Your browser does not support the audio element.
۞ لَّیۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ وَٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ وَٱلۡكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِیِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَـٰمَىٰ وَٱلۡمَسَـٰكِینَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِیلِ وَٱلسَّاۤىِٕلِینَ وَفِی ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَـٰهَدُوا۟ۖ وَٱلصَّـٰبِرِینَ فِی ٱلۡبَأۡسَاۤءِ وَٱلضَّرَّاۤءِ وَحِینَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ صَدَقُوا۟ۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ﴿١٧٧﴾
التفسير
تفسير السعدي يقول تعالى: " لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ " أي: ليس هذا هو البر المقصود من العباد, فيكون كثرة البحث فيه والجدال, من العناء الذي ليس تحته إلا الشقاق والخلاف.
وهذا نظير قوله صلى الله عليه وسلم " ليس الشديد بالصرعة, إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " ونحو ذلك.
" وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ " أي: بإنه إله واحد, موصوف بكل صفة كمال, منزه عن كل نقص.
" وَالْيَوْمِ الْآخِرِ " وهو كل ما أخبر الله به في كتابه, أو أخبر به الرسول, مما يكون بعد الموت.
" وَالْمَلَائِكَةِ " الذين وصفهم الله لنا في كتابه, ووصفهم رسوله صلى الله عليه وسلم.
" وَالْكِتَابِ " أي: جنس الكتب التي أنزلها الله على رسوله, وأعظمها القرآن, فيؤمن بما تضمنه من الأخبار والأحكام.
" وَالنَّبِيِّينَ " عموما, خصوصا خاتمهم وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم " وَآتَى الْمَالَ " وهو كل ما يتموله الإنسان من مال, قليلا كان أو كثيرا.
أي: أعطى المال " عَلَى حُبِّهِ " أي: حب المال " عَلَى حُبِّهِ " أي: حب المال.
بين به أن المال محبوب للنفوس, فلا يكاد يخرجه العبد.
فمن أخرجه مع حبه له, تقربا إلى الله تعالى, كان هذا برهانا لإيمانه.
ومن إيتاء المال على حبه, أن يتصدق وهو صحيح شحيح, يأمل الغنى, ويخشى الفقر.
وكذلك إذا كانت الصدقة عن قلة, كان أفضل, لأنه في هذه الحال, يحب إمساكه, لما يتوهمه من العدم والفقر.
وكذلك إخراج النفيس من المال, وما يحبه من ماله كما قال تعالى: " لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ " .
فكل هؤلاء ممن آتى المال على حبه.
ثم ذكر المنفق عليهم, وهم أولى الناس ببرك وإحسانك.
من " ذَوِي الْقُرْبَى " الذين تتوجع لمصابهم, وتفرح بسرورهم, الذين يتناصرون ويتعاقلون.
فمن أحسن البر وأوفقه, تعاهد الأقارب بالإحسان المالي والقولي, على حسب قربهم وحاجتهم.
" وَالْيَتَامَى " الذين لا كاسب لهم, وليس لهم قوة يستغنون بها.
وهذا من رحمته تعالى بالعباد, الدالة على أنه تعالى, أرحم بهم من الوالد بولده.
فالله قد أوصى العباد, وفرض عليهم في أموالهم, الإحسان إلى من فقد آباؤهم ليصيروا كمن لم يفقد والديه.
ولأن الجزاء من جنس العمل فمن رحم يتيم غيره, رحمه يتيمه.
" وَالْمَسَاكِينِ " وهم الذين أسكنتهم الحاجة, وأذلهم الفقر فلهم حق على الأغنياء, بما يدفع مسكنتهم أو يخففها, بما يقدرون عليه, وبما يتيسر.
" وَابْنَ السَّبِيلِ " وهو الغريب المنقطع به في غير بلده.
فحث الله عباده على إعطائه من المال, ما يعينه غلى سفره, لكونه مظنة الحاجة, وكثرة المصارف.
فعلى من أنعم الله
عليه بوطنه وراحته, وخوله من نعمته, أن يرحم أخاه الغريب, الذي بهذه الصفة, على حسب استطاعته, ولو بتزويده, أو إعطائه آلة لسفره, أو دفع ما ينوبه من المظالم وغيرها.
" وَالسَّائِلِينَ " أي: الذين تعرض لهم حاجة من الحوائج, توجب السؤال.
كمن ابتلي بأرش جناية, أو ضريبة عليه من ولاة الأمور, أو يسأل الناس لتعمير المصالح العامة, كالمساجد, والمدارس, والقناطر, ونحو ذلك, فهذا له الحق, وإن كان غنيا " وَفِي الرِّقَابِ " فيدخل فيه العتق والإعانة عليه, وبذل مال للمكاتب, ليوفي سيده, وفداء الأسرى عند الكفار, أو عند الظلمة.
" وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ " قد تقدم مرارا, أن الله تعالى يقرن بين الصلاة والزكاة, لكونهما أفضل العبادات, وأكمل القربات, عبادات قلبية, وبدنية, ومالية, وبهما يوزن الإيمان, ويعرف ما مع صاحبه من الإيقاق.
" وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا " والعهد, هو, الالتزام بإلزام الله أو إلزام العبد لنفسه.
فدخل في ذلك حقوق الله كلها, لكون الله ألزم بها عباده والتزموها, ودخلوا تحت عهدتها, ووجب عليهم أداؤها, وحقوق العباد, التي أوجبها الله عليهم, والحقوق التي التزمها العبد كالأيمان والنذور, ونحو ذلك.
" وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ " أي: الفقر, لأن الفقير يحتاج إلى الصبر من وجوه كثيرة, لكونه يحصل له من الآلام القلبية والبدنية المستمرة, ما لا يحصل لغيره.
فإن تنعم الأغنياء, بما لا يقدر عليه, تألم.
وإن جاع, أو جاعت عياله, تألم.
وإن أكل طعاما, غير موافق لهواه, تألم.
وإن عرى, أو كاد, تألم, وإن نظر إلى ما بين يديه وما يتوهمه من المستقبل الذي يستعد له تألم, وإن أصابه البرد الذي لا يقدر على دفعه, تألم.
فكل هذه ونحوها, مصائب, يؤمر بالصبر عليها, والاحتساب, ورجاء الثواب من الله عليها.
" وَالضَّرَّاءِ " أي: المرض على اختلاف أنواعه, من حمى, وقروح, ورياح, ووجع عضو, حتى الضرس والإصبع ونحو ذلك, فإنه يحتاج إلى الصبر على ذلك.
لأن النفس تضعف, والبدن, يألم, وذلك في غاية المشقة على النفوس, خصوصا مع تطاول ذلك, فإنه يؤمر بالصبر, احتسابا لثواب الله تعالى.
" وَحِينَ الْبَأْسِ " أي: وقت القتال للأعداء المأمور بقتالهم, لأن الجلاد, يشق غاية المشقة على النفس, ويجزع الإنسان من القتل, أو الجراح, أو الأسر, فاحتيج إلى الصبر في ذلك, احتسابا, ورجاء لثواب الله تعالى, الذي منه النصر والمعونة, التي وعدها الصابرين.
" أُولَئِكَ " أي: المتصفون بما ذكر, من العقائد الحسنة, والأعمال التي هي آثار الإيمان, وبرهانه ونوره, والأخلاق التي هي جمال الإنسان وحقيقة الإنسانية.
فأولئك " الَّذِينَ صَدَقُوا " في إيمانهم, لأن أعمالهم صدقت إيمانهم.
" وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ " لأنهم تركوا المحظور, وفعلوا المأمور.
لأن هذه الأمور مشتملة على كل خصال الخير, تضمنا ولزوما, لأن الوفاء بالعهد, يدخل فيه الدين كله.
ومن قام بها, كان بما سواها أقوم, فهؤلاء الأبرار الصادقون المتقون.
وقد علم ما رتب الله على هذه الأمور الثلاثة, من الثواب الدنيوي والأخروي, مما لا يمكن تفصيله في مثل هذا الموضع.
التفسير الميسر ليس الخير عند الله- تعالى- في التوجه في الصلاة إلى جهة المشرق والمغرب إن لم يكن عن أمر الله وشرعه، وإنما الخير كل الخير هو إيمان من آمن بالله وصدَّق به معبودًا وحدَه لا شريك له، وآمن بيوم البعث والجزاء، وبالملائكة جميعًا، وبالكتب المنزلة كافة، وبجميع النبيين من غير تفريق، وأعطى المال تطوُّعًا -مع شدة حبه- ذوي القربى، واليتامى المحتاجين الذين مات آباؤهم وهم دون سن البلوغ، والمساكين الذين أرهقهم الفقر، والمسافرين المحتاجين الذين بَعُدوا عن أهلهم ومالهم، والسائلين الذين اضطروا إلى السؤال لشدة حاجتهم، وأنفق في تحرير الرقيق والأسرى، وأقام الصلاة، وأدى الزكاة المفروضة، والذين يوفون بالعهود، ومن صبر في حال فقره ومرضه، وفي شدة القتال. أولئك المتصفون بهذه الصفات هم الذين صدقوا في إيمانهم، وأولئك هم الذين اتقَوا عقاب الله فتجنبوا معاصيه.
