صفحات الموقع

سورة الإسراء الآية ٧٦

سورة الإسراء الآية ٧٦

وَإِن كَادُوا۟ لَیَسۡتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ لِیُخۡرِجُوكَ مِنۡهَاۖ وَإِذࣰا لَّا یَلۡبَثُونَ خِلَـٰفَكَ إِلَّا قَلِیلࣰا ﴿٧٦﴾

التفسير

تفسير السعدي

" وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا " أي: من بغضهم لمقامك بين أظهرهم, قد كادوا أن يخرجوك من الأرض, ويجلوك عنها. ولو فعلوا ذلك, لم يلبثوا بعدك إلا قليلا, حتى تحل بهم العقوبة, كما هي سنة الله التي لا تحول ولا تبدل في جميع الأمم. كل أمة كذبت رسولها, وأخرجته, عاجلها الله بالعقوبة. ولما مكر به الذين كفروا, وأخرجوه, لم يلبثوا إلا قليلا, حتى أوقع الله بهم بـ " بدر " وقتل صناديدهم, وفض بيضتهم فله الحمد. وفي هذه الآيات, دليل على شدة افتقار العبد إلى تثبيت الله إياه, وأنه لا يزال متملقا لربه, أن يثبته على الإيمان, ساعيا في كل سبب موصل إلى ذلك, لأن النبي صلى الله عليه وسلم, وهو أكمل الخلق, قال الله له: " وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا " فكيف بغيره؟!! وفيها تذكير الله لرسوله منته عليه, وعصمته من الشر. فدل ذلك, على أن الله يحب من عباده, أن يتفطنوا لإنعامه عليهم - عند وجود أسباب الشر - بالعصمة منه, والثبات على الإيمان. وفيها: أنه - بحسب علو مرتبة العبد, وتواتر النعم عليه من الله يعظم, إثمه ويتضاعف جرمه, إذا فعل ما يلام عليه, لأن الله ذكر رسوله لو فعل - وحاشاه من ذلك - بقوله: " إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا " . وفيها أن الله إذا أراد إهلاك أمة, تضاعف جرمها, وعظم وكبر, فيحق عليها القول من الله, فيوقع بها العقاب, كما هي سنته في الأمم, إذا أخرجوا رسولهم.

التفسير الميسر

ولقد قارب الكفار أن يخرجوك من "مكة" بإزعاجهم إيَّاك، ولو أخرجوك منها لم يمكثوا فيها بعدك إلا زمنًا قليلا حتى تحل بهم العقوبة العاجلة.

تفسير الجلالين

وَنَزَلَ لَمَّا قَالَ لَهُ الْيَهُود : إنْ كُنْت نَبِيًّا فَالْحَقْ بِالشَّامِ فَإِنَّهَا أَرْض الْأَنْبِيَاء "وَإِنْ" مُخَفَّفَة "كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَك مِنْ الْأَرْض" أَرْض الْمَدِينَة "وَإِذًا" لَوْ أَخْرَجُوك "لَا يَلْبَثُونَ خِلَافك" فِيهَا "إلَّا قَلِيلًا" ثُمَّ يَهْلِكُونَ

