سورة البقرة الآية ١٩٥
سورة البقرة الآية ١٩٥
وَأَنفِقُوا۟ فِی سَبِیلِ ٱللَّهِ وَلَا تُلۡقُوا۟ بِأَیۡدِیكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ وَأَحۡسِنُوۤا۟ۚ إِنَّ ٱللَّهَ یُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِینَ ﴿١٩٥﴾
تفسير السعدي
يأمر تعالى عباده بالنفقة في سبيله, وهو إخراج الأموال في الطرق الموصلة إلى الله. وهي كل طرق الخير, من صدقة على مسكين, أو قريب, أو إنفاق على من تجب مؤنته. وأعظم ذلك, وأول ما دخل في ذلك الإنفاق في الجهاد في سبيل الله. فإن النفقة فيه, جهاد بالمال, وهو فرض كالجهاد بالبدن. وفيها من المصالح العظيمة, الإعانة على تقوية المسلمين, وتوهين الشرك وأهله, وعلى إقامة دين الله وإعزازه. فالجهاد في سبيل الله, لا يقوم إلا على ساق النفقة. فالنفقة له, كالروح, لا يمكن وجوده بدونها. وفي ترك الإنفاق في سبيل الله, إبطال للجهاد, وتسليط للأعداء, وشدة تكالبهم. فيكون قوله تعالى: " وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ " كالتعليل لذلك. والإلقاء باليد إلى التهلكة يرجع إلى أمرين: لترك ما أمر به العبد, إذا كان تركه موجبا أو مقاربا لهلاك البدن أو الروح. وفعل ما هو سبب موصل إلى تلف النفس أو الروح, فيدخل تحت ذلك أمور كثيرة. فمن ذلك, ترك الجهاد في سبيل الله, أو النفقة فيه, الموجب لتسلط الأعداء. ومن ذلك, تغرير الإنسان بنفسه, في مقاتلة, أو سفر مخوف, أو محل مسبعة أو حيات, أو يصعد شجرا, أو بنيانا خطرا, أو يدخل تحت شيء فيه خطر ونحو ذلك. فهذا ونحوه, ممن ألقى بيده إلى التهلكة. ومن ذلك الإقامة على معاصي الله, واليأس من التوبة. ومنها ترك ما أمر الله به من الفرائض, التي في تركها هلاك للروح والدين. ولما كانت النفقة في سبيل الله, نوعا من أنواع الإحسان, أمر بالإحسان عموما فقال: " وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان, لأنه لم يقيده بشيء دون شيء. فيدخل فيه, الإحسان بالمال كما تقدم. ويدخل فيه, الإحسان بالجاه, بالشفاعات ونحو ذلك. ويدخل في ذلك, الإحسان بالأمر المعروف, والنهي عن المنكر, وتعليم العلم النافع. ويدخل في ذلك, قضاء حوائج الناس, من تفريج كرباتهم, وإزالة شدائدهم, وعيادة مرضاهم, وتشييع جنائزهم, وإرشاد ضالهم, وإعانة من يعمل عملا, والعمل لمن لا يحسن العمل ونحو ذلك, مما هو من الإحسان الذي أمر الله به. ويدخل في الإحسان أيضا, الإحسان في عبادة الله تعالى, وهو كما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم. " أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه, فإنه يراك " . فمن اتصف بهذه الصفات, كان من الذين قال الله فيهم " لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ " وكان الله معه يسدده ويرشده, ويعينه على كل أموره.
التفسير الميسر
واستمروا- أيها المؤمنون- في إنفاق الأموال لنصرة دين الله تعالى، والجهاد في سبيله، ولا توقعوا أنفسكم في المهالك بترك الجهاد في سبيل الله، وعدم الإنفاق فيه، وأحسنوا في الانفاق والطاعة، واجعلوا عملكم كله خالصًا لوجه الله تعالى. إن الله يحب أهل الإخلاص والإحسان.
