْدِ فِي قَوْله : " وَإِذْ وَعَدْنَا مُوسَى " . وَالصَّوَاب عِنْدنَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْقَوْل , أَنَّهُمَا قِرَاءَتَانِ قَدْ جَاءَتْ بِهِمَا الْأُمَّة وَقَرَأَتْ بِهِمَا الْقُرَّاء , وَلَيْسَ فِي الْقِرَاءَة بِإِحْدَاهُمَا إبْطَال مَعْنَى الْأُخْرَى , وَإِنْ كَانَ فِي إحْدَاهُمَا زِيَادَة مَعْنَى عَلَى الْأُخْرَى مِنْ جِهَة الظَّاهِر وَالتِّلَاوَة . فَأَمَّا مِنْ جِهَة الْمَفْهُوم بِهِمَا فَهُمَا مُتَّفِقَتَانِ , وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَخْبَرَ عَنْ شَخْص أَنَّهُ وَعَدَ غَيْره اللِّقَاء بِمَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِع , فَمَعْلُوم أَنَّ الْمَوْعُود ذَلِكَ وَاعِد صَاحِبه مِنْ لِقَائِهِ بِذَلِكَ الْمَكَان , مِثْل الَّذِي وَعَدَهُ مِنْ ذَلِكَ صَاحِبه إذَا كَانَ وَعْده مَا وَعَدَهُ إيَّاهُ مِنْ ذَلِكَ عَنْ اتِّفَاق مِنْهُمَا عَلَيْهِ . وَمَعْلُوم أَنَّ مُوسَى صَلَوَات اللَّه عَلَيْهِ لَمْ يَعِدهُ رَبّه الطُّور إلَّا عَنْ رِضًا مُوسَى بِذَلِكَ , إذْ كَانَ مُوسَى غَيْر مَشْكُوك فِيهِ أَنَّهُ كَانَ بِكُلِّ مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ رَاضِيًا , وَإِلَى مَحَبَّته فِيهِ مُسَارِعًا . وَمَعْقُول أَنَّ اللَّه تَعَالَى لَمْ يَعِد مُوسَى ذَلِكَ إلَّا وَمُوسَى إلَيْهِ مُسْتَجِيب . وَإِذْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , فَمَعْلُوم أَنَّ اللَّه عَزَّ ذِكْره قَدْ كَانَ وَعَدَ مُوسَى الطُّور , وَوَعَدَهُ مُوسَى اللِّقَاء , وَكَانَ اللَّه عَزَّ ذِكْره لِمُوسَى وَاعِدًا وَمُوَاعِدًا لَهُ الْمُنَاجَاة عَلَى الطُّور , وَكَانَ مُوسَى وَاعِدًا لِرَبِّهِ مُوَاعِدًا لَهُ اللِّقَاء . فَبِأَيِّ الْقِرَاءَتَيْنِ مِنْ " وَعَدَ " و " وَاعَدَ " قَرَأَ الْقَارِئ , فَهُوَ الْحَقّ فِي ذَلِكَ مِنْ جِهَة التَّأْوِيل وَاللُّغَة , مُصِيب لِمَا وَصَفْنَا مِنْ الْعِلَل قَبْل . وَلَا مَعْنَى لِقَوْلِ الْقَائِل : إنَّمَا تَكُون الْمُوَاعَدَة بَيْن الْبَشَر , وَأَنَّ اللَّه بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيد مُنْفَرِد فِي كُلّ خَيْر وَشَرّ ; وَذَلِكَ أَنَّ انْفِرَاد اللَّه بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيد فِي الثَّوَاب وَالْعِقَاب وَالْخَيْر وَالشَّرّ وَالنَّفْع وَالضُّرّ الَّذِي هُوَ بِيَدِهِ وَإِلَيْهِ دُون سَائِر خَلْقه , لَا يُحِيل الْكَلَام الْجَارِي بَيْن النَّاس فِي اسْتِعْمَالهمْ إيَّاهُ عَنْ وُجُوهه وَلَا يُغَيِّرهُ عَنْ مَعَانِيه . وَالْجَارِي بَيْن النَّاس مِنْ الْكَلَام الْمَفْهُوم مَا وَصَفْنَا مِنْ أَنَّ كُلّ إيعَاد كَانَ بَيْن اثْنَيْنِ فَهُوَ وَعْد مِنْ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا صَاحِبه وَمُوَاعَدَة بَيْنهمَا , وَأَنَّ كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا وَاعَدَ صَاحِبه مَوَاعِد , وَأَنَّ الْوَعْد الَّذِي يَكُون بِهِ الِانْفِرَاد مِنْ الْوَاعِد دُون الْمَوْعُود إنَّمَا هُوَ مَا كَانَ بِمَعْنَى الْوَعْد الَّذِي هُوَ خِلَاف الْوَعِيد . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { مُوسَى } وَمُوسَى فِيمَا بَلَغَنَا بِالْقِبْطِيَّةِ كَلِمَتَانِ , يَعْنِي بِهِمَا : مَاء وَشَجَر , فمو : هُوَ الْمَاء , وسا : هُوَ الشَّجَر . وَإِنَّمَا سُمِّيَ بِذَلِكَ فِيمَا بَلَغَنَا , لِأَنَّ أُمّه لَمَّا جَعَلَتْهُ فِي التَّابُوت حِين خَافَتْ عَلَيْهِ مِنْ فِرْعَوْن وَأَلْقَتْهُ فِي الْيَمّ كَمَا أَوْحَى اللَّه إلَيْهَا - وَقِيلَ : إنَّ الْيَمّ الَّذِي أَلْقَتْهُ فِيهِ هُوَ النِّيل - دَفَعَتْهُ أَمْوَاج الْيَمّ , حَتَّى أَدَخَلَتْهُ بَيْن أَشْجَار عِنْد بَيْت فِرْعَوْن , فَخَرَجَ جِوَارِي آسِيَة امْرَأَة فِرْعَوْن يَغْتَسِلْنَ , فَوَجَدْنَ التَّابُوت , فَأَخَذْنَهُ , فَسُمِّيَ بِاسْمِ الْمَكَان الَّذِي أُصِيب فِيهِ . وَكَانَ ذَلِكَ الْمَكَان فِيهِ مَاء وَشَجَر , فَقِيلَ : مُوسَى مَاء وَشَجَر . كَذَلِكَ : 767 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , عَنْ أَسْبَاط بْن نَصْر , عَنْ السُّدِّيّ . وَهُوَ مُوسَى بْن عِمْرَان بْن يصهر بْن قاهث بْن لاوي بْن يَعْقُوب إسْرَائِيل اللَّه بْن إسْحَاق ذَبِيح اللَّه ابْن إبْرَاهِيم خَلِيل اللَّه , فِيمَا زَعَمَ ابْن إسْحَاق . 