تفسير ابن كثير

قِيلَ نَزَلَتْ فِي الْيَهُود إِذْ أَشَارُوا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسُكْنَى الشَّام بِلَاد الْأَنْبِيَاء وَتَرْك سُكْنَى الْمَدِينَة . وَهَذَا الْقَوْل ضَعِيف لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَة مَكِّيَّة وَسُكْنَى الْمَدِينَة بَعْد ذَلِكَ وَقِيلَ إِنَّهَا نَزَلَتْ بِتَبُوك وَفِي صِحَّته نَظَر . رَوَى الْبَيْهَقِيّ عَنْ الْحَاكِم عَنْ الْأَصَمّ عَنْ أَحْمَد بْن عَبْد الْجَبَّار الْعُطَارِدِيّ عَنْ يُونُس بْن بُكَيْر عَنْ عَبْد الْحَمِيد بْن بَهْرَام عَنْ شَهْر بْن حَوْشَب عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن غَنْم أَنَّ الْيَهُود أَتَوْا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا فَقَالُوا يَا أَبَا الْقَاسِم إِنْ كُنْت صَادِقًا أَنَّك نَبِيّ فَالْحَقْ بِالشَّامِ فَإِنَّ الشَّام أَرْض الْمَحْشَر وَأَرْض الْأَنْبِيَاء فَصَدَّقَ مَا قَالُوا فَغَزَا غَزْوَة تَبُوك لَا يُرِيد إِلَّا الشَّام فَلَمَّا بَلَغَ تَبُوك أَنْزَلَ اللَّه عَلَيْهِ آيَات مِنْ سُورَة بَنِي إِسْرَائِيل بَعْدَمَا خُتِمَتْ السُّورَة " وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَك مِنْ الْأَرْض لِيُخْرِجُوك مِنْهَا إِلَى قَوْله " تَحْوِيلًا " فَأَمَرَهُ اللَّه بِالرُّجُوعِ إِلَى الْمَدِينَة وَقَالَ : فِيهَا مَحْيَاك وَمَمَاتك وَمِنْهَا تُبْعَث . وَفِي هَذَا الْإِسْنَاد نَظَر وَالْأَظْهَر أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَغْزُ تَبُوك عَنْ قَوْل الْيَهُود وَإِنَّمَا غَزَاهَا اِمْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى " يَا أَيّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنْ الْكُفَّار " وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى " قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِر وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّه وَرَسُوله وَلَا يَدِينُونَ دِين الْحَقّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَاب حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَة عَنْ يَد وَهُمْ صَاغِرُونَ " وَغَزَاهَا لِيَقْتَصّ وَيَنْتَقِم مِمَّنْ قَتَلَ أَهْل مُؤْتَة مِنْ أَصْحَابه وَاَللَّه أَعْلَم . وَلَوْ صَحَّ هَذَا لَحُمِلَ عَلَيْهِ الْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ الْوَلِيد بْن مُسْلِم عَنْ عقير بْن مَعْدَان عَنْ سُلَيْم بْن عَامِر عَنْ أَبِي أُمَامَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أُنْزِلَ الْقُرْآن فِي ثَلَاثَة أَمْكِنَة مَكَّة وَالْمَدِينَة وَالشَّام " قَالَ الْوَلِيد يَعْنِي بَيْت الْمَقْدِس وَتَفْسِير الشَّام بِتَبُوك أَحْسَن مِمَّا قَالَ الْوَلِيد إِنَّهُ بَيْت الْمَقْدِس وَاَللَّه أَعْلَم . وَقِيلَ نَزَلَتْ فِي كُفَّار قُرَيْش هَمُّوا بِإِخْرَاجِ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْن أَظْهُرهمْ فَتَوَعَّدَهُمْ اللَّه بِهَذِهِ الْآيَة وَأَنَّهُمْ لَوْ أَخْرَجُوهُ لَمَا لَبِثُوا بَعْده بِمَكَّة إِلَّا يَسِيرًا وَكَذَلِكَ وَقَعَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَعْد هِجْرَته مِنْ بَيْن أَظْهُرهمْ بَعْدَمَا اِشْتَدَّ أَذَاهُمْ لَهُ إِلَّا سَنَة وَنِصْف حَتَّى جَمَعَهُمْ اللَّه وَإِيَّاهُ بِبَدْرٍ عَلَى غَيْر مِيعَاد فَأَمْكَنَهُ مِنْهُمْ وَسَلَّطَهُ عَلَيْهِمْ وَأَظْفَرَهُ بِهِمْ فَقَتَلَ أَشْرَافهمْ وَسَبَى ذَرَارِيّهمْ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَك مِنْ الْأَرْض لِيُخْرِجُوك مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافك إِلَّا قَلِيلًا } يَقُول عَزَّ وَجَلَّ : وَإِنْ كَادَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم لَيَسْتَفِزُّونَك مِنْ الْأَرْض : يَقُول : لَيَسْتَخِفُّونَك مِنْ الْأَرْض الَّتِي أَنْتَ بِهَا لِيُخْرِجُوك مِنْهَا { وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافك إِلَّا قَلِيلًا } يَقُول : وَلَوْ أَخْرَجُوك مِنْهَا لَمْ يَلْبَثُوا بَعْدك فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا , حَتَّى أَهْلَكَهُمْ بِعَذَابٍ عَاجِل . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الَّذِينَ كَادُوا أَنْ يَسْتَفِزُّوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُخْرِجُوهُ مِنْ الْأَرْض وَفِي الْأَرْض الَّتِي أَرَادُوا أَنْ يُخْرِجُوهُ مِنْهَا ; فَقَالَ بَعْضهمْ : الَّذِينَ كَادُوا أَنْ يَسْتَفِزُّوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ الْيَهُود , وَالْأَرْض الَّتِي أَرَادُوا أَنْ يُخْرِجُوهُ مِنْهَا الْمَدِينَة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17012 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان , عَنْ أَبِيهِ , قَالَ : زَعَمَ حَضْرَمِيّ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ بَعْض الْيَهُود قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إِنَّ أَرْض الْأَنْبِيَاء أَرْض الشَّام , وَإِنَّ هَذِهِ لَيْسَتْ بِأَرْضِ الْأَنْبِيَاء , فَأَنْزَلَ اللَّه { وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَك مِنْ الْأَرْض لِيُخْرِجُوك مِنْهَا } وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كَانَ الْقَوْم الَّذِينَ فَعَلُوا ذَلِكَ قُرَيْشًا , وَالْأَرْض مَكَّة . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17013 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَك مِنْ الْأَرْض لِيُخْرِجُوك مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافك إِلَّا قَلِيلًا } وَقَدْ هَمَّ أَهْل مَكَّة بِإِخْرَاجِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّة , وَلَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ لَمَا تَوَطَّنُوا , وَلَكِنَّ اللَّه كَفَّهُمْ عَنْ إِخْرَاجه حَتَّى أَمَرَهُ , وَلَقَلَّمَا مَعَ ذَلِكَ لَبِثُوا بَعْد خُرُوج نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّة حَتَّى بَعَثَ اللَّه عَلَيْهِمْ الْقَتْل يَوْم بَدْر . * - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { لَيَسْتَفِزُّونَك مِنْ الْأَرْض } قَالَ : قَدْ فَعَلُوا بَعْد ذَلِكَ , فَأَهْلَكَهُمْ اللَّه يَوْم بَدْر , وَلَمْ يَلْبَثُوا بَعْده إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى أَهْلَكَهُمْ اللَّه يَوْم بَدْر . وَكَذَلِكَ كَانَتْ سُنَّة اللَّه فِي الرُّسُل إِذَا فَعَلَ بِهِمْ قَوْمهمْ مِثْل ذَلِكَ . 17014 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد { خِلَافك إِلَّا قَلِيلًا } قَالَ : لَوْ أَخْرَجَتْ قُرَيْش مُحَمَّدًا لَعُذِّبُوا بِذَلِكَ . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي بِالصَّوَابِ , قَوْل قَتَادَة وَمُجَاهِد , وَذَلِكَ أَنَّ قَوْله : { وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَك مِنْ الْأَرْض } فِي سِيَاق خَبَر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَنْ قُرَيْش وَذِكْره إِيَّاهُمْ , وَلَمْ يَجْرِ لِلْيَهُودِ قَبْل ذَلِكَ ذِكْر , فَيُوَجَّه قَوْله { وَإِنْ كَادُوا } إِلَى أَنَّهُ خَبَر عَنْهُمْ , فَهُوَ بِأَنْ يَكُون خَبَرًا عَمَّنْ جَرَى لَهُ ذِكْر أَوْلَى مِنْ غَيْره . وَأَمَّا الْقَلِيل الَّذِي اِسْتَثْنَاهُ اللَّه جَلَّ ذِكْره فِي قَوْله { وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافك إِلَّا قَلِيلًا } فَإِنَّهُ فِيمَا قِيلَ , مَا بَيْن خُرُوج رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ مَكَّة إِلَى أَنْ قَتَلَ اللَّه مَنْ قَتَلَ مِنْ مُشْرِكِيهِمْ بِبَدْرٍ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 17015 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله : { وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافك إِلَّا قَلِيلًا } يَعْنِي بِالْقَلِيلِ يَوْم أَخْذهمْ بِبَدْرٍ , فَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الْقَلِيل الَّذِي لَبِثُوا بَعْد . 17016 - حُدِّثْت عَنْ الْحُسَيْن , قَالَ : سَمِعْت أَبَا مُعَاذ يَقُول : ثنا عُبَيْد , قَالَ : سَمِعْت الضَّحَّاك يَقُول فِي قَوْله : { وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافك إِلَّا قَلِيلًا } كَانَ الْقَلِيل الَّذِي لَبِثُوا بَعْد خُرُوج النَّبِيّ مِنْ بَيْن أَظْهُرهمْ إِلَى بَدْر , فَأَخَذَهُمْ بِالْعَذَابِ يَوْم بَدْر . وَعُنِيَ بِقَوْلِهِ خِلَافك بَعْدك , كَمَا قَالَ الشَّاعِر : عَقَبَ الرَّذَاذ خِلَافهَا فَكَأَنَّمَا بَسَطَ الشَّوَاطِبُ بَيْنهنَّ حَصِيرَا يَعْنِي بِقَوْلِهِ : خِلَافهَا : بَعْدهَا . وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا : خَلْفك . وَمَعْنَى ذَلِكَ , وَمَعْنَى الْخِلَاف فِي هَذَا الْمَوْضِع وَاحِد .

تفسير القرطبي

هَذِهِ الْآيَة قِيلَ إِنَّهَا مَدَنِيَّة ; حَسْبَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَّل السُّورَة . قَالَ اِبْن عَبَّاس : حَسَدَتْ الْيَهُود مَقَام النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ فَقَالُوا : إِنَّ الْأَنْبِيَاء إِنَّمَا بُعِثُوا بِالشَّامِ , فَإِنْ كُنْت نَبِيًّا فَالْحَقْ بِهَا ; فَإِنَّك إِنْ خَرَجَتْ إِلَيْهَا صَدَّقْنَاك وَآمَنَّا بِك ; فَوَقَعَ ذَلِكَ فِي قَلْبه لِمَا يُحِبّ مِنْ إِسْلَامهمْ , فَرَحَلَ مِنْ الْمَدِينَة عَلَى مَرْحَلَة فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة . وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن غَنْم : غَزَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزْوَة تَبُوك لَا يُرِيد إِلَّا الشَّام , فَلَمَّا نَزَلَ تَبُوك نَزَلَ " وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَك مِنْ الْأَرْض " بَعْد مَا خُتِمَتْ السُّورَة , وَأَمَرَ بِالرُّجُوعِ . وَقِيلَ : إِنَّهَا مَكِّيَّة . قَالَ مُجَاهِد وَقَتَادَة : نَزَلَتْ فِي هَمّ أَهْل مَكَّة بِإِخْرَاجِهِ , وَلَوْ أَخْرَجُوهُ لَمَا أُمْهِلُوا وَلَكِنَّ اللَّه أَمَرَهُ بِالْهِجْرَةِ فَخَرَجَ , وَهَذَا أَصَحّ ; لِأَنَّ السُّورَة مَكِّيَّة , وَلِأَنَّ مَا قَبْلهَا خَبَر عَنْ أَهْل مَكَّة , وَلَمْ يَجْرِ لِلْيَهُودِ ذِكْر . وَقَوْل : " مِنْ الْأَرْض " يُرِيد أَرْض مَكَّة . كَقَوْلِهِ : " فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْض " [ يُوسُف : 80 ] أَيْ أَرْض مِصْر ; دَلِيله " وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَة هِيَ أَشَدّ قُوَّة مِنْ قَرْيَتك الَّتِي أَخْرَجَتْك " [ مُحَمَّد : 13 ] يَعْنِي مَكَّة . مَعْنَاهُ : هَمَّ أَهْلُهَا بِإِخْرَاجِهِ ; فَلِهَذَا أَضَافَ إِلَيْهَا وَقَالَ " أَخْرَجَتْك " . وَقِيلَ : هَمَّ الْكُفَّار كُلّهمْ أَنْ يَسْتَخِفُّوهُ مِنْ أَرْض الْعَرَب بِتَظَاهُرِهِمْ عَلَيْهِ فَمَنَعَهُ اللَّه , وَلَوْ أَخْرَجُوهُ مِنْ أَرْض الْعَرَب لَمْ يُمْهَلُوا , وَقَرَأَ عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح " لَا يُلَبَّثُونَ " الْبَاء مُشَدَّدَة . " خَلْفك " نَافِع وَابْن كَثِير وَأَبُو بَكْر وَأَبُو عَمْرو , وَمَعْنَاهُ بَعْدك . وَقَرَأَ اِبْن عَامِر وَحَفْص وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " خِلَافك " وَاخْتَارَهُ أَبُو حَاتِم , اِعْتِبَارًا بِقَوْلِهِ : " فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَاف رَسُول اللَّه " [ التَّوْبَة : 81 ] وَمَعْنَاهُ أَيْضًا بَعْدك ; قَالَ الشَّاعِر : عَفَتْ الدِّيَار خِلَافهمْ فَكَأَنَّمَا بَسْط الشَّوَاطِب بَيْنهنَّ حَصِيرًا بَسْط الْبَوَاسِط ; فِي الْمَاوَرْدِيّ . يُقَال : شَطَبَتْ الْمَرْأَة الْجَرِيد إِذَا شَقَّتْهُ لِتَعْمَل مِنْهُ الْحُصْر . قَالَ أَبُو عُبَيْد ثُمَّ تُلْقِيه الشَّاطِبَة إِلَى الْمُنَقِّيَة . وَقِيلَ : " خَلْفك " بِمَعْنَى بَعْدك . " وَخِلَافك " بِمَعْنَى مُخَالَفَتك ; ذَكَرَهُ اِبْن الْأَنْبَارِيّ . فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدهمَا - أَنَّ الْمُدَّة الَّتِي لَبِثُوهَا بَعْده مَا بَيْن إِخْرَاجهمْ لَهُ إِلَى قَتْلهمْ يَوْم بَدْر ; وَهَذَا قَوْل مَنْ ذَكَرَ أَنَّهُمْ قُرَيْش . الثَّانِي - مَا بَيْن ذَلِكَ وَقَتْل بَنِي قُرَيْظَة وَجَلَاء بْن النَّضِير ; وَهَذَا قَوْل مَنْ ذَكَرَ أَنَّهُمْ الْيَهُود .

غريب الآية
وَإِن كَادُوا۟ لَیَسۡتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ لِیُخۡرِجُوكَ مِنۡهَاۖ وَإِذࣰا لَّا یَلۡبَثُونَ خِلَـٰفَكَ إِلَّا قَلِیلࣰا ﴿٧٦﴾
إِلَّا قَلِیلࣰامَنْ عَصَمَه اللهُ تعالى مِنْ عبادِه.
لَیَسۡتَفِزُّونَكَلَيُْزعِجُونك بعَداوتهم لِيُخْرِجُوك.
مِنَ ٱلۡأَرۡضِمن مكةَ.
وَإِذࣰالو أخرجُوك.
خِلَـٰفَكَبَعْدَك.
وَإِن كَادُوا۟ولقد قارَبَ المشركون.
الإعراب
(وَإِنْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِنْ) : حَرْفٌ مُخَفَّفٌ مِنَ الثَّقِيلَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(كَادُوا)
فِعْلٌ مَاضٍ نَاقِصٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِاتِّصَالِهِ بِوَاوِ الْجَمَاعَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ اسْمُ (كَادَ) :.
(لَيَسْتَفِزُّونَكَ)
"اللَّامُ" حَرْفٌ فَارِقٌ بَيْنَ إِنْ النَّافِيَةِ وَالْمُخَفَّفَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(يَسْتَفِزُّونَ) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ خَبَرُ كَادَ.
(مِنَ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(الْأَرْضِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(لِيُخْرِجُوكَ)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(يُخْرِجُوا) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(مِنْهَا)
(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(وَإِذًا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِذًا) : حَرْفُ جَوَابٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(لَا)
حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يَلْبَثُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(خِلَافَكَ)
ظَرْفُ زَمَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(إِلَّا)
حَرْفُ اسْتِثْنَاءٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(قَلِيلًا)
مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.