تفسير الجلالين
"وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه" طَاعَته بِالْجِهَادِ وَغَيْره "وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ" أَيْ أَنْفُسكُمْ وَالْبَاء زَائِدَة "إلَى التَّهْلُكَة" الْهَلَاك بِالْإِمْسَاكِ عَنْ النَّفَقَة فِي الْجِهَاد أَوْ تَرْكه لِأَنَّهُ يُقَوِّي الْعَدُوّ عَلَيْكُمْ "وَأَحْسِنُوا" بِالنَّفَقَةِ وَغَيْرهَا "إنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ" أَيْ يُثِيبهُمْ
تفسير ابن كثير
قَالَ الْبُخَارِيّ حَدَّثَنَا إِسْحَاق أَخْبَرَنَا النَّضْر أَخْبَرَنَا شُعْبَة عَنْ سُلَيْمَان سَمِعْت أَبَا وَائِل عَنْ حُذَيْفَة " وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة" قَالَ نَزَلَتْ فِي النَّفَقَة وَرَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن الصَّبَّاح عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش بِهِ مِثْله قَالَ : وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَعَطَاء وَالضَّحَّاك وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَالسُّدِّيّ وَمُقَاتِل بْن حَيَّان نَحْو ذَلِكَ وَقَالَ اللَّيْث بْن سَعْد عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَان قَالَ : حَمَلَ رَجُل مِنْ الْمُهَاجِرِينَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ عَلَى صَفّ الْعَدُوّ حَتَّى خَرَقَهُ وَمَعَنَا أَبُو أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ فَقَالَ نَاس : أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَة . فَقَالَ أَبُو أَيُّوب : نَحْنُ أَعْلَم بِهَذِهِ الْآيَة إِنَّمَا نَزَلَتْ فِينَا : صَحِبْنَا رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَشَهِدْنَا مَعَهُ الْمَشَاهِد وَنَصَرْنَاهُ فَلَمَّا فَشَا الْإِسْلَام وَظَهَرَ اِجْتَمَعْنَا مَعْشَر الْأَنْصَار تَحَبُّبًا فَقُلْنَا قَدْ أَكْرَمَنَا اللَّهُ بِصُحْبَةِ نَبِيّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَنَصْره حَتَّى فَشَا الْإِسْلَام وَكَثُرَ أَهْله وَكُنَّا قَدْ آثَرْنَاهُ عَلَى الْأَهْلِينَ وَالْأَمْوَال وَالْأَوْلَاد وَقَدْ وَضَعَتْ الْحَرْب أَوْزَارهَا فَنَرْجِع إِلَى أَهْلِينَا وَأَوْلَادنَا فَنُقِيم فِيهِمَا فَنَزَلَ فِينَا " وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة " فَكَانَتْ التَّهْلُكَة فِي الْإِقَامَة فِي الْأَهْل وَالْمَال وَتَرْك الْجِهَاد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَعَبْد بْن حُمَيْد فِي تَفْسِيره وَابْن أَبِي حَاتِم وَابْن جَرِير وَابْن مَرْدَوَيْهِ وَالْحَافِظ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَده وَابْن حِبَّان فِي صَحِيحه وَالْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه كُلّهمْ مِنْ حَدِيث يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب بِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَسَن صَحِيح غَرِيب وَقَالَ الْحَاكِم عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ وَلَفْظ أَبِي دَاوُد عَنْ أَسْلَمَ أَبِي عِمْرَان كُنَّا بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ وَعَلَى أَهْل مِصْر عُقْبَة بْن عَامِر وَعَلَى أَهْل الشَّام رَجُل يَزِيد بْن فَضَالَة بْن عُبَيْد فَخَرَجَ مِنْ الْمَدِينَة صَفّ عَظِيم مِنْ الرُّوم فَصَفَفْنَا لَهُمْ فَحَمَلَ رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الرُّوم حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْنَا فَصَاحَ النَّاس إِلَيْهِ فَقَالُوا : سُبْحَان اللَّه أَلْقَى بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَة فَقَالَ أَبُو أَيُّوب : يَا أَيّهَا النَّاس إِنَّكُمْ لَتَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَة عَلَى غَيْر التَّأْوِيل وَإِنَّمَا نَزَلَتْ فِينَا مَعْشَر الْأَنْصَار إِنَّا لَمَّا أَعَزَّ اللَّه دِينه وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ قُلْنَا فِيمَا بَيْننَا : لَوْ أَقْبَلْنَا عَلَى أَمْوَالنَا فَأَصْلَحْنَاهَا فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن عَيَّاش عَنْ أَبِي إِسْحَاق السَّبِيعِيّ قَالَ : قَالَ رَجُل لِلْبَرَاءِ بْن عَازِب إِنْ حَمَلْت عَلَى الْعَدُوّ وَحْدِي فَقَتَلُونِي أَكُنْت أَلْقَيْت بِيَدِي إِلَى التَّهْلُكَة ؟ قَالَ : لَا . قَالَ اللَّه لِرَسُولِهِ " فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّه لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسك " إِنَّمَا هَذِهِ فِي النَّفَقَة رَوَاهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه مِنْ حَدِيث إِسْرَائِيل عَنْ أَبِي إِسْحَاق وَقَالَ : صَحِيح عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَيْس بْن الرَّبِيع عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ الْبَرَاء فَذَكَرَهُ وَقَالَ بَعْد قَوْله " لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسك " وَلَكِنَّ التَّهْلُكَة أَنْ يُذْنِب الرَّجُل الذَّنْب فَيُلْقِي بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَة وَلَا يَتُوب . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا أَبُو صَالِح كَاتِب اللَّيْث حَدَّثَنِي اللَّيْث حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن خَالِد بْن مُسَافِر عَنْ اِبْن شِهَاب عَنْ أَبِي بَكْر بْن نُمَيْر بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن الْحَارِث بْن هِشَام أَنَّ عَبْد الرَّحْمَن الْأَسْوَد بْن عَبْد يَغُوث أَخْبَرَهُ أَنَّهُمْ حَاصَرُوا دِمَشْق فَانْطَلَقَ رَجُل مِنْ أَزْد شَنُوءَة فَأَسْرَعَ إِلَى الْعَدُوّ وَحْده لِيَسْتَقْبِل فَعَابَ ذَلِكَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَرَفَعُوا حَدِيثه إِلَى عَمْرو بْن الْعَاص فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ عَمْرو فَرَدَّهُ وَقَالَ عَمْرو قَالَ اللَّه " وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة " وَقَالَ عَطَاء بْن السَّائِب عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى " وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة " قَالَ : لَيْسَ ذَلِكَ فِي الْقِتَال إِنَّمَا هُوَ فِي النَّفَقَة أَنْ تُمْسِك بِيَدِك عَنْ النَّفَقَة فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقِ بِيَدِك إِلَى التَّهْلُكَة . قَالَ حَمَّاد بْن سَلَمَة عَنْ دَاوُد عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ الضَّحَّاك بْن أَبِي جُبَيْر قَالَ : كَانَتْ الْأَنْصَار يَتَصَدَّقُونَ وَيُنْفِقُونَ مِنْ أَمْوَالهمْ فَأَصَابَتْهُمْ سَنَة فَأَمْسَكُوا عَنْ النَّفَقَة فِي سَبِيل اللَّه فَنَزَلَتْ " وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة " وَقَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ " وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة" قَالَ هُوَ الْبُخْل وَقَالَ سِمَاك بْن حَرْب عَنْ النُّعْمَان بْن بَشِير فِي قَوْله " وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة" أَنْ يُذْنِب الرَّجُل الذَّنْب فَيَقُول لَا يَغْفِر لِي فَأَنْزَلَ اللَّه " وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّه يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ " رَوَاهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : وَرُوِيَ عَنْ عَبِيدَة السَّلْمَانِيّ وَالْحَسَن وَابْن سِيرِينَ وَأَبِي قِلَابَة نَحْو ذَلِكَ يَعْنِي نَحْو قَوْل النُّعْمَان بْن بَشِير إِنَّهَا فِي الرَّجُل يُذْنِب الذَّنْب فَيَعْتَقِد أَنَّهُ لَا يَغْفِر لَهُ فَيُلْقِي بِيَدِهِ إِلَى التَّهْلُكَة أَيْ يَسْتَكْثِر مِنْ الذُّنُوب فَيَهْلِك . وَلِهَذَا رَوَى عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس التَّهْلُكَة عَذَاب اللَّه . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم وَابْن جَرِير جَمِيعًا حَدَّثَنَا يُونُس حَدَّثَنَا اِبْن وَهْب أَخْبَرَنِي أَبُو صَخْر عَنْ الْقُرَظِيّ " مُحَمَّد بْن كَعْب " أَنَّهُ كَانَ يَقُول فِي هَذِهِ الْآيَة " وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة " قَالَ : كَانَ الْقَوْم فِي سَبِيل اللَّه فَيَتَزَوَّد الرَّجُل فَكَانَ أَفْضَل زَادًا مِنْ الْآخَر أَنْفَقَ الْبَائِس مِنْ زَاده حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْ زَاده شَيْء أَحَبَّ أَنْ يُوَاسِي صَاحِبه فَأَنْزَلَ اللَّه " وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة" وَبِهِ قَالَ اِبْن وَهْب أَيْضًا : أَخْبَرَنِي عَبْد اللَّه بْن عَيَّاش عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ فِي قَوْل اللَّه " وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة " وَذَلِكَ أَنَّ رِجَالًا كَانُوا يَخْرُجُونَ فِي بُعُوث يَبْعَثهَا رَسُول اللَّه - صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِغَيْرِ نَفَقَة فَإِمَّا أَنْ يَقْطَع بِهِمْ وَإِمَّا كَانُوا عِيَالًا فَأَمَرَهُمْ اللَّه أَنْ يَسْتَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَهُمْ اللَّه وَلَا يُلْقُوا بِأَيْدِيهِمْ إِلَى التَّهْلُكَة وَالتَّهْلُكَة أَنْ يَهْلِك رِجَال مِنْ الْجُوع وَالْعَطَش أَوْ مِنْ الْمَشْي . وَقَالَ لِمَنْ بِيَدِهِ فَضْل " وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ " وَمَضْمُون الْآيَة الْأَمْر بِالْإِنْفَاقِ فِي سَبِيل اللَّه فِي سَائِر وُجُوه الْقُرُبَات وَوُجُوه الطَّاعَات وَخَاصَّة صَرْف الْأَمْوَال فِي قِتَال الْأَعْدَاء وَبَذْلهَا فِيمَا يَقْوَى بِهِ الْمُسْلِمُونَ عَلَى عَدُوّهُمْ وَالْإِخْبَار عَنْ تَرْك فِعْل ذَلِكَ بِأَنَّهُ هَلَاك وَدَمَار لِمَنْ لَزِمَهُ وَاعْتَادَهُ ثُمَّ عَطَفَ بِالْأَمْرِ بِالْإِحْسَانِ وَهُوَ أَعْلَى مَقَامَات الطَّاعَة فَقَالَ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّه يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ .
تفسير القرطبي
رَوَى الْبُخَارِيّ عَنْ حُذَيْفَة : " وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة " قَالَ : نَزَلَتْ فِي النَّفَقَة , وَرَوَى يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ أَسْلَم أَبِي عِمْرَان قَالَ : غَزَوْنَا الْقُسْطَنْطِينِيَّة , وَعَلَى الْجَمَاعَة عَبْد الرَّحْمَن بْن الْوَلِيد , وَالرُّوم مُلْصِقُو ظُهُورهمْ بِحَائِطِ الْمَدِينَة , فَحَمَلَ رَجُل عَلَى الْعَدُوّ , فَقَالَ النَّاس : مَهٍ مَهْ ! لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَة ! فَقَالَ أَبُو أَيُّوب : سُبْحَان