768 - حَدَّثَنِي بِذَلِكَ ابْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل عَنْهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أَرْبَعِينَ لَيْلَة } وَمَعْنَى ذَلِكَ { وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَة } بِتَمَامِهَا , فَالْأَرْبَعُونَ لَيْلَة كُلّهَا دَاخِلَة فِي الْمِيعَاد . وَقَدْ زَعَمَ بَعْض نَحْوِيِّي الْبَصْرَة أَنَّ مَعْنَاهُ : وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى انْقِضَاء أَرْبَعِينَ لَيْلَة أَيْ رَأْس الْأَرْبَعِينَ , وَمِثْل ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { وَاسْأَلْ الْقَرْيَة } 12 82 وَبِقَوْلِهِمْ الْيَوْم أَرْبَعُونَ مُنْذُ خَرَجَ فُلَان , وَالْيَوْم يَوْمَانِ , أَيْ الْيَوْم تَمَام يَوْمَيْنِ وَتَمَام أَرْبَعِينَ . وَذَلِكَ خِلَاف مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَة عَنْ أَهْل التَّأْوِيل وَخِلَاف ظَاهِر التِّلَاوَة , فَأَمَّا ظَاهِر التِّلَاوَة , فَإِنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ وَاعَدَ مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَة , فَلَيْسَ لِأَحَدٍ إحَالَة ظَاهِر خَبَره إلَى بَاطِن بِغَيْرِ بُرْهَان دَالّ عَلَى صِحَّته . وَأَمَّا أَهْل التَّأْوِيل فَإِنَّهُمْ قَالُوا فِي ذَلِكَ مَا أَنَا ذَاكِره , وَهُوَ مَا : 769 - حَدَّثَنِي بِهِ الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا آدَم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة قَوْله : { وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَة } قَالَ : يَعْنِي ذَا الْقَعَدَة وَعَشْرًا مِنْ ذِي الْحِجَّة . وَذَلِكَ حِين خَلَف مُوسَى أَصْحَابه , وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهِمْ هَارُونَ , فَمَكَثَ عَلَى الطُّور أَرْبَعِينَ لَيْلَة , وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ التَّوْرَاة فِي الْأَلْوَاح , وَكَانَتْ الْأَلْوَاح مِنْ زَبَرْجَد . فَقَرَّبَهُ الرَّبّ إلَيْهِ نَجِيًّا , وَكَلَّمَهُ , وَسَمِعَ صَرِيف الْقَلَم . وَبَلَغَنَا أَنَّهُ لَمْ يَحْدُث حَدَثًا فِي الْأَرْبَعِينَ لَيْلَة حَتَّى هَبَطَ مِنْ الطُّور . * وَحُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع , بِنَحْوِهِ . 770 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن الْفَضْل , عَنْ ابْن إسْحَاق , قَالَ : وَعَدَ اللَّه مُوسَى حِين أَهْلَكَ فِرْعَوْن وَقَوْمه , وَنَجَّاهُ وَقَوْمه ثَلَاثِينَ لَيْلَة , ثُمَّ أَتَمَّهَا بِعَشْرٍ , فَتَمَّ مِيقَات رَبّه أَرْبَعِينَ لَيْلَة , تَلَقَّاهُ رَبّه فِيهَا بِمَا شَاءَ . وَاسْتَخْلَفَ مُوسَى هَارُونَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيل , وَقَالَ : إنِّي مُتَعَجِّل إلَى رَبِّي فَاخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَلَا تَتَّبِع سَبِيل الْمُفْسِدِينَ ! فَخَرَجَ مُوسَى إلَى رَبّه مُتَعَجِّلًا لِلِقَائِهِ شَوْقًا إلَيْهِ , وَأَقَامَ هَارُونَ فِي بَنِي إسْرَائِيل وَمَعَهُ السَّامِرِي يَسِير بِهِمْ عَلَى أَثَر مُوسَى لِيُلْحِقهُمْ بِهِ . 771 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : انْطَلَقَ مُوسَى وَاسْتَخْلَفَ هَارُونَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيل , وَوَاعَدَهُمْ ثَلَاثِينَ لَيْلَة وَأَتَمَّهَا اللَّه بِعَشْرٍ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْل مِنْ بَعْده وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ } وَتَأْوِيل قَوْله : { ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْل مِنْ بَعْده } ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ فِي أَيَّام مُوَاعَدَة مُوسَى الْعِجْل إلَهًا مِنْ بَعْد أَنْ فَارَقَكُمْ مُوسَى مُتَوَجِّهًا إلَى الْمَوْعِد . وَالْهَاء فِي قَوْله " مِنْ بَعْده " عَائِدَة عَلَى ذِكْر مُوسَى . فَأَخْبَرَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ الْمُخَالِفِينَ نَبِيّنَا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ يَهُود بَنِي إسْرَائِيل الْمُكَذِّبِينَ بِهِ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآيَة , عَنْ فِعْل آبَائِهِمْ وَأَسْلَافهمْ وَتَكْذِيبهمْ رُسُلهمْ وَخِلَافهمْ أَنْبِيَاءَهُمْ , مَعَ تَتَابُع نِعَمه عَلَيْهِمْ وَسُبُوغ آلَائِه لَدَيْهِمْ , مُعَرِّفهمْ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ مِنْ خِلَافهمْ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَكْذِيبهمْ بِهِ وَجُحُودهمْ لِرِسَالَتِهِ , مَعَ عِلْمهمْ بِصَدْقِهِ عَلَى مِثْل مِنْهَاج آبَائِهِ وَأَسْلَافهمْ , وَمُحَذِّرهمْ مِنْ نُزُول سَطْوَته بِهِمْ بِمَقَامِهِمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ تَكْذِيبهمْ مَا نَزَلَ بِأَوَائِلِهِمْ الْمُكَذِّبِينَ بِالرُّسُلِ مِنْ الْمَسْخ وَاللَّعْن وَأَنْوَاع النِّقْمَات . وَكَانَ سَبَب اتِّخَاذهمْ الْعِجْل مَا : 772 - حَدَّثَنِي بِهِ عَبْد الْكَرِيم بْن الْهَيْثَم , قَالَ : حَدَّثَنَا إبْرَاهِيم بْن بَشَّار الرَّمَادِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن عُيَيْنَةَ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيد , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : لَمَّا هَجَمَ فِرْعَوْن عَلَى الْبَحْر هُوَ وَأَصْحَابه , وَكَانَ فِرْعَوْن عَلَى فَرَس أَدْهَم ذُنُوب حِصَان ; فَلَمَّا هَجَمَ عَلَى الْبَحْر هَابَ الْحِصَان أَنَّ يَقْتَحِم فِي الْبَحْر , فَتَمَثَّلَ لَهُ جِبْرِيل عَلَى فَرَس أُنْثَى وديق , فَلَمَّا رَآهَا الْحِصَان تَقَحَّمَ خَلْفهَا . قَالَ : وَعَرَفَ السَّامِرِي جِبْرِيل لِأَنَّ أُمّه حِين خَافَتْ أَنْ يُذْبَح خَلَّفَتْهُ فِي غَار وَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِ , فَكَانَ جِبْرِيل يَأْتِيه فَيَغْذُوهُ بِأَصَابِعِهِ , فَيَجِد فِي بَعْض أَصَابِعه لَبَنًا , وَفِي الْأُخْرَى عَسَلًا , وَفِي الْأُخْرَى سَمْنًا . فَلَمْ يَزَلْ يَغْذُوهُ حَتَّى نَشَأَ , فَلَمَّا عَايَنَهُ فِي الْبَحْر عَرَفَهُ , فَقَبَضَ قَبْضَة مِنْ أَثَر فَرَسه . قَالَ : أَخَذَ مِنْ تَحْت الْحَافِر قَبْضَة . قَالَ سُفْيَان : فَكَانَ ابْن مَسْعُود يَقْرَؤُهَا : " فَقَبَضْت قَبْضَة مِنْ أَثَر فَرَس الرَّسُول " . قَالَ أَبُو سَعِيد , قَالَ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس : وَأُلْقِيَ فِي رَوْع السَّامِرِيّ أَنَّك لَا تُلْقِيهَا عَلَى شَيْء فَتَقُول كُنْ كَذَا وَكَذَا إلَّا كَانَ . فَلَمْ تَزَلْ الْقَبْضَة مَعَهُ فِي يَده حَتَّى جَاوَزَ الْبَحْر . فَلَمَّا جَاوَزَ مُوسَى وَبَنُو إسْرَائِيل الْبَحْر , وَأَغْرَقَ اللَّه آل فِرْعَوْن , قَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ : { اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ } 7 142 وَمَضَى مُوسَى لِمَوْعِدِ رَبّه . قَالَ : وَكَانَ مَعَ بَنِي إسْرَائِيل حُلِيّ مِنْ حُلِيّ آل فِرْعَوْن قَدْ تعوروه , فَكَأَنَّهُمْ تَأَثَّمُوا مِنْهُ , فَأَخْرَجُوهُ لِتَنْزِل النَّار فَتَأْكُلهُ , فَلَمَّا جَمَعُوهُ , قَالَ السَّامِرِيّ بِالْقَبْضَةِ الَّتِي كَانَتْ فِي يَده هَكَذَا , فَقَذَفَهَا فِيهِ - وَأَوْمَأَ ابْن إسْحَاق بِيَدِهِ هَكَذَا - وَقَالَ : كُنْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَار ! فَصَارَ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَار . وَكَانَ يَدْخُل الرِّيح فِي دُبُره وَيَخْرَج مِنْ فِيهِ يُسْمَع لَهُ صَوْت , فَقَالَ : هَذَا إلَهكُمْ وَإِلَه مُوسَى . فَعَكَفُوا عَلَى الْعِجْل يَعْبُدُونَهُ , فَقَالَ هَارُونَ : { يَا قَوْم إنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبّكُمْ الرَّحْمَن فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي قَالُوا لَنْ نَبْرَح عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِع إلَيْنَا مُوسَى } 20 90 : 91 773 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : حَدَّثَنَا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : حَدَّثَنَا أَسْبَاط بْن نَصْر , عَنْ السُّدِّيّ : لَمَّا أَمَرَ اللَّه مُوسَى أَنْ يَخْرَج بِبَنِي إسْرَائِيل - يَعْنِي مِنْ أَرْض مِصْر - أَمَرَ مُوسَى بَنِي إسْرَائِيل أَنْ يَخْرُجُوا وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَعِيرُوا الْحُلِيّ مِنْ الْقِبْط . فَلَمَّا نَجَّى اللَّه مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل مِنْ الْبَحْر , وَغَرَّقَ آل فِرْعَوْن , أَتَى جِبْرِيل إلَى مُوسَى يَذْهَب بِهِ إلَى اللَّه , فَأَقْبَلَ عَلَى فَرَس فَرَآهُ السَّامِرِيّ , فَأَنْكَرَهُ , وَقَالَ : إنَّهُ فَرَس الْحَيَاة . فَقَالَ حِين رَآهُ : إنَّ لِهَذَا لَشَأْنًا . فَأَخَذَ مِنْ تُرْبَة الْحَافِر حَافِر الْفَرَس . فَانْطَلَقَ مُوسَى , وَاسْتَخْلَفَ هَارُونَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيل , وَوَاعَدَهُمْ ثَلَاثِينَ لَيْلَة , وَأَتَمَّهَا اللَّه بِعَشْرٍ . فَقَالَ لَهُمْ هَارُونَ : يَا بَنِي إسْرَائِيل ! إنَّ الْغَنِيمَة لَا تَحِلّ لَكُمْ , وَإِنَّ حُلِيّ الْقِبْط إنَّمَا هُوَ غَنِيمَة , فَأَجْمِعُوهَا جَمِيعًا , وَاحْفِرُوا لَهَا حُفْرَة فَادْفِنُوهَا , فَإِنْ جَاءَ مُوسَى فَأَحَلَّهَا أَخَذْتُمُوهَا , وَإِلَّا كَانَ شَيْئًا لَمْ تَأْكُلُوهُ . فَجَمَعُوا ذَلِكَ الْحُلِيّ فِي تِلْكَ الْحُفْرَة , وَجَاءَ السَّامِرِيّ بِتِلْك الْقَبْضَة , فَقَذَفَهَا , فَأَخْرَجَ اللَّه مِنْ الْحُلِيّ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَار . وَعُدْت بَنُو إسْرَائِيل مَوْعِد مُوسَى , فَعَدُّوا اللَّيْلَة يَوْمًا وَالْيَوْم يَوْمًا , فَلَمَّا كَانَ تَمَام الْعِشْرِينَ خَرَجَ لَهُمْ الْعِجْل ; فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالَ لَهُمْ السَّامِرِيّ : { هَذَا إلَهكُمْ وَإِلَه مُوسَى فَنَسِيَ } 20 88 يَقُول : تَرَكَ مُوسَى إلَهه هَهُنَا وَذَهَبَ يَطْلُبهُ . فَعَكَفُوا عَلَيْهِ يَعْبُدُونَهُ . وَكَانَ يَخُور وَيَمْشِي , فَقَالَ لَهُمْ هَارُونَ : يَا بَنِي إسْرَائِيل { إنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ } 20 90 يَقُول : إنَّمَا اُبْتُلِيتُمْ بِهِ - يَقُول : بِالْعِجْلِ - وَإِنَّ رَبّكُمْ الرَّحْمَن . فَأَقَامَ هَارُونَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ بَنِي إسْرَائِيل لَا يُقَاتِلُونَهُمْ . وَانْطَلَقَ مُوسَى إلَى إلَهه يُكَلِّمهُ , فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ لَهُ : { وَمَا أَعَجَلك عَنْ قَوْمك يَا مُوسَى قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْت إلَيْك رَبِّي لِتَرْضَى قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمك مِنْ بَعْدك وَأَضَلَّهُمْ السَّامِرِيّ } 20 83 : 85 فَأَخْبَرَهُ خَبَرهمْ . قَالَ مُوسَى : يَا رَبّ هَذَا السَّامِرِيّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتَّخِذُوا الْعِجْل , أَرَأَيْت الرُّوح مَنْ نَفَخَهَا فِيهِ ؟ قَالَ الرَّبّ : أَنَا . قَالَ : رَبّ أَنْتَ إذًا أَضْلَلْتهمْ . 774 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة عَنْ ابْن إسْحَاق , قَالَ : كَانَ فِيمَا ذُكِرَ لِي أَنَّ مُوسَى قَالَ لِبَنِي إسْرَائِيل فِيمَا أَمَرَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بِهِ : اسْتَعِيرُوا مِنْهُمْ - يَعْنِي مِنْ آل فِرْعَوْن - الْأَمْتِعَة وَالْحُلِيّ وَالثِّيَاب , فَإِنِّي مُنَفِّلكُمْ أَمْوَالهمْ مَعَ هَلَاكهمْ . فَلَمَّا أَذَّنَ فِرْعَوْن فِي النَّاس , كَانَ مِمَّا يُحَرِّض بِهِ عَلَى بَنِي إسْرَائِيل أَنْ قَالَ : حِين سَارَ وَلَمْ يَرْضَوْا أَنْ يَخْرُجُوا بِأَنْفُسِهِمْ حَتَّى ذَهَبُوا بِأَمْوَالِكُمْ مَعَهُمْ . 775 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : حَدَّثَنَا سَلَمَة , قَالَ : حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن إسْحَاق , عَنْ حَكِيم بْن جُبَيْر , عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَ السَّامِرِيّ رَجُلًا مِنْ أَهْل باجرما , وَكَانَ مِنْ قَوْم يَعْبُدُونَ الْبَقَر , وَكَانَ حُبّ عِبَادَة الْبَقَر فِي نَفْسه , وَكَانَ قَدْ أَظَهَرَ الْإِسْلَام فِي بَنِي إسْرَائِيل . فَلَمَّا فَضَلَ هَارُونَ فِي بَنِي إسْرَائِيل وَفَصَلَ مُوسَى إلَى رَبّه , قَالَ لَهُمْ هَارُونَ : أَنْتُمْ قَدْ حَمَلْتُمْ أَوْزَارًا مِنْ زِينَة الْقَوْم - آل فِرْعَوْن - وَأَمْتِعَة وَحُلِيًّا , فَتَطَهَّرُوا مِنْهَا , فَإِنَّهَا نَجَس . وَأَوْقَدَ لَهُمْ نَارًا , فَقَالَ : اقْذِفُوا مَا كَانَ مَعَكُمْ مِنْ ذَلِكَ فِيهَا ! قَالُوا : نَعَمْ . فَجَعَلُوا يَأْتُونَ بِمَا كَانَ مَعَهُمْ مِنْ تِلْكَ الْأَمْتِعَة وَذَلِكَ الْحُلِيّ , فَيُقْذَفُونَ بِهِ فِيهَا , حَتَّى إذَا تَكَسَّرَ الْحُلِيّ , فِيهَا وَرَأَى السَّامِرِيّ أَثَر فَرَس جِبْرِيل أَخَذَ تُرَابًا مِنْ أَثَر حَافِره , ثُمَّ أَقْبَلَ إلَى النَّار فَقَالَ لِهَارُون : يَا نَبِيّ اللَّه أَلْقِي مَا فِي يَدِي ؟ قَالَ : نَعَمْ . وَلَا يَظُنّ هَارُونَ إلَّا أَنَّهُ كَبَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ غَيْره مِنْ ذَلِكَ الْحُلِيّ وَالْأَمْتِعَة . فَقَذَفَهُ فِيهَا فَقَالَ : كُنْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَار ! فَكَانَ لِلْبَلَاءِ وَالْفِتْنَة , فَقَالَ : { هَذَا إلَهكُمْ وَإِلَه مُوسَى } 20 88 فَعَكَفُوا عَلَيْهِ , وَأَحَبُّوهُ حُبًّا لَمْ يُحِبُّوا مِثْله شَيْئًا قَطّ . يَقُول اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : { فَنَسِيَ } 20 88 أَيْ تَرَكَ مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِسْلَام , يَعْنِي السَّامِرِيّ , { أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِع إلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِك لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا } 20 89 وَكَانَ اسْم السَّامِرِيّ مُوسَى بْن ظَفَر , وَقَعَ فِي أَرْض مِصْر , فَدَخَلَ فِي بَنِي إسْرَائِيل . فَلَمَّا رَأَى هَارُونَ مَا وَقَعُوا فِيهِ : { قَالَ يَا قَوْم إنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبّكُمْ الرَّحْمَن فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي قَالُوا لَنْ نَبْرَح عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِع إلَيْنَا مُوسَى } 20 90 : 91 فَأَقَامَ هَارُونَ فِيمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِمَّنْ لَمْ يُفْتَتَن , وَأَقَامَ مَنْ يَعْبُد الْعِجْل عَلَى عِبَادَة الْعِجْل . وَتُخَوَّف هَارُونَ إنْ سَارَ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقُول لَهُ مُوسَى : { فَرَّقْت بَيْن بَنِي إسْرَائِيل وَلَمْ تَرْقُب قَوْلِي } 20 94 وَكَانَ لَهُ هَائِبًا مُطِيعًا . 776 - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : لَمَا أَنْجَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ بَنِي إسْرَائِيل مِنْ فِرْعَوْن , وَأَغْرَقَ فِرْعَوْن وَمَنْ مَعَهُ , قَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ : { اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِع سَبِيل الْمُفْسِدِينَ } 7 142 قَالَ : لَمَّا خَرَجَ مُوسَى وَأَمَرَ هَارُونَ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ , وَخَرَجَ مُوسَى مُتَعَجِّلًا مَسْرُورًا إلَى اللَّه . قَدْ عَرَفَ مُوسَى أَنَّ الْمَرْء إذَا نَجَحَ فِي حَاجَة سَيِّده كَانَ يُسْره أَنْ يَتَعَجَّل إلَيْهِ . قَالَ : وَكَانَ حِين خَرَجُوا اسْتَعَارُوا حُلِيًّا وَثِيَابًا مِنْ آل فِرْعَوْن , فَقَالَ لَهُمْ هَارُونَ : إنَّ هَذِهِ الثِّيَاب وَالْحُلِيّ لَا تَحِلّ لَكُمْ , فَاجْمَعُوا نَارًا , فَأَلْقَوْهُ فِيهَا فَأَحْرَقُوهُ ! قَالَ : فَجَمَعُوا نَارًا . قَالَ : وَكَانَ السَّامِرِيّ قَدْ نَظَرَ إلَى أَثَر دَابَّة جِبْرِيل , وَكَانَ جِبْرِيل عَلَى فَرَس أُنْثَى , وَكَانَ السَّامِرِيّ فِي قَوْم مُوسَى . قَالَ : فَنَظَرَ إلَى أَثَره فَقَبَضَ مِنْهُ قَبْضَة , فَيَبِسَتْ عَلَيْهَا يَده ; فَلَمَّا أَلْقَى قَوْم مُوسَى الْحُلِيّ فِي النَّار , وَأَلْقَى السَّامِرِيّ مَعَهُمْ الْقَبْضَة , صَوَّرَ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ ذَلِكَ لَهُمْ عِجْلًا ذَهَبًا , فَدَخَلَتْهُ الرِّيح , فَكَانَ لَهُ خُوَار , فَقَالُوا : مَا هَذَا ؟ فَقَالَ : السَّامِرِيّ الْخَبِيث : { هَذَا إلَهكُمْ وَإِلَه مُوسَى فَنَسِيَ } . . . الْآيَة , إلَى قَوْله : { حَتَّى يَرْجِع إلَيْنَا مُوسَى } 20 88 : 91 قَالَ : حَتَّى إذَا أَتَى مُوسَى الْمَوْعِد , قَالَ اللَّه : { مَا أَعْجَلَك عَنْ قَوْمك يَا مُوسَى قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي } فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { أَفَطَالَ عَلَيْكُمْ الْعَهْد } 20 86 777 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم بْن الْحَسَن , قَالَ : حَدَّثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْله : { ثُمَّ اتَّخَذْتُمْ الْعِجْل مِنْ بَعْده } قَالَ : الْعِجْل حَسِيل الْبَقَرَة . قَالَ : حُلِيّ اسْتَعَارُوهُ مِنْ آل فِرْعَوْن , فَقَالَ لَهُمْ هَارُونَ : أَخَرَجُوهُ فَتَطَهَّرُوا مِنْهُ وَأَحْرَقُوهُ ! وَكَانَ السَّامِرِيّ قَدْ أَخَذَ قَبْضَة مِنْ أَثَر فَرَس جِبْرِيل , فَطَرَحَهُ فِيهِ فَانْسَبَكَ , وَكَانَ لَهُ كَالْجَوْفِ تَهْوِي فِيهِ الرِّيَاح . 778 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا آدَم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو جَعْفَر , عَنْ الرَّبِيع , عَنْ أَبِي الْعَالِيَة , قَالَ : إنَّمَا سُمِّيَ الْعِجْل , لِأَنَّهُمْ عَجَّلُوا فَاِتَّخَذُوهُ قَبْل أَنْ يَأْتِيهِمْ مُوسَى . * حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو الْبَاهِلِيّ , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : حَدَّثَنِي عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد بِنَحْوِ حَدِيث الْقَاسِم , عَنْ الْحَسَن . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : حَدَّثَنَا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , بِنَحْوِهِ . وَتَأْوِيل قَوْله { وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ } يَعْنِي وَأَنْتُمْ وَاضِعُو الْعِبَادَة فِي غَيْر مَوْضِعهَا ; لِأَنَّ الْعِبَادَة لَا تَنْبَغِي إلَّا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَعَبَدْتُمْ أَنْتُمْ الْعِجْل ظُلْمًا مِنْكُمْ وَوَضْعًا لِلْعِبَادَةِ فِي غَيْر مَوْضِعهَا . وَقَدْ دَلَّلْنَا فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع مِمَّا مَضَى مِنْ كِتَابنَا أَنَّ أَصْل كُلّ ظُلْم وَضْع الشَّيْء فِي غَيْر مَوْضِعه , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع .

تفسير القرطبي

قَرَأَ أَبُو عَمْرو " وَعَدْنَا " بِغَيْرِ أَلِف , وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد وَرَجَّحَهُ وَأَنْكَرَ " وَاعَدْنَا " قَالَ : لِأَنَّ الْمُوَاعَدَة إِنَّمَا تَكُون مِنْ الْبَشَر فَأَمَّا اللَّه جَلَّ وَعَزَّ فَإِنَّمَا هُوَ الْمُنْفَرِد بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيد . عَلَى هَذَا وَجَدْنَا الْقُرْآن , كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : " وَعَدَكُمْ وَعْد الْحَقّ " ( إِبْرَاهِيم : 22 ) وَقَوْله : " وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَات " ( الْفَتْح : 29 ) وَقَوْله : " وَإِذْ يَعِدكُمْ اللَّه إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ " [ الْأَنْفَال : 7 ] قَالَ مَكِّيّ : وَأَيْضًا فَإِنَّ ظَاهِر اللَّفْظ فِيهِ وَعْد مِنْ اللَّه تَعَالَى لِمُوسَى , وَلَيْسَ فِيهِ وَعْد مِنْ مُوسَى , فَوَجَبَ حَمْله عَلَى الْوَاحِد , لِظَاهِرِ النَّصّ أَنَّ الْفِعْل مُضَاف إِلَى اللَّه تَعَالَى وَحْده , وَهِيَ قِرَاءَة الْحَسَن وَأَبِي رَجَاء وَأَبِي جَعْفَر وَشَيْبَة وَعِيسَى بْن عُمَر , وَبِهِ قَرَأَ قَتَادَة وَابْن أَبِي إِسْحَاق قَالَ أَبُو حَاتِم : قِرَاءَة الْعَامَّة عِنْدنَا " وَعَدْنَا " بِغَيْرِ أَلِف ; لِأَنَّ الْمُوَاعَدَة أَكْثَر مَا تَكُون بَيْن الْمَخْلُوقِينَ وَالْمُتَكَافِئِينَ , كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا يَعِد صَاحِبه . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : الْمِيعَاد : الْمُوَاعَدَة وَالْوَقْت وَالْمَوْضِع . قَالَ مَكِّيّ : الْمُوَاعَدَة أَصْلهَا مِنْ اِثْنَيْنِ , وَقَدْ تَأْتِي الْمُفَاعَلَة مِنْ وَاحِد فِي كَلَام الْعَرَب , قَالُوا : طَارَقْت النَّعْل , وَدَاوَيْت الْعَلِيل , وَعَاقَبْت اللِّصّ , وَالْفِعْل مِنْ وَاحِد . فَيَكُون لَفْظ الْمُوَاعَدَة مِنْ اللَّه خَاصَّة لِمُوسَى كَمَعْنَى وَعَدْنَا , فَتَكُون الْقِرَاءَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِد وَالِاخْتِيَار " وَاعَدْنَا " بِالْأَلِفِ لِأَنَّهُ بِمَعْنَى " وَعَدْنَا " فِي أَحَد مَعْنَيَيْهِ , وَلِأَنَّهُ لَا بُدَّ لِمُوسَى مِنْ وَعْد أَوْ قَبُول يَقُوم مَقَام الْوَعْد فَتَصِحّ الْمُفَاعَلَة . قَالَ النَّحَّاس : وَقِرَاءَة " وَاعَدْنَا " بِالْأَلِفِ أَجْوَد وَأَحْسَن , وَهِيَ قِرَاءَة مُجَاهِد وَالْأَعْرَج وَابْن كَثِير وَنَافِع وَالْأَعْمَش وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ , وَلَيْسَ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " وَعَدَ اللَّه الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَات " مِنْ هَذَا فِي شَيْء ; لِأَنَّ " وَاعَدْنَا مُوسَى " إِنَّمَا هُوَ مِنْ بَاب الْمُوَافَاة , وَلَيْسَ هَذَا مِنْ الْوَعْد وَالْوَعِيد فِي شَيْء , وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِك : مَوْعِدك يَوْم الْجُمُعَة , وَمَوْعِدك مَوْضِع كَذَا . وَالْفَصِيح فِي هَذَا أَنْ يُقَال : وَاعَدْته . قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج : " وَاعَدْنَا " هَا هُنَا بِالْأَلِفِ جَيِّد , لِأَنَّ الطَّاعَة فِي الْقَبُول بِمَنْزِلَةِ الْمُوَاعَدَة , فَمِنْ اللَّه جَلَّ وَعَزَّ وَعْد , وَمِنْ مُوسَى قَبُول وَاتِّبَاع يَجْرِي مَجْرَى الْمُوَاعَدَة . قَالَ اِبْن عَطِيَّة . وَرَجَّحَ أَبُو عُبَيْدَة " وَعَدْنَا " وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ ; لِأَنَّ قَبُول مُوسَى لِوَعْدِ اللَّه وَالْتِزَامه وَارْتِقَابه يُشْبِه الْمُوَاعَدَة . " مُوسَى " مُوسَى اِسْم أَعْجَمِيّ لَا يَنْصَرِف لِلْعُجْمَةِ وَالتَّعْرِيف وَالْقِبْط عَلَى - مَا يُرْوَى - يَقُولُونَ لِلْمَاءِ : مُو , وَلِلشَّجَرِ : شَا . فَلَمَّا وُجِدَ مُوسَى فِي التَّابُوت عِنْد مَاء وَشَجَر سُمِّيَ مُوسَى . قَالَ السُّدِّيّ : لَمَّا خَافَتْ عَلَيْهِ أُمّه جَعَلَتْهُ فِي التَّابُوت وَأَلْقَتْهُ فِي الْيَمّ - كَمَا أَوْحَى اللَّه إِلَيْهَا - فَأَلْقَتْهُ فِي الْيَمّ بَيْن أَشْجَار عِنْد بَيْت فِرْعَوْن , فَخَرَجَ جَوَارِي آسِيَة اِمْرَأَة فِرْعَوْن يَغْتَسِلْنَ فَوَجَدْنَهُ , فَسُمِّيَ بِاسْمِ الْمَكَان . وَذَكَرَ النَّقَّاش وَغَيْره : أَنَّ اِسْم الَّذِي اِلْتَقَطَتْهُ صابوث . قَالَ اِبْن إِسْحَاق : وَمُوسَى هُوَ مُوسَى بْن عِمْرَان بْن يصهر بْن قاهث بْن لاوي بْن يَعْقُوب إِسْرَائِيل اللَّه بْن إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام . " أَرْبَعِينَ لَيْلَة " أَرْبَعِينَ نَصْب عَلَى الْمَفْعُول الثَّانِي , وَفِي الْكَلَام حَذْف قَالَ الْأَخْفَش : التَّقْدِير وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى تَمَام أَرْبَعِينَ لَيْلَة كَمَا قَالَ " وَاسْأَلْ الْقَرْيَة " وَالْأَرْبَعُونَ كُلّهَا دَاخِلَة فِي الْمِيعَاد وَالْأَرْبَعُونَ فِي قَوْل أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ ذُو الْقَعْدَة وَعَشْرَة مِنْ ذِي الْحَجَّة , وَكَانَ ذَلِكَ بَعْد أَنْ جَاوَزَ الْبَحْر وَسَأَلَهُ قَوْمه أَنْ يَأْتِيهِمْ بِكِتَابٍ مِنْ عِنْد اللَّه فَخَرَجَ إِلَى الطُّور فِي سَبْعِينَ مِنْ خِيَار بَنِي إِسْرَائِيل وَصَعِدُوا الْجَبَل وَوَاعَدَهُمْ إِلَى تَمَام أَرْبَعِينَ لَيْلَة فَعَدُّوا فِيمَا ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ عِشْرِينَ يَوْمًا وَعِشْرِينَ لَيْلَة وَقَالُوا قَدْ أَخْلَفَنَا مَوْعِده فَاِتَّخَذُوا الْعِجْل وَقَالَ لَهُمْ السَّامِرِيّ هَذَا إِلَهكُمْ وَإِلَه مُوسَى فَاطْمَأَنُّوا إِلَى قَوْله وَنَهَاهُمْ هَارُون وَقَالَ " يَا قَوْم إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبّكُمْ الرَّحْمَن فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي قَالُوا لَنْ نَبْرَح عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِع إِلَيْنَا مُوسَى " ( طَه : 90 ) فَلَمْ يَتَّبِعْ هَارُون وَلَمْ يُطِعْهُ فِي تَرْك عِبَادَة الْعِجْل إِلَّا اِثْنَا عَشَر أَلْفًا فِيمَا رُوِيَ فِي الْخَبَر وَتَهَافَتَ فِي عِبَادَته سَائِرهمْ وَهُمْ أَكْثَر مِنْ أَلْفَيْ أَلْف فَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى وَوَجَدَهُمْ عَلَى تِلْكَ الْحَال أَلْقَى الْأَلْوَاح فَرُفِعَ مِنْ جُمْلَتهَا سِتَّة أَجْزَاء وَبَقِيَ جُزْء وَاحِد , وَهُوَ الْحَلَال وَالْحَرَام وَمَا يَحْتَاجُونَ , وَأَحْرَقَ الْعِجْل وَذَرَاهُ فِي الْبَحْر فَشَرِبُوا مِنْ مَائِهِ حُبًّا لِلْعِجْلِ فَظَهَرَتْ عَلَى شِفَاهِهِمْ صُفْرَة وَوَرِمَتْ بُطُونهمْ فَتَابُوا وَلَمْ تُقْبَل تَوْبَتهمْ دُون أَنْ يَقْتُلُوا أَنْفُسهمْ فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى " فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسكُمْ " [ الْبَقَرَة : 54 ] فَقَامُوا بِالْخَنَاجِرِ وَالسُّيُوف بَعْضهمْ إِلَى بَعْض مِنْ لَدُنْ طُلُوع الشَّمْس إِلَى اِرْتِفَاع الضُّحَى فَقَتَلَ بَعْضهمْ بَعْضًا لَا يَسْأَل وَالِد عَنْ وَلَده وَلَا وَلَد عَنْ وَالِده وَلَا أَخ عَنْ أَخِيهِ وَلَا أَحَد عَنْ أَحَد كُلّ مَنْ اِسْتَقْبَلَهُ ضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ وَضَرَبَهُ الْآخَر بِمِثْلِهِ حَتَّى عَجَّ مُوسَى إِلَى اللَّه صَارِخًا يَا رَبَّاهُ قَدْ فَنِيَتْ بَنُو إِسْرَائِيل فَرَحِمَهُمْ اللَّه وَجَادَ عَلَيْهِمْ بِفَضْلِهِ فَقَبِلَ تَوْبَة مَنْ بَقِيَ وَجَعَلَ مَنْ قُتِلَ فِي الشُّهَدَاء عَلَى مَا يَأْتِي . إِنْ قِيلَ لِمَ خَصَّ اللَّيَالِي بِالذِّكْرِ دُون الْأَيَّام ؟ قِيلَ لَهُ لِأَنَّ اللَّيْلَة أَسْبَق مِنْ الْيَوْم فَهِيَ قَبْله فِي الرُّتْبَة ; وَلِذَلِكَ وَقَعَ بِهَا التَّارِيخ فَاللَّيَالِي أَوَّل الشُّهُور وَالْأَيَّام تَبَع لَهَا قَالَ النَّقَّاش : فِي هَذِهِ الْآيَة إِشَارَة إِلَى صِلَة الصَّوْم ; لِأَنَّهُ تَعَالَى لَوْ ذَكَرَ الْأَيَّام لَأَمْكَنَ أَنْ يُعْتَقَد أَنَّهُ كَانَ يُفْطِر بِاللَّيْلِ فَلَمَّا نَصَّ عَلَى اللَّيَالِي اِقْتَضَتْ قُوَّة الْكَلَام أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام وَاصَلَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا بِلَيَالِيِهَا قَالَ اِبْن عَطِيَّة : سَمِعْت