سورة البقرة الآية ٤٨
سورة البقرة الآية ٤٨
وَٱتَّقُوا۟ یَوۡمࣰا لَّا تَجۡزِی نَفۡسٌ عَن نَّفۡسࣲ شَیۡـࣰٔا وَلَا یُقۡبَلُ مِنۡهَا شَفَـٰعَةࣱ وَلَا یُؤۡخَذُ مِنۡهَا عَدۡلࣱ وَلَا هُمۡ یُنصَرُونَ ﴿٤٨﴾
تفسير السعدي
وخوفهم بيوم القيامة الذي " لَا تَجْزِي " فيه أي: لا تغني " نَفْسٌ " ولو كانت من الأنفس الكريمة كالأنبياء والصالحين " عَنْ نَفْسٍ " ولو كانت من العشيرة الأقربين " شَيْئًا " لا كبيرا ولا صغيرا وإنما ينفع الإنسان عمله الذي قدمه. " وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا " أي: النفس, شفاعة لأحد بدون إذن الله ورضاه عن المشفوع له, ولا يرضى منه العمل إلا ما أريد به وجهه وكان على السبيل والسنة. " وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ " أي: فداء " ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب " ولا يقبل منهم ذلك " وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ " أي: يدفع عنهم المكروه. فنفى الانتفاع من الخلق بوجه من الوجوه. فقوله " لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا " هذا في تحصيل المنافع. " وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ " هذا في دفع المضار, فهذا النفي للأمر المستقبل به النافع. ولا تقبل منها شفاعة, ولا يؤخذ منها عدل, هذا نفي للنفع الذي يطلب ممن يملكه بعوض, كالعدل, أو بغيره, كالشفاعة. فهذا يوجب للعبد أن ينقطع قلبه من التعلق بالمخلوقين, لعلمه أنهم لا يملكون له مثقال ذرة من النفع, وأن يعلقه بالله الذي يجلب المنافع, ويدفع المضار, فيعبده وحده لا شريك له ويستعين على عبادته.
التفسير الميسر
وخافوا يوم القيامة، يوم لا يغني أحد عن أحد شيئًا، ولا يقبل الله شفاعة في الكافرين، ولا يقبل منهم فدية، ولو كانت أموال الأرض جميعًا، ولا يملك أحد في هذا اليوم أن يتقدم لنصرتهم وإنقاذهم من العذاب.
تفسير الجلالين
"وَاتَّقُوا" خَافُوا "يَوْمًا" وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة "لَا تَجْزِي نَفْس عَنْ نَفْس شَيْئًا" "لَا تَجْزِي" فِيهِ "نَفْس عَنْ نَفْس شَيْئًا" "وَلَا يُقْبَل" بِالتَّاءِ وَالْيَاء "مِنْهَا شَفَاعَة" أَيْ لَيْسَ لَهَا شَفَاعَة فَتُقْبَل "فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ" "عَدْل" فِدَاء "وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ" يُمْنَعُونَ مِنْ عَذَاب اللَّه
تفسير ابن كثير
لَمَّا ذَكَّرَهُمْ تَعَالَى بِنِعَمِهِ أَوَّلًا عَطَفَ عَلَى ذَلِكَ التَّحْذِير مِنْ طُول نِقَمه يَوْم الْقِيَامَة فَقَالَ : " وَاتَّقُوا يَوْمًا " يَعْنِي يَوْم الْقِيَامَة لَا تَجْزِي نَفْس عَنْ نَفْس شَيْئًا أَيْ لَا يُغْنِي أَحَد عَنْ أَحَد كَمَا قَالَ " وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى " وَقَالَ : " لِكُلِّ اِمْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيه " وَقَالَ : " يَا أَيُّهَا النَّاس اِتَّقُوا رَبّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَده وَلَا مَوْلُود هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِده شَيْئًا " فَهَذَا أَبْلَغ الْمَقَامَات أَنَّ كُلًّا مِنْ الْوَالِد وَوَلَده لَا يُغْنِي أَحَدهمَا عَنْ الْآخَر شَيْئًا وَقَوْله تَعَالَى " وَلَا يُقْبَل مِنْهَا شَفَاعَة " يَعْنِي مِنْ الْكَافِرِينَ كَمَا قَالَ " فَمَا تَنْفَعهُمْ شَفَاعَة الشَّافِعِينَ" وَكَمَا قَالَ عَنْ أَهْل النَّار " فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ وَلَا صَدِيق حَمِيم " وَقَوْله تَعَالَى " وَلَا يُؤْخَذ مِنْهَا عَدْل " أَيْ لَا يُقْبَل مِنْهَا فَدَاء كَمَا قَالَ تَعَالَى " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّار فَلَنْ يُقْبَل مِنْ أَحَدهمْ مِلْء الْأَرْض ذَهَبًا وَلَوْ اِفْتَدَى بِهِ " وَقَالَ " إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْض جَمِيعًا وَمِثْله مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَاب يَوْم الْقِيَامَة مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَاب أَلِيم " وَقَالَ تَعَالَى " وَإِنْ تَعْدِل كُلّ عَدْل لَا يُؤْخَذ مِنْهَا " وَقَالَ " فَالْيَوْم لَا يُؤْخَذ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمْ النَّار هِيَ مَوْلَاكُمْ" الْآيَة . فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِرَسُولِهِ وَيُتَابِعُوهُ عَلَى مَا بَعَثَهُ بِهِ وَوَافَوْا اللَّه يَوْم الْقِيَامَة عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعهُمْ قَرَابَة قَرِيب وَلَا شَفَاعَة ذِي جَاه وَلَا يُقْبَل مِنْهُمْ فِدَاء وَلَوْ بِمِلْءِ الْأَرْض ذَهَبًا كَمَا قَالَ تَعَالَى " مِنْ قَبْل أَنْ يَأْتِي يَوْم لَا بَيْع فِيهِ وَلَا خُلَّة وَلَا شَفَاعَة " وَقَالَ " لَا بَيْع فِيهِ وَلَا خِلَال " قَالَ : سُنَيْد حَدَّثَنِي حَجَّاج حَدَّثَنِي اِبْن جُرَيْج قَالَ : قَالَ مُجَاهِد قَالَ اِبْن عَبَّاس " وَلَا يُؤْخَذ مِنْهَا عَدْل " قَالَ بَدَل وَالْبَدَل الْفِدْيَة وَقَالَ السُّدِّيّ أَمَّا عَدْل فَيُعَدُّ لَهَا مِنْ الْعَدْل يَقُول لَوْ جَاءَتْ بِمِلْءِ الْأَرْض ذَهَبًا تَفْتَدِي بِهِ مَا تُقَبِّل مِنْهَا وَكَذَا قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ وَقَالَ أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس عَنْ أَبِي الْعَالِيَة فِي قَوْله " وَلَا يُقْبَل مِنْهَا عَدْل " يَعْنِي فِدَاء قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مَالِك وَالْحَسَن وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَقَتَادَة وَالرَّبِيع بْن أَنَس نَحْو ذَلِكَ وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق أَنْبَأَنَا الثَّوْرِيّ عَنْ الْأَعْمَش عَنْ إِبْرَاهِيم التَّيْمِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فِي حَدِيث طَوِيل قَالَ وَالصَّرْف وَالْعَدْل التَّطَوُّع وَالْفَرِيضَة وَكَذَا قَالَ الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ عُثْمَان بْن أَبِي الْعَاتِكَة عَنْ عُمَيْر بْن هَانِئ وَهَذَا الْقَوْل غَرِيب هَاهُنَا وَالْقَوْل الْأَوَّل أَظْهَر فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة وَقَدْ وَرَدَ حَدِيث يُقَوِّيه وَهُوَ مَا قَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنِي نَجِيح بْن إِبْرَاهِيم حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن حَكِيم حَدَّثَنَا حُمَيْد بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرو بْن قَيْس الْمُلَائِيّ عَنْ رَجُل مِنْ بَنِي أُمَيَّة مِنْ أَهْل الشَّام أَحْسَن عَلَيْهِ الثَّنَاء قَالَ قِيلَ يَا رَسُول اللَّه مَا الْعَدْل ؟ قَالَ " الْعَدْل الْفِدْيَة " وَقَوْله تَعَالَى " وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ " أَيْ وَلَا أَحَد يَغْضَب لَهُمْ فَيَنْصُرهُمْ وَيُنْقِذهُمْ مِنْ عَذَاب اللَّه كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا يَعْطِف عَلَيْهِمْ ذُو قَرَابَة وَلَا ذُو جَاه وَلَا يُقْبَل مِنْهُمْ فِدَاء هَذَا كُلّه مِنْ جَانِب التَّلَطُّف وَلَا لَهُمْ نَاصِر مِنْ أَنْفُسهمْ وَلَا مِنْ غَيْرهمْ كَمَا قَالَ" فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّة وَلَا نَاصِر " أَيْ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَقْبَل فِيمَنْ كَفَرَ بِهِ فِدْيَة وَلَا شَفَاعَة وَلَا يُنْقِذ أَحَدًا مِنْ عَذَابه مُنْقِذ وَلَا يُخَلِّص مِنْهُ أَحَد وَلَا يُجِير مِنْهُ أَحَد كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَهُوَ يُجِير وَلَا يُجَار عَلَيْهِ " وَقَالَ " فَيَوْمَئِذٍ لَا يُعَذِّب عَذَابه أَحَد وَلَا يُوثِق وَثَاقه أَحَد " وَقَالَ " مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمْ الْيَوْم مُسْتَسْلِمُونَ" وَقَالَ " فَلَوْلَا نَصَرَهُمْ الَّذِينَ اِتَّخَذُوا مِنْ دُون اللَّه قُرْبَانًا آلِهَة بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ " الْآيَة وَقَالَ : الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى " مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ" مَا لَكُمْ الْيَوْم لَا تُمَانِعُونَ مِنَّا هَيْهَاتَ لَيْسَ ذَلِكَ لَكُمْ الْيَوْم قَالَ اِبْن جَرِير وَتَأْوِيل قَوْله " وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ " يَعْنِي أَنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ لَا يَنْصُرهُمْ نَاصِر كَمَا لَا يَشْفَع لَهُمْ شَافِع وَلَا يُقْبَل مِنْهُمْ عَدْل وَلَا فِدْيَة بَطَلَتْ هُنَالِكَ الْمُحَابَاة وَاضْمَحَلَّتْ الرُّشَى وَالشَّفَاعَات وَارْتَفَعَ مِنْ الْقَوْم التَّنَاصُر وَالتَّعَاوُن وَصَارَ الْحُكْم إِلَى الْجَبَّار الْعَدْل الَّذِي لَا يَنْفَع لَدَيْهِ الشُّفَعَاء وَالنُّصَرَاء فَيَجْزِي بِالسَّيِّئَةِ مِثْلهَا وَبِالْحَسَنَةِ أَضْعَافهَا وَذَلِكَ نَظِير قَوْله تَعَالَى " وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ بَلْ هُمْ الْيَوْم مُسْتَسْلِمُونَ " .
تفسير القرطبي
أَمْر مَعْنَاهُ الْوَعِيد وَقَدْ مَضَى الْكَلَام فِي التَّقْوَى " يَوْمًا " يُرِيد عَذَابه وَهَوْله وَهُوَ يَوْم الْقِيَامَة وَانْتَصَبَ عَلَى الْمَفْعُول بِـ " اِتَّقُوا " وَيَجُوز فِي غَيْر الْقُرْآن يَوْم لَا تَجْزِي عَلَى الْإِضَافَة وَفِي الْكَلَام حَذْف بَيْن النَّحْوِيِّينَ فِيهِ اِخْتِلَاف قَالَ الْبَصْرِيُّونَ التَّقْدِير يَوْمًا لَا تَجْزِي فِيهِ نَفْس عَنْ نَفْس شَيْئًا ثُمَّ حَذَفَ فِيهِ كَمَا قَالَ وَيَوْمًا شَهِدْنَاهُ سَلِيمًا وَعَامِرًا أَيْ شَهِدْنَا فِيهِ وَقَالَ الْكِسَائِيّ : هَذَا خَطَأ لَا يَجُوز حَذْف " فِيهِ " وَلَكِنَّ التَّقْدِير وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِيه نَفْس ثُمَّ حَذَفَ الْهَاء , وَإِنَّمَا يَجُوز حَذْف الْهَاء ; لِأَنَّ الظُّرُوف عِنْده لَا يَجُوز حَذْفهَا قَالَ : لَا يَجُوز أَنْ تَقُول هَذَا رَجُلًا قَصَدْت وَلَا رَأَيْت رَجُلًا أَرْغَب وَأَنْتَ تُرِيد قَصَدْت إِلَيْهِ وَأَرْغَب فِيهِ قَالَ : وَلَوْ جَازَ ذَلِكَ لَجَازَ الَّذِي تَكَلَّمْت زَيْد بِمَعْنَى تَكَلَّمْت فِيهِ زَيْد , وَقَالَ الْفَرَّاء : يَجُوز أَنْ تُحْذَف الْهَاء وَفِيهِ وَحَكَى الْمَهْدَوِيّ أَنَّ الْوَجْهَيْنِ جَائِزَانِ عِنْد سِيبَوَيْهِ وَالْأَخْفَش وَالزَّجَّاج وَمَعْنَى " لَا تَجْزِي نَفْس عَنْ نَفْس شَيْئًا " أَيْ لَا تُؤَاخَذ نَفْس بِذَنْبِ أُخْرَى وَلَا تَدْفَع عَنْهَا شَيْئًا تَقُول جَزَى عَنِّي هَذَا الْأَمْر يَجْزِي كَمَا تَقُول قَضَى عَنِّي وَاجْتَزَأْت بِالشَّيْءِ اِجْتِزَاء إِذَا اِكْتَفَيْت بِهِ قَالَ الشَّاعِر فَإِنَّ الْغَدْر فِي الْأَقْوَام عَارٍ وَإِنَّ الْحُرّ يُجْزَأ بِالْكُرَاعِ أَيْ يَكْتَفِي بِهَا وَفِي حَدِيث عُمَر ( إِذَا أَجْرَيْت الْمَاء عَلَى الْمَاء جَزَى عَنْك ) يُرِيد إِذَا صَبَبْت الْمَاء عَلَى الْبَوْل فِي الْأَرْض فَجَرَى عَلَيْهِ طَهُرَ الْمَكَان , وَلَا حَاجَة بِك إِلَى غَسْل ذَلِكَ الْمَوْضِع وَتَنْشِيف الْمَاء بِخِرْقَةٍ أَوْ غَيْرهَا كَمَا يَفْعَل كَثِير مِنْ النَّاس وَفِي صَحِيح الْحَدِيث عَنْ أَبِي بُرْدَة بْن نِيَار فِي الْأُضْحِيَّة ( لَنْ تَجْزِي عَنْ أَحَد بَعْدك ) أَيْ لَنْ تُغْنِي فَمَعْنَى لَا تَجْزِي لَا تَقْضِي وَلَا تُغْنِي وَلَا تَكْفِي إِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا شَيْء فَإِنْ كَانَ فَإِنَّهَا تَجْزِي وَتَقْضِي وَتُغْنِي بِغَيْرِ اِخْتِيَارهَا مِنْ حَسَنَاتهَا مَا عَلَيْهَا مِنْ الْحُقُوق كَمَا فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ( مَنْ كَانَتْ عِنْده مَظْلِمَة لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضه أَوْ شَيْء فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْم قَبْل أَلَّا يَكُون دِينَار وَلَا دِرْهَم إِنْ كَانَ لَهُ عَمَل صَالِح أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلِمَته وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَات أُخِذَ مِنْ سَيِّئَات صَاحِبه فَحُمِلَ عَلَيْهِ ) خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ وَمِثْله حَدِيثه الْآخَر فِي الْمُفْلِس وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي التَّذْكِرَة خَرَّجَهُ مُسْلِم وَقُرِئَ " تُجْزِئ " بِضَمِّ التَّاء وَالْهَمْز وَيُقَال جَزَى وَأَجْزَى بِمَعْنًى وَاحِد وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنهمَا قَوْم فَقَالُوا جَزَى بِمَعْنَى قَضَى وَكَافَأَ وَأَجْزَى بِمَعْنَى أَغْنَى وَكَفَى أَجْزَأَنِي الشَّيْء يُجْزِئنِي أَيْ كَفَانِي قَالَ الشَّاعِر وَأَجْزَأْت أَمْر الْعَالَمِينَ وَلَمْ يَكُنْ لِيُجْزِئ إِلَّا كَامِل وَابْن كَامِل الشَّفَاعَة مَأْخُوذَة مِنْ الشَّفْع وَهُمَا