اللَّه ! أَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِينَا مَعَاشِر الْأَنْصَار لَمَّا نَصَرَ اللَّه نَبِيّه وَأَظْهَرَ دِينه , قُلْنَا : هَلُمَّ نُقِيم فِي أَمْوَالنَا وَنُصْلِحهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : " وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه " الْآيَة , وَالْإِلْقَاء بِالْيَدِ إِلَى التَّهْلُكَة أَنْ نُقِيم فِي أَمْوَالنَا وَنُصْلِحهَا وَنَدَع الْجِهَاد , فَلَمْ يَزَلْ أَبُو أَيُّوب مُجَاهِدًا فِي سَبِيل اللَّه حَتَّى دُفِنَ بِالْقُسْطَنْطِينِيَّةِ , فَقَبْره هُنَاكَ , فَأَخْبَرَنَا أَبُو أَيُّوب أَنَّ الْإِلْقَاء بِالْيَدِ إِلَى التَّهْلُكَة هُوَ تَرْك الْجِهَاد فِي سَبِيل اللَّه , وَأَنَّ الْآيَة نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ . وَرُوِيَ مِثْله عَنْ حُذَيْفَة وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَمُجَاهِد وَالضَّحَّاك . قُلْت : وَرَوَى التِّرْمِذِيّ عَنْ يَزِيد بْن أَبِي حَبِيب عَنْ أَسْلَم أَبِي عِمْرَان هَذَا الْخَبَر بِمَعْنَاهُ فَقَالَ : " كُنَّا بِمَدِينَةِ الرُّوم , فَأَخْرَجُوا إِلَيْنَا صَفًّا عَظِيمًا مِنْ الرُّوم , فَخَرَجَ إِلَيْهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِثْلهمْ أَوْ أَكْثَر , وَعَلَى أَهْل مِصْر عُقْبَة بْن عَامِر , وَعَلَى الْجَمَاعَة فَضَالَة بْن عُبَيْد , فَحَمَلَ رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى صَفّ الرُّوم حَتَّى دَخَلَ فِيهِمْ , فَصَاحَ النَّاس وَقَالُوا : سُبْحَان اللَّه يُلْقِي بِيَدَيْهِ إِلَى التَّهْلُكَة , فَقَامَ أَبُو أَيُّوب الْأَنْصَارِيّ فَقَالَ : يَا أَيّهَا النَّاس , إِنَّكُمْ تَتَأَوَّلُونَ هَذِهِ الْآيَة هَذَا التَّأْوِيل , وَإِنَّمَا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِينَا مَعَاشِر الْأَنْصَار لَمَّا أَعَزَّ اللَّه الْإِسْلَام وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ , فَقَالَ بَعْضنَا لِبَعْضٍ سِرًّا دُون رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَمْوَالنَا قَدْ ضَاعَتْ , وَإِنَّ اللَّه قَدْ أَعَزَّ الْإِسْلَام وَكَثُرَ نَاصِرُوهُ , فَلَوْ أَقَمْنَا فِي أَمْوَالنَا فَأَصْلَحْنَا مَا ضَاعَ مِنْهَا , فَأَنْزَلَ اللَّه عَلَى نَبِيّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرُدّ عَلَيْهِ مَا قُلْنَا : " وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة " . فَكَانَتْ التَّهْلُكَة الْإِقَامَة عَلَى الْأَمْوَال وَإِصْلَاحهَا وَتَرَكْنَا الْغَزْو , فَمَا زَالَ أَبُو أَيُّوب شَاخِصًا فِي سَبِيل اللَّه حَتَّى دُفِنَ بِأَرْضِ الرُّوم . قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيث حَسَن غَرِيب صَحِيح . وَقَالَ حُذَيْفَة بْن الْيَمَان وَابْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة وَعَطَاء وَمُجَاهِد وَجُمْهُور النَّاس : الْمَعْنَى لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ بِأَنْ تَتْرُكُوا النَّفَقَة فِي سَبِيل اللَّه وَتَخَافُوا الْعَيْلَة , فَيَقُول الرَّجُل : لَيْسَ عِنْدِي مَا أُنْفِقهُ , وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى ذَهَبَ الْبُخَارِيّ إِذْ لَمْ يَذْكُر غَيْره , وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ اِبْن عَبَّاس : أَنْفِقْ فِي سَبِيل اللَّه , وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَك إِلَّا سَهْم أَوْ مِشْقَص , وَلَا يَقُولَن أَحَدكُمْ : لَا