صفحات الموقع

سورة البقرة الآية ٢٧

سورة البقرة الآية ٢٧

ٱلَّذِینَ یَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِیثَـٰقِهِۦ وَیَقۡطَعُونَ مَاۤ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦۤ أَن یُوصَلَ وَیُفۡسِدُونَ فِی ٱلۡأَرۡضِۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡخَـٰسِرُونَ ﴿٢٧﴾

التفسير

تفسير السعدي

ثم وصف الفاسقين فقال " الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ " . وهذا يعم العهد الذي بينهم وبين ربهم; والذي بينهم وبين الخلق; الذي أكده عليهم بالمواثيق الثقيلة والإلزامات. فلا يبالون بتلك المواثيق; بل ينقضونها; ويتركون أوامره ويرتكبون نواهيه; وينقضون العهود التي بينهم وبين الخلق. " وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ " وهذا يدخل فيه أشياء كثيرة. فإن الله أمرنا; أن نصل ما بيننا وبينه بالإيمان به; والقيام بعبوديته. وما بيننا وبين رسوله; بالإيمان به; ومحبته; وتعزيره; والقيام بحقوقه. وما بيننا وبين الوالدين والأقارب; والأصحاب; وسائر الخلق بالقيام بحقوقهم التي أمر الله أن نصلها. فأما المؤمنون; فوصلوا ما أمر الله به أن يوصل من هذه الحقوق; وقاموا بها أتم القيام. وأما الفاسقون; فقطعوها; ونبذوها وراء ظهورهم; معتاضين عنها بالفسق والقطيعة; والعمل بالمعاصي; وهو: الإفساد في الأرض. " فَأُولَئِكَ " أي: من هذه صفته " هُمُ الْخَاسِرُونَ " في الدنيا والآخرة. فحصر الخسارة فيهم; لأن خسرانهم عام في كل أحوالهم; ليس لهم نوع من الربح; لأن كل عمل صالح; شرطه الإيمان; فمن لا إيمان له; لا عمل له; وهذا الخسار; هو خسار الكفر. وأما الخسار الذي قد يكون كفرا; وقد يكون معصية; وقد يكون تفريطا في ترك مستحب المذكور في قوله تعالى " إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ " فهذا عام لكل مخلوق; إلا من اتصف بالإيمان والعمل الصالح; والتواصي بالحق; والتواصي بالصبر; وحقيقة فوات الخير; الذي كان العبد بصدد تحصيله وهو تحت إمكانه.

التفسير الميسر

الذين ينكثون عهد الله الذي أخذه عليهم بالتوحيد والطاعة، وقد أكَّده بإرسال الرسل، وإنزال الكتب، ويخالفون دين الله كقطع الأرحام ونشر الفساد في الأرض، أولئك هم الخاسرون في الدنيا والآخرة.

تفسير الجلالين

"الَّذِينَ" نَعْتَ "يَنْقُضُونَ عَهْد اللَّه" مَا عَهِدَهُ إلَيْهِمْ فِي الْكُتُب مِنْ الْإِيمَان بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مِنْ بَعْد مِيثَاقه" تَوْكِيده عَلَيْهِمْ "وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ أَنْ يُوصَل" مِنْ الْإِيمَان بِالنَّبِيِّ وَالرَّحِم وَغَيْر ذَلِكَ وَأَنْ بَدَل مِنْ ضَمِير بِهِ "وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض" بِالْمَعَاصِي وَالتَّعْوِيق عَنْ الْإِيمَان "أُولَئِكَ" الْمَوْصُوفُونَ بِمَا ذُكِرَ "هُمْ الْخَاسِرُونَ" لِمَصِيرِهِمْ إلَى النَّار الْمُؤَبَّدَة عَلَيْهِمْ