تفسير الجلالين "لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهكُمْ" فِي الصَّلَاة "قِبَل الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب" نَزَلَ رَدًّا عَلَى الْيَهُود وَالنَّصَارَى حَيْثُ زَعَمُوا ذَلِكَ "وَلَكِنَّ الْبِرّ" أَيْ ذَا الْبِرّ وَقُرِئَ بِفَتْحِ الْبَاء أَيْ الْبَارّ "مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر وَالْمَلَائِكَة وَالْكِتَاب" أَيْ الْكُتُب "وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَال عَلَى" مَعَ "حُبّه" لَهُ "ذَوِي الْقُرْبَى" الْقَرَابَة "وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل" الْمُسَافِر "وَالسَّائِلِينَ" الطَّالِبِينَ "وَفِي" فَكّ "الرِّقَاب" الْمُكَاتَبِينَ وَالْأَسْرَى "وَأَقَامَ الصَّلَاة وَآتَى الزَّكَاة" الْمَفْرُوضَة وَمَا قَبْله فِي التَّطَوُّع "وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا" اللَّه أَوْ النَّاس "وَالصَّابِرِينَ" نُصِبَ عَلَى الْمَدْح "فِي الْبَأْسَاء" شِدَّة الْفَقْر "وَالضَّرَّاء" الْمَرَض "وَحِين الْبَأْس" وَقْت شِدَّة الْقِتَال فِي سَبِيل اللَّه "أُولَئِكَ" الْمَوْصُوفُونَ بِمَا ذُكِرَ "الَّذِينَ صَدَقُوا" فِي إيمَانهمْ أَوْ ادِّعَاء الْبِرّ "وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ" اللَّه
تفسير ابن كثير اِشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة عَلَى جُمَلٍ عَظِيمَةٍ وَقَوَاعِدَ عَمِيمَةٍ وَعَقِيدَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ كَمَا قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا عُبَيْد بْن هِشَام الْحَلَبِيّ حَدَّثَنَا عُبَيْد اللَّه بْن عَمْرو عَنْ عَامِر بْن شُفَيّ عَنْ عَبْد الْكَرِيم عَنْ مُجَاهِد عَنْ أَبِي ذَرّ أَنَّهُ سَأَلَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا الْإِيمَانُ ؟ فَتَلَا عَلَيْهِ " لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ " إِلَى آخِر الْآيَة قَالَ : ثُمَّ سَأَلَهُ أَيْضًا فَتَلَاهَا عَلَيْهِ ثُمَّ سَأَلَهُ فَقَالَ : " إِذَا عَمِلْت حَسَنَة أَحَبَّهَا قَلْبك وَإِذَا عَمِلْت سَيِّئَة أَبْغَضَهَا قَلْبك " وَهَذَا مُنْقَطِع فَإِنَّ مُجَاهِدًا لَمْ يُدْرِك أَبَا ذَرّ فَإِنَّهُ مَاتَ قَدِيمًا وَقَالَ الْمَسْعُودِيّ : حَدَّثَنَا الْقَاسِم بْن عَبْد الرَّحْمَن قَالَ جَاءَ رَجُل إِلَى أَبِي ذَرّ فَقَالَ مَا الْإِيمَان ؟ فَقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَة " لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ " حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا فَقَالَ الرَّجُل لَيْسَ عَنْ الْبِرّ سَأَلْتُك فَقَالَ أَبُو ذَرّ : جَاءَ رَجُل إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَمَّا سَأَلْتنِي عَنْهُ فَقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَة فَأَبَى أَنْ يَرْضَى كَمَا أَبَيْت أَنْ تَرْضَى فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَشَارَ بِيَدِهِ " الْمُؤْمِنُ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً سَرَّتْهُ وَرَجَا ثَوَابَهَا وَإِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً أَحْزَنَتْهُ وَخَافَ عِقَابَهَا" رَوَاهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ وَهَذَا أَيْضًا مُنْقَطِع وَاَللَّه أَعْلَم. وَأَمَّا الْكَلَام عَلَى تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة فَإِنَّ اللَّه تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ أَوَّلًا بِالتَّوَجُّهِ إِلَى بَيْت الْمَقْدِس ثُمَّ حَوَّلَهُمْ إِلَى الْكَعْبَة شَقَّ ذَلِكَ عَلَى نُفُوس طَائِفَة مِنْ أَهْل الْكِتَاب وَبَعْض الْمُسْلِمِينَ فَأَنْزَلَ اللَّه تَعَالَى بَيَان حِكْمَته فِي ذَلِكَ وَهُوَ أَنَّ الْمُرَاد إِنَّمَا هُوَ طَاعَة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَامْتِثَال أَوَامِره وَالتَّوَجُّه حَيْثُمَا وَجَّهَ وَاتِّبَاع مَا شَرَعَ فَهَذَا هُوَ الْبِرّ وَالتَّقْوَى وَالْإِيمَان الْكَامِل وَلَيْسَ فِي لُزُوم التَّوَجُّه إِلَى جِهَة مِنْ الْمَشْرِق أَوْ الْمَغْرِب بِرّ وَلَا طَاعَة إِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ أَمْر اللَّه وَشَرْعه وَلِهَذَا قَالَ " لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهكُمْ قِبَل الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب وَلَكِنَّ الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر " الْآيَة كَمَا قَالَ فِي الْأَضَاحِيّ وَالْهَدَايَا لَنْ يَنَال اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ " وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي هَذِهِ الْآيَة لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُصَلُّوا وَلَا تَعْمَلُوا فَهَذَا حِين تَحَوَّلَ مِنْ مَكَّة إِلَى الْمَدِينَة وَنَزَلَتْ الْفَرَائِض وَالْحُدُود فَأَمَرَ اللَّه بِالْفَرَائِضِ وَالْعَمَل بِهَا وَرُوِيَ عَنْ الضَّحَّاك وَمُقَاتِل نَحْو ذَلِكَ وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَة : كَانَتْ الْيَهُود تُقْبَل قِبَل الْمَغْرِب وَكَانَتْ النَّصَارَى تُقْبَل قِبَل الْمَشْرِق فَقَالَ اللَّه تَعَالَى " لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهكُمْ قِبَل الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب " يَقُول هَذَا كَلَام الْإِيمَان وَحَقِيقَته الْعَمَل وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَن وَالرَّبِيع بْن أَنَس مِثْله . وَقَالَ مُجَاهِد : وَلَكِنَّ الْبِرّ مَا ثَبَتَ فِي الْقُلُوب مِنْ طَاعَة اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَقَالَ الضَّحَّاك : وَلَكِنَّ الْبِرّ وَالتَّقْوَى أَنْ تُؤَدُّوا الْفَرَائِض عَلَى وُجُوههَا وَقَالَ الثَّوْرِيّ : " وَلَكِنَّ الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ" الْآيَة قَالَ هَذِهِ أَنْوَاع الْبِرّ كُلّهَا وَصَدَقَ رَحِمَهُ اللَّه فَإِنَّ مَنْ اِتَّصَفَ بِهَذِهِ الْآيَة فَقَدْ دَخَلَ فِي عُرَى الْإِسْلَام كُلّهَا وَأَخَذَ بِمَجَامِع الْخَيْر كُلّه وَهُوَ الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَأَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَصَدَّقَ بِوُجُودِ الْمَلَائِكَة الَّذِينَ هُمْ سَفَرَة بَيْن اللَّه وَرُسُله " وَالْكِتَاب " وَهُوَ اِسْم جِنْس يَشْمَل الْكُتُب الْمُنَزَّلَة مِنْ السَّمَاء عَلَى الْأَنْبِيَاء حَتَّى خُتِمَتْ بِأَشْرَفِهَا وَهُوَ الْقُرْآن الْمُهَيْمِن عَلَى مَا قَبْله مِنْ الْكُتُب الَّذِي اِنْتَهَى إِلَيْهِ كُلّ خَيْر وَاشْتَمَلَ عَلَى كُلّ سَعَادَة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَنُسِخَ بِهِ كُلّ مَا سِوَاهُ مِنْ الْكُتُب قَبْله وَآمَنَ بِأَنْبِيَاءِ اللَّه كُلّهمْ مِنْ أَوَّلهمْ إِلَى خَاتَمهمْ مُحَمَّد صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ وَقَوْله " وَآتَى الْمَال عَلَى حُبّه " أَيْ أَخْرَجَهُ وَهُوَ مُحِبّ لَهُ رَاغِب فِيهِ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ اِبْن مَسْعُود وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَغَيْرهمَا مِنْ السَّلَف وَالْخَلَف كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا " أَفْضَل الصَّدَقَة أَنْ تَصَّدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَأْمَلُ الْغِنَى وَتَخْشَى الْفَقْرَ " . وَقَدْ رَوَى الْحَاكِم فِي مُسْتَدْرَكه مِنْ حَدِيث شُعْبَة وَالثَّوْرِيّ عَنْ مَنْصُور عَنْ زُبَيْد عَنْ مُرَّة عَنْ اِبْن مَسْعُود قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَآتَى الْمَال عَلَى حُبّه أَنْ تُعْطِيه وَأَنْتَ صَحِيحٌ تَأْمَلُ الْعَيْش وَتَخْشَى الْفَقْر " ثُمَّ قَالَ صَحِيح عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . " قُلْت" وَقَدْ رَوَاهُ وَكِيع عَنْ الْأَعْمَش وَسُفْيَان عَنْ زُبَيْد عَنْ مُرَّة عَنْ اِبْن مَسْعُود مَوْقُوفًا وَهُوَ أَصَحُّ وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَالَ تَعَالَى " وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شَكُورًا " وَقَالَ تَعَالَى " لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ " وَقَوْله " وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ " نَمَطٌ آخَرُ أَرْفَعُ مِنْ هَذَا وَهُوَ أَنَّهُمْ آثَرَوْا بِمَا هُمْ مُضْطَرُّونَ إِلَيْهِ وَهَؤُلَاءِ أَعْطَوْا وَأَطْعَمُوا مَا هُمْ مُحِبُّونَ لَهُ وَقَوْله" ذَوِي الْقُرْبَى " وَهُمْ قَرَابَات الرَّجُل وَهُمْ أَوْلَى مَنْ أَعْطَى مِنْ الصَّدَقَة كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيث " الصَّدَقَةُ عَلَى الْمَسَاكِينِ صَدَقَةٌ وَعَلَى ذَوِي الرَّحِم ثِنْتَانِ صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ فَهُمْ أَوْلَى النَّاس بِك بِبِرِّك وَإِعْطَائِك " وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ فِي غَيْر مَوْضِع مِنْ كِتَابه الْعَزِيز " وَالْيَتَامَى " هُمْ الَّذِينَ لَا كَاسِبَ لَهُمْ وَقَدْ مَاتَ آبَاؤُهُمْ وَهُمْ ضُعَفَاء صِغَار دُون الْبُلُوغ وَالْقُدْرَة عَلَى التَّكَسُّب وَقَدْ قَالَ : عَبْد الرَّزَّاق أَنْبَأَنَا مَعْمَر عَنْ جُوَيْبِر عَنْ الضَّحَّاك عَنْ النَّزَّال بْن سَبْرَة عَنْ عَلِيّ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَا يُتْمَ بَعْد حُلُمٍ " " وَالْمَسَاكِين " وَهُمْ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يَكْفِيهِمْ فِي قُوتهمْ وَكِسْوَتهمْ وَسُكْنَاهُمْ فَيُعْطَوْنَ مَا تُسَدُّ بِهِ حَاجَتُهُمْ وَخَلَّتهمْ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَيْسَ الْمِسْكِين بِهَذَا الطَّوَّاف الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَاللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَلَكِنَّ الْمِسْكِين الَّذِي لَا يَجِد غِنًى يُغْنِيه وَلَا يُفْطَن لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ " " وَابْن السَّبِيل " وَهُوَ الْمُسَافِر الْمُجْتَاز الَّذِي قَدْ فَرَغَتْ نَفَقَتُهُ فَيُعْطَى مَا يُوَصِّلُهُ إِلَى بَلَدِهِ وَكَذَا الَّذِي يُرِيد سَفَرًا فِي طَاعَة فَيُعْطَى مَا يَكْفِيه فِي ذَهَابه وَإِيَابه وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الضَّيْف كَمَا قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّهُ قَالَ : اِبْن السَّبِيل هُوَ الضَّيْفُ الَّذِي يَنْزِل بِالْمُسْلِمِينَ وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَأَبُو جَعْفَر الْبَاقِر وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَالضَّحَّاك وَالزُّهْرِيّ وَالرَّبِيع بْن أَنَس وَمُقَاتِل بْن حَيَّان" وَالسَّائِلِينَ " وَهُمْ الَّذِينَ يَتَعَرَّضُونَ لِلطَّلَبِ فَيُعْطَوْنَ مِنْ الزَّكَوَات وَالصَّدَقَات كَمَا قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا وَكِيع وَعَبْد الرَّحْمَن قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَان عَمّ مُصْعَب بْن مُحَمَّد عَنْ يَعْلَى بْن أَبِي يَحْيَى عَنْ فَاطِمَة بِنْت الْحُسَيْن عَنْ أَبِيهَا - قَالَ عَبْد الرَّحْمَن حُسَيْن بْن عَلِيّ - قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ " رَوَاهُ أَبُو دَاوُد " وَفِي الرِّقَاب" وَهُمْ الْمُكَاتَبُونَ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُؤَدُّونَهُ فِي كِتَابَتهمْ وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ فِي آيَة الصَّدَقَات مِنْ بَرَاءَة إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَقَدْ قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن عَبْد الْحَمِيد حَدَّثَنَا شَرِيك عَنْ أَبِي حَمْزَة عَنْ الشَّعْبِيّ حَدَّثَتْنِي فَاطِمَة بِنْت قَيْس أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفِي الْمَال حَقٌّ سِوَى الزَّكَاة ؟ قَالَتْ فَتَلَا عَلَيَّ " وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ " . وَرَوَاهُ اِبْن مَرْدَوَيْهِ مِنْ حَدِيث آدَم بْن إِيَاس وَيَحْيَى بْن عَبْد الْحَمِيد كِلَاهُمَا عَنْ شَرِيك عَنْ أَبِي حَمْزَة عَنْ الشَّعْبِيّ عَنْ فَاطِمَة بِنْت قَيْس قَالَتْ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ " ثُمَّ قَرَأَ لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَل الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب - إِلَى قَوْله - وَفِي الرِّقَاب " وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيّ وَضَعَّفَ أَبَا حَمْزَة مَيْمُونًا الْأَعْوَر وَقَدْ رَوَاهُ سَيَّار لِإِسْمَاعِيل بْن سَالِم عَنْ الشَّعْبِيّ وَقَوْله وَأَقَامَ الصَّلَاة أَيْ وَأَتَمَّ أَفْعَال الصَّلَاة فِي أَوْقَاتهَا بِرُكُوعِهَا وَسُجُودهَا وَطُمَأْنِينَتهَا وَخُشُوعهَا عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ الْمَرْضِيِّ وَقَوْله " آتَى الزَّكَاة " يَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد بِهِ زَكَاة النَّفْس وَتَخْلِيصهَا مِنْ الْأَخْلَاق الدَّنِيئَة الرَّذِيلَة كَقَوْلِهِ " قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا " وَقَوْل مُوسَى لِفِرْعَوْن : " هَلْ لَك إِلَى أَنْ تَزَكَّى وَأَهْدِيَك إِلَى رَبِّك فَتَخْشَى" وَقَوْله تَعَالَى " وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ " وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الْمُرَاد زَكَاة الْمَال كَمَا قَالَهُ سَعِيد بْن جُبَيْر وَمُقَاتِل بْن حَيَّان وَيَكُون الْمَذْكُور مِنْ إِعْطَاء هَذِهِ الْجِهَات وَالْأَصْنَاف الْمَذْكُورِينَ إِنَّمَا هُوَ التَّطَوُّع وَالْبِرّ وَالصِّلَة وَلِهَذَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيث عَنْ فَاطِمَة بِنْت قَيْس " أَنَّ فِي الْمَال حَقًّا سِوَى الزَّكَاة" وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَوْله " وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا " كَقَوْلِهِ " الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّه وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاق " وَعَكْس هَذِهِ الصِّفَة النِّفَاق كَمَا صَحَّ الْحَدِيث " آيَةُ الْمُنَافِق ثَلَاث إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اُؤْتُمِنَ خَانَ " وَفِي الْحَدِيث الْآخَر" إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ" وَقَوْله " وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَحِين الْبَأْس أَيْ فِي حَال الْفَقْر وَهُوَ الْبَأْسَاء وَفِي حَال الْمَرَض وَالْأَسْقَام وَهُوَ الضَّرَّاء " وَحِين الْبَأْس " أَيْ فِي حَال الْقِتَال وَالْتِقَاء الْأَعْدَاء قَالَهُ اِبْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَأَبُو الْعَالِيَة وَمُرَّة الْهَمْدَانِيّ وَمُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَالرَّبِيع بْن أَنَس وَالسُّدِّيّ وَمُقَاتِل بْن حَيَّان وَأَبُو مَالِك وَالضَّحَّاك وَغَيْرهمْ وَإِنَّمَا نَصَبَ الصَّابِرِينَ عَلَى الْمَدْح وَالْحَثّ عَلَى الصَّبْر فِي هَذِهِ الْأَحْوَال لِشِدَّتِهِ وَصُعُوبَته وَاَللَّه أَعْلَم وَهُوَ الْمُسْتَعَان وَعَلَيْهِ التُّكْلَان : وَقَوْله " أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا " أَيْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اِتَّصَفُوا بِهَذِهِ الصِّفَات هُمْ الَّذِينَ صَدَقُوا فِي إِيمَانهمْ لِأَنَّهُمْ حَقَّقُوا الْإِيمَان الْقَلْبِيّ بِالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَال فَهَؤُلَاءِ هُمْ الَّذِينَ صَدَقُوا " وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ" لِأَنَّهُمْ اِتَّقُوا الْمَحَارِم وَفَعَلُوا الطَّاعَات .
تفسير الطبري الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهكُمْ قِبَل الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب وَلَكِنَّ الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر وَالْمَلَائِكَة وَالْكِتَاب وَالنَّبِيِّينَ } اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي تَأْوِيل قَوْله ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَى ذَلِكَ : لَيْسَ الْبِرّ الصَّلَاة وَحْدهَا , وَلَكِنَّ الْبِرّ الْخِصَال الَّتِي أُبَيِّنهَا لَكُمْ . 2077 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , قَالَ : حَدَّثَنِي عَمِّي , قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ ابْن عَبَّاس قَوْله : { لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهكُمْ قِبَل الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب } يَعْنِي الصَّلَاة . يَقُول : لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُصَلُّوا وَلَا تَعْمَلُوا , فَهَذَا مُنْذُ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَّة إلَى الْمَدِينَة , وَنَزَلَتْ الْفَرَائِض , وَحَدّ الْحُدُود , فَأَمَرَ اللَّه بِالْفَرَائِضِ وَالْعَمَل بِهَا . 2078 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهكُمْ قِبَل الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب وَلَكِنَّ الْبِرّ } مَا ثَبَتَ فِي الْقُلُوب مِنْ طَاعَة اللَّه . * - حَدَّثَنِي الْقَاسِم , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 2079 - حَدَّثَنِي الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ ابْن عَبَّاس , قَالَ : هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ : { لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهكُمْ قِبَل الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب } يَعْنِي الصَّلَاة , يَقُول : لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُصَلُّوا وَلَا تَعْمَلُوا غَيْر ذَلِكَ . قَالَ ابْن جُرَيْجٍ وَقَالَ مُجَاهِد : { لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهكُمْ قِبَل الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب } يَعْنِي السُّجُود ; { وَلَكِنَّ الْبِرّ } مَا ثَبَتَ فِي الْقَلْب مِنْ طَاعَة اللَّه . 2080 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَبُو تُمَيْلَةَ , عَنْ عُبَيْد بْن سُلَيْمَان , عَنْ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم أَنَّهُ قَالَ فِيهَا , قَالَ يَقُول : لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُصَلُّوا وَلَا تَعْمَلُوا غَيْر ذَلِكَ . وَهَذَا حِين تَحَوَّلَ مِنْ مَكَّة إلَى الْمَدِينَة , فَأَنْزَلَ اللَّه الْفَرَائِض وَحَدّ الْحُدُود بِالْمَدِينَةِ وَأَمَرَ بِالْفَرَائِضِ أَنْ يُؤْخَذ
بِهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى اللَّه بِذَلِكَ الْيَهُود وَالنَّصَارَى , وَذَلِكَ أَنَّ الْيَهُود تُصَلِّي فَتَوَجَّهَ قِبَل الْمَغْرِب , وَالنَّصَارَى تُصَلِّي فَتَوَجَّهَ قِبَل الْمَشْرِق , فَأَنْزَلَ اللَّه فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَة يُخْبِرهُمْ فِيهَا أَنَّ الْبِرّ غَيْر الْعَمَل الَّذِي يَعْمَلُونَهُ وَلَكِنَّهُ مَا بَيَّنَّاهُ فِي هَذِهِ الْآيَة ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2081 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر عَنْ قَتَادَة , قَالَ : كَانَتْ الْيَهُود تُصَلِّي قِبَل الْمَغْرِب , وَالنَّصَارَى تُصَلِّي قِبَل الْمَشْرِق فَنَزَلَتْ : { لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهكُمْ قِبَل الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب } . 2082 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد بْن زُرَيْعٍ , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهكُمْ قِبَل الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب وَلَكِنَّ الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر } ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبِرّ , فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة , وَذَكَرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا الرَّجُل فَتَلَاهَا عَلَيْهِ . وَقَدْ كَانَ الرَّجُل قَبْل الْفَرَائِض إذَا شَهِدَ أَنْ لَا إلَه إلَّا اللَّه وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ يُرْجَى لَهُ وَيَطْمَع لَهُ فِي خَيْر ; فَأَنْزَلَ اللَّه : { لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهكُمْ قِبَل الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب } وَكَانَتْ الْيَهُود تَوَجَّهَتْ قِبَل الْمَغْرِب , وَالنَّصَارَى قِبَل الْمَشْرِق ; { وَلَكِنَّ الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر } الْآيَة . 2083 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس قَالَ : كَانَتْ الْيَهُود تُصَلِّي قِبَل الْمَغْرِب , وَالنَّصَارَى قِبَل الْمَشْرِق , فَنَزَلَتْ : { لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهكُمْ قِبَل الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب } . وَأَوْلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَة الْقَوْل الَّذِي قَالَهُ قَتَادَة وَالرَّبِيع بْن أَنَس أَنْ يَكُون عَنَى بِقَوْلِهِ : { لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهكُمْ قِبَل الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب } الْيَهُود وَالنَّصَارَى , لِأَنَّ الْآيَات قَبْلهَا مَضَتْ بِتَوْبِيخِهِمْ وَلَوْمهمْ وَالْخَبَر عَنْهُمْ وَعَمَّا أُعِدَّ لَهُمْ مِنْ أَلِيم الْعَذَاب , وَهَذَا فِي سِيَاق مَا قَبْلهَا , إذْ كَانَ الْأَمْر كَذَلِكَ , لَيْسَ الْبِرّ أَيّهَا الْيَهُود وَالنَّصَارَى أَنْ يُوَلِّي بَعْضكُمْ وَجْهه قِبَل الْمَشْرِق وَبَعْضكُمْ قِبَل الْمَغْرِب , { وَلَكِنَّ الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر وَالْمَلَائِكَة وَالْكِتَاب } الْآيَة . فَإِنْ قَالَ قَائِل : فَكَيْف قِيلَ : { وَلَكِنَّ الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ } وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْبِرّ فِعْل , و " مِنْ " اسْم , فَكَيْف يَكُون الْفِعْل هُوَ الْإِنْسَان ؟ قِيلَ : إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ غَيْر مَا تَوَهَّمْته , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : وَلَكِنَّ الْبِرّ كَمَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر , فَوَضَعَ " مِنْ " مَوْضِع الْفِعْل اكْتِفَاء بِدَلَالَتِهِ وَدَلَالَة صِلَته الَّتِي هِيَ لَهُ صِفَة مِنْ الْفِعْل الْمَحْذُوف كَمَا تَفْعَلهُ الْعَرَب فَتَضَع الْأَسْمَاء مَوَاضِع أَفْعَالهَا الَّتِي هِيَ بِهَا مَشْهُورَة , فَتَقُول : " الْجُود حَاتِم وَالشَّجَاعَة عَنْتَرَة " و " إنَّمَا الْجُود حَاتِم , وَالشَّجَاعَة عَنْتَرَة " , وَمَعْنَاهَا : الْجُود جُود حَاتِم فَتَسْتَغْنِي بِذِكْرِ حَاتِم إذْ كَانَ مَعْرُوفًا بِالْجُودِ مِنْ إعَادَة ذِكْر الْجُود بَعْد الَّذِي قَدْ ذَكَرْته فَتَضَعهُ مَوْضِع جُوده لِدَلَالَةِ الْكَلَام عَلَى مَا حَذَفْته اسْتِغْنَاء بِمَا ذَكَرْته عَمَّا لَمْ تَذْكُرهُ , كَمَا قِيلَ : { وَاسْأَلْ الْقَرْيَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا } 12 82 وَالْمَعْنَى : أَهْل الْقَرْيَة , وَكَمَا قَالَ الشَّاعِر , وَهُوَ ذُو الْخِرَق الطَّهْوِيّ : حَسِبْت بُغَام رَاحِلَتِي عَنَاقًا وَمَا هِيَ وَيْب غَيْرك بِالْعَنَاقِ يُرِيد بُغَام عَنَاق أَوْ صَوْت [ عَنَاق ] كَمَا يُقَال : حَسِبْت صِيَاحِي أَخَاك , يَعْنِي بِهِ حَسِبْت صِيَاحِي صِيَاح أَخِيك . وَقَدْ يَجُوز أَنْ يَكُون مَعْنَى الْكَلَام : وَلَكِنَّ الْبَارّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ , فَيَكُون الْبِرّ مَصْدَرًا وُضِعَ مَوْضِع الِاسْم .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَآتَى الْمَال عَلَى حُبّه ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَاب } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَآتَى الْمَال عَلَى حُبّه } وَأَعْطَى مَاله فِي حِين مَحَبَّته إيَّاهُ وَضَنّه بِهِ وَشُحّه عَلَيْهِ . كَمَا : 2084 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَأَبُو السَّائِب , قَالَا : ثنا ابْن إدْرِيس , قَالَ : سَمِعْت لَيْثًا , عَنْ زُبَيْد , عَنْ مُرَّة بْن شُرَاحِيلَ الْبُكَيْلِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : { وَآتَى الْمَال عَلَى حُبّه } أَيْ يُؤْتِيه وَهُوَ صَحِيح شَحِيح يَأْمُل الْعَيْش وَيَخْشَى الْفَقْر . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّحْمَن وَحَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَا جَمِيعًا , عَنْ سُفْيَان , عَنْ زُبَيْد الْيَامِيّ , عَنْ مُرَّة , عَنْ عَبْد اللَّه : {
وَآتَى الْمَال عَلَى حُبّه } قَالَ : وَأَنْت صَحِيح تَأْمُل الْعَيْش وَتَخْشَى الْفَقْر . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن جَعْفَر , قَالَ : ثنا شُعْبَة , عَنْ زُبَيْد الْيَامِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَآتَى الْمَال عَلَى حُبّه } قَالَ : وَأَنْت حَرِيص شَحِيح تَأْمُل الْغِنَى وَتَخْشَى الْفَقْر . * - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن نِعْمَة الْمِصْرِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثنا اللَّيْث , قَالَ : ثنا إبْرَاهِيم بْن أَعْيُن , عَنْ شُعْبَة بْن الْحَجَّاج , عَنْ زُبَيْد الْيَامِيّ , عَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , قَالَ : قَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود فِي قَوْل اللَّه : { وَآتَى الْمَال عَلَى حُبّه } ذَوِي الْقُرْبَى , قَالَ : حَرِيصًا شَحِيحًا يَأْمُل الْغِنَى وَيَخْشَى الْفَقْر . 2085 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب وَيَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم قَالَا : ثنا هُشَيْم , قَالَ : أَخْبَرَنَا إسْمَاعِيل بْن سَالِم , عَنْ الشَّعْبِيّ سَمِعْته يَسْأَل : هَلْ عَلَى الرَّجُل حَقّ فِي مَاله سِوَى الزَّكَاة ؟ قَالَ : نَعَمْ , وَتَلَا هَذِهِ الْآيَة : { وَآتَى الْمَال عَلَى حُبّه ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَاب وَأَقَامَ الصَّلَاة وَآتَى الزَّكَاة } . 2086 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن عَمْرو الْكَلْبِيّ , قَالَ : ثنا حَمَّاد بْن سَلَمَة , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو حَمْزَة قَالَ : قُلْت لِلشَّعْبِيِّ : إذَا زَكَّى الرَّجُل مَاله أَيَطِيبُ لَهُ مَاله ؟ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَة : { لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهكُمْ قِبَل الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب } إلَى { وَآتَى الْمَال عَلَى حُبّه } إلَى آخِرهَا . ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَتْنِي فَاطِمَة بِنْت قَيْس أَنَّهَا قَالَتْ : يَا رَسُول اللَّه إنَّ لِي سَبْعِينَ مِثْقَالًا مِنْ ذَهَب , فَقَالَ : " اجْعَلِيهَا فِي قَرَابَتك " . 2087 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن آدَم , عَنْ شَرِيك , قَالَ : ثنا أَبُو حَمْزَة فِيمَا أَعْلَم عَنْ عَامِر , عَنْ فَاطِمَة بِنْت قَيْس أَنَّهَا سَمِعَتْهُ يَقُول : إنَّ فِي الْمَال لَحَقًّا سِوَى الزَّكَاة . 2088 - حَدَّثَنِي يَعْقُوب بْن إبْرَاهِيم , قَالَ : ثنا ابْن عُلَيَّة , عَنْ أَبِي حَيَّان , قَالَ : حَدَّثَنِي مُزَاحِم بْن زُفَر , قَالَ : كُنْت جَالِسًا عِنْد عَطَاء , فَأَتَاهُ أَعْرَابِيّ فَقَالَ لَهُ : إنَّ لِي إبِلًا فَهَلْ عَلَيَّ فِيهَا حَقّ بَعْد الصَّدَقَة ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : مَاذَا ؟ قَالَ : عَارِيَة الذَّلُول , وَطُرُوق الْفَحْل , وَالْحَلْب . * - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُونَ , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , ذَكَرَهُ عَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ فِي : { وَآتَى الْمَال عَلَى حُبّه } قَالَ : قَالَ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود : تُعْطِيه وَأَنْت صَحِيح شَحِيح تُطِيل الْأَمَل وَتَخَاف الْفَقْر . وَذَكَرَ أَيْضًا عَنْ السُّدِّيّ أَنَّ هَذَا شَيْء وَاجِب فِي الْمَال حَقّ عَلَى صَاحِب الْمَال أَنْ يَفْعَلهُ سِوَى الَّذِي عَلَيْهِ مِنْ الزَّكَاة . 2089 - حَدَّثَنَا الرَّبِيع بْن سُلَيْمَان , قَالَ : ثنا أَسَد , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن عَبْد اللَّه , عَنْ أَبِي حَمْزَة , عَنْ عَامِر , عَنْ فَاطِمَة بِنْت قَيْس , عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " فِي الْمَال حَقّ سِوَى الزَّكَاة " وَتَلَا هَذِهِ الْآيَة : { لَيْسَ الْبِرّ } إلَى آخِر الْآيَة * - حَدَّثَنَا ابْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ زُبَيْد الْيَامِيّ , عَنْ مُرَّة بْن شُرَاحِيلَ , عَنْ عَبْد اللَّه فِي قَوْله : { وَآتَى الْمَال عَلَى حُبّه } قَالَ : أَنْ يُعْطِي الرَّجُل وَهُوَ صَحِيح شَحِيح بِهِ يَأْمُل الْعَيْش وَيَخَاف الْفَقْر . فَتَأْوِيل الْآيَة : وَأَعْطَى الْمَال - وَهُوَ لَهُ مُحِبّ حَرِيص عَلَى جَمْعه , شَحِيح بِهِ - ذَوِي قَرَابَته فَوَصَلَ بِهِ أَرْحَامهمْ . وَإِنَّمَا قُلْت : عَنَى بِقَوْلِهِ : { ذَوِي الْقُرْبَى } ذَوِي قَرَابَة مُؤَدِّي الْمَال عَلَى حُبّه لِلْخَبَرِ الَّذِي وَرَدَ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَمْره فَاطِمَة بِنْت قَيْس , وَقَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِين سُئِلَ : أَيّ الصَّدَقَة أَفْضَل ؟ قَالَ : " جُهْد الْمُقِلّ عَلَى ذِي الْقَرَابَة الْكَاشِح " . وَأَمَّا الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين فَقَدْ بَيَّنَّا مَعَانِيهمَا فِيمَا مَضَى . وَأَمَّا ابْن السَّبِيل فَإِنَّهُ الْمُجْتَاز بِالرَّجُلِ . ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم فِي صِفَته , فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ الضَّيْف مِنْ ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2090 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { وَابْن السَّبِيل } قَالَ : هُوَ الضَّيْف قَالَ : قَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول : " مَنْ كَانَ يُؤْمِن بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ " قَالَ : وَكَانَ يَقُول : " حَقّ الضِّيَافَة ثَلَاث لَيَالٍ , فَكُلّ شَيْء أَضَافَهُ بَعْد ذَلِكَ صَدَقَة " . وَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ الْمُسَافِر يَمُرّ عَلَيْك . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 2091 - حَدَّثَنَا سُفْيَان بْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ جَابِر , عَنْ أَبِي جَعْفَر : { وَابْن السَّبِيل } قَالَ : الْمُجْتَاز مِنْ أَرْض إلَى أَرْض . 2092 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد وَقَتَادَة فِي قَوْله : { وَابْن السَّبِيل } قَالَ : الَّذِي يَمُرّ عَلَيْك وَهُوَ مُسَافِر . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا سُوَيْد بْن نَصْر , قَالَ : أَخْبَرَنَا ابْن الْمُبَارَك , عَمَّنْ ذَكَرَهُ , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ , عَنْ مُجَاهِد وَقَتَادَة مِثْله . وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْمُسَافِرِ ابْن السَّبِيل لِمُلَازَمَتِهِ الطَّرِيق , وَالطَّرِيق هُوَ السَّبِيل , فَقِيلَ لِمُلَازَمَتِهِ إيَّاهُ فِي سَفَره ابْنه كَمَا يُقَال لِطَيْرِ الْمَاء ابْن الْمَاء لِمُلَازَمَتِهِ إيَّاهُ , وَلِلرَّجُلِ الَّذِي أَتَتْ عَلَيْهِ الدُّهُور ابْن الْأَيَّام وَاللَّيَالِي وَالْأَزْمِنَة , وَمِنْهُ قَوْل ذِي الرُّمَّة : وَرَدْت اعْتِسَافًا وَالثُّرَيَّا كَأَنَّهَا عَلَى قِمَّة الرَّأْس ابْن مَاء مُحَلِّق وَأَمَّا قَوْله { وَالسَّائِلِينَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ : الْمُسْتَطْعِمِينَ الطَّالِبِينَ . كَمَا : 2093 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا إسْحَاق , قَالَ : ثنا ابْن إدْرِيس , عَنْ حُصَيْن , عَنْ عِكْرِمَة فِي قَوْله : { وَالسَّائِلِينَ } قَالَ : الَّذِي يَسْأَلك . وَأَمَّا قَوْله : { وَفِي الرِّقَاب } فَإِنَّهُ يَعْنِي بِذَلِكَ : وَفِي فَكّ الرِّقَاب مِنْ الْعُبُودَة , وَهُمْ الْمُكَاتَبُونَ الَّذِينَ يَسْعَوْنَ فِي فَكّ رِقَابهمْ مِنْ الْعُبُودَة بِأَدَاءِ كِتَابَاتهمْ الَّتِي فَارَقُوا عَلَيْهَا سَادَاتهمْ .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَأَقَامَ الصَّلَاة وَآتَى الزَّكَاة وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا } / يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَأَقَامَ الصَّلَاة } أَدَامَ الْعَمَل بِهَا بِحُدُودِهَا , وَبِقَوْلِهِ : { وَآتَى الزَّكَاة } أَعْطَاهَا عَلَى مَا فَرَضَهَا اللَّه عَلَيْهِ . فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَهَلْ مِنْ حَقّ يَجِب فِي مَال إيتَاؤُهُ فَرْضًا غَيْر الزَّكَاة ؟ قِيلَ : قَدْ اخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : فِيهِ حُقُوق تَجِب سِوَى الزَّكَاة وَاعْتَلُّوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَة , وَقَالُوا : لَمَّا قَالَ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { وَآتَى الْمَال عَلَى حُبّه ذَوِي الْقُرْبَى } وَمَنْ سَمَّى اللَّه مَعَهُمْ , ثُمَّ قَالَ بَعْد : { وَأَقَامَ الصَّلَاة وَآتَى الزَّكَاة } عَلِمْنَا أَنَّ الْمَال الَّذِي وَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ بِهِ أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَهُ ذَوِي الْقُرْبَى , وَمَنْ سَمَّى مَعَهُمْ غَيْر الزَّكَاة الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُمْ يُؤْتَوْنَهَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مَالًا وَاحِدًا لَمْ يَكُنْ لِتَكْرِيرِهِ مَعْنَى مَفْهُوم . قَالُوا : فَلَمَّا كَانَ غَيْر جَائِز أَنْ يَقُول تَعَالَى ذِكْره قَوْلًا لَا مَعْنَى لَهُ , عَلِمْنَا أَنَّ حُكْم الْمَال الْأَوَّل غَيْر الزَّكَاة , وَأَنَّ الزَّكَاة الَّتِي ذَكَرَهَا بَعْد غَيْره . قَالُوا : وَبَعْد فَقَدْ أَبَانَ تَأْوِيل أَهْل التَّأْوِيل صِحَّة مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الْمَال الْأَوَّل هُوَ الزَّكَاة , وَلَكِنَّ اللَّه وَصَفَ إيتَاء الْمُؤْمِنِينَ مَنْ آتَوْهُ ذَلِكَ فِي أَوَّل الْآيَة , فَعَرَفَ عِبَاده بِوَصْفِهِ مَا وَصَفَ مِنْ أَمْرهمْ الْمَوَاضِع الَّتِي يَجِب عَلَيْهِمْ أَنْ يَضَعُوا فِيهَا زَكَوَاتهمْ ثُمَّ دَلَّهُمْ بِقَوْلِهِ بَعْد ذَلِكَ : { وَآتَى الزَّكَاة } أَنَّ الْمَال الَّذِي آتَاهُ الْقَوْم هُوَ الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة كَانَتْ عَلَيْهِمْ , إذْ كَانَ أَهْل سُهْمَانهمْ الَّذِينَ أَخْبَرَ فِي أَوَّل الْآيَة أَنَّ الْقَوْم آتَوْهُمْ أَمْوَالهمْ . وَأَمَّا قَوْله : { وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا } فَإِنَّهُ يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره : وَاَلَّذِينَ لَا يَنْقُضُونَ عَهْد اللَّه بَعْد الْمُعَاهَدَة , وَلَكِنْ يُوفُونَ بِهِ وَيُتِمُّونَهُ عَلَى مَا عَاهَدُوا عَلَيْهِ مَنْ عَاهَدُوهُ عَلَيْهِ . كَمَا : 2094 -
حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع بْن أَنَس فِي قَوْله : { وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا } قَالَ : فَمَنْ أَعْطَى عَهْد اللَّه ثُمَّ نَقَضَهُ فَاَللَّه يَنْتَقِم مِنْهُ , وَمَنْ أَعْطَى ذِمَّة النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ غَدَرَ بِهَا فَالنَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصْمه يَوْم الْقِيَامَة . وَقَدْ بَيَّنْت الْعَهْد فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَته هَهُنَا .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء } / قَدْ بَيَّنَّا تَأْوِيل الصَّبْر فِيمَا مَضَى قَبْل . فَمَعْنَى الْكَلَام : وَالْمَانِعِينَ أَنْفُسهمْ فِي الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَحِين الْبَأْس مِمَّا يَكْرَههُ اللَّه لَهُمْ الْحَابِسِيهَا عَلَى مَا أَمَرَهُمْ بِهِ مِنْ طَاعَته . ثُمَّ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء بِمَا : 2095 - حَدَّثَنِي بِهِ الْحُسَيْن بْن عَمْرو بْن مُحَمَّد الْعَنْقَزِيّ قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي , وَحَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو بْن حَمَّاد , قَالَا جَمِيعًا : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ مُرَّة الْهَمْدَانِيّ , عَنْ ابْن مَسْعُود أَنَّهُ قَالَ : أَمَّا الْبَأْسَاء فَالْفَقْر , وَأَمَّا الضَّرَّاء فَالسَّقَم . * - حَدَّثَنَا ابْن وَكِيع قَالَ : ثنا أَبِي , وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : ثنا الْحَمَّانِي , قَالَا جَمِيعًا : ثنا شَرِيك , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ مُرَّة , عَنْ عَبْد اللَّه فِي قَوْله : { وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء } قَالَ : الْبَأْسَاء الْجَوْع , وَالضَّرَّاء الْمَرَض . * - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا شَرِيك , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ مُرَّة عَنْ عَبْد اللَّه , قَالَ : الْبَأْسَاء : الْحَاجَة , وَالضَّرَّاء : الْمَرَض . 2096 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : كُنَّا نُحَدِّث أَنَّ الْبَأْسَاء : الْبُؤْس وَالْفَقْر , وَأَنَّ الضَّرَّاء : السَّقَم , وَقَدْ قَالَ النَّبِيّ أَيُّوب صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرّ وَأَنْت أَرْحَم الرَّاحِمِينَ } 21 83 2097 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع فِي قَوْله : { وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء } قَالَ : الْبُؤْس : الْفَاقَة وَالْفَقْر , وَالضَّرَّاء فِي النَّفْس مِنْ وَجَع أَوْ مَرَض يُصِيبهُ فِي جَسَده . 2098 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , . قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة فِي قَوْله : { الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء } قَالَ : الْبَأْسَاء : الْبُؤْس , وَالضَّرَّاء : الزَّمَانَة فِي الْجَسَد . 2099 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو نَعِيم , قَالَ : ثنا عُبَيْد , عَنْ الضَّحَّاك , قَالَ : الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء : الْمَرَض . 2100 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : حَدَّثَنِي حَجَّاج , عَنْ ابْن جُرَيْجٍ : { وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء } قَالَ : الْبَأْسَاء : الْبُؤْس وَالْفَقْر , وَالضَّرَّاء : السَّقَم وَالْوَجَع . 2101 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ : ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا عُبَيْد بْن الطُّفَيْل , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم يَقُول فِي هَذِهِ الْآيَة : { وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء } أَمَّا الْبَأْسَاء : الْفَقْر , وَالضَّرَّاء : الْمَرَض . وَأَمَّا أَهْل الْعَرَبِيَّة : فَإِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء مَصْدَر جَاءَ عَلَى فَعْلَاء لَيْسَ لَهُ أَفْعَل لِأَنَّهُ اسْم
, كَمَا قَدْ جَاءَ أَفْعَل فِي الْأَسْمَاء لَيْسَ لَهُ فَعْلَاء نَحْو أَحْمَد , وَقَدْ قَالُوا فِي الصِّفَة أَفْعَل وَلَمْ يَجِئْ لَهُ فَعْلَاء , فَقَالُوا : أَنْت مِنْ ذَلِكَ أَوْجَل , وَلَمْ يَقُولُوا وَجْلَاء . وَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ اسْم لِلْفِعْلِ , فَإِنَّ الْبَأْسَاء الْبُؤْس , وَالضَّرَّاء الضُّرّ , وَهُوَ اسْم يَقَع إنْ شِئْت لِمُؤَنَّثِ وَإِنْ شِئْت لِمُذَكَّرِ كَمَا قَالَ زُهَيْر : فَتُنْتِج لَكُمْ غِلْمَان أَشْأَم كُلّهمْ كَأَحْمَر عَادٍ ثُمَّ تُرْضِع فَتَفْطِم يَعْنِي فَتُنْتِج لَكُمْ غِلْمَان شُؤْم . وَقَالَ بَعْضهمْ : لَوْ كَانَ ذَلِكَ اسْمًا يَجُوز صَرْفه إلَى مُذَكَّر وَمُؤَنَّث لَجَازَ إجْرَاء أَفْعَل فِي النَّكِرَة , وَلَكِنَّهُ اسْم قَامَ مَقَام الْمَصْدَر ; وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ قَوْلهمْ : " لَئِنْ طَلَبْت نُصْرَتهمْ لَتَجِدَنهُمْ غَيْر أَبْعَد " بِغَيْرِ إجْرَاء ; وَقَالَ : إنَّمَا كَانَ اسْمًا لِلْمَصْدَرِ لِأَنَّهُ إذَا ذُكِرَ عُلِمَ أَنَّهُ يُرَاد بِهِ الْمَصْدَر . وَقَالَ غَيْره : لَوْ كَانَ ذَلِكَ مَصْدَرًا فَوَقَعَ بِتَأْنِيثِ لَمْ يَقَع بِتَذْكِيرِ , وَلَوْ وَقَعَ بِتَذْكِيرِ لَمْ يَقَع بِتَأْنِيثِ ; لِأَنَّ مَنْ سُمِّيَ بِأَفْعَل لَمْ يُصْرَف إلَى فُعْلَى , وَمَنْ سُمِّيَ بِفُعْلَى لَمْ يُصْرَف إلَى أَفْعَل , لِأَنَّ كُلّ اسْم يَبْقَى بِهَيْئَتِهِ لَا يُصْرَف إلَى غَيْره , وَلَكِنَّهُمَا لُغَتَانِ , فَإِذَا وَقَعَ بِالتَّذْكِيرِ كَانَ بِأَمْرِ أَشْأَم , وَإِذَا وَقَعَ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء , وَقَعَ الْخُلَّة الْبَأْسَاء وَالْخُلَّة الضَّرَّاء , وَإِنْ كَانَ لَمْ يَبْنِ عَلَى الضَّرَّاء الْأَضَرّ وَلَا عَلَى الْأَشْأَم الشَّأْمَاء , لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ مِنْ تَأْنِيثه التَّذْكِير وَلَا مِنْ تَذْكِيره التَّأْنِيث , كَمَا قَالُوا : امْرَأَة حَسْنَاء , وَلَمْ يَقُولُوا : رَجُل أَحْسَن , وَقَالُوا : رَجُل أَمْرَد , وَلَمْ يَقُولُوا : امْرَأَة مَرْدَاء فَإِذَا قِيلَ الْخَصْلَة الضَّرَّاء وَالْأَمْر الْأَشْأَم دَلَّ عَلَى الْمَصْدَر , وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى أَنْ يَكُون اسْمًا , وَإِنْ كَانَ قَدْ كَفَى مِنْ الْمَصْدَر . وَهَذَا قَوْل مُخَالِف تَأْوِيل مَنْ ذَكَرْنَا تَأْوِيله مِنْ أَهْل الْعِلْم فِي تَأْوِيل الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا عَلَى مَذْهَب الْعَرَبِيَّة وَذَلِكَ أَنَّ أَهْل التَّأْوِيل تَأَوَّلُوا الْبَأْسَاء بِمَعْنَى الْبُؤْس , وَالضَّرَّاء بِمَعْنَى الضُّرّ فِي الْجَسَد , وَذَلِكَ مِنْ تَأْوِيلهمْ مَبْنِيّ عَلَى أَنَّهُمْ وَجَّهُوا الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء إلَى أَسْمَاء الْأَفْعَال دُون صِفَات الْأَسْمَاء وَنُعُوتهَا . فَاَلَّذِي هُوَ أَوْلَى بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاء عَلَى قَوْل أَهْل التَّأْوِيل أَنْ تَكُون الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء أَسْمَاء أَفْعَال , فَتَكُون الْبَأْسَاء اسْمًا لِلْبُؤْسِ , وَالضَّرَّاء اسْمًا لِلضُّرِّ . وَأَمَّا الصَّابِرِينَ فَنُصِبَ , وَهُوَ مِنْ نَعْت " مِنْ " عَلَى وَجْه الْمَدْح , لِأَنَّ مِنْ شَأْن الْعَرَب إذَا تَطَاوَلَتْ صِفَة الْوَاحِد الِاعْتِرَاض بِالْمَدْحِ وَالذَّمّ بِالنَّصْبِ أَحْيَانًا وَبِالرَّفْعِ أَحْيَانًا , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : إلَى الْمَلِك الْقَرْم وَابْن الْهُمَام وَلَيْث الْكَتِيبَة فِي الْمُزْدَحَم وَذَا الرَّأْي حِين تُغَمّ الْأُمُور بِذَاتِ الصَّلِيل وَذَات اللُّجُم فَنُصِبَ لَيْث الْكَتِيبَة وَذَا الرَّأْي عَلَى الْمَدْح , وَالِاسْم قَبْلهمَا مَخْفُوض لِأَنَّهُ مِنْ صِفَة وَاحِد وَمِنْهُ قَوْل الْآخَر : فَلَيْتَ الَّتِي فِيهَا النُّجُوم تَوَاضَعَتْ عَلَى كُلّ غَثّ مِنْهُمْ وَسَمِين غُيُوث الْوَرَى فِي كُلّ مَحَلّ وَأَزْمَة أَسْوَد الشَّرَى يَحْمِينَ كُلّ عَرِين وَقَدْ زَعَمَ بَعْضهمْ أَنَّ قَوْله : { وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء } نُصِبَ عَطْفًا عَلَى السَّائِلِينَ , كَأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام كَانَ عِنْده : وَآتَى الْمَال عَلَى حُبّه ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل وَالسَّائِلِينَ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَظَاهِر كِتَاب اللَّه يَدُلّ عَلَى خَطَأ هَذَا الْقَوْل , وَذَلِكَ أَنَّ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء هُمْ أَهْل الزَّمَانَة فِي الْأَبْدَان وَأَهْل الْإِقْتَار فِي الْأَمْوَال , وَقَدْ مَضَى وَصْف الْقَوْم بِإِيتَاءِ مَنْ كَانَ ذَلِكَ صِفَته الْمَال فِي قَوْله : { وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل وَالسَّائِلِينَ } وَأَهْل الْفَاقَة وَالْفَقْر هُمْ أَهْل الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء , لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْل الضَّرَّاء ذَا بَأْسَاء لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ لَهُ قَبُول الصَّدَقَة وَإِنَّمَا لَهُ قَبُولهَا إذَا كَانَ جَامِعًا إلَى ضَرَّائِهِ بَأْسَاء , وَإِذَا جَمَعَ إلَيْهَا بَأْسَاء كَانَ مِنْ أَهْل الْمَسْكَنَة الَّذِينَ قَدْ دَخَلُوا فِي جُمْلَة الْمَسَاكِين الَّذِينَ قَدْ مَضَى ذِكْرهمْ قَبْل قَوْله : { وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء } . وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ ثُمَّ نُصِبَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء بِقَوْلِهِ : { وَآتَى الْمَال عَلَى حُبّه } كَانَ الْكَلَام تَكْرِيرًا بِغَيْرِ فَائِدَة مَعْنَى , كَأَنَّهُ قِيلَ : وَآتَى الْمَال عَلَى حُبّه ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِين , وَاَللَّه يَتَعَالَى عَنْ أَنْ يَكُون ذَلِكَ فِي خِطَابه عِبَاده ; وَلَكِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : وَلَكِنَّ الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر , وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إذَا عَاهَدُوا , وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء . وَالْمُوفُونَ رُفِعَ لِأَنَّهُ مِنْ صِفَة " مَنْ " , و " مَنْ " رُفِعَ فَهُوَ مُعْرَب بِإِعْرَابِهِ وَالصَّابِرِينَ نُصِبَ وَإِنْ كَانَ مِنْ صِفَته عَلَى وَجْه الْمَدْح الَّذِي وَصَفْنَا قَبْل .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَحِين الْبَأْس } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { وَحِين الْبَأْس } وَالصَّابِرِينَ فِي وَقْت الْبَأْس , وَذَلِكَ وَقْت شِدَّة الْقِتَال فِي الْحَرْب . كَمَا : 2102 - حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن عَمْرو بْن مُحَمَّد الْعَنْقَزِيّ , قَالَ : ثنا أَبِي , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ مُرَّة , عَنْ عَبْد اللَّه فِي قَوْل اللَّه : { وَحِين الْبَأْس } قَالَ : حِين الْقِتَال . * - حَدَّثَنِي مُوسَى , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , عَنْ مُرَّة , عَنْ عَبْد اللَّه , مِثْله . 2103 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , عَنْ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { وَحِين الْبَأْس } الْقِتَال . 2104 - حَدَّثَنَا بِشْر بْن مُعَاذ , قَالَ : ثنا يَزِيد , عَنْ سَعِيد , عَنْ قَتَادَة قَوْله : { وَحِين الْبَأْس } أَيْ عِنْد مَوَاطِن الْقِتَال . * - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : أَخْبَرَنَا مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { وَحِين الْبَأْس } الْقِتَال . 2105 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { وَحِين الْبَأْس } عِنْد لِقَاء الْعَدُوّ . 2106 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى قَالَ : ثنا أَبُو نَعِيم , قَالَ : ثنا عُبَيْد عَنْ الضَّحَّاك : { وَحِين الْبَأْس } الْقِتَال . * - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إسْحَاق , قَالَ :
ثنا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثنا عُبَيْد بْن الطُّفَيْل أَبُو سِيدَان , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم يَقُول فِي قَوْله : { وَحِين الْبَأْس } قَالَ : الْقِتَال .
الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا } مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر , وَنَعَتَهُمْ النَّعْت الَّذِي نَعَتَهُمْ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَة , يَقُول : فَمَنْ فَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاء فَهُمْ الَّذِينَ صَدَقُوا اللَّه فِي إيمَانهمْ وَحَقَّقُوا قَوْلهمْ بِأَفْعَالِهِمْ , لَا مَنْ وَلَّى وَجْهه قِبَل الْمَشْرِق وَالْمَغْرِب وَهُوَ يُخَالِف اللَّه فِي أَمْره وَيَنْقُض عَهْده وَمِيثَاقه وَيَكْتُم النَّاس بَيَان مَا أَمَرَهُ اللَّه بِبَيَانِهِ وَيُكَذِّب رُسُله . وَأَمَّا قَوْله : { وَأُولَئِكَ هُمْ الْمُتَّقُونَ } فَإِنَّهُ يَعْنِي : وَأُولَئِكَ الَّذِينَ اتَّقَوْا عِقَاب اللَّه فَتَجَنَّبُوا
عِصْيَانه وَحَذِرُوا وَعْده فَلَمْ يَتَعَدَّوْا حُدُوده وَخَافُوهُ , فَقَامُوا بِأَدَاءِ فَرَائِضه . وَبِمِثْلِ الَّذِي قُلْنَا فِي قَوْله : { أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا } كَانَ الرَّبِيع بْن أَنَس يَقُول . 2107 - حُدِّثْت عَنْ عَمَّار بْن الْحَسَن , قَالَ : ثنا ابْن أَبِي جَعْفَر , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ الرَّبِيع : { أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا } قَالَ : فَتَكَلَّمُوا بِكَلَامِ الْإِيمَان , فَكَانَتْ حَقِيقَته الْعَمَل صَدَقُوا اللَّه . قَالَ : وَكَانَ الْحَسَن يَقُول : هَذَا كَلَام الْإِيمَان وَحَقِيقَته الْعَمَل , فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْقَوْل عَمَل فَلَا شَيْء .
تفسير القرطبي قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذِهِ آيَة عَظِيمَة مِنْ أُمَّهَات الْأَحْكَام ; لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتْ سِتّ عَشْرَة قَاعِدَة : الْإِيمَان بِاَللَّهِ وَبِأَسْمَائِهِ وَصِفَاته - وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَيْهَا فِي الْكِتَاب الْأَسْنَى - وَالنَّشْر وَالْحَشْر وَالْمِيزَان وَالصِّرَاط وَالْحَوْض وَالشَّفَاعَة وَالْجَنَّة وَالنَّار - وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَيْهَا فِي كِتَاب - التَّذْكِرَة - وَالْمَلَائِكَة وَالْكُتُب الْمُنَزَّلَة وَأَنَّهَا حَقّ مِنْ عِنْد اللَّه - كَمَا تَقَدَّمَ - وَالنَّبِيِّينَ وَإِنْفَاق الْمَال فِيمَا يَعِنّ مِنْ الْوَاجِب وَالْمَنْدُوب وَإِيصَال الْقَرَابَة وَتَرْك قَطْعهمْ وَتَفَقُّد الْيَتِيم وَعَدَم إِهْمَاله وَالْمَسَاكِين كَذَلِكَ , وَمُرَاعَاة اِبْن السَّبِيل - قِيلَ الْمُنْقَطِع بِهِ , وَقِيلَ : الضَّيْف - وَالسُّؤَال وَفَكّ الرِّقَاب , وَسَيَأْتِي بَيَان هَذَا فِي آيَة الصَّدَقَات , وَالْمُحَافَظَة عَلَى الصَّلَاة وَإِيتَاء الزَّكَاة وَالْوَفَاء بِالْعُهُودِ وَالصَّبْر فِي الشَّدَائِد , وَكُلّ قَاعِدَة مِنْ هَذِهِ الْقَوَاعِد تَحْتَاج إِلَى كِتَاب . وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيه عَلَى أَكْثَرهَا , وَيَأْتِي بَيَان بَاقِيهَا بِمَا فِيهَا فِي مَوَاضِعهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . " لَيْسَ الْبِرّ " اُخْتُلِفَ مِنْ الْمُرَاد بِهَذَا الْخِطَاب , فَقَالَ قَتَادَة : ذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبِرّ , فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة . قَالَ : وَقَدْ كَانَ الرَّجُل قَبْل الْفَرَائِض إِذَا شَهِدَ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه , وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْده وَرَسُوله , ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّة , فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة , وَقَالَ الرَّبِيع وقَتَادَة أَيْضًا : الْخِطَاب لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لِأَنَّهُمْ اِخْتَلَفُوا فِي التَّوَجُّه وَالتَّوَلِّي , فَالْيَهُود إِلَى الْمَغْرِب قِبَل بَيْت الْمَقْدِس , وَالنَّصَارَى إِلَى الْمَشْرِق مَطْلِع الشَّمْس , وَتَكَلَّمُوا فِي تَحْوِيل الْقِبْلَة وَفَضَّلَتْ كُلّ فِرْقَة تَوْلِيَتهَا , فَقِيلَ لَهُمْ : لَيْسَ الْبِرّ مَا أَنْتُمْ فِيهِ , وَلَكِنَّ الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ .
قَرَأَ حَمْزَة وَحَفْص " الْبِرّ " بِالنَّصْبِ ; لِأَنَّ لَيْسَ مِنْ أَخَوَات كَانَ , يَقَع بَعْدهَا الْمَعْرِفَتَانِ فَتَجْعَل أَيّهمَا شِئْت الِاسْم أَوْ الْخَبَر , فَلَمَّا وَقَعَ بَعْد " لَيْسَ " : " الْبِرّ " نَصَبَهُ , وَجَعَلَ " أَنْ تُوَلُّوا " الِاسْم , وَكَانَ الْمَصْدَر أَوْلَى بِأَنْ يَكُون اِسْمًا لِأَنَّهُ لَا يَتَنَكَّر , وَالْبِرّ قَدْ يَتَنَكَّر وَالْفِعْل أَقْوَى فِي التَّعْرِيف . وَقَرَأَ الْبَاقُونَ " الْبِرّ " بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ اِسْم لَيْسَ , وَخَبَره " أَنْ تُوَلُّوا " , تَقْدِيره لَيْسَ الْبِرّ تَوْلِيَتكُمْ وُجُوهكُمْ , وَعَلَى الْأَوَّل لَيْسَ تَوْلِيَتكُمْ وُجُوهكُمْ الْبِرّ , كَقَوْلِهِ : " مَا كَانَ حُجَّتهمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا " [ الْجَاثِيَة : 25 ] , " ثُمَّ كَانَ عَاقِبَة الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوءَ أَنْ كَذَّبُوا " [ الرُّوم : 10 ] " فَكَانَ عَاقِبَتهمَا أَنَّهُمَا فِي النَّار " [ الْحَشْر : 17 ] وَمَا كَانَ مِثْله , وَيُقَوِّي قِرَاءَة الرَّفْع أَنَّ الثَّانِي مَعَهُ الْبَاء إِجْمَاعًا فِي قَوْله : " وَلَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوت مِنْ ظُهُورهَا " [ الْبَقَرَة : 189 ] وَلَا يَجُوز فِيهِ إِلَّا الرَّفْع , فَحَمْل الْأَوَّل عَلَى الثَّانِي أَوْلَى مِنْ مُخَالَفَته لَهُ , وَكَذَلِكَ هُوَ فِي مُصْحَف أَبِي بِالْبَاءِ " لَيْسَ الْبِرّ بِأَنْ تُوَلُّوا " وَكَذَلِكَ فِي مُصْحَف اِبْن مَسْعُود أَيْضًا , وَعَلَيْهِ أَكْثَر الْقُرَّاء , وَالْقِرَاءَتَانِ حَسَنَتَانِ .