أَجِد شَيْئًا , وَنَحْوه عَنْ السُّدِّيّ : أَنْفِقْ وَلَوْ عِقَالًا , وَلَا تُلْقِي بِيَدِك إِلَى التَّهْلُكَة فَتَقُول : لَيْسَ عِنْدِي شَيْء , وَقَوْل ثَالِث قَالَهُ اِبْن عَبَّاس , وَذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَمَرَ النَّاس بِالْخُرُوجِ إِلَى الْجِهَاد قَامَ إِلَيْهِ أُنَاس مِنْ الْأَعْرَاب حَاضِرِينَ بِالْمَدِينَةِ فَقَالُوا : بِمَاذَا نَتَجَهَّز ! فَوَاَللَّهِ مَا لَنَا زَادَ وَلَا يُطْعِمنَا أَحَد , فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى : " وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيل اللَّه " يَعْنِي تَصَدَّقُوا يَا أَهْل الْمَيْسَرَة فِي سَبِيل اللَّه , يَعْنِي فِي طَاعَة اللَّه . " وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة " يَعْنِي وَلَا تُمْسِكُوا بِأَيْدِيكُمْ عَنْ الصَّدَقَة فَتَهْلِكُوا , وَهَكَذَا قَالَ مُقَاتِل , وَمَعْنَى اِبْن عَبَّاس : وَلَا تُمْسِكُوا عَنْ الصَّدَقَة فَتَهْلِكُوا , أَيْ لَا تُمْسِكُوا عَنْ النَّفَقَة عَلَى الضُّعَفَاء , فَإِنَّهُمْ إِذَا تَخَلَّفُوا عَنْكُمْ غَلَبَكُمْ الْعَدُوّ فَتَهْلِكُوا , وَقَوْل رَابِع - قِيلَ لِلْبَرَاءِ بْن عَازِب فِي هَذِهِ الْآيَة : أَهُوَ الرَّجُل يَحْمِل عَلَى الْكَتِيبَة ؟ فَقَالَ لَا , وَلَكِنَّهُ الرَّجُل يُصِيب الذَّنْب فَيُلْقِي بِيَدَيْهِ وَيَقُول : قَدْ بَالَغْت فِي الْمَعَاصِي وَلَا فَائِدَة فِي التَّوْبَة , فَيَيْأَس مِنْ اللَّه فَيَنْهَمِك بَعْد ذَلِكَ فِي الْمَعَاصِي , فَالْهَلَاك : الْيَأْس مِنْ اللَّه , وَقَالَ عُبَيْدَة السَّلْمَانِيّ . وَقَالَ زَيْد بْن أَسْلَم : الْمَعْنَى لَا تُسَافِرُوا فِي الْجِهَاد بِغَيْرِ زَاد , وَقَدْ كَانَ فَعَلَ ذَلِكَ قَوْم فَأَدَّاهُمْ ذَلِكَ إِلَى الِانْقِطَاع فِي الطَّرِيق , أَوْ يَكُون عَالَة عَلَى النَّاس , فَهَذِهِ خَمْسَة أَقْوَال . " سَبِيل اللَّه " هُنَا : الْجِهَاد , وَاللَّفْظ يَتَنَاوَل بَعْد جَمِيع سُبُله , وَالْبَاء فِي " بِأَيْدِيكُمْ " زَائِدَة , التَّقْدِير تُلْقُوا أَيْدِيكُمْ , وَنَظِيره : " أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّه يَرَى " [ الْعَلَق : 14 ] . وَقَالَ الْمُبَرِّد : " بِأَيْدِيكُمْ " أَيْ بِأَنْفُسِكُمْ , فَعَبَّرَ بِالْبَعْضِ عَنْ الْكُلّ , كَقَوْلِهِ : " فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ " , [ الشُّورَى : 30 ] , " بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاك " [ الْحَجّ : 10 ] , وَقِيلَ : هَذَا ضَرْب مَثَل , تَقُول : فُلَان أَلْقَى بِيَدِهِ فِي أَمْر كَذَا إِذَا اِسْتَسْلَمَ ; لِأَنَّ الْمُسْتَسْلِم فِي الْقِتَال يُلْقِي سِلَاحه بِيَدَيْهِ , فَكَذَلِكَ فِعْل كُلّ عَاجِز فِي أَيّ فِعْل كَانَ , وَمِنْهُ قَوْل عَبْد الْمُطَّلِب : [ وَاَللَّه إِنَّ إِلْقَاءَنَا بِأَيْدِينَا لِلْمَوْتِ لَعَجْز ] وَقَالَ قَوْم : التَّقْدِير لَا تُلْقُوا أَنْفُسكُمْ بِأَيْدِيكُمْ , كَمَا تَقُول : لَا تُفْسِد حَالك بِرَأْيِك . التَّهْلُكَة بِضَمِّ اللَّام مَصْدَر مِنْ هَلَكَ يَهْلِك هَلَاكًا وَهُلْكًا وَتَهْلُكَة , أَيْ لَا تَأْخُذُوا فِيمَا يُهْلِككُمْ , قَالَهُ الزَّجَّاج وَغَيْره . أَيْ إِنْ لَمْ تُنْفِقُوا عَصَيْتُمْ اللَّه وَهَلَكْتُمْ , وَقِيلَ : إِنَّ مَعْنَى الْآيَة لَا تُمْسِكُوا أَمْوَالكُمْ فَيَرِثهَا مِنْكُمْ غَيْركُمْ , فَتَهْلِكُوا بِحِرْمَانِ مَنْفَعَة أَمْوَالكُمْ , وَمَعْنًى آخَر : وَلَا تُمْسِكُوا فَيَذْهَب عَنْكُمْ الْخُلْف فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَاب فِي الْآخِرَة . وَيُقَال : " لَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة " يَعْنِي لَا تُنْفِقُوا مِنْ حَرَام فَيُرَدّ عَلَيْكُمْ فَتَهْلِكُوا , وَنَحْوه عَنْ عِكْرِمَة قَالَ : " وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة " قَالَ : " وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيث مِنْهُ تُنْفِقُونَ " [ الْبَقَرَة : 267 ] وَقَالَ الطَّبَرِيّ : قَوْله " وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَة " عَامّ فِي جَمِيع مَا ذُكِرَ لِدُخُولِهِ فِيهِ , إِذْ اللَّفْظ يَحْتَمِلهُ . اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي اِقْتِحَام الرَّجُل فِي الْحَرْب وَحَمْله عَلَى الْعَدُوّ وَحْده , فَقَالَ الْقَاسِم اِبْن مُخَيْمَرَة وَالْقَاسِم بْن مُحَمَّد وَعَبْد الْمَلِك مِنْ عُلَمَائِنَا : لَا بَأْس أَنْ يَحْمِل الرَّجُل وَحْده عَلَى الْجَيْش الْعَظِيم إِذَا كَانَ فِيهِ قُوَّة , وَكَانَ لِلَّهِ بِنِيَّةٍ خَالِصَة , فَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ قُوَّة فَذَلِكَ مِنْ التَّهْلُكَة , وَقِيلَ : إِذَا طَلَبَ الشَّهَادَة وَخَلَصَتْ النِّيَّة فَلْيَحْمِلْ ; لِأَنَّ مَقْصُوده وَاحِد مِنْهُمْ , وَذَلِكَ بَيِّن فِي قَوْله تَعَالَى : " وَمِنْ النَّاس مَنْ يَشْرِي نَفْسه اِبْتِغَاء مَرْضَات اللَّه " [ الْبَقَرَة : 207 ] , وَقَالَ اِبْن خُوَيْز مَنْدَاد : فَأَمَّا أَنْ يَحْمِل الرَّجُل عَلَى مِائَة أَوْ عَلَى جُمْلَة الْعَسْكَر أَوْ جَمَاعَة اللُّصُوص وَالْمُحَارِبِينَ وَالْخَوَارِج فَلِذَلِكَ حَالَتَانِ : إِنْ عَلِمَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنّه أَنْ سَيَقْتُلُ مَنْ حَمَلَ عَلَيْهِ وَيَنْجُو فَحَسَن , وَكَذَلِكَ لَوْ عَلِمَ وَغَلَبَ عَلَى ظَنّه أَنْ يَقْتُل وَلَكِنْ سَيُنْكَى نِكَايَة أَوْ سَيُبْلَى أَوْ يُؤْثِر أَثَرًا يَنْتَفِع بِهِ الْمُسْلِمُونَ فَجَائِز أَيْضًا , وَقَدْ بَلَغَنِي أَنَّ عَسْكَر الْمُسْلِمِينَ لَمَّا لَقِيَ الْفُرْس نَفَرَتْ خَيْل الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْفِيَلَة , فَعَمَدَ رَجُل مِنْهُمْ فَصَنَعَ فِيلًا مِنْ طِين وَأَنَّسَ بِهِ فَرَسه حَتَّى أَلِفَهُ , فَلَمَّا أَصْبَحَ لَمْ يَنْفُر فَرَسه مِنْ الْفِيل فَحَمَلَ عَلَى الْفِيل الَّذِي كَانَ يَقْدُمهَا فَقِيلَ لَهُ : إِنَّهُ قَاتِلك , فَقَالَ : لَا ضَيْر أَنْ أُقْتَل وَيُفْتَح لِلْمُسْلِمِينَ . وَكَذَلِكَ يَوْم الْيَمَامَة لَمَّا تَحَصَّنَتْ بَنُو حَنِيفَة بِالْحَدِيقَةِ , قَالَ رَجُل مِنْ الْمُسْلِمِينَ : ضَعُونِي فِي الْحَجَفَة وَأَلْقُونِي إِلَيْهِمْ , فَفَعَلُوا وَقَاتَلَهُمْ وَحْده وَفَتَحَ الْبَاب . قُلْت : وَمِنْ هَذَا مَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَرَأَيْت إِنْ قُتِلْت فِي سَبِيل اللَّه صَابِرًا مُحْتَسِبًا ؟ قَالَ : ( فَلَك الْجَنَّة ) , فَانْغَمَسَ فِي الْعَدُوّ حَتَّى قُتِلَ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَنَس بْن مَالِك أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُفْرِدَ يَوْم أُحُد فِي سَبْعَة مِنْ الْأَنْصَار وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْش , فَلَمَّا رَهِقُوهُ قَالَ : ( مَنْ يَرُدّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّة ) أَوْ ( هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّة ) فَتَقَدَّمَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ , ثُمَّ رَهِقُوهُ أَيْضًا فَقَالَ : ( مَنْ يَرُدّهُمْ عَنَّا وَلَهُ الْجَنَّة ) أَوْ ( هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنَّة ) , فَتَقَدَّمَ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ . فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتَّى قُتِلَ السَّبْعَة , فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابنَا ) . هَكَذَا الرِّوَايَة ( أَنْصَفْنَا ) بِسُكُونِ الْفَاء ( أَصْحَابَنَا ) بِفَتْحِ الْبَاء , أَيْ لَمْ نَدُلّهُمْ لِلْقِتَالِ حَتَّى قُتِلُوا . وَرُوِيَ بِفَتْحِ الْفَاء وَرَفْع الْبَاء , وَوَجْههَا أَنَّهَا تَرْجِع لِمَنْ فَرَّ عَنْهُ مِنْ أَصْحَابه , وَاَللَّه أَعْلَم , وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن : لَوْ حَمَلَ رَجُل وَاحِد عَلَى أَلْف رَجُل مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ وَحْده , لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْس إِذَا كَانَ يَطْمَع فِي نَجَاة أَوْ نِكَايَة فِي الْعَدُوّ , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَهُوَ مَكْرُوه ; لِأَنَّهُ عَرَّضَ نَفْسه لِلتَّلَفِ فِي غَيْر مَنْفَعَة لِلْمُسْلِمِينَ , فَإِنْ كَانَ قَصْده تَجْرِئَة الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَصْنَعُوا مِثْل صَنِيعه فَلَا يَبْعُد جَوَازه ; وَلِأَنَّ فِيهِ مَنْفَعَة لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى بَعْض الْوُجُوه , وَإِنْ كَانَ قَصْده إِرْهَاب الْعَدُوّ وَلِيُعْلِم صَلَابَة الْمُسْلِمِينَ فِي الدِّين فَلَا يَبْعُد جَوَازه , وَإِذَا كَانَ فِيهِ نَفْع لِلْمُسْلِمِينَ فَتَلِفَتْ نَفْسه لِإِعْزَازِ دِين اللَّه وَتَوْهِين الْكُفْر فَهُوَ الْمَقَام الشَّرِيف الَّذِي مَدَحَ اللَّه بِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي قَوْله : " إِنَّ اللَّه اِشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسهمْ " [ التَّوْبَة : 111 ] الْآيَة , إِلَى غَيْرهَا مِنْ آيَات الْمَدْح الَّتِي مَدَحَ اللَّه بِهَا مَنْ بَذَلَ نَفْسه , وَعَلَى ذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُون حُكْم الْأَمْر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَنْ الْمُنْكَر أَنَّهُ مَتَى رَجَا نَفْعًا فِي الدِّين فَبَذَلَ نَفْسه فِيهِ حَتَّى قُتِلَ كَانَ فِي أَعْلَى دَرَجَات الشُّهَدَاء , قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنْ الْمُنْكَر وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَك إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْم الْأُمُور " [ لُقْمَان : 17 ] . وَقَدْ رَوَى عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( أَفْضَل الشُّهَدَاء حَمْزَة بْن عَبْد الْمُطَّلِب وَرَجُل تَكَلَّمَ بِكَلِمَةِ حَقّ عِنْد سُلْطَان جَائِر فَقَتَلَهُ ) , وَسَيَأْتِي الْقَوْل فِي هَذَا فِي [ آل عِمْرَان ] إِنْ شَاءَ تَعَالَى . أَيْ فِي الْإِنْفَاق فِي الطَّاعَة , وَأَحْسِنُوا الظَّنّ بِاَللَّهِ فِي إِخْلَافه عَلَيْكُمْ , وَقِيلَ : " أَحْسِنُوا " فِي أَعْمَالكُمْ بِامْتِثَالِ الطَّاعَات , رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ بَعْض الصَّحَابَة .
| ٱلتَّهۡلُكَةِ | المَهالِك، وهو كلُّ ما صَدَقَ عليه أنه تَهْلُكَةٌ في الدِّين، أو الدُّنيا. |
|---|---|
| أَنفِقُوا۟ | بإخراجِ الزَّكاةِ المفروضةِ وغيرها من الصدقاتِ. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian