صفحات الموقع

سورة البقرة الآية ١٨٠

سورة البقرة الآية ١٨٠

كُتِبَ عَلَیۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَیۡرًا ٱلۡوَصِیَّةُ لِلۡوَ ٰ⁠لِدَیۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِینَ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِینَ ﴿١٨٠﴾

التفسير

تفسير السعدي

أي فرض الله عليكم, يا معشر المؤمنين " إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ " أي: أسبابه, كالمرض المشرف على الهلاك, وحضور أسباب المهالك. وكان قد " تَرَكَ خَيْرًا " وهو المال الكثير عرفا, فعليه أن يوصي لوالديه وأقرب الناس إليه بالمعروف, على قدر حاله من غير سرف, ولا اقتصار على الأبعد, دون الأقرب. بل يرتبهم على القرب والحاجة, ولهذا أتى بأفعل التفضيل. وقوله " حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ " دل على وجوب ذلك, لأن الحق هو: الثابت وقد جعله الله من موجبات التقوى. واعلم أن جمهور المفسرين يرون أن هذه الآية منسوخة بآية المواريث. وبعضهم يرى أنها في الوالدين والأقربين غير الوارثين, مع أنه لم يدل على التخصيص بذلك دليل. والأحسن في هذا أن يقال: إن هذه الوصية للوالدين والأقربين مجملة, ردها الله تعالى إلى العرف الجاري. ثم إن الله تعالى قدر للوالدين الوارثين وغيرهما من الأقارب الوارثين هذا المعروف في آيات المواريث, بعد أن مجملا. وبقي الحكم فيمن لم يرثوا من الوالدين الممنوعين من الإرث وغيرهما ممن حجب بشخص أو وصف, فإن الإنسان مأمور بالوصية لهؤلاء وهم أحق الناس ببره. وهذا القول تتفق عليه الأمة, ويحصل به الجمع بين القولين المتقدمين, لأن كلا من القائلين بهما كل منهم لحظ ملحظا, واختلف المورد. فبهذا الجمع, يحصل الاتفاق, والجمع بين الآيات, فإنه أمكن الجمع, كان أحسن من ادعاء النسخ, الذي لم يدل عليه دليل صحيح.

التفسير الميسر

فرض الله عليكم إذا حضر أحدكم علامات الموت ومقدماته -إن ترك مالا- الوصية بجزء من ماله للوالدين والأقربين مع مراعاة العدل؛ فلا يدع الفقير ويوصي للغني، ولا يتجاوز الثلث، وذلك حق ثابت يعمل به أهل التقوى الذين يخافون الله. وكان هذا قبل نزول آيات المواريث التي حدَّد الله فيها نصيب كل وارث.

تفسير الجلالين

"كُتِبَ" فُرِضَ "عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ" أَيْ أَسْبَابه "إنْ تَرَكَ خَيْرًا" مَالًا "الْوَصِيَّة" مَرْفُوع بِكُتِبَ وَمُتَعَلِّق بِإِذَا إنْ كَانَتْ ظَرْفِيَّة وَدَالّ عَلَى جَوَابهَا إنْ كَانَتْ شَرْطِيَّة وَجَوَاب إنْ أَيْ فَلْيُوصِ "لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ" بِالْعَدْلِ بِأَنْ لَا يَزِيد عَلَى الثُّلُث وَلَا يَفْضُل الْغَنِيّ "حَقًّا" مَصْدَر مُؤَكِّد لِمَضْمُونِ الْجُمْلَة قَبْله "عَلَى الْمُتَّقِينَ" اللَّه وَهَذَا مَنْسُوخ بِآيَةِ الْمِيرَاث وَبِحَدِيثِ : ( لَا وَصِيَّة لِوَارِثٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ

تفسير ابن كثير

اِشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة عَلَى الْأَمْر بِالْوَصِيَّةِ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ وَاجِبًا عَلَى أَصَحّ الْقَوْلَيْنِ قَبْل نُزُول آيَة الْمَوَارِيث فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَة الْفَرَائِض نَسَخَتْ هَذِهِ وَصَارَتْ الْمَوَارِيث الْمُقَدَّرَة فَرِيضَة مِنْ اللَّه يَأْخُذهَا أَهْلُوهَا حَتْمًا مِنْ غَيْرِ وَصِيَّةٍ وَلَا تَحَمُّلٍ مِنْ الْمُوصِي وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الَّذِي فِي السُّنَن وَغَيْرهَا عَنْ عَمْرِو بْن خَارِجَة قَالَ : سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُب وَهُوَ يَقُول " إِنَّ اللَّه قَدْ أَعْطَى كُلّ ذِي حَقّ حَقّه فَلَا وَصِيَّة لِوَارِثٍ " وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل بْن إِبْرَاهِيم بْن عُلَيَّة عَنْ يُونُس بْن عُبَيْد عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ قَالَ : جَلَسَ اِبْن عَبَّاس فَقَرَأَ سُورَة الْبَقَرَة حَتَّى أَتَى هَذِهِ الْآيَة " إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ " فَقَالَ نُسِخَتْ هَذِهِ الْآيَة وَكَذَا رَوَاهُ سَعِيد بْن مَنْصُور عَنْ هُشَيْم عَنْ يُونُس بِهِ وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه وَقَالَ صَحِيح عَلَى شَرْطهمَا وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ" وَالْأَقْرَبِينَ قَالَ : كَانَ لَا يَرِث مَعَ الْوَالِدَيْنِ غَيْرهمَا إِلَّا وَصِيَّة لِلْأَقْرَبِينَ فَأَنْزَلَ اللَّه آيَة الْمِيرَاث فَبَيَّنَ مِيرَاث الْوَالِدَيْنِ وَأَقَرَّ وَصِيَّة الْأَقْرَبِينَ فِي ثُلُث مَال الْمَيِّت وَقَالَ : اِبْن أَبِي حَاتِم : حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد بْن الصَّبَّاح حَدَّثَنَا حَجَّاج بْن مُحَمَّد أَخْبَرَنَا اِبْن جُرَيْج وَعُثْمَان بْن عَطَاء عَنْ عَطَاء عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ" نَسَخَتْهَا هَذِهِ الْآيَة " لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا" ثُمَّ قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر وَأَبِي مُوسَى وَسَعِيد بْن الْمُسَيِّب وَالْحَسَن وَمُجَاهِد وَعَطَاء وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَمُحَمَّد بْن سِيرِينَ وَعِكْرِمَة وَزَيْد بْن أَسْلَمَ وَالرَّبِيع بْن أَنَس وَقَتَادَة وَالسُّدِّيّ وَمُقَاتِل بْن حَيَّان وَطَاوُس وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَشُرَيْح وَالضَّحَّاك وَالزُّهْرِيّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَة نَسَخَتْهَا آيَة الْمِيرَاث وَالْعَجَب مِنْ أَبِي عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن عُمَر الرَّازِيّ رَحِمَهُ اللَّه كَيْف حَكَى فِي تَفْسِيره الْكَبِير عَنْ أَبِي مُسْلِم الْأَصْفَهَانِيّ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة غَيْر مَنْسُوخَة وَإِنَّمَا هِيَ مُفَسَّرَة بِآيَةِ الْمَوَارِيث وَمَعْنَاهُ كُتِبَ عَلَيْكُمْ مَا أَوْصَى اللَّه بِهِ مِنْ تَوْرِيث الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ مِنْ قَوْله " يُوصِيكُمْ اللَّهُ فِي أَوْلَادكُمْ " قَالَ وَهُوَ قَوْل أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ وَالْمُعْتَبَرِينَ مِنْ الْفُقَهَاء قَالَ : وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إِنَّهَا مَنْسُوخَة فِيمَنْ يَرِث ثَابِتَة فِيمَنْ لَا يَرِث وَهُوَ مَذْهَب اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَمَسْرُوق وَطَاوُس وَالضَّحَّاك وَمُسْلِم بْن يَسَار وَالْعَلَاء بْن زِيَاد " قُلْت " وَبِهِ قَالَ أَيْضًا سَعِيد بْن جُبَيْر وَالرَّبِيع بْن أَنَس وَقَتَادَة وَمُقَاتِل بْن حَيَّان وَلَكِنْ عَلَى قَوْل هَؤُلَاءِ لَا يُسَمَّى هَذَا نَسْخًا فِي اِصْطِلَاحنَا الْمُتَأَخِّر لِأَنَّ آيَة الْمَوَارِيث إِنَّمَا رَفَعَتْ حُكْم بَعْض أَفْرَاد مَا دَلَّ عَلَيْهِ عُمُوم آيَة الْوِصَايَة لِأَنَّ الْأَقْرَبِينَ أَعَمّ مِمَّنْ يَرِث وَمَنْ لَا يَرِث فَرَفَعَ حُكْم مَنْ يَرِث بِمَا عَيَّنَ لَهُ وَبَقِيَ الْآخَر عَلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْآيَة الْأُولَى وَهَذَا إِنَّمَا يَأْتِي عَلَى قَوْل بَعْضهمْ أَنَّ الْوِصَايَة فِي اِبْتِدَاء الْإِسْلَام إِنَّمَا كَانَتْ نَدْبًا حَتَّى نُسِخَتْ فَأَمَّا مَنْ يَقُول إِنَّهَا كَانَتْ وَاجِبَة وَهُوَ الظَّاهِر مِنْ سِيَاق الْآيَة فَيَتَعَيَّن أَنْ تَكُون مَنْسُوخَة بِآيَةِ الْمِيرَاث كَمَا قَالَهُ أَكْثَر الْمُفَسِّرِينَ وَالْمُعْتَبَرِينَ مِنْ الْفُقَهَاء فَإِنَّ وُجُوب الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الْوَارِثِينَ مَنْسُوخ بِالْإِجْمَاعِ بَلْ مَنْهِيٌّ عَنْهُ لِلْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّم " إِنَّ اللَّه قَدْ أَعْطَى كُلّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ " فَآيَة الْمِيرَاث حُكْم مُسْتَقِلٌّ وَوُجُوبٌ مِنْ عِنْد اللَّه لِأَهْلِ الْفُرُوض وَالْعَصَبَات يَرْفَع بِهَا حُكْم هَذِهِ بِالْكُلِّيَّةِ بَقِيَ الْأَقَارِب الَّذِينَ لَا مِيرَاث لَهُمْ يُسْتَحَبّ لَهُ أَنْ يُوصِي لَهُمْ مِنْ الثُّلُث اِسْتِئْنَاسًا بِآيَةِ الْوَصِيَّة وَشُمُولهَا وَلِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ اِبْن عُمَر قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" مَا حَقّ اِمْرِئٍ مُسْلِم لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ يَبِيت لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّته مَكْتُوبَة عِنْده " قَالَ اِبْن عُمَر مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَة مُنْذُ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول ذَلِكَ إِلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي وَالْآيَات وَالْأَحَادِيث بِالْأَمْرِ بِبِرِّ الْأَقَارِب وَالْإِحْسَان إِلَيْهِمْ كَثِيرَة جِدًّا وَقَالَ عَبْد بْن حُمَيْد فِي مُسْنَده أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه عَنْ مُبَارَك بْن حَسَّان عَنْ نَافِع قَالَ : قَالَ عَبْد اللَّه قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَقُول اللَّه تَعَالَى يَا اِبْن آدَم ثِنْتَانِ لَمْ يَكُنْ لَك وَاحِدَة مِنْهُمَا : جَعَلْت لَك نَصِيبًا فِي مَالِك حِين أَخَذْت بِكَظَمِك لِأُطَهِّرك بِهِ وَأُزَكِّيك وَصَلَاة عِبَادِي عَلَيْك بَعْد اِنْقِضَاء أَجْلِك " وَقَوْله " إِنْ تَرَكَ خَيْرًا " أَيْ مَالًا قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَعَطَاء وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَأَبُو الْعَالِيَة وَعَطِيَّة الْعَوْفِيّ وَالضَّحَّاك وَالسُّدِّيّ وَالرَّبِيع بْن أَنَس وَمُقَاتِل بْن حَيَّان وَقَتَادَة وَغَيْرهمْ ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ الْوَصِيَّة مَشْرُوعَة سَوَاء قَلَّ الْمَال أَوْ كَثُرَ كَالْوِرَاثَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ إِنَّمَا يُوصِي إِذَا تَرَكَ مَالًا جَلِيلًا ثُمَّ اِخْتَلَفُوا فِي مِقْدَاره فَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّه بْن يَزِيد الْمُقْرِي أَخْبَرَنَا سُفْيَان عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ إِنَّ رَجُلًا مِنْ قُرَيْش قَدْ مَاتَ وَتَرَكَ ثَلَثَمِائَةِ دِينَار أَوْ أَرْبَعَمِائَةِ وَلَمْ يُوصِ قَالَ لَيْسَ بِشَيْءٍ إِنَّمَا قَالَ اللَّه " إِنْ تَرَكَ خَيْرًا" وَقَالَ أَيْضًا وَحَدَّثَنَا هَارُون بْن إِسْحَاق الْهَمْدَانِيّ حَدَّثَنَا عَبْدَة يَعْنِي اِبْن سُلَيْمَان عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيًّا دَخَلَ عَلَى رَجُل مِنْ قَوْمه يَعُودهُ فَقَالَ لَهُ أُوصِ فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ إِنَّمَا قَالَ اللَّه " إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ " إِنَّمَا تَرَكْت شَيْئًا يَسِيرًا فَاتْرُكْهُ لِوَلَدِك وَقَالَ الْحَاكِم : إِنَّ أَبَانَ حَدَّثَنِي عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس " إِنْ تَرَكَ خَيْرًا " قَالَ اِبْن عَبَّاس : مَنْ لَمْ يَتْرُك سِتِّينَ دِينَارًا لَمْ يَتْرُك خَيْرًا قَالَ : الْحَاكِم قَالَ طَاوُس لَمْ يَتْرُك خَيْرًا مَنْ لَمْ يَتْرُك ثَمَانِينَ دِينَارًا. وَقَالَ قَتَادَة كَانَ يُقَال أَلْفًا فَمَا فَوْقهَا وَقَوْله " بِالْمَعْرُوفِ " أَيْ بِالرِّفْقِ وَالْإِحْسَان كَمَا قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن أَحْمَد حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن عَبْد اللَّه بْن بَشَّار حَدَّثَنِي سُرُور بْن الْمُغِيرَة عَنْ عَبَّاد بْن مَنْصُور عَنْ الْحَسَن قَوْله كُتِبَ عَلَيْكُمْ " إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ " فَقَالَ نَعَمْ الْوَصِيَّة حَقّ عَلَى كُلّ مُسْلِم أَنْ يُوصِي إِذَا حَضَرَهُ الْمَوْت بِالْمَعْرُوفِ غَيْر الْمُنْكَر وَالْمُرَاد بِالْمَعْرُوفِ أَنْ يُوصِي لِأَقْرَبِيهِ وَصِيَّة لَا تُجْحِف بِوَرَثَتِهِ مِنْ غَيْر إِسْرَاف وَلَا تَقْتِير كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ سَعْدًا قَالَ : يَا رَسُول اللَّه إِنَّ لِي مَالًا وَلَا يَرِثنِي إِلَّا اِبْنَة لِي أَفَأُوصِي بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ " لَا " قَالَ فَبِالشَّطْرِ ؟ قَالَ " لَا " قَالَ فَالثُّلُث ؟ قَالَ " الثُّلُث وَالثُّلُث كَثِير إِنَّك إِنْ تَذَرْ وَرَثَتك أَغْنِيَاء خَيْر مِنْ أَنْ تَدَعهُمْ عَالَة يَتَكَفَّفُونَ النَّاس " وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ أَنَّ اِبْن عَبَّاس قَالَ : لَوْ أَنَّ النَّاس غَضُّوا مِنْ الثُّلُث إِلَى الرُّبْع فَإِنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ " الثُّلُث وَالثُّلُث كَثِير " وَرَوَى الْإِمَام أَحْمَد عَنْ أَبِي سَعِيد مَوْلَى بَنِي هَاشِم عَنْ زِيَاد بْن عُتْبَة بْن حَنْظَلَة سَمِعْت حَنْظَلَة بْن جُذَيْم بْن حَنِيفَة أَنَّ جَدّه حَنِيفَة أَوْصَى لِيَتِيمٍ فِي حِجْره بِمِائَةٍ مِنْ الْإِبِل فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَى بَنِيهِ فَارْتَفَعُوا إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ حَنِيفَة إِنِّي أَوْصَيْت لِيَتِيمٍ لِي بِمِائَةٍ مِنْ الْإِبِل كُنَّا نُسَمِّيهَا الْمَطِيَّة فَقَالَ : النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لَا لَا لَا الصَّدَقَة خَمْس وَإِلَّا فَعَشْر وَإِلَّا فَخَمْس عَشْرَة وَإِلَّا فَعِشْرُونَ وَإِلَّا فَخَمْس وَعِشْرُونَ وَإِلَّا فَثَلَاثُونَ وَإِلَّا فَخَمْس وَثَلَاثُونَ فَإِنْ كَثُرَتْ فَأَرْبَعُونَ " وَذَكَرَ الْحَدِيث بِطُولِهِ .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدكُمْ الْمَوْت إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ } يَعْنِي بِقَوْلِهِ تَعَالَى ذِكْره : كُتِبَ عَلَيْكُمْ : فُرِضَ عَلَيْكُمْ أَيّهَا الْمُؤْمِنُونَ الْوَصِيَّة إذَا حَضَرَ أَحَدكُمْ الْمَوْت { إنْ تَرَكَ خَيْرًا } وَالْخَيْر : الْمَال , { لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } الَّذِينَ لَا يَرِثُونَهُ , { بِالْمَعْرُوفِ } وَهُوَ مَا أَذِنَ اللَّه فِيهِ وَأَجَازَهُ فِي الْوَصِيَّة مِمَّا لَمْ يُجَاوِز الثُّلُث , وَلَمْ يَتَعَمَّد الْمُوصِي ظُلْم وَرَثَته , { حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ } , يَعْنِي بِذَلِكَ : فَرَضَ عَلَيْكُمْ هَذَا وَأَوْجَبَهُ , وَجَعَلَهُ حَقًّا وَاجِبًا عَلَى مَنْ اتَّقَى اللَّه فَأَطَاعَهُ أَنْ يَعْمَل بِهِ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : أَوَ فَرَضَ عَلَى الرَّجُل ذِي الْمَال أَنْ يُوصِيَ لِوَالِدَيْهِ وَأَقْرَبِيهِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَهُ ؟ قِيلَ : نَعَمْ . فَإِنْ قَالَ : فَإِنْ هُوَ فَرَّطَ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يُوصِ لَهُمْ أَيَكُونُ مُضَيِّعًا فَرْضًا يُحْرَج بِتَضْيِيعِهِ ؟ قِيلَ : نَعَمْ . فَإِنْ قَالَ : وَمَا الدَّلَالَة عَلَى ذَلِكَ ؟ قِيلَ : قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدكُمْ الْمَوْت إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } فَأَعْلَم أَنَّهُ قَدْ كَتَبَهُ عَلَيْنَا وَفَرَضَهُ , كَمَا قَالَ : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَام } 2 183 وَلَا خِلَاف بَيْن الْجَمِيع أَنَّ تَارِك الصِّيَام وَهُوَ عَلَيْهِ قَادِر مُضَيِّع بِتَرْكِهِ فَرْضًا لِلَّهِ عَلَيْهِ , فَكَذَلِكَ هُوَ بِتَرْكِ الْوَصِيَّة لِوَالِدَيْهِ وَأَقْرَبِيهِ وَلَهُ مَا يُوصِي لَهُمْ فِيهِ , مُضَيِّع فَرْض اللَّه عَزَّ وَجَلّ . فَإِنْ قَالَ : فَإِنَّك قَدْ عَلِمْت أَنَّ جَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم قَالُوا : { الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } مَنْسُوخَة بِآيَةِ الْمِيرَاث ؟ قِيلَ لَهُ : وَخَالَفَهُمْ جَمَاعَة غَيْرهمْ فَقَالُوا : هِيَ مُحْكَمَة غَيْر مَنْسُوخَة : وَإِذَا كَانَ فِي نَسْخ ذَلِكَ تَنَازُع بَيْن أَهْل الْعِلْم لَمْ يَكُنْ لَنَا الْقَضَاء عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مَنْسُوخ إلَّا بِحُجَّةٍ يَجِب التَّسْلِيم لَهَا , إذْ كَانَ غَيْر مُسْتَحِيل اجْتِمَاع حُكْم هَذِهِ الْآيَة وَحُكْم آيَة الْمَوَارِيث فِي حَال وَاحِدَة عَلَى صِحَّة بِغَيْرِ مُدَافَعَة حُكْم إحْدَاهُمَا حُكْم الْأُخْرَى وَكَانَ النَّاسِخ وَالْمَنْسُوخ هُمَا الْمَعْنَيَانِ اللَّذَانِ لَا يَجُوز اجْتِمَاع حُكْمهمَا عَلَى صِحَّة فِي حَالَة وَاحِدَة لِنَفْيِ أَحَدهمَا صَاحِبه . وَبِمَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ جَمَاعَة مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ والمتأخرين . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2161 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , عَنْ جُوَيْبِر عَنْ الضَّحَّاك أَنَّهُ كَانَ يَقُول : مَنْ مَاتَ وَلَمْ يُوصِ لِذَوِي قَرَابَته فَقَدْ خَتَمَ عَمَله بِمَعْصِيَةٍ . 2162 - حَدَّثَنِي سِلْم بْن جُنَادَةَ , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْأَعْمَش , عَنْ مُسْلِم , عَنْ مَسْرُوق : أَنَّهُ حَضَرَ رَجُلًا فَوَصَّى بِأَشْيَاء لَا تَنْبَغِي , فَقَالَ لَهُ مَسْرُوق : إنَّ اللَّه قَدْ قَسَمَ بَيْنكُمْ فَأَحْسَن الْقَسْم , وَإِنَّهُ مَنْ يَرْغَب بِرَأْيِهِ عَنْ رَأْي اللَّه يُضِلّهُ , أَوْصِ لَذِي قَرَابَتك مِمَّنْ لَا يَرِثك , ثُمَّ دَعْ الْمَال عَلَى مَا قَسَمَهُ اللَّه عَلَيْهِ . 2163 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا أَبُو تُمَيْلَةَ يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا عُبَيْد , عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : لَا تَجُوز وَصِيَّة لِوَارِثٍ وَلَا يُوصِي إلَّا لَذِي قَرَابَة , فَإِنْ أَوْصَى لِغَيْرِ ذِي قَرَابَة فَقَدْ عَمِلَ بِمَعْصِيَةٍ , إلَّا أَنْ لَا يَكُون قَرَابَة فَيُوصِي لِفُقَرَاء الْمُسْلِمِينَ . 2164 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مُغِيرَة , قَالَ : الْعَجَب لِأَبِي الْعَالِيَة أَعْتَقَتْهُ امْرَأَة مِنْ بَنِي رِيَاح وَأَوْصَى بِمَالِهِ لِبَنِي هَاشِم . 2165 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ رَجُل , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : لَمْ يَكُنْ لَهُ حَال وَلَا كَرَامَة . 2166 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : ثنا أَيُّوب , عَنْ مُحَمَّد قَالَ : قَالَ عَبْد اللَّه بْن مَعْمَر فِي الْوَصِيَّة : مَنْ سَمَّى جَعَلْنَاهَا حَيْثُ سَمَّى , وَمَنْ قَالَ حَيْثُ أَمَرَ اللَّه جَعَلْنَاهَا فِي قَرَابَته . 2167 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى الصَّنْعَانِيّ , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر , قَالَ : ثنا عِمْرَان بْن حُدَيْر , قَالَ : قُلْت لِأَبِي مِجْلَز : الْوَصِيَّة عَلَى كُلّ مُسْلِم وَاجِبَة ؟ قَالَ : عَلَى مَنْ تَرَكَ خَيْرًا . 2168 - حَدَّثَنَا سَوَّار بْن عَبْد اللَّه , قَالَ : ثنا عَبْد الْمَلِك بْن الصَّبَاح , قَالَ : ثنا عِمْرَان بْن حُدَيْر قَالَ : قُلْت لِلَّاحِقِ بْن حُمَيْد : الْوَصِيَّة حَقّ عَلَى كُلّ مُسْلِم ؟ قَالَ : هِيَ حَقّ عَلَى مَنْ تَرَكَ خَيْرًا . وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي حُكْم هَذِهِ الْآيَة فَقَالَ بَعْضهمْ : لَمْ يَنْسَخ اللَّه شَيْئًا مِنْ حُكْمهَا , وَإِنَّمَا هِيَ آيَة ظَاهِرهَا ظَاهِر عُمُوم فِي كُلّ وَالِد وَوَالِدَة وَالْقَرِيب , وَالْمُرَاد بِهَا فِي الْحُكْم الْبَعْض مِنْهُمْ دُون الْجَمِيع , وَهُوَ مَنْ لَا يَرِث مِنْهُمْ الْمَيِّت دُون مَنْ يَرِث . وَذَلِكَ قَوْل مَنْ ذَكَرْت قَوْله , وَقَوْل جَمَاعَة آخَرِينَ غَيْرهمْ مَعَهُمْ . ذِكْر قَوْل مَنْ لَمْ يَذْكُر قَوْله مِنْهُمْ فِي ذَلِكَ : 2169 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُعَاذ بْن هِشَام , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ قَتَادَة , عَنْ جَابِر بْن زَيْد فِي رَجُل أَوْصَى لِغَيْرِ ذِي قَرَابَة , وَلَهُ قَرَابَة مُحْتَاجُونَ , قَالَ : يَرُدّ ثُلُثَا الثُّلُث عَلَيْهِمْ , وَثُلُث الثُّلُث لِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِهِ . 2170 - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا مُعَاذ , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ قَتَادَة , عَنْ الْحَسَن وَجَابِر بْن زَيْد وَعَبْد الْمَلِك بْن يَعْلَى أَنَّهُمْ قَالُوا فِي الرَّجُل يُوصِي لِغَيْرِ ذِي قَرَابَته وَلَهُ قَرَابَة مِمَّنْ لَا يَرِثهُ قَالَ : كَانُوا يَجْعَلُونَ ثُلُثَيْ الثُّلُث لِذَوِي الْقَرَابَة , وَثُلُث الثُّلُث لِمَنْ أَوْصَى لَهُ بِهِ . 2171 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا حُمَيْد , عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ كَانَ يَقُول : إذَا أَوْصَى الرَّجُل لِغَيْرِ ذِي قَرَابَته بِثُلُثِهِ فَلَهُمْ ثُلُث الثُّلُث , وَثُلُثَا الثُّلُث لِقَرَابَتِهِ . 2172 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ ابْن طَاوُس , عَنْ أَبِيهِ قَالَ : مَنْ أَوْصَى لِقَوْمٍ وَسَمَّاهُمْ وَتَرَكَ ذَوِي قَرَابَته مُحْتَاجِينَ اُنْتُزِعَتْ مِنْهُمْ وَرُدَّتْ إلَى ذَوِي قَرَابَته . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ هِيَ آيَة قَدْ كَانَ الْحُكْم بِهَا وَاجِبًا وَعَمِلَ بِهِ بُرْهَة ثُمَّ نَسَخَ اللَّه مِنْهَا بِآيَةِ الْمَوَارِيث الْوَصِيَّة لِوَالِدَيْ الْمُوصِي وَأَقْرِبَائِهِ الَّذِينَ يَرِثُونَهُ , وَأَقَرَّ فَرْض الْوَصِيَّة لِمَنْ كَانَ مِنْهُمْ لَا يَرِثهُ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2173 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدكُمْ الْمَوْت إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } فَجُعِلَتْ الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بَعْد ذَلِكَ فَجُعِلَ لَهُمَا نَصِيب مَفْرُوض , فَصَارَتْ الْوَصِيَّة لِذَوِي الْقَرَابَة الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ , وَجَعَلَ لِلْوَالِدَيْنِ نَصِيب مَعْلُوم , وَلَا تَجُوز وَصِيَّة لِوَارِثٍ . 2174 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { إذَا تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } قَالَ : نُسِخَ الْوَالِدَانِ مِنْهَا , وَتُرِكَ الْأَقْرَبُونَ مِمَّنْ لَا يَرِث . 2175 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { إذَا تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } قَالَ : نَسَخَ مَنْ يَرِث وَلَمْ يَنْسَخ الْأَقْرَبِينَ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ . 2176 - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن نَصْر , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن حَسَّان , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ ابْن طَاوُس , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : كَانَتْ الْوَصِيَّة قَبْل الْمِيرَاث لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ , فَلَمَّا نَزَلَ الْمِيرَاث نَسَخَ الْمِيرَاث مَنْ يَرِث وَبَقِيَ مَنْ لَا يَرِث , فَمَنْ أَوْصَى لِذِي قَرَابَته لَمْ تَجُزْ وَصِيَّته . 2177 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ إسْمَاعِيل الْمَكِّيّ , عَنْ الْحَسَن فِي قَوْله : { إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } قَالَ : نَسَخَ الْوَالِدَيْنِ وَأَثْبَتَ الْأَقْرَبِينَ الَّذِينَ يُحْرَمُونَ فَلَا يَرِثُونَ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَنْ مُبَارَك بْن فَضَالَةَ عَنْ الْحَسَن فِي هَذِهِ الْآيَة : { الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } قَالَ : لِلْوَالِدَيْنِ مَنْسُوخَة , وَالْوَصِيَّة لِلْقَرَابَةِ وَإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاء . 2178 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } فَكَانَ لَا يَرِث مَعَ الْوَالِدَيْنِ غَيْرهمْ إلَّا وَصِيَّة إنْ كَانَتْ لِلْأَقْرَبَيْنِ فَأَنْزَلَ اللَّه بَعْد هَذَا : { وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا السُّدُس مِمَّا تَرَكَ إنْ كَانَ لَهُ وَلَد فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَد وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُث } 4 11 فَبَيَّنَ اللَّه سُبْحَانه مِيرَاث الْوَالِدَيْنِ , وَأَقَرَّ وَصِيَّة الْأَقْرَبِينَ فِي ثُلُث مَال الْمَيِّت . 2179 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن دَاوُد , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { إنْ تَرَك خَيْرًا الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } فَنَسَخَ الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَأَثْبَتَ الْوَصِيَّة لِلْأَقْرَبَيْنِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ . 2180 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع قَوْله : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدكُمْ الْمَوْت إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } بِالْمَعْرُوفِ . قَالَ : كَانَ هَذَا مِنْ قَبْل أَنْ تَنْزِل سُورَة النِّسَاء , فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَة الْمِيرَاث نَسَخَ شَأْن الْوَالِدَيْنِ , فَأَلْحَقهُمَا بِأَهْلِ الْمِيرَاث وَصَارَتْ الْوَصِيَّة لِأَهْلِ الْقَرَابَة الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ . 2181 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثنا حَمَّاد بْن سَلَمَة قَالَ : أَخْبَرَنَا عَطَاء بْن أَبِي مَيْمُونَة , قَالَ : سَأَلْت مُسْلِم بْن يَسَار , وَالْعَلَاء بْن زِيَاد , عَنْ قَوْل اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } قَالَا : فِي الْقَرَابَة . 2182 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ إيَاس بْن مُعَاوِيَة قَالَ : فِي الْقَرَابَة . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ نَسَخَ اللَّه ذَلِكَ كُلّه , وَفَرَضَ الْفَرَائِض وَالْمَوَارِيث فَلَا وَصِيَّة تَجِب لِأَحَدٍ عَلَى أَحَد قَرِيب وَلَا بَعِيد . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2183 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : قَالَ ابْن زَيْد فِي قَوْله : { إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } الْآيَة , قَالَ : فَنَسَخَ اللَّه ذَلِكَ كُلّه وَفَرَضَ الْفَرَائِض . 2184 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ يُونُس , عَنْ ابْن سِيرِينَ , عَنْ ابْن عَبَّاس : أَنَّهُ قَامَ فَخَطَبَ النَّاس هَهُنَا , فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَة الْبَقَرَة لِيُبَيِّن لَهُمْ مِنْهَا , فَأَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَة : { إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } قَالَ : نَسَخَتْ هَذِهِ . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } نَسَخَتْ الْفَرَائِض الَّتِي لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ الْوَصِيَّة . 2185 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن بْن مَهْدِيّ , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ جَهْضَم , عَنْ عَبْد اللَّه بْن بَدْر , قَالَ : سَمِعْت ابْن عُمَر يَقُول فِي قَوْله : { إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } قَالَ : نَسَخَتْهَا آيَة الْمِيرَاث . قَالَ ابْن بَشَّار : قَالَ عَبْد الرَّحْمَن : فَسَأَلْت جَهْضَمًا عَنْهُ فَلَمْ يَحْفَظهُ . 2186 - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن وَاضِح , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن بْن وَاقِد , عَنْ يَزِيد النَّحْوِيّ , عَنْ عِكْرِمَة وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ قَالَا : { إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } فَكَانَتْ الْوَصِيَّة كَذَلِكَ حَتَّى نَسَخَتْهَا آيَة الْمِيرَاث . 2187 - حَدَّثَنِي أَحْمَد بْن الْمِقْدَام , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر , قَالَ : سَمِعْت أَبِي قَالَ : زَعَمَ قَتَادَة , عَنْ شُرَيْح فِي هَذِهِ الْآيَة : { إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } قَالَ : كَانَ الرَّجُل يُوصِي بِمَالِهِ كُلّه حَتَّى نَزَلَتْ آيَة الْمِيرَاث . 2188 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن الْمِقْدَام , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر , قَالَ : سَمِعْت أَبِي , قَالَ : زَعَمَ قَتَادَة أَنَّهُ نُسِخَتْ آيَتَا الْمَوَارِيث فِي سُورَة النِّسَاء الْآيَة فِي سُورَة الْبَقَرَة فِي شَأْن الْوَصِيَّة . 2189 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } قَالَ : كَانَ الْمِيرَاث لِلْوَلَدِ وَالْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ , وَهِيَ مَنْسُوخَة . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَالَ : كَانَ الْمِيرَاث لِلْوَلَدِ , وَالْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَهِيَ مَنْسُوخَة نَسَخَتْهَا آيَة فِي سُورَة النِّسَاء : { يُوصِيكُمْ اللَّه فِي أَوْلَادكُمْ } 2190 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدكُمْ الْمَوْت إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } أَمَّا الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ فَيَوْم نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة كَانَ النَّاس لَيْسَ لَهُمْ مِيرَاث مَعْلُوم , إنَّمَا يُوصِي الرَّجُل لِوَالِدِهِ وَلِأَهْلِهِ فَيَقْسِم بَيْنهمْ حَتَّى نَسَخَتْهَا النِّسَاء فَقَالَ : { يُوصِيكُمْ اللَّه فِي أَوْلَادكُمْ } 4 11 2191 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , قَالَ : ثنا أَيُّوب , عَنْ نَافِع أَنَّ ابْن عُمَر لَمْ يُوصِ وَقَالَ : أَمَّا مَالِي فَاَللَّه أَعْلَم مَا كُنْت أَصْنَع فِيهِ فِي الْحَيَاة , وَأَمَّا رُبَاعِي فَمَا أُحِبّ أَنْ يَشْرَك وَلَدِي فِيهَا أَحَد . 2192 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن خَلَف الْعَسْقَلَانِيّ , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن يُوسُف , قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ نَسِير بْن ذَعْلُوق قَالَ : قَالَ عُرْوَة : يَعْنِي ابْن ثَابِت لِرَبِيعِ بْن خُثَيْم : أُوصِ لِي بِمُصْحَفِك ! قَالَ : فَنَظَرَ إلَى أَبِيهِ فَقَالَ : { وَأُولُو الْأَرْحَام بَعْضهمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَاب اللَّه } 8 75 2193 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثنا يَزِيد , عَنْ سُفْيَان عَنْ الْحَسَن بْن عَبْد اللَّه , عَنْ إبْرَاهِيم , قَالَ : ذَكَرْنَا لَهُ أَنَّ زَيْدًا وَطَلْحَة كَانَا يُشَدِّدَانِ فِي الْوَصِيَّة , فَقَالَ : مَا كَانَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَفْعَلَا , مَاتَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُوصِ , وَأَوْصَى أَبُو بَكْر , أَيّ ذَلِكَ فَعَلْت فَحَسَن . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيّ , عَنْ الْحَسَن بْن عَبْد اللَّه , عَنْ إبْرَاهِيم , قَالَ : ذُكِرَ عِنْده طَلْحَة وَزَيْد , فَذَكَرَ مِثْله . وَأَمَّا الْخَيْر الَّذِي إذَا تَرَكَهُ تَارِك وَجَبَ عَلَيْهِ الْوَصِيَّة فِيهِ لِوَالِدَيْهِ وَأَقْرَبِيهِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ فَهُوَ الْمَال . كَمَا : 2194 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , عَنْ مُعَاوِيَة بْن صَالِح , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { إنْ تَرَكَ خَيْرًا } يَعْنِي مَالًا . 2195 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { إنْ تَرَكَ خَيْرًا } مَالًا . 2196 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { إنْ تَرَكَ خَيْرًا } كَانَ يَقُول : الْخَيْر فِي الْقُرْآن كُلّه الْمَال { لِحُبِّ الْخَيْر لَشَدِيد } 100 8 الْخَيْر الْمَال و { أَحْبَبْت حُبّ الْخَيْر عَنْ ذِكْر رَبِّي } 38 32 الْمَال { فَكَاتِبُوهُمْ إنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا } 24 33 الْمَال { وَإِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّة } الْمَال . 2197 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّة } أَيْ مَالًا . 2198 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط عَنْ السُّدِّيّ : { إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّة } أَمَّا خَيْرًا فَالْمَال . 2199 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { إنْ تَرَكَ خَيْرًا } قَالَ إنْ تَرَكَ مَالًا . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { إنْ تَرَكَ خَيْرًا } قَالَ : الْخَيْر : الْمَال . 2200 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد , قَالَ : أَخْبَرَنِي ابْن الْمُبَارَك , عَنْ الْحَسَن بْن يَحْيَى , عَنْ الضَّحَّاك فِي قَوْله : { إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّة } قَالَ : الْمَال , أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَقُول : قَالَ شُعَيْب لِقَوْمِهِ : { إنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ } 11 84 يَعْنِي الْغَنِيّ . 2201 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عَمْرو الْيَافِعِيّ , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح قَالَ : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدكُمْ الْمَوْت إنْ تَرَكَ خَيْرًا } قَالَ عَطَاء : الْخَيْر فِيمَا يَرَى الْمَال . ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مَبْلَغ الْمَال الَّذِي إذَا تَرَكَهُ الرَّجُل كَانَ مِمَّنْ لَزِمَهُ حُكْم هَذِهِ الْآيَة , فَقَالَ بَعْضهمْ : ذَلِكَ أَلْف دِرْهَم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2202 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج بْن الْمِنْهَال , قَالَ : ثنا هَمَّام بْن يَحْيَى , عَنْ قَتَادَة فِي هَذِهِ الْآيَة : { إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّة } قَالَ : الْخَيْر : أَلْف فَمَا فَوْقه . 2203 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا الْحَجَّاج , قَالَ : ثنا حَمَّاد , قَالَ : أَخْبَرَنَا هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ عُرْوَة : أَنَّ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب دَخَلَ عَلَى ابْن عَمّ لَهُ يَعُودهُ , فَقَالَ : إنِّي أُرِيد أَنْ أُوصِي , فَقَالَ عَلِيّ : لَا تُوصِ فَإِنَّك لَمْ تَتْرُك خَيْرًا فَتُوصِي قَالَ : وَكَانَ تَرَكَ مِنْ السَّبْعمِائَةِ إلَى تِسْعمِائَةِ . * - حَدَّثَنِي يُونُس بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن وَهْب قَالَ : حَدَّثَنِي عُثْمَان بْن الْحَكَم الْحِزَامِيّ وَابْن أَبِي الزِّنَاد عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب : أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى رَجُل مَرِيض , فَذَكَرَ لَهُ الْوَصِيَّة , فَقَالَ : لَا تُوصِ إنَّمَا قَالَ اللَّه : { إنْ تَرَكَ خَيْرًا } وَأَنْت لَمْ تَتْرُك خَيْرًا . قَالَ ابْن أَبِي الزِّنَاد فِيهِ : فَدَعْ مَالَك لِبَنِيك . 2204 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن قَالَ : ثنا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور بْن صَفِيَّة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُيَيْنَةَ - أَوْ عُتْبَةَ , الشَّكّ مِنِّي - : أَنَّ رَجُلًا أَرَادَ أَنْ يُوصِي وَلَهُ وَلَد كَثِير , وَتَرَكَ أَرْبَعمِائَةِ دِينَار , فَقَالَتْ عَائِشَة : مَا أَرَى فِيهِ فَضْلًا . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة , عَنْ أَبِيهِ قَالَ : دَخَلَ عَلِيّ عَلَى مَوْلَى لَهُمْ فِي الْمَوْت وَلَهُ سَبْعمِائَةِ دِرْهَم أَوْ سِتّمِائَةِ دِرْهَم , فَقَالَ : أَلَا أُوصِي ؟ فَقَالَ : لَا , إنَّمَا قَالَ اللَّه { إنْ تَرَكَ خَيْرًا } وَلَيْسَ لَك كَثِير مَال . وَقَالَ بَعْضهمْ : ذَلِكَ مَا بَيْن الْخَمْسمِائَةِ دِرْهَم إلَى الْأَلْف . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2205 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ قَتَادَة , عَنْ أَبَانَ بْن إبْرَاهِيم النَّخَعِيّ فِي قَوْله : { إنْ تَرَكَ خَيْرًا } قَالَ : أَلْف دِرْهَم إلَى خَمْسمِائَةِ . وَقَالَ بَعْضهمْ : الْوَصِيَّة وَاجِبَة مِنْ قَلِيل الْمَال وَكَثِيره . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2206 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيّ قَالَ : جَعَلَ اللَّه الْوَصِيَّة مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ . وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال بِالصَّوَابِ فِي تَأْوِيل قَوْله : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدكُمْ الْمَوْت إنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّة } مَا قَالَ الزُّهْرِيّ ; لِأَنَّ قَلِيل الْمَال وَكَثِيره يَقَع عَلَيْهِ خَيْر , وَلَمْ يُحِدّ اللَّه ذَلِكَ بِحَدٍّ وَلَا خَصَّ مِنْهُ شَيْئًا فَيَجُوز أَنْ يُحَال ظَاهِر إلَى بَاطِن , فَكُلّ مَنْ حَضَرَتْهُ مَنِيَّته وَعِنْده مَال قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ فَوَاجِب عَلَيْهِ أَنْ يُوصِي مِنْهُ لِمَنْ لَا يَرِثهُ مِنْ آبَائِهِ وَأُمَّهَاته وَأَقْرِبَائِهِ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَهُ بِمَعْرُوفٍ , كَمَا قَالَ اللَّه جَلّ ذِكْره وَأَمَرَ بِهِ .

تفسير القرطبي

هَذِهِ آيَة الْوَصِيَّة , لَيْسَ فِي الْقُرْآن ذِكْر لِلْوَصِيَّةِ إِلَّا فِي هَذِهِ الْآيَة , وَفِي " النِّسَاء " : " مِنْ بَعْد وَصِيَّة " [ النِّسَاء : 12 ] وَفِي " الْمَائِدَة " : " حِين الْوَصِيَّة " . [ الْمَائِدَة : 106 ] وَاَلَّتِي فِي الْبَقَرَة أَتَمّهَا وَأَكْمَلهَا وَنَزَلَتْ قَبْل نُزُول الْفَرَائِض وَالْمَوَارِيث , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه , وَفِي الْكَلَام تَقْدِير وَاو الْعَطْف , أَيْ وَكُتِبَ عَلَيْكُمْ , فَلَمَّا طَالَ الْكَلَام أُسْقِطَتْ الْوَاو . وَمِثْله فِي بَعْض الْأَقْوَال : " لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى . الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى " [ اللَّيْل : 15 - 16 ] أَيْ وَاَلَّذِي , فَحُذِفَ , وَقِيلَ : لَمَّا ذُكِرَ أَنَّ لِوَلِيِّ الدَّم أَنْ يَقْتَصّ , فَهَذَا الَّذِي أَشْرَفَ عَلَى مَنْ يَقْتَصّ مِنْهُ وَهُوَ سَبَب الْمَوْت فَكَأَنَّمَا حَضَرَهُ الْمَوْت , فَهَذَا أَوَان الْوَصِيَّة , فَالْآيَة مُرْتَبِطَة بِمَا قَبْلهَا وَمُتَّصِلَة بِهَا فَلِذَلِكَ سَقَطَتْ وَاو الْعَطْف . و " كُتِبَ " مَعْنَاهُ فُرِضَ وَأُثْبِتَ , كَمَا تَقَدَّمَ , وَحُضُور الْمَوْت : أَسْبَابه , وَمَتَى حَضَرَ السَّبَب كَنَّتْ بِهِ الْعَرَب عَنْ الْمُسَبِّب , قَالَ شَاعِرهمْ : يَا أَيّهَا الرَّاكِب الْمُزْجِي مَطِيَّته سَائِل بَنِي أَسَد مَا هَذِهِ الصَّوْت وَقُلْ لَهُمْ بَادِرُوا بِالْعُذْرِ وَالْتَمِسُوا قَوْلًا يُبَرِّئكُمْ إِنِّي أَنَا الْمَوْت وَقَالَ عَنْتَرَة : وَإِنَّ الْمَوْت طَوْع يَدَيَّ إِذَا مَا وَصَلْت بَنَانهَا بِالْهُنْدُوَانِ وَقَالَ جَرِير فِي مُهَاجَاة الْفَرَزْدَق : أَنَا الْمَوْت الَّذِي حُدِّثْت عَنْهُ فَلَيْسَ لِهَارِبٍ مِنِّي نَجَاء إِنْ قِيلَ : لِمَ قَالَ " كُتِبَ " وَلَمْ يَقُلْ كُتِبَتْ , وَالْوَصِيَّة مُؤَنَّثَة ؟ قِيلَ لَهُ : إِنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ أَرَادَ بِالْوَصِيَّةِ الْإِيصَاء , وَقِيلَ : لِأَنَّهُ تَخَلَّلَ فَاصِل , فَكَانَ الْفَاصِل كَالْعِوَضِ مِنْ تَاء التَّأْنِيث , تَقُول الْعَرَب : حَضَرَ الْقَاضِي الْيَوْم اِمْرَأَة , وَقَدْ حَكَى سِيبَوَيْهِ : قَامَ اِمْرَأَة , وَلَكِنَّ حُسْن ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ مَعَ طُول الْحَائِل . فِيهَا خَمْسَة عَشَر مَسْأَلَة الْأُولَى : " إِنْ " شَرْط , وَفِي جَوَابه لِأَبِي الْحَسَن الْأَخْفَش قَوْلَانِ , قَالَ الْأَخْفَش : التَّقْدِير فَالْوَصِيَّة , ثُمَّ حُذِفَتْ الْفَاء , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : مَنْ يَفْعَل الْحَسَنَات اللَّه يَشْكُرهَا وَالشَّرّ بِالشَّرِّ عِنْد اللَّه مِثْلَانِ وَالْجَوَاب الْآخَر : أَنَّ الْمَاضِي يَجُوز أَنْ يَكُون جَوَابه قَبْله وَبَعْده , فَيَكُون التَّقْدِير الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا , فَإِنْ قَدَّرْت الْفَاء فَالْوَصِيَّة رُفِعَ بِالِابْتِدَاءِ , وَإِنْ لَمْ تُقَدِّر الْفَاء جَازَ أَنْ تَرْفَعهَا بِالِابْتِدَاءِ , وَأَنْ تَرْفَعهَا عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِله , أَيْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْوَصِيَّة , وَلَا يَصِحّ عِنْد جُمْهُور النُّحَاة أَنْ تَعْمَل " الْوَصِيَّة " فِي " إِذَا " لِأَنَّهَا فِي حُكْم الصِّلَة لِلْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ الْوَصِيَّة وَقَدْ تَقَدَّمَتْ , فَلَا يَجُوز أَنْ تَعْمَل فِيهَا مُتَقَدِّمَة , وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْعَامِل فِي " إِذَا " : " كُتِبَ " وَالْمَعْنَى : تَوَجَّهَ إِيجَاب اللَّه إِلَيْكُمْ وَمُقْتَضَى كِتَابه إِذَا حَضَرَ , فَعَبَّرَ عَنْ تَوَجُّه الْإِيجَاب بِكُتِبَ لِيَنْتَظِم إِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَنَّهُ مَكْتُوب فِي الْأَزَل . وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْعَامِل فِي " إِذَا " الْإِيصَاء يَكُون مُقَدَّرًا دَلَّ عَلَى الْوَصِيَّة , الْمَعْنَى : كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْإِيصَاء إِذًا . الثَّانِيَة : " خَيْرًا " الْخَيْر هُنَا الْمَال مِنْ غَيْر خِلَاف , وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَاره , فَقِيلَ : الْمَال الْكَثِير , رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيّ وَعَائِشَة وَابْن عَبَّاس وَقَالُوا فِي سَبْعمِائَةِ دِينَار إِنَّهُ قَلِيل . قَتَادَة عَنْ الْحَسَن : الْخَيْر أَلْف دِينَار فَمَا فَوْقهَا . الشَّعْبِيّ : مَا بَيْن خَمْسمِائَةِ دِينَار إِلَى أَلْف , وَالْوَصِيَّة عِبَارَة عَنْ كُلّ شَيْء يُؤْمَر بِفِعْلِهِ وَيُعْهَد بِهِ فِي الْحَيَاة وَبَعْد الْمَوْت , وَخَصَّصَهَا الْعُرْف بِمَا يُعْهَد بِفِعْلِهِ وَتَنْفِيذه بَعْد الْمَوْت , وَالْجَمْع وَصَايَا كَالْقَضَايَا جَمْع قَضِيَّة , وَالْوَصِيّ يَكُون الْمُوصِي وَالْمُوصَى إِلَيْهِ , وَأَصْله مِنْ وَصَى مُخَفَّفًا , وَتَوَاصَى النَّبْت تَوَاصِيًا إِذَا اِتَّصَلَ , وَأَرْض وَاصِيَة : مُتَّصِلَة النَّبَات , وَأَوْصَيْت لَهُ بِشَيْءٍ وَأَوْصَيْت إِلَيْهِ إِذَا جَعَلْته وَصِيّك , وَالِاسْم الْوِصَايَة وَالْوَصَايَة ( بِالْكَسْرِ وَالْفَتْح ) , وَأَوْصَيْته وَوَصَّيْته أَيْضًا تَوْصِيَة بِمَعْنًى , وَالِاسْم الْوُصَاة . وَتَوَاصَى الْقَوْم أَوْصَى بَعْضهمْ بَعْضًا . وَفِي الْحَدِيث : ( اِسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا فَإِنَّهُنَّ عَوَان عِنْدكُمْ ) . وَوَصَّيْت الشَّيْء بِكَذَا إِذَا وَصَلْته بِهِ . الثَّالِثَة : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي وُجُوب الْوَصِيَّة عَلَى مَنْ خَلَّفَ مَالًا , بَعْد إِجْمَاعهمْ عَلَى أَنَّهَا وَاجِبَة عَلَى مَنْ قِبَله وَدَائِع وَعَلَيْهِ دُيُون , وَأَكْثَر الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّة غَيْر وَاجِبَة عَلَى مَنْ لَيْسَ قِبَله شَيْء مِنْ ذَلِكَ , وَهُوَ قَوْل مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَالثَّوْرِيّ , مُوسِرًا كَانَ الْمُوصِي أَوْ فَقِيرًا , وَقَالَتْ طَائِفَة : الْوَصِيَّة وَاجِبَة عَلَى ظَاهِر الْقُرْآن , قَالَهُ الزُّهْرِيّ وَأَبُو مِجْلَز , قَلِيلًا كَانَ الْمَال أَوْ كَثِيرًا , وَقَالَ أَبُو ثَوْر : لَيْسَتْ الْوَصِيَّة وَاجِبَة إِلَّا عَلَى رَجُل عَلَيْهِ دَيْنٌ أَوْ عِنْده مَال لِقَوْمٍ , فَوَاجِب عَلَيْهِ أَنْ يَكْتُب وَصِيَّته وَيُخْبِر بِمَا عَلَيْهِ , فَأَمَّا مَنْ لَا دَيْن عَلَيْهِ وَلَا وَدِيعَة عِنْده فَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَشَاء . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَهَذَا حَسَن ; لِأَنَّ اللَّه فَرَضَ أَدَاء الْأَمَانَات إِلَى أَهْلهَا , وَمَنْ لَا حَقّ عَلَيْهِ وَلَا أَمَانَة قِبَله فَلَيْسَ وَاجِب عَلَيْهِ أَنْ يُوصِي . اِحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِمَا رَوَاهُ الْأَئِمَّة عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا حَقّ اِمْرِئٍ مُسْلِم لَهُ شَيْء يُرِيد أَنْ يُوصِي فِيهِ يَبِيت لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّته مَكْتُوبَة عِنْده ) وَفِي رِوَايَة ( يَبِيت ثَلَاث لَيَالٍ ) وَفِيهَا قَالَ عَبْد اللَّه بْن عُمَر : مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَة مُنْذُ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ذَلِكَ إِلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي . اِحْتَجَّ مَنْ لَمْ يُوجِبهَا بِأَنْ قَالَ : لَوْ كَانَتْ وَاجِبَة لَمْ يَجْعَلهَا إِلَى إِرَادَة الْمُوصِي , وَلَكَانَ ذَلِكَ لَازِمًا عَلَى كُلّ حَال , ثُمَّ لَوْ سَلِمَ أَنَّ ظَاهِره الْوُجُوب فَالْقَوْل بِالْمُوجِبِ يَرُدّهُ , وَذَلِكَ فِيمَنْ كَانَتْ عَلَيْهِ حُقُوق لِلنَّاسِ يَخَاف ضَيَاعهَا عَلَيْهِمْ , كَمَا قَالَ أَبُو ثَوْر , وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتْ لَهُ حُقُوق عِنْد النَّاس يَخَاف تَلَفهَا عَلَى الْوَرَثَة , فَهَذَا يَجِب عَلَيْهِ الْوَصِيَّة وَلَا يُخْتَلَف فِيهِ . فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى : " كُتِبَ عَلَيْكُمْ " وَكُتِبَ فُرِضَ , فَدَلَّ عَلَى وُجُوب الْوَصِيَّة قِيلَ لَهُمْ : قَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَاب عَنْهُ فِي الْآيَة قَبْل , وَالْمَعْنَى : إِذَا أَرَدْتُمْ الْوَصِيَّة , وَاَللَّه أَعْلَم , وَقَالَ النَّخَعِيّ : مَاتَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُوصِ , وَقَدْ أَوْصَى أَبُو بَكْر , فَإِنْ أَوْصَى فَحَسَن , وَإِنْ لَمْ يُوصِ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ . الرَّابِعَة : لَمْ يُبَيِّن اللَّه تَعَالَى فِي كِتَابه مِقْدَار مَا يُوصَى بِهِ مِنْ الْمَال , وَإِنَّمَا قَالَ : " إِنْ تَرَكَ خَيْرًا " وَالْخَيْر الْمَال , كَقَوْلِهِ : " وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْر " [ الْبَقَرَة : 272 ] , " وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْر " [ الْعَادِيَات : 8 ] فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي مِقْدَار ذَلِكَ , فَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْر الصِّدِّيق رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ أَوْصَى بِالْخُمُسِ . وَقَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ مِنْ غَنَائِم الْمُسْلِمِينَ بِالْخُمُسِ , وَقَالَ مَعْمَر عَنْ قَتَادَة . أَوْصَى عُمَر بِالرُّبُعِ , وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : ( لَأَنْ أُوصِي بِالْخُمُسِ أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُوصِي بِالرُّبُعِ , وَلَأَنْ أُوصِي بِالرُّبُعِ أَحَبّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُوصِي بِالثُّلُثِ ) وَاخْتَارَ جَمَاعَة لِمَنْ مَاله قَلِيل وَلَهُ وَرَثَة تَرْكَ الْوَصِيَّة , رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيّ وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة رِضْوَان اللَّه عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ . رَوَى ابْن أَبِي شَيْبَة مِنْ حَدِيث اِبْن أَبِي مُلَيْكَة عَنْ عَائِشَة قَالَ لَهَا : إِنِّي أُرِيد أَنْ أُوصِي : قَالَتْ : وَكَمْ مَالُك ؟ قَالَ : ثَلَاثَة آلَاف . قَالَتْ : فَكَمْ عِيَالك ؟ قَالَ أَرْبَعَة . قَالَتْ : ( إِنَّ اللَّه تَعَالَى يَقُول : " إِنْ تَرَكَ خَيْرًا " وَهَذَا شَيْء يَسِير فَدَعْهُ لِعِيَالِك فَإِنَّهُ أَفْضَل لَك ) الْخَامِسَة : ذَهَبَ الْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء إِلَى أَنَّهُ لَا يَجُوز لِأَحَدٍ أَنْ يُوصِي بِأَكْثَر مِنْ الثُّلُث إِلَّا أَبَا حَنِيفَة وَأَصْحَابه فَإِنَّهُمْ قَالُوا : إِنْ لَمْ يَتْرُك الْمُوصِي وَرَثَة جَازَ لَهُ أَنْ يُوصِي بِمَالِهِ كُلّه , وَقَالُوا : إِنَّ الِاقْتِصَار عَلَى الثُّلُث فِي الْوَصِيَّة إِنَّمَا كَانَ مِنْ أَجْل أَنْ يَدَع وَرَثَته أَغْنِيَاء , لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِنَّك إِنْ تَذَر وَرَثَتك أَغْنِيَاء خَيْر مِنْ أَنْ تَذَرهُمْ عَالَة يَتَكَفَّفُونَ النَّاس ) الْحَدِيث , رَوَاهُ الْأَئِمَّة . وَمَنْ لَا وَارِث لَهُ فَلَيْسَ مِمَّنْ عُنِيَ بِالْحَدِيثِ , رُوِيَ هَذَا الْقَوْل عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَبِهِ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَمَسْرُوق , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ إِسْحَاق وَمَالِك فِي أَحَد قَوْلَيْهِ , وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ وَسَبَب الْخِلَاف مَعَ مَا ذَكَرْنَا , الْخِلَاف فِي بَيْت الْمَال هَلْ هُوَ وَارِث أَوْ حَافِظ لِمَا يُجْعَل فِيهِ ؟ قَوْلَانِ : السَّادِسَة : أَجْمَعَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَ وَلَهُ وَرَثَة فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُوصِي بِجَمِيعِ مَاله , وَرُوِيَ عَنْ عَمْرو بْن الْعَاص رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ حِين حَضَرَتْهُ الْوَفَاة لِابْنِهِ عَبْد اللَّه : ( إِنِّي قَدْ أَرَدْت أَنْ أُوصِي , فَقَالَ لَهُ : أَوْصِ وَمَالُك فِي مَالِي , فَدَعَا كَاتِبًا فَأَمْلَى , فَقَالَ عَبْد اللَّه : فَقُلْت لَهُ مَا أَرَاك إِلَّا وَقَدْ أَتَيْت عَلَى مَالِي وَمَالِك , وَلَوْ دَعَوْت إِخْوَتِي فَاسْتَحْلَلْتهمْ . ) السَّابِعَة : وَأَجْمَعُوا أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُغَيِّر وَصِيَّته وَيَرْجِع فِيمَا شَاءَ مِنْهَا , إِلَّا أَنَّهُمْ اِخْتَلَفُوا مِنْ ذَلِكَ فِي الْمُدَبَّر , فَقَالَ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه : الْأَمْر الْمُجْمَع عَلَيْهِ عِنْدنَا أَنَّ الْمُوصِي إِذَا أَوْصَى فِي صِحَّته أَوْ مَرَضه بِوَصِيَّةٍ فِيهَا عَتَاقَة رَقِيق مِنْ رَقِيقه أَوْ غَيْر ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُغَيِّر مِنْ ذَلِكَ مَا بَدَا لَهُ وَيَصْنَع مِنْ ذَلِكَ مَا شَاءَ حَتَّى يَمُوت , وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَطْرَح تِلْكَ الْوَصِيَّة وَيُسْقِطهَا فَعَلَ , إِلَّا أَنْ يُدَبِّر فَإِنْ دَبَّرَ مَمْلُوكًا فَلَا سَبِيل لَهُ إِلَى تَغْيِير مَا دَبَّرَ , وَذَلِكَ أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَا حَقّ اِمْرِئٍ مُسْلِم لَهُ شَيْء يُوصِي فِيهِ يَبِيت لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّته مَكْتُوبَة عِنْده ) . قَالَ أَبُو الْفَرَج الْمَالِكِيّ : الْمُدَبَّر فِي الْقِيَاس كَالْمُعْتَقِ إِلَى شَهْر ; لِأَنَّهُ أَجَل آتٍ لَا مَحَالَة , وَأَجْمَعُوا أَلَّا يَرْجِع فِي الْيَمِين بِالْعِتْقِ وَالْعِتْق إِلَى أَجَل فَكَذَلِكَ الْمُدَبَّر , وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَة , وَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق : هُوَ وَصِيَّة ; لِإِجْمَاعِهِمْ أَنَّهُ فِي الثُّلُث كَسَائِرِ الْوَصَايَا . وَفِي إِجَازَتهمْ وَطْء الْمُدَبَّرَة مَا يَنْقُض قِيَاسهمْ الْمُدَبَّر عَلَى الْعِتْق إِلَى أَجَل , وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاعَ مُدَبَّرًا , وَأَنَّ عَائِشَة دَبَّرَتْ جَارِيَة لَهَا ثُمَّ بَاعَتْهَا , وَهُوَ قَوْل جَمَاعَة مِنْ التَّابِعِينَ , وَقَالَتْ طَائِفَة : يُغَيِّر الرَّجُل مِنْ وَصِيَّته مَا شَاءَ إِلَّا الْعَتَاقَة , وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّعْبِيّ وَابْن سِيرِينَ وَابْن شُبْرُمَة وَالنَّخَعِيّ , وَهُوَ قَوْل سُفْيَان الثَّوْرِيّ . الثَّامِنَة : وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجُل يَقُول لِعَبْدِهِ : أَنْتَ حُرّ بَعْد مَوْتِي , وَأَرَادَ الْوَصِيَّة , فَلَهُ الرُّجُوع عِنْد مَالِك فِي ذَلِكَ . وَإِنْ قَالَ : فُلَان مُدَبَّر بَعْد مَوْتِي , لَمْ يَكُنْ لَهُ الرُّجُوع فِيهِ , وَإِنْ أَرَادَ التَّدْبِير بِقَوْلِهِ الْأَوَّل لَمْ يَرْجِع أَيْضًا عِنْد أَكْثَر أَصْحَاب مَالِك , وَأَمَّا الشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر فَكُلّ هَذَا عِنْدهمْ وَصِيَّة ; لِأَنَّهُ فِي الثُّلُث , وَكُلّ مَا كَانَ فِي الثُّلُث فَهُوَ وَصِيَّة , إِلَّا أَنَّ الشَّافِعِيّ قَالَ : لَا يَكُون الرُّجُوع فِي الْمُدَبَّر إِلَّا بِأَنْ يُخْرِجهُ عَنْ مِلْكه بِبَيْعٍ أَوْ هِبَة . وَلَيْسَ قَوْله : - قَدْ رَجَعْت - رُجُوعًا , وَإِنْ لَمْ يُخْرِج الْمُدَبَّر عَنْ مِلْكه حَتَّى يَمُوت فَإِنَّهُ يَعْتِق بِمَوْتِهِ . وَقَالَ فِي الْقَدِيم : يَرْجِع فِي الْمُدَبَّر كَمَا يَرْجِع فِي الْوَصِيَّة , وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيّ قِيَاسًا عَلَى إِجْمَاعهمْ عَلَى الرُّجُوع فِيمَنْ أَوْصَى بِعِتْقِهِ , وَقَالَ أَبُو ثَوْر : إِذَا قَالَ قَدْ رَجَعْت فِي مُدَبَّرِي فَقَدْ بَطَلَ التَّدْبِير , فَإِنْ مَاتَ لَمْ يَعْتِق , وَاخْتَلَفَ اِبْن الْقَاسِم وَأَشْهَب فِيمَنْ قَالَ : عَبْدِي حُرّ بَعْد مَوْتِي , وَلَمْ يُرِدْ الْوَصِيَّة وَلَا التَّدْبِير , فَقَالَ اِبْن الْقَاسِم : هُوَ وَصِيَّة , وَقَالَ أَشْهَب : هُوَ مُدَبَّر وَإِنْ لَمْ يُرِدْ الْوَصِيَّة . التَّاسِعَة : اِخْتَلَفَ الْعُلَمَاء فِي هَذِهِ الْآيَة هَلْ هِيَ مَنْسُوخَة أَوْ مُحْكَمَة , فَقِيلَ : هِيَ مُحْكَمَة , ظَاهِرهَا الْعُمُوم وَمَعْنَاهَا الْخُصُوص فِي الْوَالِدَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا يَرِثَانِ كَالْكَافِرَيْنِ وَالْعَبْدَيْنِ وَفِي الْقَرَابَة غَيْر الْوَرَثَة , قَالَهُ الضَّحَّاك وَطَاوُس وَالْحَسَن , وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيّ . وَعَنْ الزُّهْرِيّ أَنَّ الْوَصِيَّة وَاجِبَة فِيمَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ , وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر : أَجْمَعَ كُلّ مَنْ يُحْفَظ عَنْهُ مِنْ أَهْل الْعِلْم عَلَى أَنَّ الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ اللَّذَيْنِ لَا يَرِثَانِ وَالْأَقْرِبَاء الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ جَائِزَة , وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن أَيْضًا وَقَتَادَة : الْآيَة عَامَّة , وَتَقَرَّرَ الْحُكْم بِهَا بُرْهَة مِنْ الدَّهْر , وَنُسِخَ مِنْهَا كُلّ مَنْ كَانَ يَرِث بِآيَةِ الْفَرَائِض , وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ آيَة الْفَرَائِض لَمْ تَسْتَقِلّ بِنَسْخِهَا بَلْ بِضَمِيمَةٍ أُخْرَى , وَهِيَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( إِنَّ اللَّه قَدْ أَعْطَى لِكُلِّ ذِي حَقّ حَقّه فَلَا وَصِيَّة لِوَارِثٍ ) . رَوَاهُ أَبُو أُمَامَة , أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح , فَنَسْخ الْآيَة إِنَّمَا كَانَ بِالسُّنَّةِ الثَّابِتَة لَا بِالْإِرْثِ عَلَى الصَّحِيح مِنْ أَقْوَال الْعُلَمَاء , وَلَوْلَا هَذَا الْحَدِيث لَأَمْكَنَ الْجَمْع بَيْن الْآيَتَيْنِ بِأَنْ يَأْخُذُوا الْمَال عَنْ الْمُوَرِّث بِالْوَصِيَّةِ , وَبِالْمِيرَاثِ إِنْ لَمْ يُوصِ , أَوْ مَا بَقِيَ بَعْد الْوَصِيَّة , لَكِنْ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ هَذَا الْحَدِيث وَالْإِجْمَاع , وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو الْفَرَج وَإِنْ كَانَا مَنَعَا مِنْ نَسْخ الْكِتَاب بِالسُّنَّةِ فَالصَّحِيح جَوَازه بِدَلِيلِ أَنَّ الْكُلّ حُكْم اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَمِنْ عِنْده , وَإِنْ اِخْتَلَفَتْ فِي الْأَسْمَاء , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى . وَنَحْنُ وَإِنْ كَانَ هَذَا الْخَبَر بَلَغَنَا آحَادًا لَكِنْ قَدْ اِنْضَمَّ إِلَيْهِ إِجْمَاع الْمُسْلِمِينَ أَنَّهُ لَا تَجُوز وَصِيَّة لِوَارِثٍ , فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ وُجُوب الْوَصِيَّة لِلْأَقْرَبِينَ الْوَارِثِينَ مَنْسُوخ بِالسُّنَّةِ وَأَنَّهَا مُسْتَنَد الْمُجْمِعِينَ , وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن : نُسِخَتْ الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ بِالْفَرْضِ فِي سُورَة " النِّسَاء " وَثَبَتَتْ لِلْأَقْرَبِينَ الَّذِينَ لَا يَرِثُونَ , وَهُوَ مَذْهَب الشَّافِعِيّ وَأَكْثَر الْمَالِكِيِّينَ وَجَمَاعَة مِنْ أَهْل الْعِلْم . وَفِي الْبُخَارِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ الْمَال لِلْوَلَدِ وَكَانَتْ الْوَصِيَّة لِلْوَالِدَيْنِ , فَنُسِخَ مِنْ ذَلِكَ مَا أُحِبّ , فَجُعِلَ لِلذَّكَرِ مِثْل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ , وَجُعِلَ لِلْأَبَوَيْنِ لِكُلِّ وَاحِد مِنْهُمَا السُّدُس , لِلْمَرْأَةِ الثُّمُن وَالرُّبُع , وَالزَّوْج الشَّطْر وَالرُّبُع . وَقَالَ اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس وَابْن زَيْد : الْآيَة مَنْسُوخَة , وَبَقِيَتْ الْوَصِيَّة نَدْبًا , وَنَحْو هَذَا قَوْل مَالِك رَحِمَهُ اللَّه , وَذَكَرَهُ النَّحَّاس عَنْ الشَّعْبِيّ وَالنَّخَعِيّ , وَقَالَ الرَّبِيع بْن خُثَيْم : لَا وَصِيَّة . قَالَ عُرْوَة بْن ثَابِت : قُلْت لِلرَّبِيعِ بْن خُثَيْم أَوْصِ لِي بِمُصْحَفِك , فَنَظَرَ إِلَى وَلَده وَقَرَأَ " وَأُولُوا الْأَرْحَام بَعْضهمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَاب اللَّه " [ الْأَنْفَال : 75 ] , وَنَحْو هَذَا صَنَعَ اِبْن عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . الْعَاشِرَة : " وَالْأَقْرَبِينَ " الْأَقْرَبُونَ جَمْع أَقْرَب . قَالَ قَوْم : الْوَصِيَّة لِلْأَقْرَبِينَ أَوْلَى مِنْ الْأَجَانِب , لِنَصِّ اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِمْ , حَتَّى قَالَ الضَّحَّاك : إِنْ أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَته فَقَدْ خَتَمَ عَمَله بِمَعْصِيَةٍ , وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر أَنَّهُ أَوْصَى لِأُمَّهَاتِ أَوْلَاده لِكُلِّ وَاحِدَة بِأَرْبَعَةِ آلَاف . وَرُوِيَ أَنَّ عَائِشَة وَصَّتْ لِمَوْلَاةٍ لَهَا بِأَثَاثِ الْبَيْت , وَرُوِيَ عَنْ سَالِم بْن عَبْد اللَّه بِمِثْلِ ذَلِكَ , وَقَالَ الْحَسَن : إِنْ أَوْصَى لِغَيْرِ الْأَقْرَبِينَ رُدَّتْ الْوَصِيَّة لِلْأَقْرَبِينَ , فَإِنْ كَانَتْ لِأَجْنَبِيٍّ فَمَعَهُمْ , وَلَا تَجُوز لِغَيْرِهِمْ مَعَ تَرْكهمْ , وَقَالَ النَّاس حِين مَاتَ أَبُو الْعَالِيَة : عَجَبًا لَهُ أَعْتَقَتْهُ اِمْرَأَة مِنْ ريَاح وَأَوْصَى بِمَالِهِ لِبَنِي هَاشِم , وَقَالَ الشَّعْبِيّ : لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَلَا كَرَامَة , وَقَالَ طَاوُس : إِذَا أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَته رُدَّتْ الْوَصِيَّة إِلَى قَرَابَته وَنُقِضَ فِعْله , وَقَالَهُ جَابِر بْن زَيْد , وَقَدْ رُوِيَ مِثْل هَذَا عَنْ الْحَسَن أَيْضًا , وَبِهِ قَالَ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ , وَقَالَ مَالِك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابهمْ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأَحْمَد بْن حَنْبَل : مَنْ أَوْصَى لِغَيْرِ قَرَابَته وَتَرَكَ قَرَابَته مُحْتَاجِينَ فَبِئْسَمَا صَنَعَ وَفِعْله مَعَ ذَلِكَ جَائِز مَاضٍ لِكُلِّ مَنْ أَوْصَى لَهُ مِنْ غَنِيّ وَفَقِير , قَرِيب وَبَعِيد , مُسْلِم وَكَافِر , وَهُوَ مَعْنَى مَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عُمَر وَعَائِشَة , وَهُوَ قَوْل اِبْن عُمَر وَابْن عَبَّاس . قُلْت : الْقَوْل الْأَوَّل أَحْسَن , وَأَمَّا أَبُو الْعَالِيَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ فَلَعَلَّهُ نَظَرَ إِلَى أَنَّ بَنِي هَاشِم أَوْلَى مِنْ مُعْتِقَته لِصُحْبَتِهِ اِبْن عَبَّاس وَتَعْلِيمه إِيَّاهُ وَإِلْحَاقه بِدَرَجَةِ الْعُلَمَاء فِي الدُّنْيَا وَالْأُخْرَى , وَهَذِهِ الْأُبُوَّة وَإِنْ كَانَتْ مَعْنَوِيَّة فَهِيَ الْحَقِيقِيَّة , وَمُعْتِقَته غَايَتهَا أَنْ أَلْحَقَتْهُ بِالْأَحْرَارِ فِي الدُّنْيَا , فَحَسْبهَا ثَوَاب عِتْقهَا , وَاَللَّه أَعْلَم . الْحَادِيَة عَشْرَة : ذَهَبَ الْجُمْهُور مِنْ الْعُلَمَاء إِلَى أَنَّ الْمَرِيض يُحْجَر عَلَيْهِ فِي مَاله , وَشَذَّ أَهْل الظَّاهِر فَقَالُوا : لَا يُحْجَر عَلَيْهِ وَهُوَ كَالصَّحِيحِ , وَالْحَدِيث وَالْمَعْنَى يَرُدُّ عَلَيْهِمْ . قَالَ سَعْد : عَادَنِي رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّة الْوَدَاع مِنْ وَجَع أَشْفَيْت مِنْهُ عَلَى الْمَوْت فَقُلْت يَا رَسُول اللَّه , بَلَغَ بِي مَا تَرَى مِنْ الْوَجَع , وَأَنَا ذُو مَال وَلَا يَرِثنِي إِلَّا بِنْت وَاحِدَة , أَفَأَتَصَدَّق بِثُلُثَيْ مَالِي ؟ قَالَ : ( لَا ) , قُلْت : أَفَأَتَصَدَّق بِشَطْرِهِ ؟ قَالَ : ( لَا , الثُّلُث وَالثُّلُث كَثِير إِنَّك أَنْ تَذَر وَرَثَتك أَغْنِيَاء خَيْر مِنْ أَنْ تَذَرهُمْ عَالَة يَتَكَفَّفُونَ النَّاس ) الْحَدِيث . وَمَنَعَ أَهْل الظَّاهِر أَيْضًا الْوَصِيَّة بِأَكْثَر مِنْ الثُّلُث وَإِنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَة , وَأَجَازَ ذَلِكَ الْكَافَّة إِذَا أَجَازَهَا الْوَرَثَة , وَهُوَ الصَّحِيح ; لِأَنَّ الْمَرِيض إِنَّمَا مُنِعَ مِنْ الْوَصِيَّة بِزِيَادَةٍ عَلَى الثُّلُث لِحَقِّ الْوَارِث , فَإِذَا أَسْقَطَ الْوَرَثَة حَقّهمْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا صَحِيحًا , وَكَانَ كَالْهِبَةِ مِنْ عِنْدهمْ , وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا تَجُوز الْوَصِيَّة لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ يَشَاء الْوَرَثَة ) , وَرُوِيَ عَنْ عَمْرو بْن خَارِجَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا وَصِيَّة لِوَارِثٍ إِلَّا أَنْ تُجِيز الْوَرَثَة ) . الثَّانِيَة عَشْرَة : وَاخْتَلَفُوا فِي رُجُوع الْمُجِيزِينَ لِلْوَصِيَّةِ لِلْوَارِثِ فِي حَيَاة الْمُوصِي بَعْد وَفَاته , فَقَالَتْ طَائِفَة : ذَلِكَ جَائِز عَلَيْهِمْ وَلَيْسَ لَهُمْ الرُّجُوع فِيهِ . هَذَا قَوْل عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَطَاوُس وَالْحَسَن وَابْن سِيرِينَ وَابْن أَبِي لَيْلَى وَالزُّهْرِيّ وَرَبِيعَة وَالْأَوْزَاعِيّ , وَقَالَتْ طَائِفَة : لَهُمْ الرُّجُوع فِي ذَلِكَ إِنْ أَحَبُّوا . هَذَا قَوْل اِبْن مَسْعُود وَشُرَيْح وَالْحَكَم وَطَاوُس وَالثَّوْرِيّ وَالْحَسَن بْن صَالِح وَأَبِي حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَحْمَد وَأَبِي ثَوْر , وَاخْتَارَهُ اِبْن الْمُنْذِر , وَفَرَّقَ مَالِك فَقَالَ : إِذَا أَذِنُوا فِي صِحَّته فَلَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا , وَإِنْ أَذِنُوا لَهُ فِي مَرَضه حِين يُحْجَب عَنْ مَالِه فَذَلِكَ جَائِز عَلَيْهِمْ , وَهُوَ قَوْل إِسْحَاق . اِحْتَجَّ أَهْل الْمَقَالَة الْأُولَى بِأَنَّ الْمَنْع وَقَعَ مِنْ أَجْل الْوَرَثَة , فَإِذَا أَجَازُوهُ جَازَ , وَقَدْ اِتَّفَقُوا أَنَّهُ إِذَا أَوْصَى بِأَكْثَر مِنْ ثُلُثه لِأَجْنَبِيٍّ جَازَ بِإِجَازَتِهِمْ , فَكَذَلِكَ هَاهُنَا , وَاحْتَجَّ أَهْل الْقَوْل الثَّانِي بِأَنَّهُمْ أَجَازُوا شَيْئًا لَمْ يَمْلِكُوهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْت , وَإِنَّمَا يُمْلَكُ الْمَال بَعْد وَفَاته , وَقَدْ يَمُوت الْوَارِث الْمُسْتَأْذِن قَبْله وَلَا يَكُون وَارِثًا وَقَدْ يَرِثهُ غَيْره , فَقَدْ أَجَازَ مَنْ لَا حَقّ لَهُ فِيهِ فَلَا يَلْزَمهُ شَيْء . وَاحْتَجَّ مَالِك بِأَنْ قَالَ : إِنَّ الرَّجُل إِذَا كَانَ صَحِيحًا فَهُوَ أَحَقّ بِمَالِهِ كُلّه يَصْنَع فِيهِ مَا شَاءَ , فَإِذَا أَذِنُوا لَهُ فِي صِحَّته فَقَدْ تَرَكُوا شَيْئًا لَمْ يَجِب لَهُمْ , وَإِذَا أَذِنُوا لَهُ فِي مَرَضه فَقَدْ تَرَكُوا مَا وَجَبَ لَهُمْ مِنْ الْحَقّ , فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا فِيهِ إِذَا كَانَ قَدْ أَنْفَذَهُ لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَ . الثَّالِثَة عَشْرَة : فَإِنْ لَمْ يُنْفِذ الْمَرِيض ذَلِكَ كَانَ لِلْوَارِثِ الرُّجُوع فِيهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَفُتْ بِالتَّنْفِيذِ , قَالَهُ الْأَبْهَرِيّ , وَذَكَرَ اِبْن الْمُنْذِر عَنْ إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ أَنَّ قَوْل مَالِك فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة أَشْبَه بِالسُّنَّةِ مِنْ غَيْره . قَالَ اِبْن الْمُنْذِر : وَاتَّفَقَ قَوْل مَالِك وَالثَّوْرِيّ وَالْكُوفِيِّينَ وَالشَّافِعِيّ وَأَبِي ثَوْر أَنَّهُمْ إِذَا أَجَازُوا ذَلِكَ بَعْد وَفَاته لَزِمَهُمْ . الرَّابِعَة عَشْرَة : وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّجُل يُوصِي لِبَعْضِ وَرَثَته بِمَالٍ , وَيَقُول فِي وَصِيَّته : إِنْ أَجَازَهَا الْوَرَثَة فَهِيَ لَهُ , وَإِنْ لَمْ يُجِيزُوهُ فَهُوَ فِي سَبِيل اللَّه , فَلَمْ يُجِيزُوهُ . فَقَالَ مَالِك : إِنْ لَمْ تُجِزْ الْوَرَثَة ذَلِكَ رُجِعَ إِلَيْهِمْ , وَفِي قَوْل الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَمَعْمَر صَاحِب عَبْد الرَّزَّاق يَمْضِي فِي سَبِيل اللَّه . الْخَامِسَة عَشْرَة : لَا خِلَاف فِي وَصِيَّة الْبَالِغ الْعَاقِل غَيْر الْمَحْجُور عَلَيْهِ , وَاخْتُلِفَ فِي غَيْره , فَقَالَ مَالِك : الْأَمْر الْمُجْمَع عَلَيْهِ عِنْدنَا أَنَّ الضَّعِيف فِي عَقْله وَالسَّفِيه وَالْمُصَاب الَّذِي يُفِيق أَحْيَانًا وَصَايَاهُمْ إِذَا كَانَ مَعَهُمْ مِنْ عُقُولهمْ مَا يَعْرِفُونَ مَا يُوصُونَ بِهِ , وَكَذَلِكَ الصَّبِيّ الصَّغِير إِذَا كَانَ يَعْقِل مَا أَوْصَى بِهِ وَلَمْ يَأْتِ بِمُنْكَرٍ مِنْ الْقَوْل فَوَصِيَّته جَائِزَة مَاضِيَة , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه : لَا تَجُوز وَصِيَّة الصَّبِيّ , وَقَالَ الْمُزَنِيّ : وَهُوَ قِيَاس قَوْل الشَّافِعِيّ , وَلَمْ أَجِد لِلشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ شَيْئًا ذَكَرَهُ وَنَصَّ عَلَيْهِ . وَاخْتَلَفَ أَصْحَابه عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدهمَا كَقَوْلِ مَالِك , وَالثَّانِي كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَة , وَحُجَّتهمْ أَنَّهُ لَا يَجُوز طَلَاقه وَلَا عَتَاقه وَلَا يُقْتَصّ مِنْهُ فِي جِنَايَة وَلَا يُحَدّ فِي قَذْف , فَلَيْسَ كَالْبَالِغِ الْمَحْجُور عَلَيْهِ , فَكَذَلِكَ وَصِيَّته . قَالَ أَبُو عُمَر : قَدْ اِتَّفَقَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّ وَصِيَّة الْبَالِغ الْمَحْجُور عَلَيْهِ جَائِزَة , وَمَعْلُوم أَنَّ مَنْ يَعْقِل مِنْ الصِّبْيَان مَا يُوصِي بِهِ فَحَاله حَال الْمَحْجُور عَلَيْهِ فِي مَاله , وَعِلَّة الْحَجْر تَبْذِير الْمَال وَإِتْلَافه , وَتِلْكَ عِلَّة مُرْتَفِعَة عَنْهُ بِالْمَوْتِ , وَهُوَ بِالْمَحْجُورِ عَلَيْهِ فِي مَاله أَشْبَه مِنْهُ بِالْمَجْنُونِ الَّذِي لَا يَعْقِل , فَوَجَبَ أَنْ تَجُوز وَصِيَّته مَعَ الْأَمْر الَّذِي جَاءَ فِيهِ عَنْ عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , وَقَالَ مَالِك : إِنَّهُ الْأَمْر الْمُجْمَع عَلَيْهِ عِنْدهمْ بِالْمَدِينَةِ , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق . وَقَالَ مُحَمَّد بْن شُرَيْح : مَنْ أَوْصَى مِنْ صَغِير أَوْ كَبِير فَأَصَابَ الْحَقّ فَاَللَّه قَضَاهُ عَلَى لِسَانه لَيْسَ لِلْحَقِّ مِدْفَع . يَعْنِي بِالْعَدْلِ , لَا وَكْس فِيهِ وَلَا شَطَط , وَكَانَ هَذَا مُوكَلًا إِلَى اِجْتِهَاد الْمَيِّت وَنَظَر الْمُوصِي , ثُمَّ تَوَلَّى اللَّه سُبْحَانه تَقْدِير ذَلِكَ عَلَى لِسَان نَبِيّه عَلَيْهِ السَّلَام , فَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( الثُّلُث وَالثُّلُث كَثِير ) , وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِلْعُلَمَاءِ فِي هَذَا , وَقَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ اللَّه تَصَدَّقَ عَلَيْكُمْ بِثُلُثِ أَمْوَالكُمْ عِنْد وَفَاتكُمْ زِيَادَة لَكُمْ فِي حَسَنَاتكُمْ لِيَجْعَلهَا لَكُمْ زَكَاة ) . أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أَبِي أُمَامَة عَنْ مُعَاذ بْن جَبَل عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَالَ الْحَسَن : لَا تَجُوز وَصِيَّة إِلَّا فِي الثُّلُث , وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْبُخَارِيّ وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنهمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّه " [ الْمَائِدَة : 49 ] وَحُكْمُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّ الثُّلُث كَثِير هُوَ الْحُكْم بِمَا أَنْزَلَ اللَّه , فَمَنْ تَجَاوَزَ مَا حَدَّهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَادَ عَلَى الثُّلُث فَقَدْ أَتَى مَا نَهَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ , وَكَانَ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ عَاصِيًا إِذَا كَانَ بِحُكْمِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَالِمًا . وَقَالَ الشَّافِعِيّ : وَقَوْله ( الثُّلُث كَثِير ) يُرِيد أَنَّهُ غَيْر قَلِيل . يَعْنِي : ثَابِتًا ثُبُوت نَظَر وَتَحْصِين , لَا ثُبُوت فَرْض وَوُجُوب بِدَلِيلِ قَوْله : " عَلَى الْمُتَّقِينَ " وَهَذَا يَدُلّ عَلَى كَوْنه نَدْبًا ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَرْضًا لَكَانَ عَلَى جَمِيع الْمُسْلِمِينَ , فَلَمَّا خَصَّ اللَّه مَنْ يَتَّقِي , أَيْ يَخَاف تَقْصِيرًا , دَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْر لَازِم إِلَّا فِيمَا يُتَوَقَّع تَلَفه إِنْ مَاتَ , فَيَلْزَمهُ فَرْضًا الْمُبَادَرَة بِكَتْبِهِ وَالْوَصِيَّة بِهِ ; لِأَنَّهُ إِنْ سَكَتَ عَنْهُ كَانَ تَضْيِيعًا لَهُ وَتَقْصِيرًا مِنْهُ , وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى , وَانْتَصَبَ " حَقًّا " عَلَى الْمَصْدَر الْمُؤَكَّد , وَيَجُوز فِي غَيْر الْقُرْآن " حَقّ " بِمَعْنَى ذَلِكَ حَقّ . قَالَ الْعُلَمَاء : الْمُبَادَرَة بِكَتْبِ الْوَصِيَّة لَيْسَتْ مَأْخُوذَة مِنْ هَذِهِ الْآيَة , وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ حَدِيث اِبْن عُمَر , وَفَائِدَتهَا : الْمُبَالَغَة فِي زِيَادَة الِاسْتِيثَاق وَكَوْنهَا مَكْتُوبَة مَشْهُودًا بِهَا وَهِيَ الْوَصِيَّة الْمُتَّفَق عَلَى الْعَمَل بِهَا , فَلَوْ أَشْهَدَ الْعُدُول وَقَامُوا بِتِلْكَ الشَّهَادَة لَفْظًا لَعُمِلَ بِهَا وَإِنْ لَمْ تُكْتَب خَطًّا , فَلَوْ كَتَبَهَا بِيَدِهِ وَلَمْ يُشْهِد فَلَمْ يَخْتَلِف قَوْل مَالِك أَنَّهُ لَا يُعْمَل بِهَا إِلَّا فِيمَا يَكُون فِيهَا مِنْ إِقْرَار بِحَقٍّ لِمَنْ لَا يُتَّهَم عَلَيْهِ فَيَلْزَمهُ تَنْفِيذه . رَوَى الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ أَنَس بْن مَالِك قَالَ : كَانُوا يَكْتُبُونَ فِي صُدُور وَصَايَاهُمْ ( هَذَا مَا أَوْصَى بِهِ فُلَان بْن فُلَان أَنَّهُ يَشْهَد أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ , وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله , وَأَنَّ السَّاعَة آتِيَة لَا رَيْب فِيهَا , وَأَنَّ اللَّه يَبْعَث مَنْ فِي الْقُبُور , وَأَوْصَى مَنْ تَرَكَ بَعْده مِنْ أَهْله بِتَقْوَى اللَّه حَقّ تُقَاته وَأَنْ يُصْلِحُوا ذَات بَيْنهمْ , وَيُطِيعُوا اللَّه وَرَسُوله إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ , وَأَوْصَاهُمْ بِمَا وَصَّى بِهِ إِبْرَاهِيم بَنِيهِ وَيَعْقُوب : يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّه اِصْطَفَى لَكُمْ الدِّين فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) .