أَبِي يَقُول : سَمِعْت الشَّيْخ الزَّاهِد الْإِمَام الْوَاعِظ أَبَا الْفَضْل الْجَوْهَرِيّ رَحِمَهُ اللَّه يَعِظ النَّاس فِي الْخَلْوَة بِاَللَّهِ وَالدُّنُوّ مِنْهُ فِي الصَّلَاة وَنَحْوه وَأَنَّ ذَلِكَ يَشْغَل عَنْ كُلّ طَعَام وَشَرَاب وَيَقُول أَيْنَ حَال مُوسَى فِي الْقُرْب مِنْ اللَّه وَوِصَال ثَمَانِينَ مِنْ الدَّهْر مِنْ قَوْله حِين سَارَ إِلَى الْخَضِر لِفَتَاهُ فِي بَعْض يَوْم " آتِنَا غَدَاءَنَا " [ الْكَهْف : 62 ] قُلْت : وَبِهَذَا اِسْتَدَلَّ عُلَمَاء الصُّوفِيَّة عَلَى الْوِصَال , وَأَنَّ أَفْضَله أَرْبَعُونَ يَوْمًا وَسَيَأْتِي الْكَلَام فِي الْوِصَال فِي آي الصِّيَام مِنْ هَذِهِ السُّورَة إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى وَيَأْتِي فِي " الْأَعْرَاف " زِيَادَة أَحْكَام لِهَذِهِ الْآيَة عِنْد قَوْله تَعَالَى " وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَة " [ الْأَعْرَاف : 142 ] وَيَأْتِي لِقِصَّةِ الْعِجْل بَيَان فِي كَيْفِيَّته وَخُوَاره هُنَاكَ وَفِي " طَه " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . أَيْ اِتَّخَذْتُمُوهُ إِلَهًا مِنْ بَعْد مُوسَى وَأَصْل اِتَّخَذْتُمْ اِئْتَخَذْتُمْ مِنْ الْأَخْذ وَوَزْنه اِفْتَعَلْتُمْ سُهِّلَتْ الْهَمْزَة الثَّانِيَة لِامْتِنَاعِ هَمْزَتَيْنِ فَجَاءَ اِيتَخَذْتُمْ فَاضْطَرَبَتْ الْيَاء فِي التَّصْرِيف جَاءَتْ أَلِفًا فِي يَاتَّخِذْ وَوَاوًا فِي مُوتَّخِذ فَبُدِّلَتْ بِحَرْف جَلْد ثَابِت مِنْ جِنْس مَا بَعْدهَا وَهِيَ التَّاء وَأُدْغِمَتْ ثُمَّ اُجْتُلِبَتْ أَلِف الْوَصْل لِلنُّطْقِ , وَقَدْ يُسْتَغْنَى عَنْهَا إِذَا كَانَ مَعْنَى الْكَلَام التَّقْرِير كَقَوْلِهِ تَعَالَى " قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْد اللَّه عَهْدًا " [ الْبَقَرَة : 80 ] فَاسْتَغْنَى عَنْ أَلِف الْوَصْل بِأَلِفِ التَّقْرِير قَالَ الشَّاعِر : اِسْتَحْدَثَ الرَّكْب عَنْ أَشْيَاعِهِمْ خَبَرًا أَمْ رَاجَعَ الْقَلْب مِنْ أَطْرَابِه طَرَب وَنَحْوه فِي الْقُرْآن " أَطَّلَعَ الْغَيْب " [ مَرْيَم : 68 ] " أَصْطَفَى الْبَنَات " [ الصَّافَّات : 153 ] " أَسْتَكْبَرْت أَمْ كُنْت " [ ص : 75 ] وَمَذْهَب أَبِي عَلِيّ الْفَارِسِيّ أَنَّ " اِتَّخَذْتُمْ " مِنْ تَخِذَ لَا مِنْ أَخَذَ جُمْلَة فِي مَوْضِع الْحَال وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الظُّلْم وَالْحَمْد لِلَّهِ

غريب الآية
وَإِذۡ وَ ٰ⁠عَدۡنَا مُوسَىٰۤ أَرۡبَعِینَ لَیۡلَةࣰ ثُمَّ ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَنتُمۡ ظَـٰلِمُونَ ﴿٥١﴾
ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَأي مَعبْوداً لكم من دونِ اللهِ.
ٱتَّخَذۡتُمُ ٱلۡعِجۡلَأي مَعْبوداً.
الإعراب
(وَإِذْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِذْ) : ظَرْفُ زَمَانٍ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ "اذْكُرْ".
(وَاعَدْنَا)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(مُوسَى)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ.
(أَرْبَعِينَ)
مَفْعُولٌ بِهِ ثَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِجَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ.
(لَيْلَةً)
تَمْيِيزٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(ثُمَّ)
حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحٍ.
(اتَّخَذْتُمُ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ، وَ"تَاءُ الْفَاعِلِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(الْعِجْلَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(بَعْدِهِ)
اسْمٌ ظَرْفِيٌّ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَأَنْتُمْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ حَالٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَنْتُمْ) : ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(ظَالِمُونَ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الْوَاوُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ حَالٌ.