الِاثْنَانِ تَقُول كَانَ وِتْرًا فَشَفَعْته شَفْعًا وَالشُّفْعَة مِنْهُ لِأَنَّك تَضُمّ مِلْك شَرِيكك إِلَى مِلْكك وَالشَّفِيع صَاحِب الشُّفْعَة وَصَاحِب الشَّفَاعَة وَنَاقَة شَافِع إِذَا اِجْتَمَعَ لَهَا حَمْل وَوَلَد يَتْبَعهَا تَقُول مِنْهُ شَفَعَتْ النَّاقَة شَفْعًا وَنَاقَة شَفُوع , وَهِيَ الَّتِي تَجْمَع بَيْن مِحْلَبَيْنِ فِي حَلَبَة وَاحِدَة وَاسْتَشْفَعْته إِلَى فُلَان سَأَلْته أَنْ يَشْفَع لِي إِلَيْهِ وَتَشَفَّعْت إِلَيْهِ فِي فُلَان فَشَفَّعَنِي فِيهِ فَالشَّفَاعَة إِذًا : ضَمّ غَيْرِكَ إِلَى جَاهِكَ وَوَسِيلَتك فَهِيَ عَلَى التَّحْقِيق إِظْهَار لِمَنْزِلَةِ الشَّفِيع عِنْد الْمُشَفَّع وَإِيصَال مَنْفَعَته لِلْمَشْفُوعِ مَذْهَب أَهْل الْحَقّ أَنَّ الشَّفَاعَة حَقّ , وَأَنْكَرَهَا الْمُعْتَزِلَة وَخَلَّدُوا الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْمُذْنِبِينَ الَّذِينَ دَخَلُوا النَّار فِي الْعَذَاب وَالْأَخْبَار مُتَظَاهِرَة بِأَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ الْعُصَاة الْمُذْنِبِينَ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ أُمَم النَّبِيِّينَ هُمْ الَّذِينَ تَنَالهُمْ شَفَاعَة الشَّافِعِينَ مِنْ الْمَلَائِكَة وَالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَقَدْ تَمَسَّكَ الْقَاضِي عَلَيْهِمْ فِي الرَّدّ بِشَيْئَيْنِ أَحَدهمَا الْأَخْبَار الْكَثِيرَة الَّتِي تَوَاتَرَتْ فِي الْمَعْنَى وَالثَّانِي الْإِجْمَاع مِنْ السَّلَف عَلَى تَلَقِّي هَذِهِ الْأَخْبَار بِالْقَبُولِ وَلَمْ يَبْدُ مِنْ أَحَد مِنْهُمْ فِي عَصْر مِنْ الْأَعْصَار نَكِير فَظُهُور رِوَايَتهَا وَإِطْبَاقهمْ عَلَى صِحَّتهَا وَقَبُولهمْ لَهَا دَلِيل قَاطِع عَلَى صِحَّة عَقِيدَة أَهْل الْحَقّ وَفَسَاد دِين الْمُعْتَزِلَة فَإِنْ قَالُوا قَدْ وَرَدَتْ نُصُوص مِنْ الْكِتَاب بِمَا يُوجِب رَدّ هَذِهِ الْأَخْبَار مِثْل قَوْله " مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيم وَلَا شَفِيع يُطَاع " [ غَافِر : 18 ] قَالُوا وَأَصْحَاب الْكَبَائِر ظَالِمُونَ وَقَالَ " مَنْ يَعْمَل سُوءًا يُجْزَ بِهِ " [ النِّسَاء : 123 ] " وَلَا يُقْبَل مِنْهَا شَفَاعَة " [ الْبَقَرَة : 48 ] قُلْنَا لَيْسَتْ هَذِهِ الْآيَات عَامَّة فِي كُلّ ظَالِم وَالْعُمُوم لَا صِيغَة لَهُ فَلَا تَعُمّ هَذِهِ الْآيَات كُلّ مَنْ يَعْمَل سُوءًا وَكُلّ نَفْس وَإِنَّمَا الْمُرَاد بِهَا الْكَافِرُونَ دُون الْمُؤْمِنِينَ بِدَلِيلِ الْأَخْبَار الْوَارِدَة فِي ذَلِكَ وَأَيْضًا فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى أَثْبَتَ شَفَاعَة لِأَقْوَامٍ وَنَفَاهَا عَنْ أَقْوَام فَقَالَ فِي صِفَة الْكَافِرِينَ " فَمَا تَنْفَعهُمْ شَفَاعَة الشَّافِعِينَ " [ الْمُدَّثِّر : 48 ] وَقَالَ " وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ اِرْتَضَى " [ الْأَنْبِيَاء : 28 ] وَقَالَ " وَلَا تَنْفَع الشَّفَاعَة عِنْده إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ " [ سَبَأ : 23 ] فَعَلِمْنَا بِهَذِهِ الْجُمْلَة أَنَّ الشَّفَاعَة إِنَّمَا تَنْفَع الْمُؤْمِنِينَ دُون