صفحات الموقع

سورة البقرة الآية ٢٤٠

سورة البقرة الآية ٢٤٠

وَٱلَّذِینَ یُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَیَذَرُونَ أَزۡوَ ٰ⁠جࣰا وَصِیَّةࣰ لِّأَزۡوَ ٰ⁠جِهِم مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلۡحَوۡلِ غَیۡرَ إِخۡرَاجࣲۚ فَإِنۡ خَرَجۡنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَیۡكُمۡ فِی مَا فَعَلۡنَ فِیۤ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعۡرُوفࣲۗ وَٱللَّهُ عَزِیزٌ حَكِیمࣱ ﴿٢٤٠﴾

التفسير

تفسير السعدي

ثم قال تعالى: " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ " الآية. اشتهر عند كثير من المفسرين, أن هذه الآية الكريمة, نسختها الآية التي قبلها وهي قوله تعالى. " وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا " وأن الأمر كان على الزوجة, أن تتربص حولا كاملا, ثم نسخ بأربعة أشهر وعشر. ويجيبون عن تقدم الآية الناسخة, أن ذلك تقدم في الوضع, لا في النزول. لأن شرط الناسخ أن يتأخر عن المنسوخ. وهذا القول لا دليل عليه. ومن تأمل الآيتين, اتضح له أن القول الآخر في الآية, هو الصواب. وأن الآية الأولى في وجوب التربص أربعة أشهر وعشرا, على وجه التحتيم, على المرأة. وأما في هذه الآية فإنها وصية لأهل الميت, أن يبقوا زوجة ميتهم عندهم, حولا كاملا, جبرا لخاطرها, وبرا بميتهم. ولهذا قال " وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ " أي: وصية من الله لأهل الميت, أن يستوصوا بزوجته, ويمتعوها ولا يخرجوها. فإن رغبت, أقامت في وصيتها, وإن أحبت الخروج, فلا حرج عليها, ولهذا قال: " فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ " . أي: من التجمل واللباس. لكن الشرط, أن يكون بالمعروف, الذي لا يخرجها عن حدود الدين والاعتبار. وختم الآية بهذين الاسمين العظيمين, الدالين على كمال العزة, وكمال الحكمة, لأن هذه أحكام صدرت عن عزته, ودلت على كمال حكمته, حيث وضعها في مواضعها اللائقه بها.

التفسير الميسر

والأزواج الذين يموتون ويتركون زوجات بعدهم، فعليهم وصيةً لهنَّ: أن يُمَتَّعن سنه تامة من يوم الوفاة، بالسكنى في منزل الزوج من غير إخراج الورثة لهن مدة السنة؛ جبرًا لخاطر الزوجة، وبرًا بالمتوفَّى. فإن خرجت الزوجات باختيارهن قبل انقضاء السنة فلا إثم عليكم -أيها الورثة- في ذلك، ولا حرج على الزوجات فيما فعلن في أنفسهن من أمور مباحة. والله عزيز في ملكه، حكيم في أمره ونهيه. وهذه الآية منسوخة بقوله تعالى: (والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجًا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرًا).

تفسير الجلالين

"وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا" فَلْيُوصُوا "وَصِيَّة" وَفِي قِرَاءَة بِالرَّفْعِ أَيْ عَلَيْهِمْ "لِأَزْوَاجِهِمْ" وَلْيُعْطُوهُنَّ "مَتَاعًا" مَا يَتَمَتَّعْنَ بِهِ مِنْ النَّفَقَة وَالْكِسْوَة "إلَى" تَمَام "الْحَوْل" حَال أَيْ غَيْر مُخْرِجَات مِنْ مَسْكَنهنَّ "فَإِنْ خَرَجْنَ" بِأَنْفُسِهِنَّ "فَلَا جُنَاح عَلَيْكُمْ" يَا أَوْلِيَاء الْمَيِّت "فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسهنَّ مِنْ مَعْرُوف" شَرْعًا كَالتَّزَيُّنِ وَتَرْك الْإِحْدَاد وَقَطْع النَّفَقَة عَنْهَا "وَاَللَّه عَزِيز" فِي مُلْكه "حَكِيم" فِي صُنْعه وَالْوَصِيَّة الْمَذْكُورَة مَنْسُوخَة بِآيَةِ الْمِيرَاث وَتَرَبُّص الْحَوْل بِآيَةِ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا السَّابِقَة الْمُتَأَخِّرَة فِي النُّزُول وَالسُّكْنَى ثَابِتَة لَهَا عِنْد الشَّافِعِيّ رَحِمَهُ اللَّه

تفسير ابن كثير

قَالَ الْأَكْثَرُونَ هَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَة بِاَلَّتِي قَبْلهَا وَهِيَ قَوْله " يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا " قَالَ الْبُخَارِيّ : حَدَّثَنَا أُمَيَّة حَدَّثَنَا يَزِيد بْن زُرَيْع عَنْ حَبِيب عَنْ اِبْن أَبِي مُلَيْكَة قَالَ اِبْن الزُّبَيْر : قُلْت لِعُثْمَان بْن عَفَّان " وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا " قَدْ نَسَخَتْهَا الْآيَة الْأُخْرَى فَلِمَ تَكْتُبهَا أَوْ تَدَعهَا قَالَ : يَا اِبْن أَخِي لَا أُغَيِّر شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانه وَمَعْنَى هَذَا الْإِشْكَال الَّذِي قَالَهُ اِبْن الزُّبَيْر لِعُثْمَان إِذَا كَانَ حُكْمهَا قَدْ نُسِخَ بِالْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُر فَمَا الْحِكْمَة فِي إِبْقَاء رَسْمهَا مَعَ زَوَال حُكْمهَا وَبَقَاء رَسْمهَا بَعْد الَّتِي نَسَخَتْهَا يُوهِم بَقَاء حُكْمهَا ؟ فَأَجَابَهُ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ هَذَا أَمْرٌ تَوْقِيفِيٌّ وَأَنَا وَجَدْتهَا مُثْبَتَة فِي الْمُصْحَف كَذَلِكَ بَعْدهَا فَأُثْبِتُهَا حَيْثُ وَجَدْتهَا قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن الصَّبَّاح حَدَّثَنَا حَجَّاج بْن مُحَمَّد عَنْ اِبْن جُرَيْج وَعُثْمَان بْن عَطَاء عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْل غَيْر إِخْرَاج " فَكَانَ لِلْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا نَفَقَتهَا وَسُكْنَاهَا فِي الدَّار سَنَة فَنَسَخَتْهَا آيَة الْمَوَارِيث فَجُعِلَ لَهُنَّ الثُّمُن أَوْ الرُّبُع مِمَّا تَرَكَ الزَّوْج ثُمَّ قَالَ : وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَابْن الزُّبَيْر وَمُجَاهِد وَإِبْرَاهِيم وَعَطَاء وَالْحَسَن وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَزَيْد بْن أَسْلَمَ وَالسُّدِّيّ وَمُقَاتِل بْن حَيَّان وَعَطَاء الْخُرَاسَانِيّ وَالرَّبِيع بْن أَنَس أَنَّهَا مَنْسُوخَة وَرُوِيَ عَنْ طَرِيق عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ الرَّجُل إِذَا مَاتَ وَتَرَكَ اِمْرَأَة اِعْتَدَّتْ سَنَة فِي بَيْته يُنْفِق عَلَيْهَا مِنْ مَاله ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّه بَعْد " وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا " فَهَذِهِ عِدَّة الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجهَا إِلَّا أَنْ تَكُون حَامِلًا فَعِدَّتهَا أَنْ تَضَع مَا فِي بَطْنهَا وَقَالَ " وَلَهُنَّ الرُّبُع مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَد فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَد فَلَهُنَّ الثُّمُن مِمَّا تَرَكْتُمْ " فَبَيَّنَ مِيرَاث الْمَرْأَة وَتَرَكَ الْوَصِيَّة وَالنَّفَقَة قَالَ : وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِد وَالْحَسَن وَعِكْرِمَة وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَالرَّبِيع وَمُقَاتِل بْن حَيَّان قَالُوا نَسَخَتْهَا " أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا " قَالَ وَرُوِيَ عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ نَسَخَتْهَا الَّتِي فِي الْأَحْزَاب " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمْ الْمُؤْمِنَات " الْآيَة " قُلْت " وَرُوِيَ عَنْ مُقَاتِل وَقَتَادَة أَنَّهَا مَنْسُوخَة بِآيَةِ الْمِيرَاث وَقَالَ الْبُخَارِيّ حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن مَنْصُور حَدَّثَنَا رَوْح حَدَّثَنَا شِبْل عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد " وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا " قَالَ كَانَتْ هَذِهِ لِلْمُعْتَدَّةِ تَعْتَدّ عِنْد أَهْل زَوْجهَا وَاجِب فَأَنْزَلَ اللَّه " وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْل غَيْر إِخْرَاج فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاح عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسهنَّ مِنْ مَعْرُوف " قَالَ : جَعَلَ اللَّه تَمَام السَّنَة سَبْعَة أَشْهُر وَعِشْرِينَ لَيْلَة وَصِيَّة إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتهَا وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ وَهُوَ قَوْل اللَّه " غَيْر إِخْرَاج فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاح عَلَيْكُمْ " فَالْعِدَّة كَمَا هِيَ وَاجِب عَلَيْهَا زَعَمَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِد رَحِمَهُ اللَّه وَقَالَ عَطَاء قَالَ اِبْن عَبَّاس نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَة عِدَّتهَا عِنْد أَهْلهَا فَتَعْتَدّ حَيْثُ شَاءَتْ وَهُوَ قَوْل اللَّه تَعَالَى " غَيْر إِخْرَاج " قَالَ عَطَاء : إِنْ شَاءَتْ اِعْتَدَّتْ عِنْد أَهْلهَا وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّتهَا وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ لِقَوْلِ اللَّه " فَلَا جُنَاح عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ " قَالَ عَطَاء : ثُمَّ جَاءَ الْمِيرَاث فَنَسَخَ السُّكْنَى فَتَعْتَدّ حَيْثُ شَاءَتْ وَلَا سُكْنَى لَهَا ثُمَّ أَسْنَدَ الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس مِثْل مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ بِهَذَا الْقَوْل الَّذِي عَوَّلَ عَلَيْهِ مُجَاهِد وَعَطَاء مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة لَمْ تَدُلّ عَلَى وُجُوب الِاعْتِدَاد سَنَة كَمَا زَعَمَهُ الْجُمْهُور حَتَّى يَكُون ذَلِكَ مَنْسُوخًا بِالْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُر وَعَشْرًا وَإِنَّمَا دَلَّتْ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ بَاب الْوَصَاة بِالزَّوْجَاتِ أَنْ يُمَكَّنَ مِنْ السُّكْنَى فِي بُيُوت أَزْوَاجهنَّ بَعْد وَفَاتهمْ حَوْلًا كَامِلًا إِنْ اِخْتَرْنَ ذَلِكَ وَلِهَذَا قَالَ " وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِمْ " أَيْ يُوصِيكُمْ اللَّه بِهِنَّ وَصِيَّة كَقَوْلِهِ" يُوصِيكُمْ اللَّه فِي أَوْلَادكُمْ " الْآيَة وَقَوْله " وَصِيَّة مِنْ اللَّه " وَقِيلَ إِنَّمَا اِنْتَصَبَ عَلَى مَعْنَى فَلْتُوصُوا لَهُنَّ وَصِيَّة وَقَرَأَ آخَرُونَ بِالرَّفْعِ وَصِيَّة عَلَى مَعْنَى كَتَبَ عَلَيْكُمْ وَصِيَّة وَاخْتَارَهَا اِبْن جَرِير وَلَا يُمْنَعْنَ مِنْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ " غَيْر إِخْرَاج " فَأَمَّا إِذَا اِنْقَضَتْ عِدَّتهنَّ بِالْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُر وَالْعَشْر أَوْ بِوَضْعِ الْحَمْل وَاخْتَرْنَ الْخُرُوج وَالِانْتِقَال مِنْ ذَلِكَ الْمَنْزِل فَإِنَّهُنَّ لَا يُمْنَعْنَ مِنْ ذَلِكَ لِقَوْلِهِ " فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاح عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسهنَّ مِنْ مَعْرُوف " وَهَذَا الْقَوْل لَهُ اِتِّجَاه وَفِي اللَّفْظ مُسَاعَدَة لَهُ وَقَدْ اِخْتَارَهُ جَمَاعَة مِنْهُمْ الْإِمَام أَبُو الْعَبَّاس ابْنُ تَيْمِيَة وَرَدَّهُ آخَرُونَ مِنْهُمْ الشَّيْخ أَبُو عُمَر بْن عَبْد الْبَرّ وَقَوْل عَطَاء وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخ بِآيَةِ الْمِيرَاث إِنْ أَرَادُوا مَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعَة الْأَشْهُر وَالْعَشْر فَمُسَلَّمٌ وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ سُكْنَى الْأَرْبَعَة الْأَشْهُر وَعَشْر لَا تَجِب فِي تَرِكَة الْمَيِّت فَهَذَا مَحَلّ خِلَاف بَيْن الْأَئِمَّة وَهُمَا قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّه وَقَدْ اِسْتَدَلُّوا عَلَى وُجُوب السُّكْنَى فِي مَنْزِل الزَّوْج بِمَا رَوَاهُ مَالِك فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ سَعْد بْن إِسْحَاق بْن كَعْب بْن عُجْرَة عَنْ عَمَّته زَيْنَب بِنْت كَعْب بْن عُجْرَة أَنَّ الْفُرَيْعَة بِنْت مَالِك بْن سِنَان وَهِيَ أُخْت أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا جَاءَتْ إِلَى رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - تَسْأَلهُ أَنْ تَرْجِع إِلَى أَهْلهَا فِي بَنِي خُدْرَة فَإِنَّ زَوْجهَا خَرَجَ فِي طَلَب أَعْبُد لَهُ أَبَقُوا حَتَّى إِذَا كَانَ بِطَرَفِ الْقَدُومِ لَحِقَهُمْ فَقَتَلُوهُ قَالَتْ : فَسَأَلْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَرْجِع إِلَى أَهْلِي فِي بَنِي خُدْرَة فَإِنَّ زَوْجِي لَمْ يَتْرُكنِي فِي مَسْكَن يَمْلِكهُ وَلَا نَفَقَة قَالَتْ : فَقَالَ رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَعَمْ قَالَتْ فَانْصَرَفْت حَتَّى إِذَا كُنْت فِي الْحُجْرَة نَادَانِي رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَوْ أَمَرَ بِي فَنُودِيت لَهُ فَقَالَ كَيْف قُلْت ؟ فَرَدَدْت عَلَيْهِ الْقِصَّة الَّتِي ذَكَرْت لَهُ مِنْ شَأْن زَوْجِي فَقَالَ اُمْكُثِي فِي بَيْتك حَتَّى يَبْلُغ الْكِتَابُ أَجَله قَالَتْ فَاعْتَدَدْت فِيهِ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا قَالَتْ : فَلَمَّا كَانَ عُثْمَان بْن عَفَّان أَرْسَلَ إِلَيَّ فَسَأَلَنِي عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرْته فَاتَّبَعَهُ وَقَضَى بِهِ وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ مِنْ حَدِيث مَالِك بِهِ . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضًا وَابْن مَاجَهْ مِنْ طُرُق عَنْ سَعْد بْن إِسْحَاق وَبِهِ قَالَ التِّرْمِذِيّ حَسَن صَحِيح .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إلَى الْحَوْل غَيْر إخْرَاج } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ أَيّهَا الرِّجَال , { وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا } يَعْنِي زَوْجَات كُنَّ لَهُ نِسَاء فِي حَيَاته , بِنِكَاحٍ لَا مِلْك يَمِين . ثُمَّ صُرِفَ الْخَبَر عَنْ ذِكْر مَنْ ابْتَدَأَ الْخَبَر بِذِكْرِهِ , نَظِير الَّذِي مَضَى مِنْ ذَلِكَ فِي قَوْله : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا } إلَى الْخَبَر عَنْ ذِكْر أَزْوَاجهمْ . وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْه ذَلِكَ , وَدَلَّلْنَا عَلَى صِحَّة الْقَوْل فِيهِ فِي نَظِيره الَّذِي قَدْ تَقَدَّمَ قَبْله , فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . ثُمَّ قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِمْ } فَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة ذَلِكَ , فَقَرَأَ بَعْضهمْ : { وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِمْ } بِنَصْبِ الْوَصِيَّة ; بِمَعْنَى : فَلْيُوصُوا وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِمْ , أَوْ عَلَيْهِمْ وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِمْ . وقَرَأَ آخَرُونَ : " وَصِيَّة وَلِأَزْوَاجِهِمْ " بِرَفْعِ " الْوَصِيَّة " . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل الْعَرَبِيَّة فِي وَجْه رَفْع الْوَصِيَّة ؟ فَقَالَ بَعْضهمْ : رُفِعَتْ بِمَعْنَى : كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ الْوَصِيَّة , وَاعْتَلَّ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهَا كَذَلِكَ فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه . فَتَأْوِيل الْكَلَام عَلَى مَا قَالَهُ هَذَا الْقَائِل : وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِمْ , ثُمَّ تَرَكَ ذِكْر " كُتِبَتْ " , وَرُفِعَتْ الْوَصِيَّة وبِذَلِكَ الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ مَتْرُوكًا ذِكْره . وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : بَلْ الْوَصِيَّة مَرْفُوعَة بِقَوْلِهِ : { لِأَزْوَاجِهِمْ } فَتَأَوَّلَ : لِأَزْوَاجِهِمْ وَصِيَّة . وَالْقَوْل الْأَوَّل أَوْلَى بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ , وَهُوَ أَنْ تَكُون الْوَصِيَّة إذَا رُفِعَتْ مَرْفُوعَة بِمَعْنَى : كُتِبَتْ عَلَيْكُمْ وَصِيَّة لِأَزْوَاجِكُمْ , لِأَنَّ الْعَرَب تُضْمِر النَّكِرَات مَرَافِعهَا قَبْلهَا إذَا أُضْمِرَتْ , فَإِذَا أُظْهِرَتْ بَدَأَتْ بِهِ قَبْلهَا , فَتَقُول : جَاءَنِي رَجُل الْيَوْم , وَإِذَا قَالُوا : رَجُل جَاءَنِي الْيَوْم , لَمْ يَكَادُوا أَنْ يَقُولُوهُ إلَّا وَالرَّجُل حَاضِر يُشِيرُونَ إلَيْهِ بِهَذَا , أَوْ غَائِب قَدْ عَلِمَ الْمُخْبَر عَنْهُ خَبَره , أَوْ بِحَذْفِ " هَذَا " وَإِضْمَاره , إنْ حَذَفُوهُ لِمَعْرِفَةِ السَّامِع بِمَعْنَى الْمُتَكَلِّم , كَمَا قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { سُورَة أَنَزَلْنَاهَا } 24 1 و { بَرَاءَة مِنْ اللَّه وَرَسُوله } 9 1 فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْله : { وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِمْ } وَأَوْلَى الْقِرَاءَتَيْنِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ عِنْدنَا قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ رَفْعًا لِدَلَالَةِ ظَاهِر الْقُرْآن عَلَى أَنَّ مَقَام الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجهَا فِي بَيْت زَوْجهَا الْمُتَوَفَّى حَوْلًا كَامِلًا , كَانَ حَقًّا لَهَا قَبْل نُزُول قَوْله : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا } 2 234 وَقَبْل نُزُول آيَة الْمِيرَاث . وَلِتَظَاهُرِ الْأَخْبَار عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الظَّاهِر مِنْ ذَلِكَ , أَوْصَى لَهُنَّ أَزْوَاجهنَّ بِذَلِكَ قَبْل وَفَاتهنَّ أَوْ لَمْ يُوصُوا لَهُنَّ بِهِ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَمَا الدَّلَالَة عَلَى ذَلِكَ ؟ قِيلَ : لَمَّا قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره . { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِمْ } وَكَانَ الْمُوصِي لَا شَكّ إنَّمَا يُوصِي فِي حَيَاته بِمَا يُؤْمَر بِإِنْفَاذِهِ بَعْد وَفَاته , وَكَانَ مُحَالًا أَنْ يُوصِي بَعْد وَفَاته , كَانَ تَعَالَى ذِكْره إنَّمَا جَعَلَ لِامْرَأَةِ الْمَيِّت سُكْنَى الْحَوْل بَعْد وَفَاته ; عِلْمًا بِأَنَّهُ حَقّ لَهَا وَجَبَ فِي مَاله بِغَيْرِ وَصِيَّة مِنْهُ لَهَا , إذْ كَانَ الْمَيِّت مُسْتَحِيلًا أَنْ يَكُون مِنْهُ وَصِيَّة بَعْد وَفَاته . وَلَوْ كَانَ مَعْنَى الْكَلَام عَلَى مَا تَأَوَّلَهُ مَنْ قَالَ : فَلْيُوصِ وَصِيَّة , لَكَانَ التَّنْزِيل : وَاَلَّذِينَ يُحْضِرهُمْ الْوَفَاة وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِمْ , كَمَا قَالَ : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدكُمْ الْمَوْت إنْ تَرْك خَيْرًا الْوَصِيَّة } وَبَعْد , فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا لَهُنَّ بِوَصِيَّةٍ مِنْ أَزْوَاجهنَّ الْمُتَوَفِّينَ , لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حِلًّا لَهُنَّ إذَا لَمْ يُوصِ أَزْوَاجهنَّ لَهُنَّ قَبْل وَفَاتهمْ , وَلَكَانَ لِوَرَثَتِهِمْ إخْرَاجهنَّ قَبْل الْحَوْل , وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { غَيْر إخْرَاج } وَلَكِنْ الْأَمْر فِي ذَلِكَ بِخِلَافِ مَا ظَنَّهُ فِي تَأْوِيله قَارِئُهُ : { وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِمْ } بِمَعْنَى : أَنَّ اللَّه تَعَالَى كَانَ أَمَرَ أَزْوَاجهنَّ بِالْوَصِيَّةِ لَهُنَّ , وَإِنَّمَا تَأْوِيل ذَلِكَ : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا } كَتَبَ اللَّه لِأَزْوَاجِهِمْ عَلَيْكُمْ وَصِيَّة مِنْهُ لَهُنَّ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ أَنْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ مَنَازِل أَزْوَاجهنَّ حَوْلًا , كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره فِي سُورَة النِّسَاء : { غَيْر مُضَارّ وَصِيَّة مِنْ اللَّه } 4 12 ثُمَّ تَرَكَ ذِكْر " كَتَبَ اللَّه " اكْتِفَاء بِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ , وَرُفِعَتْ " الْوَصِيَّة " بِالْمَعْنَى الَّذِي قُلْنَا قَبْل . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَهَلْ يَجُوز نَصْب الْوَصِيَّة . . .. لَهُنَّ وَصِيَّة ؟ قِيلَ : لَا , لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ يَكُون جَائِزًا لَوْ تَقَدَّمَ الْوَصِيَّة مِنْ الْكَلَام مَا يُصْلِح أَنْ تَكُون الْوَصِيَّة خَارِجَة مِنْهُ , فَأَمَّا وَلَمْ يَتَقَدَّمهُ مَا يَحْسُن أَنْ تَكُون مَنْصُوبَة بِخُرُوجِهَا مِنْهُ , فَغَيْر جَائِز نَصْبهَا بِذَلِكَ الْمَعْنَى . ذِكْر بَعْض مَنْ قَالَ : إنَّ سُكْنَى حَوْل كَامِل كَانَ حِلًّا لِأَزْوَاجِ الْمُتَوَفِّينَ بَعْد مَوْتهمْ عَلَى مَا قُلْنَا , أَوْصَى بِذَلِكَ أَزْوَاجهنَّ لَهُنَّ أَوْ لَمْ يُوصُوا لَهُنَّ بِهِ , وَأَنَّ ذَلِكَ نُسِخَ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَرْبَعَة الْأَشْهُر وَالْعَشْر وَالْمِيرَاث : 4341 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج بْن مِنْهَال , قَالَ : ثنا هَمَّام بْن يَحْيَى , قَالَ : سَأَلْت قَتَادَة عَنْ قَوْله : - { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إلَى الْحَوْل غَيْر إخْرَاج } ; فَقَالَ : كَانَتْ الْمَرْأَة إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجهَا كَانَ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَة حَوْلًا فِي مَال زَوْجهَا مَا لَمْ تَخْرُج , ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بَعْد فِي سُورَة النِّسَاء , فَجَعَلَ لَهَا فَرِيضَة مَعْلُومَة الثَّمَن إنْ كَانَ لَهُ وَلَد , وَالرُّبُع إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَد , وَعِدَّتهَا أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا , فَقَالَ تَعَالَى ذِكْره : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا } فَنَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَة مَا كَانَ قَبْلهَا مِنْ أَمْر الْحَوْل . 4342 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع . فِي قَوْله : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إلَى الْحَوْل غَيْر إخْرَاج } الْآيَة . قَالَ : كَانَ هَذَا مِنْ قَبْل أَنْ تَنْزِل آيَة الْمِيرَاث , فَكَانَتْ الْمَرْأَة إذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجهَا , كَانَ لَهَا السُّكْنَى وَالنَّفَقَة حَوْلًا إنْ شَاءَتْ , فَنُسِخَ ذَلِكَ فِي سُورَة النِّسَاء , فَجَعَلَ لَهَا فَرِيضَة مَعْلُومَة : جَعَلَ لَهَا الثَّمَن إنْ كَانَ لَهُ وَلَد , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَد فَلَهَا الرُّبُع وَجَعَلَ عِدَّتهَا أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا , فَقَالَ : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا } . 4343 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إلَى الْحَوْل غَيْر إخْرَاج } فَكَانَ الرَّجُل إذَا مَاتَ وَتَرَكَ امْرَأَته , اعْتَدَّتْ سَنَة فِي بَيْته , يُنْفِق عَلَيْهَا مِنْ مَاله ; ثُمَّ أَنَزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره بَعْد : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا } 2 234 فَهَذِهِ عِدَّة الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجهَا , إلَّا أَنْ تَكُون حَامِلًا , فَعِدَّتهَا أَنْ تَضَع مَا فِي بَطْنهَا , وَقَالَ فِي مِيرَاثهَا : { وَلَهُنَّ الرُّبُع مِمَّا تَرَكْتُمْ إنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَد فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَد فَلَهُنَّ الثُّمُن } 4 12 فَبَيَّنَ اللَّه مِيرَاث الْمَرْأَة , وَتَرَكَ الْوَصِيَّة وَالنَّفَقَة . 4344 - حُدِّثْنَا عَنْ الْحُسَيْن بْن الْفَرَج , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ , قَالَ : سَمِعْت عُبَيْد اللَّه بْن سُلَيْمَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إلَى الْحَوْل غَيْر إخْرَاج } كَانَ الرَّجُل إذَا تُوُفِّيَ أَنْفَقَ عَلَى امْرَأَته فِي عَامه إلَى الْحَوْل , وَلَا تَزَوَّجَ حَتَّى تَسْتَكْمِل الْحَوْل . وَهَذَا مَنْسُوخ , نَسَخَ النَّفَقَة عَلَيْهَا الرُّبُع وَالثُّمُن مِنْ الْمِيرَاث , وَنَسَخَ الْحَوْل أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا . * وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو زُهَيْر , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيّه لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إلَى الْحَوْل غَيْر إخْرَاج } قَالَ : الرَّجُل إذَا تُوُفِّيَ أَنْفَقَ عَلَى امْرَأَته إلَى الْحَوْل , وَلَا تُزَوَّج حَتَّى يَمْضِي الْحَوْل , فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا } 2 234 فَنَسَخَ الْأَجَل الْحَوْل , وَنَسَخَ النَّفَقَة الْمِيرَاث الرُّبُع وَالثُّمُن . 4345 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , قَالَ : سَأَلْت عَطَاء عَنْ قَوْله : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إلَى الْحَوْل غَيْر إخْرَاج } قَالَ : كَانَ مِيرَاث الْمَرْأَة مِنْ زَوْجهَا مِنْ رِيعه أَنْ تَسْكُن إنْ شَاءَتْ مِنْ يَوْم يَمُوت زَوْجهَا إلَى الْحَوْل , يَقُول : { فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاح عَلَيْكُمْ } الْآيَة . ثُمَّ نَسَخَهَا مَا فَرَضَ اللَّه مِنْ الْمِيرَاث . قَالَ : وَقَالَ مُجَاهِد : وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِمْ , سُكْنَى الْحَوْل , ثُمَّ نَسَخَ هَذِهِ الْآيَة بِالْمِيرَاثِ . 4346 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد : كَانَ لِأَزْوَاجِ الْمَوْتَى حِين كَانَتْ الْوَصِيَّة نَفَقَة سَنَة , فَنَسَخَ اللَّه ذَلِكَ الَّذِي كُتِبَ لِلزَّوْجَةِ مِنْ نَفَقَة السَّنَة بِالْمِيرَاثِ , فَجَعَلَ لَهَا الرُّبُع أَوْ الثُّمُن , وَفِي قَوْله : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا } قَالَ : هَذِهِ النَّاسِخَة . ذِكْر مَنْ قَالَ : كَانَ ذَلِكَ يَكُون لَهُنَّ بِوَصِيَّةٍ مِنْ أَزْوَاجهنَّ لَهُنَّ بِهِ : 4347 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا } الْآيَة . قَالَ : كَانَتْ هَذِهِ مِنْ قَبْل الْفَرَائِض , فَكَانَ الرَّجُل يُوصِي لِامْرَأَتِهِ وَلِمَنْ شَاءَ , ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بَعْد , فَأَلْحَقَ اللَّه تَعَالَى بِأَهْلِ الْمَوَارِيث مِيرَاثهمْ , وَجَعَلَ لِلْمَرْأَةِ إنْ كَانَ لَهُ وَلَد الثُّمُن , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَد فَلَهَا الرُّبُع . وَكَانَ يُنْفِق عَلَى الْمَرْأَة حَوْلًا مِنْ مَال زَوْجهَا , ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ بَيْته , فَنَسَخَتْهُ الْعِدَّة أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا , وَنَسَخَ الرُّبُع أَوْ الثُّمُن الْوَصِيَّة لَهُنَّ , فَصَارَتْ الْوَصِيَّة لِذَوِي الْقَرَابَة الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ . 4348 - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيّه لِأَزْوَاجِهِمْ } إلَى : { فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسهنَّ مِنْ مَعْرُوف } يَوْم نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة كَانَ الرَّجُل إذَا مَاتَ أَوْصَى لِامْرَأَتِهِ بِنَفَقَتِهَا وَسُكْنَاهَا سَنَة , وَكَانَتْ عِدَّتهَا أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا , فَإِنْ هِيَ خَرَجَتْ حِين تَنْقَضِي أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْر انْقَطَعَتْ عَنْهَا النَّفَقَة , فَذَلِكَ قَوْله : { فَإِنْ خَرَجْنَ } وَهَذَا قَبْل أَنْ تَنْزِل آيَة الْفَرَائِض , فَنَسَخَهُ الرُّبُع وَالثُّمُن , فَأَخَذَتْ نَصِيبهَا , وَلَمْ يَكُنْ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَة . 4349 - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن الْمِقْدَام , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر , قَالَ : سَمِعْت أَبِي , قَالَ : يَزْعُم قَتَادَة أَنَّهُ كَانَ يُوصِي لِلْمَرْأَةِ بِنَفَقَتِهَا إلَى رَأْس الْحَوْل . ذِكْر مَنْ قَالَ نَسَخَ ذَلِكَ مَا كَانَ لَهُنَّ مِنْ الْمَتَاع إلَى الْحَوْل مِنْ غَيْر بَيِّنَة عَلَى أَيّ وَجْه كَانَ ذَلِكَ لَهُنَّ : 4350 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ حَبِيب , عَنْ إبْرَاهِيم فِي قَوْله : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيّه لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إلَى الْحَوْل } قَالَ : هِيَ مَنْسُوخَة . * حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن الزِّبْرِقَان , قَالَ : ثنا أُسَامَة , عَنْ سُفْيَان , عَنْ حَبِيب بْن أَبِي ثَابِت , قَالَ : سَمِعْت إبْرَاهِيم يَقُول , فَذَكَرَ نَحْوه . 4351 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , عَنْ حُصَيْن , عَنْ يَزِيد النَّحْوِيّ , عَنْ عِكْرِمَة وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ , قَالَا : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إلَى الْحَوْل غَيْر إخْرَاج } نَسَخَ ذَلِكَ بِآيَةِ الْمِيرَاث , وَمَا فَرَضَ لَهُنَّ فِيهَا مِنْ الرُّبُع وَالثُّمُن , وَنَسَخَ أَجَل الْحَوْل أَنْ جَعَلَ أَجَلهَا أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا . 4352 - حَدَّثَنَا يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ يُونُس , عَنْ ابْن سِيرِينَ , عَنْ ابْن عَبَّاس أَنَّهُ قَامَ يَخْطُب النَّاس هَهُنَا , فَقَرَأَ لَهُمْ سُورَة الْبَقَرَة , فَبَيَّنَ لَهُمْ فِيهَا , فَأَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَة : { إنْ تَرْك خَيْرًا الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } 2 180 قَالَ : فَنُسِخَتْ هَذِهِ . ثُمَّ قَرَأَ حَتَّى أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَة : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا } إلَى قَوْله : { غَيْر إخْرَاج } فَقَالَ : وَهَذِهِ . وَقَالَ آخَرُونَ : هَذِهِ الْآيَة ثَابِتَة الْحُكْم لَمْ يُنْسَخ مِنْهَا شَيْء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 4353 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا } 2 234 قَالَ : كَانَتْ هَذِهِ لِلْمُعْتَدَّةِ تَعْتَدّ عِنْد أَهْل زَوْجهَا وَاجِبًا ذَلِكَ عَلَيْهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه : { وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إلَى الْحَوْل غَيْر إخْرَاج } إلَى قَوْله : { مِنْ مَعْرُوف } قَالَ : جَعَلَ اللَّه لَهُمْ تَمَام السَّنَة سَبْعَة أَشْهُر وَعِشْرِينَ لَيْلَة وَصِيَّة , إنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتهَا , وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ , وَهُوَ قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { غَيْر إخْرَاج فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاح عَلَيْكُمْ } قَالَ : وَالْعِدَّة كَمَا هِيَ وَاجِبَة . * حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 4354 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , عَنْ عِيسَى وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ عَطَاء , عَنْ ابْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : نَسَخَتْ هَذِهِ الْآيَة عِدَّتهَا عِنْد أَهْله تَعْتَدّ حَيْثُ شَاءَتْ , وَهُوَ قَوْل اللَّه : { غَيْر إخْرَاج } قَالَ عَطَاء : إنْ شَاءَتْ اعْتَدَّتْ عِنْد أَهْله وَسَكَنَتْ فِي وَصِيَّة , وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ لِقَوْلِ اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { فَلَا جُنَاح عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسهنَّ } . قَالَ عَطَاء : جَاءَ الْمِيرَاث بِنَسْخِ السُّكْنَى تَعْتَدّ حَيْثُ شَاءَتْ , وَلَا سُكْنَى لَهَا . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال عِنْدِي فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ أَنْ يُقَال : إنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره كَانَ جَعَلَ لِأَزْوَاجِ مَنْ مَاتَ مِنْ الرِّجَال بَعْد مَوْتهمْ سُكْنَى حَوْل فِي مَنْزِله , وَنَفَقَتهَا فِي مَال زَوْجهَا الْمَيِّت إلَى انْقِضَاء السَّنَة . وَوَجَبَ عَلَى وَرَثَة الْمَيِّت أَنْ لَا يَخْرُجُوهُنَّ قَبْل تَمَام الْحَوْل مِنْ الْمَسْكَن الَّذِي يَسْكُنهُ , وَإِنْ هُنَّ تَرَكْنَ حَقّهنَّ مِنْ ذَلِكَ وَخَرَجْنَ لَمْ تَكُنْ وَرَثَة الْمَيِّت خُرُوجهنَّ فِي حَرَج . ثُمَّ إنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره نَسَخَ النَّفَقَة بِآيَةِ الْمِيرَاث , وَأَبْطَلَ مِمَّا كَانَ جَعَلَ لَهُنَّ مِنْ سُكْنَى حَوْل سَبْعَة أَشْهُر وَعِشْرِينَ لَيْلَة , وَرَدَّهُنَّ إلَى أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْر عَلَى لِسَان رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . 4355 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الْحَكَم , قَالَ : ثنا حَجَّاج , قَالَ : أَخْبَرَنَا حَيْوَة بْن شُرَيْح , عَنْ ابْن عَجْلَان , عَنْ سَعِيد بْن إسْحَاق بْن كَعْب بْن عُجْرَة , وَأَخْبَرَهُ عَنْ عَمَّته زَيْنَب ابْنَة كَعْب بْن عُجْرَة , عَنْ فُرَيْعَة أُخْت أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ : أَنَّ زَوْجهَا خَرَجَ فِي طَلَب عَبْد لَهُ , فَلَحِقَهُ بِمَكَانٍ قَرِيب , فَقَاتَلَهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ أَعْبُد مَعَهُ , فَقَتَلُوهُ . فَأَتَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ : إنَّ زَوْجهَا خَرَجَ فِي طَلَب عَبْد لَهُ , فَلَقِيَهُ عُلُوج فَقَتَلُوهُ , وَإِنِّي فِي مَكَان لَيْسَ فِيهِ أَحَد غَيْرِي , وَإِنْ أَجْمَع لِأَمْرِي أَنْ أَنْتَقِل إلَى أَهْلِي . فَقَالَ لَهَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بَلْ اُمْكُثِي مَكَانك حَتَّى يَبْلُغ الْكِتَاب أَجَله " وَأَمَّا قَوْله : { مَتَاعًا } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : جَعَلَ ذَلِكَ لَهُنَّ مَتَاعًا , أَيْ الْوَصِيَّة الَّتِي كَتَبَهَا اللَّه لَهُنَّ . وَإِنَّمَا نَصَبَ " الْمَتَاع " , لِأَنَّ فِي قَوْله : { وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِمْ } مَعْنَى مَتَّعَهُنَّ اللَّه , فَقِيلَ مَتَاعًا مَصْدَرًا مِنْ مَعْنَاهُ , لَا مِنْ لَفْظه . وَقَوْله : { غَيْر إخْرَاج } فَإِنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره جَعَلَ مَا جَعَلَ لَهُنَّ مِنْ الْوَصِيَّة مَتَاعًا مِنْهُ لَهُنَّ إلَى الْحَوْل لَا إخْرَاجًا مِنْ مَسْكَن زَوْجهَا , يَعْنِي لَا إخْرَاج فِيهِ مِنْهُ حَتَّى يَنْقَضِي الْحَوْل , فَنَصَبَ " غَيْر " عَلَى النَّعْت لِلْمَتَاعِ كَقَوْلِ الْقَائِل : هَذَا قِيَام غَيْر قُعُود , بِمَعْنَى : هَذَا قِيَام لَا قُعُود مَعَهُ , أَوْ لَا قُعُود فِيهِ . وَقَدْ زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّهُ مَنْصُوب بِمَعْنَى : لَا تُخْرِجُوهُنَّ إخْرَاجًا . وَذَلِكَ خَطَأ مِنْ الْقَوْل , لِأَنَّ ذَلِكَ إذَا نُصِبَ عَلَى هَذَا التَّأْوِيل كَانَ نَصْبه مِنْ كَلَام آخَر غَيْر الْأَوَّل , وَإِنَّمَا هُوَ مَنْصُوب بِمَا نُصِبَ الْمَتَاع عَلَى النَّعْت لَهُ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاح عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسهنَّ مِنْ مَعْرُوف } / يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِذَلِكَ : أَنَّ الْمَتَاع الَّذِي جَعَلَهُ اللَّه لَهُنَّ إلَى الْحَوْل فِي مَال أَزْوَاجهنَّ بَعْد وَفَاتهمْ وَفِي مَسَاكِنهمْ وَنَهَى وَرَثَته عَنْ إخْرَاجهنَّ , إنَّمَا هُوَ لَهُنَّ مَا أَقَمْنَ فِي مَسَاكِن أَزْوَاجهنَّ , وَأَنَّ حُقُوقهنَّ مِنْ ذَلِكَ تَبْطُل بِخُرُوجِهِنَّ إنْ خَرَجْنَ مِنْ مَنَازِل أَزْوَاجهنَّ قَبْل الْحَوْل مِنْ قِبَل أَنْفُسهنَّ بِغَيْرِ إخْرَاج مِنْ وَرَثَة الْمَيِّت . ثُمَّ أَخْبَرَ تَعَالَى ذِكْره أَنَّهُ لَا حَرَج عَلَى أَوْلِيَاء الْمَيِّت فِي خُرُوجهنَّ وَتَرْكهنَّ الْحِدَاد عَلَى أَزْوَاجهنَّ ; لِأَنَّ الْمَقَام حَوْلًا فِي بُيُوت أَزْوَاجهنَّ وَالْحِدَاد عَلَيْهِ تَمَام حَوْل كَامِل لَمْ يَكُنْ فَرْضًا عَلَيْهِنَّ , وَإِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ إبَاحَة مِنْ اللَّه تَعَالَى ذِكْره لَهُنَّ إنْ أَقَمْنَ تَمَام الْحَوْل مُحَدَّات , فَأَمَّا إنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاح عَلَى أَوْلِيَاء الْمَيِّت وَلَا عَلَيْهِنَّ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسهنَّ مِنْ مَعْرُوف , وَذَلِكَ تَرْك الْحِدَاد . يَقُول : فَلَا حَرَج عَلَيْكُمْ فِي التَّزَيُّن إنْ تَزَيَّنَّ وَتَطَيَّبْنَ وَتَزَوَّجْنَ , لِأَنَّ ذَلِكَ لَهُنَّ . وَإِنَّمَا قُلْنَا : لَا حَرَج عَلَيْهِنَّ فِي خُرُوجهنَّ , وَإِنْ كَانَ إنَّمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره : { فَلَا جُنَاح عَلَيْكُمْ } لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ عَلَيْهِنَّ فِي جُنَاح , لَكَانَ عَلَى أَوْلِيَاء الرَّجُل فِيهِ جُنَاح بِتَرْكِهِمْ إيَّاهُنَّ , وَالْخُرُوج مَعَ قُدْرَتهمْ عَلَى مَنْعهنَّ مِنْ ذَلِكَ . وَلَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِنَّ جُنَاح فِي خُرُوجهنَّ وَتَرْك الْحِدَاد , وَضَعَ عَنْ أَوْلِيَاء الْمَيِّت وَغَيْرهمْ الْحَرَج فِيمَا فَعَلْنَ مِنْ مَعْرُوف , وَذَلِكَ فِي أَنْفُسهنَّ . وَقَدْ مَضَتْ الرِّوَايَة عَنْ أَهْل التَّأْوِيل بِمَا قُلْنَاهُ . فِي ذَلِكَ قَبْل . وَأَمَّا قَوْله : { وَاَللَّه عَزِيز حَكِيم } فَإِنَّهُ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره : وَاَللَّه عَزِيز فِي انْتِقَامه مِمَّنْ خَالَفَ أَمْره وَنَهْيه وَتَعَدَّى حُدُوده مِنْ الرِّجَال وَالنِّسَاء , فَمَنَعَ مَنْ كَانَ مِنْ الرِّجَال نِسَاءَهُمْ وَأَزْوَاجهمْ مَا فَرَضَ لَهُنَّ عَلَيْهِمْ فِي الْآيَات الَّتِي مَضَتْ قَبْل مِنْ الْمُتْعَة وَالصَّدَاق وَالْوَصِيَّة وَإِخْرَاجهنَّ قَبْل انْقِضَاء الْحَوْل وَتَرْك الْمُحَافَظَة عَلَى الصَّلَوَات وَأَوْقَاتهَا , وَمَنْع مَنْ كَانَ مِنْ النِّسَاء مَا أَلْزَمَهُنَّ اللَّه مِنْ التَّرَبُّص عِنْد وَفَاة أَزْوَاجهنَّ عَنْ الْأَزْوَاج وَخَالَفَ أَمْره فِي الْمُحَافَظَة عَلَى أَوْقَات الصَّلَوَات { حَكِيم } فِيمَا قَضَى بَيْن عِبَاده مِنْ قَضَايَاهُ الَّتِي قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْآيَات قَبْل قَوْله . { وَاَللَّه عَزِيز حَكِيم } وَفِي غَيْر ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامه وَأَقْضِيَته .

تفسير القرطبي

ذَهَبَ جَمَاعَة مِنْ الْمُفَسِّرِينَ فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة أَنَّ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجهَا كَانَتْ تَجْلِس فِي بَيْت الْمُتَوَفَّى عَنْهَا حَوْلًا , وَيُنْفَق عَلَيْهَا مِنْ مَاله مَا لَمْ تَخْرُج مِنْ الْمَنْزِل , فَإِنْ خَرَجَتْ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْوَرَثَة جُنَاح فِي قَطْع النَّفَقَة عَنْهَا , ثُمَّ نُسِخَ الْحَوْل بِالْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُر وَالْعَشْر , وَنُسِخَتْ النَّفَقَة بِالرُّبُعِ وَالثُّمُن فِي سُورَة " النِّسَاء " قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَابْن زَيْد وَالرَّبِيع . وَفِي السُّكْنَى خِلَاف لِلْعُلَمَاءِ , رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن الزُّبَيْر قَالَ : قُلْت لِعُثْمَان هَذِهِ الْآيَة الَّتِي فِي " الْبَقَرَة " : " وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا - إِلَى قَوْله - غَيْر إِخْرَاج " قَدْ نَسَخَتْهَا الْآيَة الْأُخْرَى فَلَمْ تَكْتُبهَا أَوَ تَدَعهَا ؟ قَالَ : يَا اِبْن أَخِي لَا أُغَيِّر شَيْئًا مِنْهُ مِنْ مَكَانه . وَقَالَ الطَّبَرِيّ عَنْ مُجَاهِد : إِنَّ هَذِهِ الْآيَة مُحْكَمَة لَا نَسْخ فِيهَا , وَالْعِدَّة كَانَتْ قَدْ ثَبَتَتْ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْرًا , ثُمَّ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ وَصِيَّة مِنْهُ سُكْنَى سَبْعَة أَشْهُر وَعِشْرِينَ لَيْلَة , فَإِنْ شَاءَتْ الْمَرْأَة سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتهَا , وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ , وَهُوَ قَوْل اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " غَيْر إِخْرَاج فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاح عَلَيْكُمْ " . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَهَذَا كُلّه قَدْ زَالَ حُكْمه بِالنَّسْخِ الْمُتَّفَق عَلَيْهِ إِلَّا مَا قَوَّلَهُ الطَّبَرِيّ مُجَاهِدًا رَحِمَهُمَا اللَّه تَعَالَى , وَفِي ذَلِكَ نَظَر عَلَى الطَّبَرِيّ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاض : وَالْإِجْمَاع مُنْعَقِد عَلَى أَنَّ الْحَوْل مَنْسُوخ وَأَنَّ عِدَّتهَا أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْر . قَالَ غَيْره : مَعْنَى قَوْله " وَصِيَّة " أَيْ مِنْ اللَّه تَعَالَى تَجِب عَلَى النِّسَاء بَعْد وَفَاة الزَّوْج بِلُزُومِ الْبُيُوت سَنَة ثُمَّ نُسِخَ . قُلْت : مَا ذَكَرَهُ الطَّبَرِيّ عَنْ مُجَاهِد صَحِيح ثَابِت , خَرَّجَ الْبُخَارِيّ قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاق قَالَ حَدَّثَنَا رَوْح قَالَ حَدَّثَنَا شِبْل عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد " وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا " قَالَ : كَانَتْ هَذِهِ الْعِدَّة تَعْتَدّ عِنْد أَهْل زَوْجهَا وَاجِبَة فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى : " وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا - إِلَى قَوْله - مِنْ مَعْرُوف " قَالَ : جَعَلَ اللَّه لَهَا تَمَام السَّنَة سَبْعَة أَشْهُر وَعِشْرِينَ لَيْلَة وَصِيَّة , إِنْ شَاءَتْ سَكَنَتْ فِي وَصِيَّتهَا وَإِنْ شَاءَتْ خَرَجَتْ , وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : " غَيْر إِخْرَاج فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاح عَلَيْكُمْ " إِلَّا أَنَّ الْقَوْل الْأَوَّل أَظْهَر لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِنَّمَا هِيَ أَرْبَعَة أَشْهُر وَعَشْر وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّة تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عِنْد رَأْس الْحَوْل . .. ) الْحَدِيث . وَهَذَا إِخْبَار مِنْهُ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ حَالَة الْمُتَوَفَّى عَنْهُنَّ أَزْوَاجهنَّ قَبْل وُرُود الشَّرْع , فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَام أَمَرَهُنَّ اللَّه تَعَالَى بِمُلَازَمَةِ الْبُيُوت حَوْلًا ثُمَّ نُسِخَ بِالْأَرْبَعَةِ الْأَشْهُر وَالْعَشْر , هَذَا - مَعَ وُضُوحه فِي السُّنَّة الثَّابِتَة الْمَنْقُولَة بِأَخْبَارِ الْآحَاد - إِجْمَاع مِنْ عُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ لَا خِلَاف فِيهِ , قَالَهُ أَبُو عُمَر , قَالَ : وَكَذَلِكَ سَائِر الْآيَة . فَقَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّة لِأَزْوَاجِهِنَّ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْل غَيْر إِخْرَاج " مَنْسُوخ كُلّه عِنْد جُمْهُور الْعُلَمَاء , ثُمَّ نَسَخَ الْوَصِيَّة بِالسُّكْنَى لِلزَّوْجَاتِ فِي الْحَوْل , إِلَّا رِوَايَة شَاذَّة مَهْجُورَة جَاءَتْ عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد لَمْ يُتَابَع عَلَيْهَا , وَلَا قَالَ بِهَا فِيمَا زَادَ عَلَى الْأَرْبَعَة الْأَشْهُر وَالْعَشْر أَحَد مِنْ عُلَمَاء الْمُسْلِمِينَ مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدهمْ فِيمَا عَلِمْت . وَقَدْ رَوَى اِبْن جُرَيْج عَنْ مُجَاهِد مِثْل مَا عَلَيْهِ النَّاس , فَانْعَقَدَ الْإِجْمَاع وَارْتَفَعَ الْخِلَاف , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق . قَرَأَ نَافِع وَابْن كَثِير وَالْكِسَائِيّ وَعَاصِم فِي رِوَايَة أَبِي بَكْر " وَصِيَّة " بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاء , وَخَبَره " لِأَزْوَاجِهِمْ " . وَيُحْتَمَل أَنْ يَكُون الْمَعْنَى عَلَيْهِمْ وَصِيَّة , وَيَكُون قَوْله " لِأَزْوَاجِهِمْ " صِفَة , قَالَ الطَّبَرِيّ : قَالَ بَعْض النُّحَاة : الْمَعْنَى كُتِبَتْ عَلَيْهِمْ وَصِيَّة , وَيَكُون قَوْله " لِأَزْوَاجِهِمْ " صِفَة , قَالَ : وَكَذَلِكَ هِيَ فِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود . وَقَرَأَ أَبُو عَمْرو وَحَمْزَة وَابْن عَامِر " وَصِيَّة " بِالنَّصْبِ , وَذَلِكَ حُمِلَ عَلَى الْفِعْل , أَيْ فَلْيُوصُوا وَصِيَّة . ثُمَّ الْمَيِّت لَا يُوصِي وَلَكِنَّهُ أَرَادَ إِذَا قَرُبُوا مِنْ الْوَفَاة , و " لِأَزْوَاجِهِمْ " عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة أَيْضًا صِفَة . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَوْصَى اللَّه وَصِيَّة . " مَتَاعًا " أَيْ مَتِّعُوهُنَّ مَتَاعًا : أَوْ جَعَلَ اللَّه لَهُنَّ ذَلِكَ مَتَاعًا لِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَيْهِ , وَيَجُوز أَنْ يَكُون نَصْبًا عَلَى الْحَال أَوْ بِالْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ الْوَصِيَّة , كَقَوْلِهِ : " أَوْ إِطْعَام فِي يَوْم ذِي مَسْغَبَة يَتِيمًا " [ الْبَلَد : 14 - 15 ] وَالْمَتَاع هَاهُنَا نَفَقَة سَنَتهَا . مَعْنَاهُ لَيْسَ لِأَوْلِيَاءِ الْمَيِّت وَوَارِثِي الْمَنْزِل إِخْرَاجهَا و " غَيْر " نُصِبَ عَلَى الْمَصْدَر عِنْد الْأَخْفَش , كَأَنَّهُ قَالَ لَا إِخْرَاجًا . وَقِيلَ : نُصِبَ لِأَنَّهُ صِفَة الْمَتَاع وَقِيلَ : نُصِبَ عَلَى الْحَال مِنْ الْمُوصِينَ أَيْ مَتِّعُوهُنَّ غَيْر مُخْرَجَات . وَقِيلَ : بِنَزْعِ الْخَافِض , أَيْ مِنْ غَيْر إِخْرَاج . مَعْنَاهُ فَإِنْ خَرَجْنَ بِاخْتِيَارِهِنَّ قَبْل الْحَوْل . أَيْ لَا حَرَج عَلَى أَحَد وَلِيّ أَوْ حَاكِم أَوْ غَيْره ; لِأَنَّهُ لَا يَجِب عَلَيْهَا الْمُقَام فِي بَيْت زَوْجهَا حَوْلًا . وَقِيلَ : أَيْ لَا جُنَاح فِي قَطْع النَّفَقَة عَنْهُنَّ , أَوْ لَا جُنَاح عَلَيْهِنَّ فِي التَّشَوُّف إِلَى الْأَزْوَاج , إِذْ قَدْ اِنْقَطَعَتْ عَنْهُنَّ مُرَاقَبَتكُمْ أَيّهَا الْوَرَثَة , ثُمَّ عَلَيْهَا أَلَّا تَتَزَوَّج قَبْل اِنْقِضَاء الْعِدَّة بِالْحَوْلِ , أَوْ لَا جُنَاح فِي تَزْوِيجهنَّ بَعْد اِنْقِضَاء الْعِدَّة ; لِأَنَّهُ قَالَ " مِنْ مَعْرُوف " . وَهُوَ مَا يُوَافِق الشَّرْع . أَيْ مُحْكِمٌ لِمَا يُرِيد مِنْ أُمُور عِبَاده .

غريب الآية
وَٱلَّذِینَ یُتَوَفَّوۡنَ مِنكُمۡ وَیَذَرُونَ أَزۡوَ ٰ⁠جࣰا وَصِیَّةࣰ لِّأَزۡوَ ٰ⁠جِهِم مَّتَـٰعًا إِلَى ٱلۡحَوۡلِ غَیۡرَ إِخۡرَاجࣲۚ فَإِنۡ خَرَجۡنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَیۡكُمۡ فِی مَا فَعَلۡنَ فِیۤ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعۡرُوفࣲۗ وَٱللَّهُ عَزِیزٌ حَكِیمࣱ ﴿٢٤٠﴾
فَلَا جُنَاحَفلا حَرَجَ ولا إثمَ، بل يجبُ السَّعْيُ.
عَزِیزٌفي نِقْمَتِه.
مَّتَـٰعًايُمَتَّعْنَ بالسُّكنى والنفقةِ في منزلِ الزوجِ، وذلك قبلَ النَّسْخِ.
إِلَى ٱلۡحَوۡلِإلى سنةٍ كاملةٍ.
غَیۡرَ إِخۡرَاجࣲۚلا يُخْرِجُهُنَّ الوَرَثَةُ.
فَإِنۡ خَرَجۡنَباختيارِهنَّ قبلَ الحَوْلِ.
فَلَا جُنَاحَفلا إثمَ.
مِن مَّعۡرُوفࣲۗمن أمورٍ مُباحَةٍ.
الإعراب
(وَالَّذِينَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الَّذِينَ) : اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(يُتَوَفَّوْنَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ نَائِبُ فَاعِلٍ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(مِنْكُمْ)
(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(وَيَذَرُونَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(يَذَرُونَ) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(أَزْوَاجًا)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَصِيَّةً)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ وَالتَّقْدِيرُ: "يُوصُونَ وَصِيَّةً"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ الْمُبْتَدَإِ (الَّذِينَ) :.
(لِأَزْوَاجِهِمْ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(أَزْوَاجِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(مَتَاعًا)
مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(إِلَى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الْحَوْلِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(غَيْرَ)
نَعْتٌ لِـ(مَتَاعًا) : مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(إِخْرَاجٍ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَإِنْ)
"الْفَاءُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِنْ) : حَرْفُ شَرْطٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(خَرَجْنَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنُونِ الْإِنَاثِ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ فِعْلُ الشَّرْطِ، وَ"نُونُ الْإِنَاثِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(فَلَا)
"الْفَاءُ" حَرْفٌ رَابِطٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَفْيٍ لِلْجِنْسِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(جُنَاحَ)
اسْمُ (لَا) : مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ.
(عَلَيْكُمْ)
(عَلَى) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (لَا) :، وَالْجُمْلَةُ مِنْ (لَا) : وَمَعْمُولَيْهَا فِي مَحَلِّ جَزْمٍ جَوَابُ الشَّرْطِ.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(مَا)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(فَعَلْنَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنُونِ الْإِنَاثِ، وَ"نُونُ الْإِنَاثِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(أَنْفُسِهِنَّ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(مَعْرُوفٍ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَاللَّهُ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(اللَّهُ) : اسْمُ الْجَلَالَةِ مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(عَزِيزٌ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(حَكِيمٌ)
خَبَرٌ ثَانٍ لِلْمُبْتَدَإِ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.