الْبِرّ هَاهُنَا اِسْم جَامِع لِلْخَيْرِ , وَالتَّقْدِير : وَلَكِنَّ الْبِرّ بِرّ مَنْ آمَنَ , فَحَذَفَ الْمُضَاف , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَاسْأَلْ الْقَرْيَة " [ يُوسُف : 82 ] , " وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبهمْ الْعِجْل " [ الْبَقَرَة : 93 ] قَالَهُ الْفَرَّاء وَقُطْرُب وَالزَّجَّاج , وَقَالَ الشَّاعِر : فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَال وَإِدْبَار أَيْ ذَات إِقْبَال وَذَات إِدْبَار وَقَالَ النَّابِغَة : وَكَيْف تُوَاصِل مَنْ أَصْبَحْت خِلَالَته كَأَبِي مَرْحَب أَيْ كَخِلَالَةِ أَبِي مَرْحَب , فَحَذَفَ , وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَلَكِنَّ ذَا الْبِرّ , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " هُمْ دَرَجَات عِنْد اللَّه " [ آل عِمْرَان : 163 ] أَيْ ذَوُو دَرَجَات , وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَة وَفُرِضَتْ الْفَرَائِض وَصُرِفَتْ الْقِبْلَة إِلَى الْكَعْبَة وَحُدَّتْ الْحُدُود أَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة فَقَالَ : لَيْسَ الْبِرّ كُلّه أَنْ تُصَلُّوا وَلَا تَعْمَلُوا غَيْر ذَلِكَ , وَلَكِنَّ الْبِرّ - أَيْ ذَا الْبِرّ - مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ , إِلَى آخِرهَا , قَالَهُ اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَالضَّحَّاك وَعَطَاء وَسُفْيَان وَالزَّجَّاج أَيْضًا , وَيَجُوز أَنْ يَكُون " الْبِرّ " بِمَعْنَى الْبَارّ وَالْبَرّ , وَالْفَاعِل قَدْ يُسَمَّى بِمَعْنَى الْمَصْدَر , كَمَا يُقَال : رَجُل عَدْل , وَصَوْم وَفِطْر , وَفِي التَّنْزِيل : " إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا " [ الْمُلْك : 30 ] أَيْ غَائِرًا , وَهَذَا اِخْتِيَار أَبِي عُبَيْدَة , وَقَالَ الْمُبَرِّد : لَوْ كُنْت مِمَّنْ يَقْرَأ الْقُرْآن لَقَرَأْت " وَلَكِنَّ الْبَرّ " بِفَتْحِ الْبَاء .
اِسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ : إِنَّ فِي الْمَال حَقًّا سِوَى الزَّكَاة وَبِهَا كَمَال الْبِرّ , وَقِيلَ : الْمُرَاد الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة , وَالْأَوَّل أَصَحّ , لِمَا خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَنْ فَاطِمَة بِنْت قَيْس قَالَتْ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِنَّ فِي الْمَال حَقًّا سِوَى الزَّكَاة ) ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَة " لَيْسَ الْبِرّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهكُمْ " إِلَى آخِر الْآيَة , وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ فِي سُنَنه وَالتِّرْمِذِيّ فِي جَامِعه وَقَالَ : " هَذَا حَدِيث لَيْسَ إِسْنَاده بِذَاكَ , وَأَبُو حَمْزَة مَيْمُون الْأَعْوَر يُضَعَّف , وَرَوَى بَيَان وَإِسْمَاعِيل بْن سَالِم عَنْ الشَّعْبِيّ هَذَا الْحَدِيث قَوْله وَهُوَ أَصَحّ " .
قُلْت : وَالْحَدِيث وَإِنْ كَانَ فِيهِ مَقَال فَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّته مَعْنَى مَا فِي الْآيَة نَفْسهَا مِنْ قَوْله تَعَالَى : " وَأَقَامَ الصَّلَاة وَآتَى الزَّكَاة " فَذَكَرَ الزَّكَاة مَعَ الصَّلَاة , وَذَلِكَ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ : " وَآتَى الْمَال عَلَى حُبّه " لَيْسَ الزَّكَاة الْمَفْرُوضَة , فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ يَكُون تَكْرَارًا , وَاَللَّه أَعْلَم , وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ إِذَا نَزَلَتْ بِالْمُسْلِمِينَ حَاجَة بَعْد أَدَاء الزَّكَاة فَإِنَّهُ يَجِب صَرْف الْمَال إِلَيْهَا . قَالَ مَالِك رَحِمَهُ اللَّه : يَجِب عَلَى النَّاس فِدَاء أَسْرَاهُمْ وَإِنْ اِسْتَغْرَقَ ذَلِكَ أَمْوَالهمْ , وَهَذَا إِجْمَاع أَيْضًا , وَهُوَ يُقَوِّي مَا اِخْتَرْنَاهُ , وَالْمُوَفِّق الْإِلَه .
" عَلَى حُبّه " الضَّمِير فِي " حُبّه " اُخْتُلِفَ فِي عَوْده , فَقِيلَ : يَعُود عَلَى الْمُعْطِي لِلْمَالِ , وَحُذِفَ الْمَفْعُول وَهُوَ الْمَال . وَيَجُوز نَصْب " ذَوِي الْقُرْبَى " بِالْحُبِّ , فَيَكُون التَّقْدِير عَلَى حُبّ الْمُعْطِي ذَوِي الْقُرْبَى , وَقِيلَ : يَعُود عَلَى الْمَال , فَيَكُون الْمَصْدَر مُضَافًا إِلَى الْمَفْعُول . قَالَ اِبْن عَطِيَّة : وَيَجِيء قَوْله " عَلَى حُبّه " اِعْتِرَاضًا بَلِيغًا أَثْنَاء الْقَوْل . قُلْت : وَنَظِيره قَوْله الْحَقّ : " وَيُطْعِمُونَ الطَّعَام عَلَى حُبّه مِسْكِينًا " [ الْإِنْسَان : 8 ] فَإِنَّهُ جَمَعَ الْمَعْنَيَيْنِ , الِاعْتِرَاض وَإِضَافَة الْمَصْدَر إِلَى الْمَفْعُول , أَيْ عَلَى حُبّ الطَّعَام , وَمِنْ الِاعْتِرَاض قَوْله الْحَقّ : " وَمَنْ يَعْمَل مِنْ الصَّالِحَات مِنْ ذَكَر أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِن فَأُولَئِكَ " [ النِّسَاء : 124 ] وَهَذَا عِنْدهمْ يُسَمَّى التَّتْمِيم , وَهُوَ نَوْع مِنْ الْبَلَاغَة , وَيُسَمَّى أَيْضًا الِاحْتِرَاس وَالِاحْتِيَاط , فَتَمَّمَ بِقَوْلِهِ " عَلَى حُبّه " وَقَوْله : " وَهُوَ مُؤْمِن " [ النِّسَاء : 124 ] , وَمِنْهُ قَوْل زُهَيْر : مَنْ يَلْقَ يَوْمًا عَلَى عِلَّاته هَرِمًا يَلْقَ السَّمَاحَة مِنْهُ وَالنَّدَى خُلُقَا وَقَالَ اِمْرُؤُ الْقَيْس : عَلَى هَيْكَل يُعْطِيك قَبْل سُؤَاله أَفَانِين جَرْي غَيْر كَزّ وَلَا وَانِ فَقَوْله : " عَلَى عِلَّاته " و " قَبْل سُؤَاله " تَتْمِيم حَسَن , وَمِنْهُ قَوْل عَنْتَرَة : أَثْنَى عَلَيَّ بِمَا عَلِمْت فَإِنَّنِي سَمْح مُخَالَفَتِي إِذَا لَمْ أُظْلَم فَقَوْله : " إِذَا لَمْ أُظْلَم " تَتْمِيم حَسَن , وَقَالَ طَرَفَة : فَسَقَى دِيَارك غَيْر مُفْسِدهَا صَوْب الرَّبِيع وَدِيمَة تَهْمِي وَقَالَ الرَّبِيع بْن ضَبْع الْفَزَارِيّ : فَنِيت وَمَا يَفْنَى صَنِيعِي وَمَنْطِقِي وَكُلّ اِمْرِئٍ إِلَّا أَحَادِيثه فَان فَقَوْله : " غَيْر مُفْسِدهَا " , و " إِلَّا أَحَادِيثه " تَتْمِيم وَاحْتِرَاس , وَقَالَ أَبُو هَفَّان : فَأَفْنَى الرَّدَى أَرْوَاحنَا غَيْر ظَالِم وَأَفْنَى النَّدَى أَمْوَالنَا غَيْر عَائِب فَقَوْله : " غَيْر ظَالِم " و " غَيْر عَائِب " تَتْمِيم وَاحْتِيَاط , وَهُوَ فِي الشِّعْر كَثِير . وَقِيلَ : يَعُود عَلَى الْإِيتَاء ; لِأَنَّ الْفِعْل يَدُلّ عَلَى مَصْدَره , وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَا تَحْسَبَن الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّه مِنْ فَضْله هُوَ خَيْرًا لَهُمْ " [ آل عِمْرَان : 180 ] أَيْ الْبُخْل خَيْرًا لَهُمْ , فَإِذَا أَصَابَتْ النَّاس حَاجَة أَوْ فَاقَة فَإِيتَاء الْمَال حَبِيب إِلَيْهِمْ , وَقِيلَ : يَعُود عَلَى اِسْم اللَّه تَعَالَى فِي قَوْله " مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ " , وَالْمَعْنَى الْمَقْصُود أَنْ يَتَصَدَّق الْمَرْء فِي هَذِهِ الْوُجُوه وَهُوَ صَحِيح شَحِيح يَخْشَى الْفَقْر وَيَأْمَن الْبَقَاء .
وَاخْتُلِفَ هَلْ يُعْطَى الْيَتِيم مِنْ صَدَقَة التَّطَوُّع بِمُجَرَّدِ الْيُتْم عَلَى وَجْه الصِّلَة وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا , أَوْ لَا يُعْطَى حَتَّى يَكُون فَقِيرًا , قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ , وَهَذَا عَلَى أَنْ يَكُون إِيتَاء الْمَال غَيْر الزَّكَاة الْوَاجِبَة , عَلَى مَا نُبَيِّنهُ آنِفًا .
" وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ " أَيْ فِيمَا بَيْنهمْ وَبَيْن اللَّه تَعَالَى وَفِيمَا بَيْنهمْ وَبَيْن النَّاس . " وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء " الْبَأْسَاء : الشِّدَّة وَالْفَقْر , وَالضَّرَّاء : الْمَرَض وَالزَّمَانَة , قَالَهُ اِبْن مَسْعُود , وَقَالَ عَلَيْهِ السَّلَام : ( يَقُول اللَّه تَعَالَى أَيّمَا عَبْد مِنْ عِبَادِي اِبْتَلَيْته بِبَلَاءٍ فِي فِرَاشه فَلَمْ يَشْكُ إِلَى عُوَّاده أَبْدَلْته لَحْمًا خَيْرًا مِنْ لَحْمه وَدَمًا خَيْرًا مِنْ دَمه فَإِنْ قَبَضْته فَإِلَى رَحْمَتِي وَإِنْ عَافَيْته عَافَيْته وَلَيْسَ لَهُ ذَنْب ) قِيلَ : يَا رَسُول اللَّه , مَا لَحْم خَيْر مِنْ لَحْمه ؟ قَالَ : ( لَحْم لَمْ يُذْنِب ) قِيلَ : فَمَا دَم خَيْر مِنْ دَمه ؟ قَالَ : ( دَم لَمْ يُذْنِب ) , وَالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء اِسْمَانِ بُنِيَا عَلَى فَعْلَاء , وَلَا فِعْل لَهُمَا ; لِأَنَّهُمَا اِسْمَانِ وَلَيْسَا بِنَعْتٍ . " وَحِين الْبَأْس " أَيْ وَقْت الْحَرْب .
" وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ " فَقِيلَ : يَكُون " الْمُوفُونَ " عَطْفًا عَلَى " مَنْ " لِأَنَّ مَنْ فِي مَوْضِع جَمْع وَمَحَلّ رَفْع , كَأَنَّهُ قَالَ : وَلَكِنَّ الْبِرّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُوفُونَ , قَالَهُ الْفَرَّاء وَالْأَخْفَش . " وَالصَّابِرِينَ " نُصِبَ عَلَى الْمَدْح , أَوْ بِإِضْمَارِ فِعْل , وَالْعَرَب تَنْصِب عَلَى الْمَدْح وَعَلَى الذَّمّ كَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِذَلِكَ إِفْرَاد الْمَمْدُوح وَالْمَذْمُوم وَلَا يَتَّبِعُونَهُ أَوَّل الْكَلَام , وَيَنْصِبُونَهُ , فَأَمَّا الْمَدْح فَقَوْله : " وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاة " [ النِّسَاء : 162 ] , وَأَنْشَدَ الْكِسَائِيّ : وَكُلّ قَوْم أَطَاعُوا أَمْر مُرْشِدهمْ إِلَّا نُمَيْرًا أَطَاعَتْ أَمْر غَاوِيهَا الظَّاعِنِينَ وَلَمَّا يُظْعِنُوا أَحَدًا وَالْقَائِلُونَ لِمَنْ دَارَ نُخَلِّيهَا وَأَنْشَدَ أَبُو عُبَيْدَة : لَا يَبْعَدْنَ قَوْمِي الَّذِينَ هُمْ سُمّ الْعُدَاة وَآفَة الْجُزْر النَّازِلِينَ بِكُلِّ مُعْتَرَك وَالطَّيِّبُونَ مَعَاقِد الْأُزْر وَقَالَ آخَر : نَحْنُ بَنِي ضَبَّة أَصْحَاب الْجَمَل فَنُصِبَ عَلَى الْمَدْح , وَأَمَّا الذَّمّ فَقَوْله تَعَالَى : " مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا " [ الْأَحْزَاب : 61 ] الْآيَة , وَقَالَ عُرْوَة بْن الْوَرْد : سَقَوْنِي الْخَمْر ثُمَّ تَكَنَّفُونِي عُدَاة اللَّه مِنْ كَذِب وَزُور وَهَذَا مَهْيَع فِي النُّعُوت , لَا مَطْعَن فِيهِ مِنْ جِهَة الْإِعْرَاب , مَوْجُود فِي كَلَام الْعَرَب كَمَا بَيَّنَّا , وَقَالَ بَعْض مَنْ تَعَسَّفَ فِي كَلَامه : إِنَّ هَذَا غَلَط مِنْ الْكُتَّاب حِين كَتَبُوا مُصْحَف الْإِمَام , قَالَ : وَالدَّلِيل عَلَى ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عُثْمَان أَنَّهُ نَظَرَ فِي الْمُصْحَف فَقَالَ : أَرَى فِيهِ لَحْنًا وَسَتُقِيمُهُ الْعَرَب بِأَلْسِنَتِهَا , وَهَكَذَا قَالَ فِي سُورَة النِّسَاء " وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاة " [ النِّسَاء : 162 ] , وَفِي سُورَة الْمَائِدَة " وَالصَّابِئُونَ " [ الْمَائِدَة : 69 ] . وَالْجَوَاب مَا ذَكَرْنَاهُ , وَقِيلَ : " الْمُوفُونَ " رُفِعَ عَلَى الِابْتِدَاء وَالْخَبَر مَحْذُوف , تَقْدِيره وَهُمْ الْمُوفُونَ , وَقَالَ الْكِسَائِيّ : " وَالصَّابِرِينَ " عُطِفَ عَلَى " ذَوِي الْقُرْبَى " كَأَنَّهُ قَالَ : وَآتَى الصَّابِرِينَ . قَالَ النَّحَّاس : " وَهَذَا الْقَوْل خَطَأ وَغَلَط بَيِّن ; لِأَنَّك إِذَا نَصَبْت " وَالصَّابِرِينَ " وَنَسَّقْته عَلَى " ذَوِي الْقُرْبَى " دَخَلَ فِي صِلَة " مَنْ " وَإِذَا رَفَعْت " وَالْمُوفُونَ " عَلَى أَنَّهُ نَسَق عَلَى " مَنْ " فَقَدْ نَسَّقْت عَلَى " مَنْ " مِنْ قَبْل أَنْ تَتِمّ الصِّلَة , وَفَرَّقْت بَيْن الصِّلَة وَالْمَوْصُول بِالْمَعْطُوفِ " , وَقَالَ الْكِسَائِيّ : وَفِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه " وَالْمُوفِينَ , وَالصَّابِرِينَ " , وَقَالَ النَّحَّاس : " يَكُونَانِ مَنْسُوقَيْنِ عَلَى " ذَوِي الْقُرْبَى " أَوْ عَلَى الْمَدْح . قَالَ الْفَرَّاء : وَفِي قِرَاءَة عَبْد اللَّه فِي النِّسَاء " وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاة وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاة " [ النِّسَاء : 162 ] . وَقَرَأَ يَعْقُوب وَالْأَعْمَش " وَالْمُوفُونَ وَالصَّابِرُونَ " بِالرَّفْعِ فِيهِمَا , وَقَرَأَ الْجَحْدَرِيّ " بِعُهُودِهِمْ " , وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ " وَالْمُوفُونَ " عُطِفَ عَلَى الضَّمِير الَّذِي فِي " آمَنَ " , وَأَنْكَرَهُ أَبُو عَلِيّ وَقَالَ : لَيْسَ الْمَعْنَى عَلَيْهِ , إِذْ لَيْسَ الْمُرَاد أَنَّ الْبِرّ بِرّ مَنْ آمَنَ بِاَللَّهِ هُوَ وَالْمُوفُونَ , أَيْ آمَنَّا جَمِيعًا . كَمَا تَقُول : الشُّجَاع مَنْ أَقْدَمَ هُوَ وَعَمْرو , وَإِنَّمَا الَّذِي بَعْد قَوْله " مَنْ آمَنَ " تَعْدَاد لِأَفْعَالِ مَنْ آمَنَ وَأَوْصَافهمْ .
وَصَفَهُمْ بِالصِّدْقِ وَالتَّقْوَى فِي أُمُورهمْ وَالْوَفَاء بِهَا , وَأَنَّهُمْ كَانُوا جَادِّينَ فِي الدِّين , وَهَذَا غَايَة الثَّنَاء . وَالصِّدْق : خِلَاف الْكَذِب وَيُقَال : صَدَقُوهُمْ الْقِتَال , وَالصِّدِّيق : الْمُلَازِم لِلصِّدْقِ , وَفِي الْحَدِيث : ( عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْق يَهْدِي إِلَى الْبِرّ وَإِنَّ الْبِرّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّة وَمَا يَزَال الرَّجُل يَصْدُق وَيَتَحَرَّى الصِّدْق حَتَّى يُكْتَب عِنْد اللَّه صِدِّيقًا ) .
غريب الآية
۞ لَّیۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّوا۟ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَـٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡیَوۡمِ ٱلۡـَٔاخِرِ وَٱلۡمَلَـٰۤىِٕكَةِ وَٱلۡكِتَـٰبِ وَٱلنَّبِیِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِی ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡیَتَـٰمَىٰ وَٱلۡمَسَـٰكِینَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِیلِ وَٱلسَّاۤىِٕلِینَ وَفِی ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَـٰهَدُوا۟ۖ وَٱلصَّـٰبِرِینَ فِی ٱلۡبَأۡسَاۤءِ وَٱلضَّرَّاۤءِ وَحِینَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُو۟لَـٰۤىِٕكَ ٱلَّذِینَ صَدَقُوا۟ۖ وَأُو۟لَـٰۤىِٕكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ﴿١٧٧﴾
ٱلۡیَتَـٰمَىٰ الأولادِ الذين ماتَ آباؤُهم وهم دونَ البُلوغِ.
ٱلۡكِتَـٰبِ التوراةِ.
تُوَلُّوا۟ تَتَوَجَّهُوا.
ٱلۡبِرَّ الخيرَ.
أَن تُوَلُّوا۟ أن تَتَوَجَّهُوا في الصَّلاةِ.
قِبَلَ جِهَةَ.
مَنۡ ءَامَنَ بِرَّ مََنْ آمَنَ.
عَلَىٰ حُبِّهِۦ وهو للمالِ مُحِبٌّ.
وَٱبۡنَ ٱلسَّبِیلِ هو المسافِرُ المحتاجُ.
وَفِی ٱلرِّقَابِ في تحريرِ العبيدِ، والأسرى.
ٱلۡبَأۡسَاۤءِ البؤسِ والفقرِ.
ٱلضَّرَّاۤءِ المرضِ.
ٱلۡبَأۡسِۗ مواطِنِ القتالِ.
وَٱلۡیَتَـٰمَىٰ والذين مات آباؤُهم وهم دونَ البُلوغِ.
الإعراب
(لَيْسَ) فِعْلٌ مَاضٍ نَاسِخٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(الْبِرَّ) خَبَرُ لَيْسَ مُقَدَّمٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(أَنْ) حَرْفُ نَصْبٍ وَمَصْدَرِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تُوَلُّوا) فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ (أَنْ تُوَلُّوا ) : فِي مَحَلِّ رَفْعٍ اسْمُ (لَيْسَ ) : مُؤَخَّرٌ.
(وُجُوهَكُمْ) مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(قِبَلَ) ظَرْفُ مَكَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْمَشْرِقِ) مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالْمَغْرِبِ) "الْوَاوُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْمَغْرِبِ ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَلَكِنَّ) "الْوَاوُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَكِنَّ ) : حَرْفُ اسْتِدْرَاكٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(الْبِرَّ) اسْمُ (لَكِنَّ ) : مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مَنْ) اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (لَكِنَّ ) :.
(آمَنَ) فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ "، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(بِاللَّهِ) "الْبَاءُ " حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَاسْمُ الْجَلَالَةِ اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالْيَوْمِ) "الْوَاوُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْيَوْمِ ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْآخِرِ) نَعْتٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالْمَلَائِكَةِ) "الْوَاوُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْمَلَائِكَةِ ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالْكِتَابِ) "الْوَاوُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْكِتَابِ ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالنَّبِيِّينَ) "الْوَاوُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(النَّبِيِّينَ ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.
(وَآتَى) "الْوَاوُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(آتَى ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ الْمُقَدَّرِ لِلتَّعَذُّرِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ ".
(الْمَالَ) مَفْعُولٌ بِهِ ثَانٍ مُقَدَّمٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(عَلَى) حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(حُبِّهِ) اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(ذَوِي) مَفْعُولٌ بِهِ أَوَّلُ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِجَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ.
(الْقُرْبَى) مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ.
(وَالْيَتَامَى) "الْوَاوُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْيَتَامَى ) : مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ.
(وَالْمَسَاكِينَ) "الْوَاوُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْمَسَاكِينَ ) : مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَابْنَ) "الْوَاوُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(ابْنَ ) : مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(السَّبِيلِ) مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالسَّائِلِينَ) "الْوَاوُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(السَّائِلِينَ ) : مَعْطُوفٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.
(وَفِي) "الْوَاوُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(فِي ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الرِّقَابِ) اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَأَقَامَ) "الْوَاوُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَقَامَ ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ ".
(الصَّلَاةَ) مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَآتَى) "الْوَاوُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(آتَى ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ الْمُقَدَّرِ لِلتَّعَذُّرِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ ".
(الزَّكَاةَ) مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالْمُوفُونَ) "الْوَاوُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْمُوفُونَ ) : مَعْطُوفٌ عَلَى (مَنْ آمَنَ ) : مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الْوَاوُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.
(بِعَهْدِهِمْ) "الْبَاءُ " حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(عَهْدِ ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(إِذَا) ظَرْفُ زَمَانٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ.
(عَاهَدُوا) فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ لِـ(إِذَا ) :.
(وَالصَّابِرِينَ) "الْوَاوُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الصَّابِرِينَ ) : مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ، وَالتَّقْدِيرُ: "أَمْدَحُ الصَّابِرِينَ ".
(فِي) حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الْبَأْسَاءِ) اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالضَّرَّاءِ) "الْوَاوُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الضَّرَّاءِ ) : مَعْطُوفٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَحِينَ) "الْوَاوُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(حِينَ ) : ظَرْفُ زَمَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْبَأْسِ) مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(أُولَئِكَ) اسْمُ إِشَارَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(الَّذِينَ) اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرٌ.
(صَدَقُوا) فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ " ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(وَأُولَئِكَ) "الْوَاوُ " حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أُولَئِكَ ) : اسْمُ إِشَارَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(هُمُ) ضَمِيرُ فَصْلٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ لَا مَحَلَّ لَهُ مِنَ الْإِعْرَابِ.
(الْمُتَّقُونَ) خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الْوَاوُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.
Facebook Twitter WhatsApp Pinterest LinkedIn Buffer Tumblr Reddit Mix Evernote Pocket Wordpress