الْكَافِرِينَ , وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُفَسِّرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ تَعَالَى " وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْس عَنْ نَفْس شَيْئًا وَلَا يُقْبَل مِنْهَا شَفَاعَة " النَّفْس الْكَافِرَة لَا كُلّ نَفْس , وَنَحْنُ وَإِنْ قُلْنَا بِعُمُومِ الْعَذَاب لِكُلِّ ظَالِم عَاصٍ فَلَا نَقُول إِنَّهُمْ مُخَلَّدُونَ فِيهَا بِدَلِيلِ الْأَخْبَار الَّتِي رَوَيْنَاهَا وَبِدَلِيلِ قَوْله " وَيَغْفِر مَا دُون ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء " [ النِّسَاء : 48 ] وَقَوْلُهُ " إِنَّهُ لَا يَيْأَس مِنْ رَوْح اللَّه إِلَّا الْقَوْم الْكَافِرُونَ " [ يُوسُف : 87 ] فَإِنْ قَالُوا فَقَدْ قَالَ تَعَالَى " وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنْ اِرْتَضَى " وَالْفَاسِق غَيْر مُرْتَضًى قُلْنَا لَمْ يَقُلْ لِمَنْ لَا يَرْضَى , وَإِنَّمَا قَالَ " لِمَنْ اِرْتَضَى " وَمَنْ اِرْتَضَاهُ اللَّه لِلشَّفَاعَةِ هُمْ الْمُوَحِّدُونَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ " لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَة إِلَّا مَنْ اِتَّخَذَ عِنْد الرَّحْمَن عَهْدًا " [ مَرْيَم 87 ] وَقِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا عَهْد اللَّه مَعَ خَلْقه قَالَ ( أَنْ يُؤْمِنُوا وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ) وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ : إِلَّا مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه فَإِنْ قَالُوا الْمُرْتَضَى هُوَ التَّائِب الَّذِي اِتَّخَذَ عِنْد اللَّه عَهْدًا بِالْإِنَابَةِ إِلَيْهِ بِدَلِيلِ أَنَّ الْمَلَائِكَة اِسْتَغْفَرُوا لَهُمْ وَقَالَ " فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ " [ غَافِر : 7 ] وَكَذَلِكَ شَفَاعَة الْأَنْبِيَاء عَلَيْهِمْ السَّلَام إِنَّمَا هِيَ لِأَهْلِ التَّوْبَة دُون أَهْل الْكَبَائِر قُلْنَا عِنْدكُمْ يَجِب عَلَى اللَّه تَعَالَى قَبُول التَّوْبَة فَإِذَا قَبِلَ اللَّه تَوْبَة الْمُذْنِب فَلَا يَحْتَاج إِلَى الشَّفَاعَة وَلَا إِلَى الِاسْتِغْفَار وَأَجْمَعَ أَهْل التَّفْسِير عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ " فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا " أَيْ مِنْ الشِّرْك " وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ " أَيْ سَبِيلَ الْمُؤْمِنِينَ سَأَلُوا اللَّه تَعَالَى أَنْ يَغْفِر لَهُمْ مَا دُون الشِّرْك مِنْ ذُنُوبهمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى " وَيَغْفِر مَا دُون ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاء " [ النِّسَاء : 48 ] فَإِنْ قَالُوا جَمِيع الْأُمَّة يَرْغَبُونَ فِي شَفَاعَة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَوْ كَانَتْ لِأَهْلِ الْكَبَائِر خَاصَّة بَطَلَ سُؤَالهمْ قُلْنَا إِنَّمَا يَطْلُب كُلّ مُسْلِم شَفَاعَة الرَّسُول وَيَرْغَب إِلَى اللَّه فِي أَنْ تَنَالهُ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّهُ غَيْر سَالِم مِنْ الذُّنُوب وَلَا قَائِم لِلَّهِ سُبْحَانه بِكُلِّ مَا اِفْتَرَضَ عَلَيْهِ بَلْ كُلّ وَاحِد مُعْتَرِف عَلَى نَفْسه بِالنَّقْصِ فَهُوَ لِذَلِكَ يَخَاف الْعِقَاب وَيَرْجُو النَّجَاة , وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَا يَنْجُو أَحَد إِلَّا بِرَحْمَةِ اللَّه تَعَالَى فَقِيلَ وَلَا أَنْتَ يَا رَسُول اللَّه ؟ فَقَالَ وَلَا أَنَا إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدنِي اللَّه بِرَحْمَتِهِ ) " وَلَا يُقْبَل " قَرَأَ اِبْن كَثِير وَأَبُو عَمْرو " تُقْبَل " بِالتَّاءِ لِأَنَّ الشَّفَاعَة مُؤَنَّثَة وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْيَاءِ عَلَى التَّذْكِير لِأَنَّهَا بِمَعْنَى الشَّفِيع وَقَالَ الْأَخْفَش حُسْن التَّذْكِير لِأَنَّك قَدْ فَرَّقْت كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ " فَتَلَقَّى آدَم مِنْ رَبّه كَلِمَات " [ الْبَقَرَة : 37 ] أَيْ فِدَاء وَالْعَدْل ( بِفَتْحِ الْعَيْن ) الْفِدَاء وَ ( بِكَسْرِهَا ) الْمِثْل يُقَال عَدْل وَعَدِيل لِلَّذِي يُمَاثِلُكَ فِي الْوَزْن وَالْقَدْر , وَيُقَال عَدْل الشَّيْء هُوَ الَّذِي يُسَاوِيه قِيمَة وَقَدْرًا , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسه وَالْعِدْل ( بِالْكَسْرِ ) هُوَ الَّذِي يُسَاوِي الشَّيْء مِنْ جِنْسه وَفِي جِرْمه وَحَكَى الطَّبَرِيّ أَنَّ مِنْ الْعَرَب مَنْ يَكْسِر الْعَيْن مِنْ مَعْنَى الْفِدْيَة فَأَمَّا وَاحِد الْأَعْدَال فَبِالْكَسْرِ لَا غَيْر أَيْ يُعَانُونَ وَالنَّصْر الْعَوْن وَالْأَنْصَار الْأَعْوَان , وَمِنْهُ قَوْلُهُ " مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ " [ آل عِمْرَان : 52 ] أَيْ مَنْ يَضُمّ نُصْرَته إِلَى نُصْرَتِي وَانْتَصَرَ الرَّجُل اِنْتَقَمَ وَالنَّصْر الْإِتْيَان يُقَال نَصَرْت أَرْض بَنِي فُلَان أَتَيْتهَا قَالَ الشَّاعِر إِذَا دَخَلَ الشَّهْر الْحَرَام فَوَدِّعِي بِلَاد تَمِيم وَانْصُرِي أَرْض عَامِر وَالنَّصْر الْمَطَر يُقَال نَصَرَتْ الْأَرْض مُطِرَتْ وَالنَّصْر الْعَطَاء قَالَ إِنِّي وَأَسْطَار سُطِرْن سَطْرًا لِقَائِلٍ يَا نَصْر نَصْرًا نَصْرَا وَكَانَ سَبَب هَذِهِ الْآيَة فِيمَا ذَكَرُوا أَنَّ بَنِي إِسْرَائِيل قَالُوا : نَحْنُ أَبْنَاء اللَّه وَأَحِبَّاؤُهُ وَأَبْنَاء أَنْبِيَائِهِ وَسَيَشْفَعُ لَنَا أَبَاؤُنَا فَأَعْلَمَهُمْ اللَّه تَعَالَى عَنْ يَوْم الْقِيَامَة أَنَّهُ لَا تُقْبَل فِيهِ الشَّفَاعَات وَلَا يُؤْخَذ فِيهِ فِدْيَة , وَإِنَّمَا خَصَّ الشَّفَاعَة وَالْفِدْيَة وَالنَّصْر بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا هِيَ الْمَعَانِي الَّتِي اِعْتَادَهَا بَنُو آدَم فِي الدُّنْيَا , فَإِنَّ الْوَاقِع فِي الشِّدَّة لَا يَتَخَلَّص إِلَّا بِأَنْ يُشْفَع لَهُ أَوْ يُنْصَر أَوْ يُفْتَدَى
| یَوۡمࣰا | يومَ القيامةِ. |
|---|---|
| لَّا تَجۡزِی نَفۡسٌ | لا يُغني أحدٌ عن أحدٍ شيئاً. |
| عَدۡلࣱ | فِدْيةٌ. |
| لَّا تَجۡزِی | لا تُغْني. |
| عَدۡلࣱ | فِدْيَةٌ تُنْجِيها من العذابِ. |
| شَفَـٰعَةࣱ | وَساطةٌ في حُصولِ النفعِ. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian