صفحات الموقع

سورة البقرة الآية ١٣٢

سورة البقرة الآية ١٣٢

وَوَصَّىٰ بِهَاۤ إِبۡرَ ٰ⁠هِـۧمُ بَنِیهِ وَیَعۡقُوبُ یَـٰبَنِیَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّینَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ﴿١٣٢﴾

التفسير

تفسير السعدي

فأنتم - يا بني يعقوب - قد وصاكم أبوكم بالخصوص, فيجب عليكم كمال الانقياد, واتباع خاتم الأنبياء قال: " يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ " أي: اختاره وتخيره لكم, رحمة بكم, وإحسانا إليكم, فقوموا به, واتصفوا بشرائعه, وانصبغوا بأخلاقه, حتى تستمروا على ذلك فلا يأتيكم الموت إلا وأنتم عليه, لأن من عاش على شيء, مات عليه, ومن مات على شيء, بعث عليه.

التفسير الميسر

وحثَّ إبراهيمُ ويعقوبُ أبناءهما على الثبات على الإسلام قائلَيْن: يا أبناءنا إن الله اختار لكم هذا الدين- وهو دين الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم- فلا تفارقوه أيام حياتكم، ولا يأتكم الموت إلا وأنتم عليه.

تفسير الجلالين

"وَوَصَّى" وَفِي قِرَاءَة أَوْصَى "بِهَا" بِالْمِلَّةِ "إبْرَاهِيم بَنِيهِ وَيَعْقُوب" بَنِيهِ قَالَ : "يَا بَنِيّ إنَّ اللَّه اصْطَفَى لَكُمْ الدِّين" دِين الْإِسْلَام "فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ" نَهَى عَنْ تَرْك الْإِسْلَام وَأَمَرَ بِالثَّبَاتِ عَلَيْهِ إلَى مُصَادَفَة الْمَوْت

تفسير ابن كثير

وَقَوْله " وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيم بَنِيهِ وَيَعْقُوب" أَيْ وَصَّى بِهَذِهِ الْمِلَّة وَهِيَ الْإِسْلَام لِلَّهِ أَوْ يَعُود الضَّمِير عَلَى الْكَلِمَة وَهِيَ قَوْله " أَسْلَمْت لِرَبِّ الْعَالَمِينَ" لِحِرْصِهِمْ عَلَيْهَا وَمَحَبَّتهمْ لَهَا حَافَظُوا عَلَيْهَا إِلَى حِين الْوَفَاة وَوَصَّوْا أَبْنَاءَهُمْ بِهَا مِنْ بَعْدهمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى " وَجَعَلَهَا كَلِمَة بَاقِيَة فِي عَقِبه " وَقَدْ قَرَأَ بَعْض السَّلَف وَيَعْقُوب بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى بَنِيهِ كَأَنَّ إِبْرَاهِيم وَصَّى بَنِيهِ وَابْن اِبْنه يَعْقُوب بْن إِسْحَاق وَكَانَ حَاضِرًا ذَلِكَ وَقَدْ اِدَّعَى الْقُشَيْرِيّ فِيمَا حَكَاهُ الْقُرْطُبِيّ عَنْهُ أَنَّ يَعْقُوب إِنَّمَا وُلِدَ بَعْد وَفَاة إِبْرَاهِيم وَيَحْتَاج مِثْل هَذَا إِلَى دَلِيل صَحِيح وَالظَّاهِر وَاَللَّه أَعْلَم أَنَّ إِسْحَاق وُلِدَ لَهُ يَعْقُوب فِي حَيَاة الْخَلِيل وَسَارَة لِأَنَّ الْبِشَارَة وَقَعَتْ بِهِمَا فِي قَوْله " فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاق وَمِنْ وَرَاء إِسْحَاق يَعْقُوب " وَقَدْ قُرِئَ بِنَصْبِ يَعْقُوب هَاهُنَا عَلَى نَزْع الْخَافِض فَلَوْ لَمْ يُوجَد يَعْقُوب فِي حَيَاتهمَا لَمَا كَانَ لِذِكْرِهِ مِنْ بَيْن ذُرِّيَّة إِسْحَاق كَبِير فَائِدَة وَأَيْضًا فَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي سُورَة الْعَنْكَبُوت " وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّته النُّبُوَّة وَالْكِتَاب " الْآيَة وَقَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاق وَيَعْقُوب نَافِلَة وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ وُجِدَ فِي حَيَاته وَأَيْضًا فَإِنَّهُ بَانِي بَيْت الْمَقْدِس كَمَا نَطَقَتْ بِذَلِكَ الْكُتُب الْمُتَقَدِّمَة وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث أَبِي ذَرّ قُلْت : يَا رَسُول اللَّه أَيّ مَسْجِد وُضِعَ أَوَّلَ ؟ قَالَ " الْمَسْجِد الْحَرَام " قُلْت ثُمَّ أَيّ ؟ قَالَ " بَيْت الْمَقْدِس " قُلْت كَمْ بَيْنهمَا : قَالَ " أَرْبَعُونَ سَنَة " الْحَدِيث فَزَعَمَ اِبْن حِبَّان أَنَّ بَيْن سُلَيْمَان الَّذِي اِعْتَقَدَ أَنَّهُ بَانِي بَيْت الْمَقْدِس - وَإِنَّمَا كَانَ جَدَّدَهُ بَعْد خَرَابه وَزَخْرَفَهُ - وَبَيْن إِبْرَاهِيم أَرْبَعِينَ سَنَة وَهَذَا مِمَّا أُنْكِرَ عَلَى اِبْن حِبَّان فَإِنَّ الْمُدَّة بَيْنهمَا تَزِيد عَلَى أُلُوف السِّنِينَ وَاَللَّه أَعْلَم وَأَيْضًا فَإِنَّ وَصِيَّة يَعْقُوب لِبَنِيهِ سَيَأْتِي ذِكْرهَا قَرِيبًا وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ هَاهُنَا مِنْ جُمْلَة الْمُوصِينَ وَقَوْله يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّه اِصْطَفَى لَكُمْ الدِّين فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ أَيْ أَحْسِنُوا فِي حَال الْحَيَاة وَالْزَمُوا هَذَا لِيَرْزُقكُمْ اللَّهُ الْوَفَاةَ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْمَرْء يَمُوت غَالِبًا عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ وَيُبْعَث عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ وَقَدْ أَجْرَى اللَّهُ الْكَرِيمُ عَادَتَهُ بِأَنَّ مَنْ قَصَدَ الْخَيْر وُفِّقَ لَهُ وَيُسِّرَ عَلَيْهِ وَمَنْ نَوَى صَالِحًا ثَبَتَ عَلَيْهِ وَهَذَا لَا يُعَارِضُ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيث الصَّحِيح " إِنَّ الرَّجُل لَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْل الْجَنَّة حَتَّى مَا يَكُون بَيْنه وَبَيْنهَا إِلَّا بَاع أَوْ ذِرَاع فَيَسْبِق عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْل النَّار فَيَدْخُلهَا وَإِنَّ الرَّجُل لَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْل النَّار حَتَّى مَا يَكُون بَيْنه وَبَيْنهَا إِلَّا بَاع أَوْ ذِرَاع فَيَسْبِق عَلَيْهِ الْكِتَاب فَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْل الْجَنَّة فَيَدْخُلهَا" لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي بَعْض رِوَايَات هَذَا الْحَدِيث " فَيَعْمَل بِعَمَلِ أَهْل الْجَنَّة فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَبِعَمَلِ أَهْل النَّار فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ " وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى " فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى " .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { يَا بَنِيَّ إنَّ اللَّه اصْطَفَى لَكُمْ الدِّين } . يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { إنَّ اللَّه اصْطَفَى لَكُمْ الدِّين } إنَّ اللَّه اخْتَارَ لَكُمْ هَذَا الدِّين الَّذِي عَهِدَ إلَيْكُمْ فِيهِ وَاجْتَبَاهُ لَكُمْ . وَإِنَّمَا أَدْخَلَ الْأَلِف وَاللَّام فِي " الدِّين " , لِأَنَّ الَّذِينَ خُوطِبُوا مِنْ وَلَدهمَا وَبَنِيهِمَا بِذَلِكَ كَانُوا قَدْ عَرَفُوهُ بِوَصِيَّتِهِمَا إيَّاهُمْ بِهِ وَوَصِيَّتهمَا إلَيْهِمْ فِيهِ , ثُمَّ قَالَا لَهُمْ بَعْد أَنْ عَرَّفَاهُمُوهُ : إنَّ اللَّه اصْطَفَى لَكُمْ هَذَا الدِّين الَّذِي قَدْ عَهِدَ إلَيْكُمْ فِيهِ , فَاتَّقُوا اللَّه أَنْ تَمُوتُوا إلَّا وَأَنْتُمْ عَلَيْهِ . الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } . إنْ قَالَ لَنَا قَائِل : أَوْ إلَى بَنِي آدَم الْمَوْت وَالْحَيَاة فَيَنْهَى أَحَدهمْ أَنْ يَمُوت إلَّا عَلَى حَالَة دُون حَالَة ؟ قِيلَ لَهُ : إنَّ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى غَيْر الْوَجْه الَّذِي ظَنَنْت , وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : { فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } أَيْ فَلَا تُفَارِقُوا هَذَا الدِّين وَهُوَ الْإِسْلَام أَيَّام حَيَاتكُمْ ; وَذَلِكَ أَنَّ أَحَدًا لَا يَدْرِي مَتَى تَأْتِيه مَنِيَّته , فَلِذَلِك قَالَا لَهُمْ : { فَلَا تَمُوتُنَّ إلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } لِأَنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَتَى تَأْتِيكُمْ مَنَايَاكُمْ مِنْ لَيْل أَوْ نَهَار , فَلَا تُفَارِقُوا الْإِسْلَام فَتَأْتِيكُمْ مَنَايَاكُمْ وَأَنْتُمْ عَلَى غَيْر الدِّين الَّذِي اصْطَفَاهُ لَكُمْ رَبّكُمْ فَتَمُوتُوا وَرَبّكُمْ سَاخِط عَلَيْكُمْ فَتَهْلَكُوا

تفسير القرطبي

كُسِرَتْ " إِنَّ " لِأَنْ أَوْصَى وَقَالَ وَاحِد . وَقِيلَ : عَلَى إِضْمَار الْقَوْل . اِخْتَارَ . قَالَ الرَّاجِز : يَا بْن مُلُوك وَرَّثُوا الْأَمْلَاكَا خِلَافَة اللَّه الَّتِي أَعْطَاكَا لَك اِصْطَفَاهَا وَلَهَا اِصْطَفَاكَا أَيْ الْإِسْلَام , وَالْأَلِف وَاللَّام فِي " الدِّين " لِلْعَهْدِ ; لِأَنَّهُمْ قَدْ كَانُوا عَرَفُوهُ . إِيجَاز بَلِيغ . وَالْمَعْنَى : اِلْزَمُوا الْإِسْلَام وَدُومُوا عَلَيْهِ وَلَا تُفَارِقُوهُ حَتَّى , تَمُوتُوا . فَأَتَى بِلَفْظٍ مُوجِز يَتَضَمَّن الْمَقْصُود , وَيَتَضَمَّن وَعْظًا وَتَذْكِيرًا بِالْمَوْتِ , وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرْء يَتَحَقَّق أَنَّهُ يَمُوت وَلَا يَدْرِي مَتَى , فَإِذَا أُمِرَ بِأَمْرٍ لَا يَأْتِيه الْمَوْت إِلَّا وَهُوَ عَلَيْهِ , فَقَدْ تَوَجَّهَ الْخِطَاب مِنْ وَقْت الْأَمْر دَائِبًا لَازِمًا . " لَا " نَهْي " تَمُوتُنَّ " فِي مَوْضِع جَزْم بِالنَّهْيِ , أُكِّدَ بِالنُّونِ الثَّقِيلَة , وَحُذِفَتْ الْوَاو لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ . " إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ " اِبْتِدَاء وَخَبَر فِي مَوْضِع الْحَال , أَيْ مُحْسِنُونَ بِرَبِّكُمْ الظَّنّ , وَقِيلَ مُخْلِصُونَ , وَقِيلَ مُفَوِّضُونَ , وَقِيلَ مُؤْمِنُونَ . أَيْ بِالْمِلَّةِ , وَقِيلَ : بِالْكَلِمَةِ الَّتِي هِيَ قَوْله : " أَسْلَمْت لِرَبِّ الْعَالَمِينَ " وَهُوَ أَصْوَب ; لِأَنَّهُ أَقْرَب مَذْكُور , أَيْ قُولُوا أَسْلَمْنَا . وَوَصَّى وَأَوْصَى لُغَتَانِ لِقُرَيْشٍ وَغَيْرهمْ بِمَعْنًى , مِثْل كَرَّمْنَا وَأَكْرَمْنَا , وَقُرِئَ بِهِمَا . وَفِي مُصْحَف عَبْد اللَّه " وَوَصَّى " , وَفِي مُصْحَف عُثْمَان " وَأَوْصَى " وَهِيَ قِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة وَالشَّام . الْبَاقُونَ " وَوَصَّى " وَفِيهِ مَعْنَى التَّكْثِير . " وَإِبْرَاهِيم " رُفِعَ بِفِعْلِهِ , " وَيَعْقُوب " عُطِفَ عَلَيْهِ , وَقِيلَ : هُوَ مَقْطُوع مُسْتَأْنَف , وَالْمَعْنَى : وَأَوْصَى يَعْقُوب وَقَالَ يَا بُنَيّ إِنَّ اللَّه اِصْطَفَى لَكُمْ الدِّين , فَيَكُون إِبْرَاهِيم قَدْ وَصَّى بَنِيهِ , ثُمَّ وَصَّى بَعْده يَعْقُوب بَنِيهِ . وَبَنُو إِبْرَاهِيم : إِسْمَاعِيل , وَأُمّه هَاجَر الْقِبْطِيَّة , وَهُوَ أَكْبَر وَلَده , نَقَلَهُ إِبْرَاهِيم إِلَى مَكَّة وَهُوَ رَضِيع . وَقِيلَ : كَانَ لَهُ سَنَتَانِ , وَقِيلَ : كَانَ لَهُ أَرْبَع عَشْرَة سَنَة , وَالْأَوَّل أَصَحّ , عَلَى مَا يَأْتِي فِي سُورَة " إِبْرَاهِيم " بَيَانه إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى , وَوُلِدَ قَبْل أَخِيهِ إِسْحَاق بِأَرْبَعَ عَشْرَة سَنَة , وَمَاتَ وَلَهُ مِائَة وَسَبْع وَثَلَاثُونَ سَنَة . وَقِيلَ : مِائَة وَثَلَاثُونَ . وَكَانَ سِنّه لَمَّا مَاتَ أَبُوهُ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِمَا السَّلَام تِسْعًا وَثَمَانِينَ سَنَة , وَهُوَ الذَّبِيح فِي قَوْل . وَإِسْحَاق أُمّه سَارَّة , وَهُوَ الذَّبِيح فِي قَوْل آخَر , وَهُوَ الْأَصَحّ , عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه فِي سُورَة " وَالصَّافَّات " إِنْ شَاءَ اللَّه . وَمِنْ وَلَده الرُّوم وَالْيُونَان وَالْأَرْمَن وَمَنْ يَجْرِي مَجْرَاهُمْ وَبَنُو إِسْرَائِيل . وَعَاشَ إِسْحَاق مِائَة وَثَمَانِينَ سَنَة , وَمَاتَ بِالْأَرْضِ الْمُقَدَّسَة وَدُفِنَ عِنْد أَبِيهِ إِبْرَاهِيم الْخَلِيل عَلَيْهِمَا السَّلَام . ثُمَّ لَمَّا تُوُفِّيَتْ سَارَّة تَزَوَّجَ إِبْرَاهِيم عَلَيْهِ السَّلَام قنطورا بِنْت يقطن الْكَنْعَانِيَّة , فَوَلَدَتْ لَهُ مَدْيَن ومداين ونهشان وزمران ونشيق وشيوخ , ثُمَّ تُوُفِّيَ عَلَيْهِ السَّلَام . وَكَانَ بَيْن وَفَاته وَبَيْن مَوْلِد النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْو مِنْ أَلْفَيْ سَنَة وَسِتّمِائَةِ سَنَة , وَالْيَهُود يَنْقُصُونَ مِنْ ذَلِكَ نَحْوًا مِنْ أَرْبَعمِائَةِ سَنَة . وَسَيَأْتِي ذِكْر أَوْلَاد يَعْقُوب فِي سُورَة " يُوسُف " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَرَأَ عَمْرو بْن فَائِد الْأَسْوَارِيّ وَإِسْمَاعِيل بْن عَبْد اللَّه الْمَكِّيّ : " وَيَعْقُوب " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى " بَنِيهِ " , فَيَكُون يَعْقُوب دَاخِلًا فِيمَنْ أَوْصَى . قَالَ الْقُشَيْرِيّ : وَقُرِئَ " يَعْقُوب " بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى " بَنِيهِ " وَهُوَ بَعِيد ; لِأَنَّ يَعْقُوب لَمْ يَكُنْ فِيمَا بَيْن أَوْلَاد إِبْرَاهِيم لَمَّا وَصَّاهُمْ , وَلَمْ يُنْقَل أَنَّ يَعْقُوب أَدْرَكَ جَدّه إِبْرَاهِيم , وَإِنَّمَا وُلِدَ بَعْد مَوْت إِبْرَاهِيم , وَأَنَّ يَعْقُوب أَوْصَى بَنِيهِ أَيْضًا كَمَا فَعَلَ إِبْرَاهِيم . وَسَيَأْتِي تَسْمِيَة أَوْلَاد يَعْقُوب إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . قَالَ الْكَلْبِيّ : لَمَّا دَخَلَ يَعْقُوب إِلَى مِصْر رَآهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَوْثَان وَالنِّيرَان وَالْبَقَر , فَجَمَعَ وَلَده وَخَافَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ : مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي ؟ وَيُقَال : إِنَّمَا سُمِّيَ يَعْقُوب لِأَنَّهُ كَانَ هُوَ وَالْعِيص تَوْأَمَيْنِ , فَخَرَجَ مِنْ بَطْن أُمّه آخِذًا بِعَقِبِ أَخِيهِ الْعِيص . وَفِي ذَلِكَ نَظَر ; لِأَنَّ هَذَا اِشْتِقَاق عَرَبِيّ , وَيَعْقُوب اِسْم أَعْجَمِيّ , وَإِنْ كَانَ قَدْ وَافَقَ الْعَرَبِيَّة فِي التَّسْمِيَة بِهِ كَذَكَرِ الْحَجَل . عَاشَ عَلَيْهِ السَّلَام مِائَة وَسَبْعًا وَأَرْبَعِينَ سَنَة وَمَاتَ بِمِصْر , وَأَوْصَى أَنْ يُحْمَل إِلَى الْأَرْض الْمُقَدَّسَة , وَيُدْفَن عِنْد أَبِيهِ إِسْحَاق , فَحَمَلَهُ يُوسُف وَدَفَنَهُ عِنْده . مَعْنَاهُ أَنْ يَا بَنِيَّ , وَكَذَلِكَ هُوَ فِي قِرَاءَة أُبَيّ وَابْن مَسْعُود وَالضَّحَّاك . قَالَ الْفَرَّاء : أُلْغِيَتْ أَنْ لِأَنَّ التَّوْصِيَة كَالْقَوْلِ , وَكُلّ كَلَام يَرْجِع إِلَى الْقَوْل جَازَ فِيهِ دُخُول أَنْ وَجَازَ فِيهِ إِلْغَاؤُهَا . قَالَ : وَقَوْل النَّحْوِيِّينَ إِنَّمَا أَرَادَ " أَنْ " فَأُلْغِيَتْ لَيْسَ بِشَيْءٍ . النَّحَّاس : " يَا بَنِيَّ " نِدَاء مُضَاف , وَهَذِهِ يَاء النَّفْس لَا يَجُوز هُنَا إِلَّا فَتْحهَا ; لِأَنَّهَا لَوْ سُكِّنَتْ لَالْتَقَى سَاكِنَانِ , وَمِثْله " بِمُصْرِخِيَّ " [ إِبْرَاهِيم : 22 ] .

غريب الآية
وَوَصَّىٰ بِهَاۤ إِبۡرَ ٰ⁠هِـۧمُ بَنِیهِ وَیَعۡقُوبُ یَـٰبَنِیَّ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰ لَكُمُ ٱلدِّینَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسۡلِمُونَ ﴿١٣٢﴾
ٱصۡطَفَىٰاختارَ.
الإعراب
(وَوَصَّى)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(وَصَّى) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ الْمُقَدَّرِ لِلتَّعَذُّرِ.
(بِهَا)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(إِبْرَاهِيمُ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(بَنِيهِ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ مُلْحَقٌ بِجَمْعِ الْمُذَكَّرِ السَّالِمِ وَحُذِفَتْ نُونُهُ لِلْإِضَافَةِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَيَعْقُوبُ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(يَعْقُوبُ) : مَعْطُوفٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(يَابَنِيَّ)
(يَا) : حَرْفُ نِدَاءٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ(بَنِيَّ) : مُنَادًى مَنْصُوبٌ لِأَنَّهُ مُضَافٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ وَحُذِفَتْ نُونُهُ لِلْإِضَافَةِ، وَ"يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(إِنَّ)
حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(اللَّهَ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ اسْمُ (إِنَّ) : مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(اصْطَفَى)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ الْمُقَدَّرِ لِلتَّعَذُّرِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (إِنَّ) :.
(لَكُمُ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(الدِّينَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَلَا)
"الْفَاءُ" حَرْفُ سَبَبِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَهْيٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَمُوتُنَّ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" الْمَحْذُوفَةُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"النُّونُ" حَرْفُ تَوكِيدٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(إِلَّا)
حَرْفُ اسْتِثْنَاءٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(وَأَنْتُمْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ حَالٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَنْتُمْ) : ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(مُسْلِمُونَ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الْوَاوُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ حَالٌ.