تفسير ابن كثير

وَقَالَ شُعْبَة عَنْ عَمْرو بْن مُرَّة عَنْ مُصْعَب بْن سَعْد قَالَ : سَأَلْت أَبِي فَقُلْت قَوْله تَعَالَى " الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْد اللَّه مِنْ بَعْد مِيثَاقه " إِلَى آخِر الْآيَة فَقَالَ : هُمْ الْحَرُورِيَّة وَهَذَا الْإِسْنَاد وَإِنْ صَحَّ عَنْ سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَهُوَ تَفْسِير عَلَى الْمَعْنَى لَا أَنَّ الْآيَة أُرِيدَ مِنْهَا التَّنْصِيص عَلَى الْخَوَارِج الَّذِينَ خَرَجُوا عَلَى عَلِيّ بِالنَّهْرَوَانِ فَإِنَّ أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا حَالَ نُزُول الْآيَة وَإِنَّمَا هُمْ دَاخِلُونَ بِوَصْفِهِمْ فِيهَا مَعَ مَنْ دَخَلَ لِأَنَّهُمْ سُمُّوا خَوَارِج لِخُرُوجِهِمْ عَنْ طَاعَة الْإِمَام وَالْقِيَام بِشَرَائِع الْإِسْلَام وَالْفَاسِق فِي اللُّغَة هُوَ الْخَارِج عَنْ الطَّاعَة أَيْضًا . وَتَقُول الْعَرَب فَسَقَتْ الرَّطْبَة إِذَا خَرَجَتْ مِنْ قِشْرَتهَا وَلِهَذَا يُقَال لِلْفَأْرَةِ فُوَيْسِقَة لِخُرُوجِهَا عَنْ جُحْرهَا لِلْفَسَادِ . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " خَمْس فَوَاسِق يُقْتَلْنَ فِي الْحِلّ وَالْحَرَم الْغُرَاب وَالْحِدَأَة وَالْعَقْرَب وَالْفَأْرَة وَالْكَلْب الْعَقُور " فَالْفَاسِق يَشْمَل الْكَافِر وَالْعَاصِي وَلَكِنَّ فِسْق الْكَافِر أَشَدّ وَأَفْحَش وَالْمُرَاد مِنْ الْآيَة الْفَاسِق الْكَافِر وَاَللَّه أَعْلَم بِدَلِيلِ أَنَّهُ وَصَفَهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى" الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْد اللَّه مِنْ بَعْد مِيثَاقه وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَل وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض أُولَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ " وَهَذِهِ الصِّفَات صِفَات الْكُفَّار الْمُبَايِنَة لِصِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي سُورَة الرَّعْد" أَفَمَنْ يَعْلَم أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ رَبّك الْحَقّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّر أُولُو الْأَلْبَاب الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّه وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاق وَاَلَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ أَنْ يُوصَل وَيَخْشَوْنَ رَبّهمْ وَيَخَافُونَ سُوء الْحِسَاب " الْآيَات إِلَى أَنْ قَالَ " وَاَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْد اللَّه مِنْ بَعْد مِيثَاقه وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ أَنْ يُوصَل وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض أُولَئِكَ لَهُمْ اللَّعْنَة وَلَهُمْ سُوء الدَّار " وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّفْسِير فِي مَعْنَى الْعَهْد الَّذِي وَصَفَ هَؤُلَاءِ الْفَاسِقِينَ بِنَقْضِهِ فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ وَصِيَّة اللَّه إِلَى خَلْقه وَأَمْره إِيَّاهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ طَاعَته وَنَهْيه إِيَّاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَته فِي كُتُبه وَعَلَى لِسَان رُسُله وَنَقْضهمْ ذَلِكَ هُوَ تَرْكهمْ الْعَمَل بِهِ وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ هِيَ فِي كُفَّار أَهْل الْكِتَاب وَالْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ وَعَهْد اللَّه الَّذِي نَقَضُوهُ هُوَ مَا أَخَذَهُ اللَّه عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاة مِنْ الْعَمَل بِمَا فِيهَا وَاتِّبَاع مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا بُعِثَ وَالتَّصْدِيق بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّهمْ وَنَقْضهمْ ذَلِكَ هُوَ جُحُودهمْ بِهِ بَعْد مَعْرِفَتهمْ بِحَقِيقَتِهِ وَإِنْكَارهمْ ذَلِكَ وَكِتْمَانهمْ عِلْم ذَلِكَ عَنْ النَّاس بَعْد إِعْطَائِهِمْ اللَّه مِنْ أَنْفُسهمْ الْمِيثَاق لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُمْ نَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورهمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا . وَهَذَا اِخْتِيَار اِبْن جَرِير رَحِمَهُ اللَّه وَهُوَ قَوْل مُقَاتِل بْن حَيَّان . وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ عَنَى بِهَذِهِ الْآيَة جَمِيع أَهْل الْكُفْر وَالشِّرْك وَالنِّفَاق وَعَهْده إِلَى جَمِيعهمْ فِي تَوْحِيده مَا وَضَعَ لَهُمْ مِنْ الْأَدِلَّة الدَّالَّة عَلَى رُبُوبِيَّته وَعَهْده إِلَيْهِمْ فِي أَمْره وَنَهْيه مَا اِحْتَجَّ بِهِ لِرُسُلِهِ مِنْ الْمُعْجِزَات الَّتِي لَا يَقْدِر أَحَد مِنْ النَّاس غَيْرهمْ أَنْ يَأْتِي بِمِثْلِهِ الشَّاهِدَة لَهُمْ عَلَى صِدْقهمْ قَالُوا وَنَقْضهمْ ذَلِكَ تَرْكهمْ الْإِقْرَار بِمَا قَدْ تَبَيَّنَتْ لَهُمْ صِحَّته بِالْأَدِلَّةِ وَتَكْذِيبهمْ الرُّسُل وَالْكُتُب مَعَ عِلْمهمْ أَنَّ مَا أَتَوْا بِهِ حَقّ . وَرُوِيَ عَنْ مُقَاتِل بْن حَيَّان أَيْضًا نَحْو هَذَا وَهُوَ حَسَن وَإِلَيْهِ مَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فَإِنَّهُ قَالَ فَإِنْ قُلْت : فَمَا الْمُرَاد بِعَهْدِ اللَّه ؟ قُلْت مَا رَكَّزَ فِي عُقُولهمْ مِنْ الْحُجَّة عَلَى التَّوْحِيد كَأَنَّهُ أَمْر وَصَّاهُمْ بِهِ وَوَثَّقَهُ عَلَيْهِمْ وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى " وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسهمْ أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى " إِذَا أَخَذَ الْمِيثَاق عَلَيْهِمْ مِنْ الْكُتُب الْمُنَزَّلَة عَلَيْهِمْ كَقَوْلِهِ " وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ " وَقَالَ آخَرُونَ الْعَهْد الَّذِي ذَكَرَهُ تَعَالَى هُوَ الْعَهْد الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ حِين أَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْب آدَم الَّذِي وَصَفَ فِي قَوْله " وَإِذَا أَخَذَ رَبّك مِنْ بَنِي آدَم مِنْ ظُهُورهمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسهمْ أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا " الْآيَتَيْنِ . وَنَقْضهمْ ذَلِكَ تَرْكهمْ الْوَفَاء بِهِ وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ مُقَاتِل بْن حَيَّان أَيْضًا حَكَى هَذِهِ الْأَقْوَال اِبْن جَرِير فِي تَفْسِيره . وَقَالَ أَبُو جَعْفَر الرَّازِيّ عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس عَنْ أَبِي الْعَالِيَة فِي قَوْله تَعَالَى " الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْد اللَّه مِنْ بَعْد مِيثَاقه - إِلَى قَوْله - أُولَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ " قَالَ هِيَ سِتّ خِصَال مِنْ الْمُنَافِقِينَ إِذَا كَانَتْ فِيهِمْ الظُّهْرَة عَلَى النَّاس أَظْهَرُوا هَذِهِ الْخِصَال : إِذَا حَدَّثُوا كَذَبُوا وَإِذَا وَعَدُوا أَخْلَفُوا وَإِذَا اُؤْتُمِنُوا خَانُوا وَنَقَضُوا عَهْد اللَّه مِنْ بَعْد مِيثَاقه وَقَطَعُوا مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ أَنْ يُوصَل وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْض وَإِذَا كَانَتْ الظُّهْرَة عَلَيْهِمْ أَظْهَرُوا الْخِصَال الثَّلَاث إِذَا حَدَّثُوا كَذَبُوا وَإِذَا وَعَدُوا أَخْلَفُوا وَإِذَا اُؤْتُمِنُوا خَانُوا . وَكَذَا قَالَ الرَّبِيع بْن أَنَس أَيْضًا وَقَالَ السُّدِّيّ فِي تَفْسِيره بِإِسْنَادِهِ قَوْله تَعَالَى " الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْد اللَّه مِنْ بَعْد مِيثَاقه" قَالَ هُوَ مَا عَهِدَ إِلَيْهِمْ فِي الْقُرْآن فَأَقَرُّوا بِهِ ثُمَّ كَفَرُوا فَنَقَضُوهُ . وَقَوْله " وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ أَنْ يُوصَل " قِيلَ الْمُرَاد بِهِ صِلَة الْأَرْحَام وَالْقَرَابَات كَمَا فَسَّرَهُ قَتَادَة كَقَوْلِهِ تَعَالَى " فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامكُمْ" وَرَجَّحَهُ اِبْن جَرِير وَقِيلَ الْمُرَاد أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ فَكُلّ مَا أَمَرَ اللَّه بِوَصْلِهِ وَفِعْله فَقَطَعُوهُ وَتَرَكُوهُ . وَقَالَ مُقَاتِل بْن حَيَّان فِي قَوْله تَعَالَى " أُولَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ" قَالَ فِي الْآخِرَة وَهَذَا كَمَا قَالَ تَعَالَى " أُولَئِكَ لَهُمْ اللَّعْنَة وَلَهُمْ سُوء الدَّار " وَقَالَ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس كُلّ شَيْء نَسَبَهُ اللَّه إِلَى غَيْر أَهْل الْإِسْلَام مِنْ اِسْم مِثْل خَاسِر فَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ الْكُفْر وَمَا نَسَبَهُ إِلَى أَهْل الْإِسْلَام فَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ الذَّنْب . وَقَالَ اِبْن جَرِير فِي قَوْله تَعَالَى " أُولَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ " الْخَاسِرُونَ جَمْع خَاسِر وَهُمْ النَّاقِصُونَ أَنْفُسهمْ حُظُوظهمْ بِمَعْصِيَتِهِمْ اللَّه مِنْ رَحْمَته كَمَا يَخْسَر الرَّجُل فِي تِجَارَته بِأَنْ يُوضَع مِنْ رَأْس مَاله فِي بَيْعه وَكَذَلِكَ الْمُنَافِق وَالْكَافِر خَسِرَ بِحِرْمَانِ اللَّه إِيَّاهُ رَحْمَته الَّتِي خَلَقَهَا لِعِبَادِهِ فِي الْقِيَامَة أَحْوَج مَا كَانُوا إِلَى رَحْمَته يُقَال مِنْهُ خَسِرَ الرَّجُل يَخْسَر خُسْرًا وَخُسْرَانًا وَخَسَارًا كَمَا قَالَ جَرِير بْن عَطِيَّة : إِنَّ سَلِيطًا فِي الْخَسَار أَنَّهُ أَوْلَاد قَوْم خُلِقُوا أَقِنَّهُ

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْد اللَّه مِنْ بَعْد مِيثَاقه } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا وَصْف مِنْ اللَّه جَلَّ ذِكْره الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُضِلّ بِالْمَثَلِ الَّذِي ضَرَبَهُ لِأَهْلِ النِّفَاق غَيْرهمْ , فَقَالَ : { وَمَا يُضِلّ } اللَّه بِالْمَثَلِ الَّذِي يَضْرِبهُ عَلَى مَا وَصَفَ قَبْل فِي الْآيَات الْمُتَقَدِّمَة إلَّا الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْد اللَّه مِنْ بَعْد مِيثَاقه . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل الْمَعْرِفَة فِي مَعْنَى الْعَهْد الَّذِي وَصَفَ اللَّه هَؤُلَاءِ الْفَاسِقِينَ بِنَقْضِهِ , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ وَصِيَّة اللَّه إلَى خَلْقه , وَأَمْره إيَّاهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ طَاعَته , وَنَهْيه إيَّاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَته فِي كُتُبه وَعَلَى لِسَان رَسُوله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَنَقْضهمْ ذَلِكَ تَرْكهمْ الْعَمَل بِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : إنَّمَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَات فِي كُفَّار أَهْل الْكِتَاب وَالْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ , وَإِيَّاهُمْ عَنَى اللَّه جَلَّ ذِكْره بِقَوْلِهِ { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتهمْ } وَبِقَوْلِهِ : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر } فَكُلّ مَا فِي هَذِهِ الْآيَات فَعَذْل لَهُمْ وَتَوْبِيخ إلَى انْقِضَاء قَصَصهمْ . قَالُوا : فَعَهْد اللَّه الَّذِي نَقَضُوهُ بَعْد مِيثَاقه : هُوَ مَا أَخَذَهُ اللَّه عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاة مِنْ الْعَمَل بِمَا فِيهَا , وَاتِّبَاع مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا بُعِثَ , وَالتَّصْدِيق بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنْ عِنْد رَبّهمْ . وَنَقْضهمْ ذَلِكَ هُوَ جُحُودهمْ بِهِ بَعْد مَعْرِفَتهمْ بِحَقِيقَتِهِ , وَإِنْكَارهمْ ذَلِكَ , وَكِتْمَانهمْ عِلْم ذَلِكَ عَنْ النَّاس , بَعْد إعْطَائِهِمْ اللَّه مِنْ أَنْفُسهمْ الْمِيثَاق لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا يَكْتُمُونَهُ . فَأَخْبَرَ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَنَّهُمْ نَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورهمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا . وَقَالَ بَعْضهمْ : إنَّ اللَّه عَنَى بِهَذِهِ الْآيَة جَمِيع أَهْل الشِّرْك وَالْكُفْر وَالنِّفَاق وَعَهْده إلَى جَمِيعهمْ فِي تَوْحِيده مَا وَضَعَ لَهُمْ مِنْ الْأَدِلَّة الدَّالَّة عَلَى رُبُوبِيَّته وَعَهْده إلَيْهِمْ فِي أَمْره وَنَهْيه مَا احْتَجَّ بِهِ لِرُسُلِهِ مِنْ الْمُعْجِزَات الَّتِي لَا يَقْدِر أَحَد مِنْ النَّاس غَيْرهمْ أَنْ يَأْتِي بِمِثْلِهَا الشَّاهِدَة لَهُمْ عَلَى صَدْقهمْ . قَالُوا : وَنَقْضهمْ ذَلِكَ تَرْكهمْ الْإِقْرَار بِمَا قَدْ تَبَيَّنَتْ لَهُمْ صِحَّته بِالْأَدِلَّةِ , وَتَكْذِيبهمْ الرُّسُل وَالْكُتُب , مَعَ عِلْمهمْ أَنَّ مَا أَتَوْا بِهِ حَقّ وَقَالَ آخَرُونَ : الْعَهْد الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه جَلَّ ذِكْره , هُوَ الْعَهْد الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْهِمْ حِين أَخَرَجَهُمْ مِنْ صُلْب آدَم , الَّذِي وَصَفَهُ فِي قَوْله : { وَإِذْ أَخَذَ رَبّك مِنْ بَنِي آدَم مِنْ ظُهُورهمْ ذُرِّيَّتهمْ وَأَشْهَدهُمْ عَلَى أَنْفُسهمْ } 7 172 : 173 الْآيَتَيْنِ , وَنَقْضهمْ ذَلِكَ , تَرْكهمْ الْوَفَاء بِهِ . وَأَوْلَى الْأَقْوَال عِنْدِي بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ , قَوْل مَنْ قَالَ : إنَّ هَذِهِ الْآيَات نَزَلَتْ فِي كُفَّار أَحْبَار الْيَهُود الَّذِينَ كَانُوا بَيْن ظَهْرَانَيْ مُهَاجِر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَمَا قَرُبَ مِنْهَا مِنْ بَقَايَا بَنِي إسْرَائِيل , وَمَنْ كَانَ عَلَى شِرْكه مِنْ أَهْل النِّفَاق الَّذِينَ قَدْ بَيَّنَّا قَصَصهمْ فِيمَا مَضَى مِنْ كِتَابنَا هَذَا . وَقَدْ دَلَّلْنَا عَلَى أَنَّ قَوْل اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ : { إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاء عَلَيْهِمْ } وَقَوْله : { وَمِنْ النَّاس مَنْ يَقُول آمَنَّا بِاَللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِر } فِيهِمْ أُنْزِلَتْ , وَفِيمَنْ كَانَ عَلَى مِثْل الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الشِّرْك بِاَللَّهِ . غَيْر أَنَّ هَذِهِ الْآيَات عِنْدِي وَإِنْ كَانَتْ فِيهِمْ نَزَلَتْ , فَإِنَّهُ مَعَنِي بِهَا كُلّ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْل مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الضَّلَال وَمَعَنِي بِمَا وَافَقَ مِنْهَا صِفَة الْمُنَافِقِينَ خَاصَّة جَمِيع الْمُنَافِقِينَ , وَبِمَا وَافَقَ مِنْهَا صِفَة كُفَّار أَحْبَار الْيَهُود جَمِيع مَنْ كَانَ لَهُمْ نَظِيرًا فِي كُفْرهمْ . وَذَلِكَ أَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ يَعُمّ أَحْيَانًا جَمِيعهمْ بِالصِّفَّةِ لِتَقْدِيمِهِ ذِكْر جَمِيعهَا فِي أَوَّل الْآيَات الَّتِي ذَكَرَتْ قَصَصهمْ , وَيَخُصّ أَحْيَانًا بِالصِّفَّةِ بَعْضهمْ لِتَفْصِيلِهِ فِي أَوَّل الْآيَات بَيْن