غريب الآية
كُتِبَ عَلَیۡكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ إِن تَرَكَ خَیۡرًا ٱلۡوَصِیَّةُ لِلۡوَ ٰ⁠لِدَیۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِینَ بِٱلۡمَعۡرُوفِۖ حَقًّا عَلَى ٱلۡمُتَّقِینَ ﴿١٨٠﴾
كُتِبَفَرَضَ اللهُ.
بِٱلۡمَعۡرُوفِمن غير عُنفٍ من قِبَلِ وَليِّ المقتولِ.
كُتِبَفَرَضَ اللهُ.
ٱلۡمَوۡتُعلاماتُه ومقدِّماتُه.
خَیۡرًامالاً.
بِٱلۡمَعۡرُوفِۖبالعدلِ.
كُتِبَفَرَضَ اللهُ.
كُتِبَفُرِضَ.
الإعراب
(كُتِبَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(عَلَيْكُمْ)
(عَلَى) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(إِذَا)
ظَرْفُ زَمَانٍ شَرْطِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ.
(حَضَرَ)
فِعْلٌ مَاضٍ فِعْلُ الشَّرْطِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(أَحَدَكُمُ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(الْمَوْتُ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(إِنْ)
حَرْفُ شَرْطٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَرَكَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَزْمٍ فِعْلُ الشَّرْطِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(خَيْرًا)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْوَصِيَّةُ)
نَائِبُ فَاعِلٍ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ لِلْفِعْلِ (كُتِبَ) :.
(لِلْوَالِدَيْنِ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(الْوَالِدَيْنِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ مُثَنًّى.
(وَالْأَقْرَبِينَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْأَقْرَبِينَ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.
(بِالْمَعْرُوفِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(الْمَعْرُوفِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(حَقًّا)
مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(عَلَى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الْمُتَّقِينَ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.