فَرِيقَيْهِمْ , أَعْنِي فَرِيق الْمُنَافِقِينَ مِنْ عَبَدَة الْأَوْثَان وَأَهْل الشِّرْك بِاَللَّهِ , وَفَرِيق كُفَّار أَحْبَار الْيَهُود , فَاَلَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْد اللَّه : هُمْ التَّارِكُونَ مَا عَهِدَ اللَّه إلَيْهِمْ مِنْ الْإِقْرَار بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَتَبَيَّنَ نُبُوَّته لِلنَّاسِ الْكَاتِمُونَ بَيَان ذَلِكَ بَعْد عِلْمهمْ بِهِ وَبِمَا قَدْ أَخَذَ اللَّه عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ , كَمَا قَالَ اللَّه جَلَّ ذِكْره : { وَإِذْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورهمْ } 3 187 وَنَبْذهمْ ذَلِكَ وَرَاء ظُهُورهمْ : هُوَ نَقْضهمْ الْعَهْد الَّذِي عَهْد إلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاة الَّذِي وَصَفْنَاهُ , وَتَرْكهمْ الْعَمَل بِهِ . وَإِنَّمَا قُلْت : إنَّهُ عَنَى بِهَذِهِ الْآيَات مَنْ قُلْت إنَّهُ عَنَى بِهَا , لِأَنَّ الْآيَات مِنْ ابْتِدَاء الْآيَات الْخَمْس وَالسِّتّ مِنْ سُورَة الْبَقَرَة فِيهِمْ نَزَلَتْ إلَى تَمَام قَصَصهمْ , وَفِي الْآيَة الَّتِي بَعْد الْخَبَر عَنْ خَلْق آدَم وَبَيَانه فِي قَوْله : { يَا بَنِي إسْرَائِيل اُذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْت عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ } 2 40 وَخِطَابه إيَّاهُمْ جَلَّ ذِكْره بِالْوَفَاءِ فِي ذَلِكَ خَاصَّة دُون سَائِر الْبَشَر مَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ قَوْله : { الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْد اللَّه مِنْ بَعْد مِيثَاقه } مَقْصُود بِهِ كُفَّارُهُمْ وَمُنَافِقُوهُمْ , وَمَنْ كَانَ مِنْ أَشْيَاعهمْ مِنْ مُشْرِكِي عَبَدَة الْأَوْثَان عَلَى ضَلَالهمْ . غَيْر أَنَّ الْخِطَاب وَإِنْ كَانَ لِمَنْ وَصَفْت مِنْ الْفَرِيقَيْنِ فَدَاخِل فِي أَحْكَامهمْ وَفِيمَا أَوَجَبَ اللَّه لَهُمْ مِنْ الْوَعِيد وَالذَّمّ وَالتَّوْبِيخ كُلّ مَنْ كَانَ عَلَى سَبِيلهمْ وَمِنْهَاجهمْ مِنْ جَمِيع الْخَلْق وَأَصْنَاف الْأُمَم الْمُخَاطَبِينَ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْي فَمَعْنَى الْآيَة إذًا : وَمَا يُضِلّ بِهِ إلَّا التَّارِكِينَ طَاعَة اللَّه , الْخَارِجِينَ عَنْ اتِّبَاع أَمْره وَنَهْيه النَّاكِثِينَ عُهُود اللَّه الَّتِي عَهِدَهَا إلَيْهِمْ فِي الْكُتُب الَّتِي أَنَزَلَهَا إلَى رُسُله وَعَلَى أَلْسُن أَنْبِيَائِهِ بِاتِّبَاعِ أَمْر رَسُوله مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ , وَطَاعَة اللَّه فِيمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ فِي التَّوْرَاة مِنْ تَبْيِين أَمْره لِلنَّاسِ , وَإِخْبَارهمْ إيَّاهُمْ أَنَّهُمْ يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدهمْ أَنَّهُ رَسُول مِنْ عِنْد اللَّه مُفْتَرِضَة طَاعَته . وَتَرْك كِتْمَان ذَلِكَ لَهُمْ وَنَكْثهمْ ذَلِكَ وَنَقْضهمْ إيَّاهُ , هُوَ مُخَالَفَتهمْ اللَّه فِي عَهْده إلَيْهِمْ فِيمَا وَصَفْت أَنَّهُ عَهِدَ إلَيْهِمْ بَعْد إعْطَائِهِمْ رَبّهمْ الْمِيثَاق بِالْوَفَاءِ بِذَلِكَ كَمَا وَصَفَهُمْ بِهِ جَلَّ ذِكْره بِقَوْلِهِ : { فَخَلَفَ مِنْ بَعْدهمْ خَلْف وَرِثُوا الْكِتَاب يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَض مِثْله يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذ عَلَيْهِمْ مِيثَاق الْكِتَاب أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّه إلَّا الْحَقّ } 7 169 وَأَمَّا قَوْله : { مِنْ بَعْد مِيثَاقه } فَإِنَّهُ يَعْنِي مِنْ بَعْد تَوَثُّق اللَّه فِيهِ بِأَخَذِ عُهُوده بِالْوَفَاءِ لَهُ بِمَا عَهِدَ إلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ , غَيْر أَنَّ التَّوَثُّق مَصْدَر مِنْ قَوْلك : تَوَثَّقْت مِنْ فُلَان تَوَثُّقًا , وَالْمِيثَاق اسْم مِنْهُ , وَالْهَاء فِي الْمِيثَاق عَائِدَة عَلَى اسْم اللَّه . وَقَدْ يَدْخُل فِي حُكْم هَذِهِ الْآيَة كُلّ مَنْ كَانَ بِالصِّفَّةِ الَّتِي وَصَفَ اللَّه بِهَا هَؤُلَاءِ الْفَاسِقِينَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَالْكُفَّار فِي نَقْضِ الْعَهْد وَقَطْع الرَّحِم وَالْإِفْسَاد فِي الْأَرْض . كَمَا : 476 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ قَوْله : { الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْد اللَّه مِنْ بَعْد مِيثَاقه } فَإِيَّاكُمْ وَنَقْض هَذَا الْمِيثَاق , فَإِنَّ اللَّه قَدْ كَرِهَ نَقْضه وَأَوْعَدَ فِيهِ وَقَدَّمَ فِيهِ فِي آي الْقُرْآن حُجَّة وَمَوْعِظَة وَنَصِيحَة , وَإِنَّا لَا نَعْلَم اللَّه جَلَّ ذِكْره أَوْعَدَ فِي ذَنْب مَا أَوْعَدَ فِي نَقْض الْمِيثَاق , فَمَنْ أَعْطَى عَهْد اللَّه وَمِيثَاقه مِنْ ثَمَرَة قَلْبه فليف بِهِ لِلَّهِ . 477 - وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : حَدَّثَنَا إسْحَاق , قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْد اللَّه مِنْ بَعْد مِيثَاقه وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ أَنْ يُوصَل وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض أُولَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ } فَهِيَ سِتّ خِلَال فِي أَهْل النِّفَاق إذَا كَانَتْ لَهُمْ الظُّهْرَة أَظَهَرُوا هَذِهِ الْخِلَال السِّتّ جَمِيعًا : إذَا حَدَّثُوا كَذَبُوا , وَإِذَا وَعَدُوا أَخْلَفُوا , وَإِذَا اُؤْتُمِنُوا خَانُوا , وَنَقَضُوا عَهْد اللَّه مِنْ بَعْد مِيثَاقه , وَقَطَعُوا مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ أَنْ يُوصَل , وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْض . وَإِذَا كَانَتْ عَلَيْهِمْ الظُّهْرَة أَظَهَرُوا الْخِلَال الثَّلَاث : إذَا حَدَّثُوا كَذَّبُوا , وَإِذَا وَعَدُوا أَخْلَفُوا , وَإِذَا اُؤْتُمِنُوا خَانُوا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ أَنْ يُوصَل } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَاَلَّذِي رَغَّبَ اللَّه فِي وَصْله وَذَمَّ عَلَى قَطْعه فِي هَذِهِ الْآيَة : الرَّحِم , وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي كِتَابه فَقَالَ تَعَالَى : { فَهَلْ عَسَيْتُمْ إنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْض وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامكُمْ } 47 22 وَإِنَّمَا عَنَى بِالرَّحِمِ : أَهْل الرَّجُل الَّذِينَ جَمَعَتْهُمْ وَإِيَّاهُ رَحِم وَالِدَة وَاحِدَة , وَقَطَعَ ذَلِكَ ظُلْمه فِي تَرْك أَدَاء مَا أَلْزَمَ اللَّه مِنْ حُقُوقهَا وَأَوْجَبَ مِنْ بِرّهَا وَوَصْلهَا أَدَاء الْوَاجِب لَهَا إلَيْهَا : مِنْ حُقُوق اللَّه الَّتِي أَوَجَبَ لَهَا , وَالتَّعَطُّف عَلَيْهَا بِمَا يَحِقّ التَّعَطُّف بِهِ عَلَيْهَا . و " أَنَّ " الَّتِي مَعَ " يُوصَل " فِي مَحَلّ خَفْض بِمَعْنَى رَدّهَا عَلَى مَوْضِع الْهَاء الَّتِي فِي " بِهِ " فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَام : وَيَقْطَعُونَ الَّذِي أَمَرَ اللَّه بِأَنْ يُوصَل . وَالْهَاء الَّتِي فِي " بِهِ " هِيَ كِنَايَة عَنْ ذِكْر " أَنْ يُوصَل " . وَبِمَا قُلْنَا فِي تَأْوِيل قَوْله : { وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ أَنْ يُوصَل } وَأَنَّهُ الرَّحِم كَانَ قَتَادَةَ يَقُول 478 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : حَدَّثَنَا يَزِيد , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَةَ : { وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ أَنْ يُوصَل } فَقَطَعَ وَاَللَّه مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ أَنْ يُوصَل بِقَطِيعَةِ الرَّحِم وَالْقَرَابَة . وَقَدْ تَأَوَّلَ بَعْضهمْ ذَلِكَ أَنَّ اللَّه ذَمَّهُمْ بِقَطْعِهِمْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِهِ وَأَرْحَامهمْ , وَاسْتُشْهِدَ عَلَى ذَلِكَ بِعُمُومِ ظَاهِر الْآيَة , وَأَنْ لَا دَلَالَة عَلَى أَنَّهُ مَعَنِي بِهَا : بَعْض مَا أَمَرَ اللَّه وَصْله دُون بَعْض . قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَهَذَا مَذْهَب مِنْ تَأْوِيل الْآيَة غَيْر بِعِيدٍ مِنْ الصَّوَاب , وَلَكِنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ ذَكَرَ الْمُنَافِقِينَ فِي غَيْر آيَة مِنْ كِتَابه , فَوَصَفَهُمْ بِقَطْعِ الْأَرْحَام . فَهَذِهِ نَظِيرَة تِلْكَ , غَيْر أَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ فَهِيَ دَالَّة عَلَى ذَمّ اللَّه كُلّ قَاطِع قَطَعَ مَا أَمَرَ اللَّه بِوَصْلِهِ رَحَمًا كَانَتْ أَوْ غَيْرهَا . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْض } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَفَسَادهمْ فِي الْأَرْض هُوَ مَا تَقَدَّمَ وَصَفْنَاهُ قَبْل مِنْ مَعْصِيَتهمْ رَبّهمْ وَكُفْرهمْ بِهِ , وَتَكْذِيبهمْ رَسُوله , وَجَحْدهمْ نُبُوَّته , وَإِنْكَارهمْ مَا أَتَاهُمْ بِهِ مِنْ عِنْد اللَّه أَنَّهُ حَقّ مِنْ عِنْده . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ } قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالْخَاسِرُونَ جَمْع خَاسِر , وَالْخَاسِرُونَ : النَّاقِصُونَ أَنْفُسهمْ حُظُوظهَا بِمَعْصِيَتِهِمْ اللَّه مِنْ رَحْمَته , كَمَا يَخْسَر الرَّجُل فِي تِجَارَته بِأَنْ يُوضَع مِنْ رَأْس مَاله فِي بَيْعه . فَكَذَلِكَ الْكَافِر وَالْمُنَافِق خَسِرَ بِحِرْمَانِ اللَّه إيَّاهُ رَحْمَته الَّتِي خَلَقَهَا لِعِبَادِهِ فِي الْقِيَامَة أَحْوَج مَا كَانَ إلَى رَحْمَته , يُقَال مِنْهُ : خَسِرَ الرَّجُل يَخْسَر خُسْرًا وَخُسْرَانًا وَخَسَارًا , كَمَا قَالَ جَرِير بْن عَطِيَّة : إنَّ سَلِيطًا فِي الْخَسَار إنَّهُ أَوْلَاد قَوْم خُلِقُوا أَقِنَّهْ يَعْنِي بِقَوْلِهِ فِي الْخَسَار : أَيْ فِيمَا يوكسهم حُظُوظهمْ مِنْ الشَّرَف وَالْكَرَم . وَقَدْ قِيلَ : إنَّ مَعْنَى { أُولَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ } : أُولَئِكَ هُمْ الْهَالِكُونَ . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون قَائِل ذَلِكَ أَرَادَ مَا قُلْنَا مِنْ هَلَاك الَّذِي وَصَفَ اللَّه صِفَته بِالصِّفَّةِ الَّتِي وَصَفَهُ بِهَا فِي هَذِهِ الْآيَة بِحِرْمَانِ اللَّه إيَّاهُ مَا حَرَمَهُ مِنْ رَحْمَته بِمَعْصِيَتِهِ إيَّاهُ وَكُفْره بِهِ . فَحُمِلَ تَأْوِيل الْكَلَام عَلَى مَعْنَاهُ دُون الْبَيَان عَنْ تَأْوِيل عَيْن الْكَلِمَة بِعَيْنِهَا , فَإِنَّ أَهْل التَّأْوِيل رُبَّمَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِعِلَلٍ كَثِيرَة تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ . وَقَالَ بَعْضهمْ فِي ذَلِكَ بِمَا : 479 - حُدِّثْت بِهِ عَنْ المنجاب , قَالَ : حَدَّثَنَا بِشْر بْن عُمَارَة عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : كُلّ شَيْء نَسَبَهُ اللَّه إلَى غَيْر أَهْل الْإِسْلَام مِنْ اسْم مِثْل " خَاسِر " , فَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ الْكُفْر , وَمَا نَسَبَهُ إلَى أَهْل الْإِسْلَام فَإِنَّمَا يَعْنِي بِهِ الذَّنْب .

تفسير القرطبي

" الَّذِينَ " فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى النَّعْت لِلْفَاسِقِينَ , وَإِنْ شِئْت جَعَلْته فِي مَوْضِع رَفْع عَلَى أَنَّهُ خَبَر اِبْتِدَاء مَحْذُوف , أَيْ هُمْ الَّذِينَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ . النَّقْض : إِفْسَاد مَا أَبْرَمْته مِنْ بِنَاء أَوْ حَبْل أَوْ عَهْد . وَالنُّقَاضَة . مَا نُقِضَ مِنْ حَبْل الشَّعْر . وَالْمُنَاقَضَة فِي الْقَوْل : أَنْ تَتَكَلَّم بِمَا تَنَاقَضَ مَعْنَاهُ . وَالنَّقِيضَة فِي الشِّعْر : مَا يُنْقَض بِهِ . وَالنِّقْض : الْمَنْقُوض . وَاخْتَلَفَ النَّاس فِي تَعْيِين هَذَا الْعَهْد , فَقِيلَ : هُوَ الَّذِي أَخَذَهُ اللَّه عَلَى بَنِي آدَم حِين اِسْتَخْرَجَهُمْ مِنْ ظَهْره . وَقِيلَ : هُوَ وَصِيَّة اللَّه تَعَالَى إِلَى خَلْقه , وَأَمْره إِيَّاهُمْ بِمَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ طَاعَته , وَنَهْيه إِيَّاهُمْ عَمَّا نَهَاهُمْ عَنْهُ مِنْ مَعْصِيَته فِي كُتُبه عَلَى أَلْسِنَة رُسُله , وَنَقْضُهُمْ ذَلِكَ تَرْكُ الْعَمَل بِهِ . وَقِيلَ : بَلْ نَصْب الْأَدِلَّة عَلَى وَحْدَانِيّته بِالسَّمَوَاتِ وَالْأَرْض وَسَائِر الصَّنْعَة هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَهْد , وَنَقْضهمْ تَرْك النَّظَر فِي ذَلِكَ . وَقِيلَ : هُوَ مَا عَهِدَهُ إِلَى مَنْ أُوتِيَ الْكِتَاب أَنْ يُبَيِّنُوا نُبُوَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَكْتُمُوا أَمْره . فَالْآيَة عَلَى هَذَا فِي أَهْل الْكِتَاب . قَالَ أَبُو إِسْحَاق الزَّجَّاج : عَهْده جَلَّ وَعَزَّ مَا أَخَذَهُ عَلَى النَّبِيِّينَ وَمَنْ اِتَّبَعَهُمْ أَلَّا يَكْفُرُوا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَدَلِيل ذَلِكَ : " وَإِذْ أَخَذَ اللَّه مِيثَاق النَّبِيِّينَ " [ آل عِمْرَان : 81 ] إِلَى قَوْله تَعَالَى : " وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي " [ آل عِمْرَان : 81 ] أَيْ عَهْدِي . قُلْت : وَظَاهِر مَا قَبْل وَمَا بَعْد يَدُلّ عَلَى أَنَّهَا فِي الْكُفَّار . فَهَذِهِ خَمْسَة أَقْوَال , وَالْقَوْل الثَّانِي يَجْمَعهَا . الْمِيثَاق : الْعَهْد الْمُؤَكَّد بِالْيَمِينِ , مِفْعَال مِنْ الْوَثَاقَة وَالْمُعَاهَدَة , وَهِيَ الشِّدَّة فِي الْعَقْد وَالرَّبْط وَنَحْوه . وَالْجَمْع الْمَوَاثِيق عَلَى الْأَصْل ; لِأَنَّ أَصْل مِيثَاق مِوْثَاق , صَارَتْ الْوَاو يَاء لِانْكِسَارِ مَا قَبْلهَا - وَالْمَيَاثِق وَالْمَيَاثِيق أَيْضًا , وَأَنْشَدَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : حِمًى لَا يُحَلّ الدَّهْر إِلَّا بِإِذْنِنَا وَلَا نَسْأَل الْأَقْوَام عَهْد الْمَيَاثِق وَالْمَوْثِق : الْمِيثَاق . وَالْمُوَاثَقَة : الْمُعَاهَدَة , وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " وَمِيثَاقه الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ " . الْقَطْع مَعْرُوف , وَالْمَصْدَر - فِي الرَّحِم - الْقَطِيعَة , يُقَال : قَطَعَ رَحِمَهُ قَطِيعَة فَهُوَ رَجُل قُطَع وَقُطَعَة , مِثَال هُمَزَة . وَقَطَعْت الْحَبْل قَطْعًا . وَقَطَعْت النَّهْر قُطُوعًا . وَقَطَعَتْ الطَّيْر قُطُوعًا وَقُطَاعًا وَقِطَاعًا إِذَا خَرَجَتْ مِنْ بَلَد إِلَى بَلَد . وَأَصَابَ النَّاس قُطْعَة : إِذَا قُلْت مِيَاههمْ . وَرَجُل بِهِ قُطْع : أَيْ اِنْبِهَار . " مَا " فِي مَوْضِع نَصْب بِـ " يَقْطَعُونَ " . وَ " أَنْ " إِنْ شِئْت كَانَتْ بَدَلًا مِنْ " مَا " وَإِنْ شِئْت مِنْ الْهَاء فِي " بِهِ " وَهُوَ أَحْسَن . وَيَجُوز أَنْ يَكُون لِئَلَّا يُوصَل , أَيْ كَرَاهَة أَنْ يُوصَل . وَاخْتُلِفَ مَا الشَّيْء الَّذِي أَمَرَ بِوَصْلِهِ ؟ فَقِيلَ : صِلَة الْأَرْحَام . وَقِيلَ : أَمَرَ أَنْ يُوصَل الْقَوْل بِالْعَمَلِ , فَقَطَعُوا بَيْنهمَا بِأَنْ قَالُوا وَلَمْ يَعْمَلُوا . وَقِيلَ : أَمَرَ أَنْ يُوصَل التَّصْدِيق بِجَمِيعِ أَنْبِيَائِهِ , فَقَطَعُوهُ بِتَصْدِيقِ بَعْضهمْ وَتَكْذِيب بَعْضهمْ . وَقِيلَ : الْإِشَارَة إِلَى دِين اللَّه وَعِبَادَته فِي الْأَرْض , وَإِقَامَة شَرَائِعه وَحِفْظ حُدُوده . فَهِيَ عَامَّة فِي كُلّ مَا أَمَرَ اللَّه تَعَالَى بِهِ أَنْ يُوصَل . هَذَا قَوْل الْجُمْهُور , وَالرَّحِم جُزْء مِنْ هَذَا . أَيْ يَعْبُدُونَ غَيْر اللَّه تَعَالَى وَيَجُورُونَ فِي الْأَفْعَال ; إِذْ هِيَ بِحَسَبِ شَهَوَاتهمْ , وَهَذَا غَايَة الْفَسَاد . اِبْتِدَاء وَخَبَر . وَ " هُمْ " زَائِدَة , وَيَجُوز أَنْ تَكُون " هُمْ " اِبْتِدَاء ثَانٍ , " الْخَاسِرُونَ " خَبَره , وَالثَّانِي وَخَبَره خَبَر الْأَوَّل كَمَا تَقَدَّمَ . وَالْخَاسِر : الَّذِي نَقَصَ نَفْسه حَظّهَا مِنْ الْفَلَاح وَالْفَوْز . وَالْخُسْرَان : النُّقْصَان , كَانَ فِي مِيزَان أَوْ غَيْره , قَالَ جَرِير : إِنَّ سَلِيطًا فِي الْخَسَار إِنَّهُ أَوْلَاد قَوْم خُلِقُوا أَقِنّهْ يَعْنِي بِالْخَسَارِ مَا يَنْقُص مِنْ حُظُوظهمْ وَشَرَفهمْ . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَخَسَرْت الشَّيْء ( بِالْفَتْحِ ) وَأَخْسَرْته نَقَصْتهُ . وَالْخَسَار وَالْخَسَارَة وَالْخَيْسَرَى : الضَّلَال وَالْهَلَاك . فَقِيلَ لِلْهَالِكِ : خَاسِر ; لِأَنَّهُ خَسِرَ نَفْسه وَأَهْله يَوْم الْقِيَامَة وَمُنِعَ مَنْزِله مِنْ الْجَنَّة . فِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل عَلَى أَنَّ الْوَفَاء بِالْعَهْدِ وَالْتِزَامه وَكُلّ عَهْد جَائِز أَلْزَمَهُ الْمَرْء نَفْسه فَلَا يَحِلّ لَهُ نَقْضه سَوَاء أَكَانَ بَيْن مُسْلِم أَمْ غَيْره , لِذَمِّ اللَّه تَعَالَى مَنْ نَقَضَ عَهْدَهُ . وَقَدْ قَالَ : " أَوْفُوا بِالْعُقُودِ " [ الْمَائِدَة : 1 ] وَقَدْ قَالَ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ السَّلَام : " وَإِمَّا تَخَافَن مِنْ قَوْم خِيَانَة فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء " [ الْأَنْفَال : 58 ] فَنَهَاهُ عَنْ الْغَدْر وَذَلِكَ لَا يَكُون إِلَّا بِنَقْضِ الْعَهْد عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي مَوْضِعه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى .

غريب الآية
ٱلَّذِینَ یَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِیثَـٰقِهِۦ وَیَقۡطَعُونَ مَاۤ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦۤ أَن یُوصَلَ وَیُفۡسِدُونَ فِی ٱلۡأَرۡضِۚ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡخَـٰسِرُونَ ﴿٢٧﴾
یَنقُضُونَيَنْكُثون.
عَهۡدَ ٱللَّهِالعهدَ الذي أخذه عليهم بالتوحيدِ والطَّاعةِ.
مِنۢ بَعۡدِ مِیثَـٰقِهِمِنْ بعدِ تأكيدِه باليمينِ.
الإعراب
(الَّذِينَ)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ نَعْتٌ.
(يَنْقُضُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(عَهْدَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(اللَّهِ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(بَعْدِ)
اسْمٌ ظَرْفِيٌّ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِيثَاقِهِ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَيَقْطَعُونَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(يَقْطَعُونَ) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(مَا)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(أَمَرَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(اللَّهُ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(بِهِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(أَنْ)
حَرْفُ نَصْبٍ وَمَصْدَرِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يُوصَلَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَنَائِبُ الْفَاعِلِ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ (أَنْ يُوصَلَ) : فِي مَحَلِّ جَرٍّ بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ فِي (بِهِ) :.
(وَيُفْسِدُونَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(يُفْسِدُونَ) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الْأَرْضِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(أُولَئِكَ)
اسْمُ إِشَارَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(هُمُ)
ضَمِيرُ فَصْلٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ لَا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الْإِعْرَابِ.
(الْخَاسِرُونَ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الْوَاوُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.