صفحات الموقع

سورة الإسراء الآية ٣٧

سورة الإسراء الآية ٣٧

وَلَا تَمۡشِ فِی ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولࣰا ﴿٣٧﴾

التفسير

تفسير السعدي

يقول تعالى: " وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا " أي: كبرا وتيها وبطرا, متكبرا على الحق, ومتعاظما في تكبرك على الخلق. " إِنَّكَ " في فعلك ذلك " لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا " . بل تكون حقيرا عند الله ومحتقرا عند الخلق, مبغوضا ممقوتا, قد اكتسبت شر الأخلاق, واكتسيت بأرذلها, من غير إدراك لبعض ما تروم.

التفسير الميسر

ولا تمش في الأرض مختالا متكبرا؛ فإنك لن تَخْرِق الأرض بالمشي عليها، ولن تبلغ الجبال طولا خيلاء وتكبرًا.

تفسير الجلالين

"وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْض مَرَحًا" أَيْ ذَا مَرَح بِالْكِبْرِ وَالْخُيَلَاء "إنَّك لَنْ تَخْرِق الْأَرْض" تَثْقُبهَا حَتَّى تَبْلُغ آخِرهَا بِكِبْرِك "وَلَنْ تَبْلُغ الْجِبَال طُولًا" الْمَعْنَى أَنَّك لَا تَبْلُغ هَذَا الْمَبْلَغ فَكَيْفَ تَخْتَال

تفسير ابن كثير

يَقُول تَعَالَى نَاهِيًا عِبَاده عَنْ التَّجَبُّر وَالتَّبَخْتُر فِي الْمِشْيَة " وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْض مَرَحًا " أَيْ مُتَبَخْتِرًا مُتَمَايِلًا مَشْي الْجَبَّارِينَ " إِنَّك لَنْ تَخْرِق الْأَرْض " أَيْ لَنْ تَقْطَع الْأَرْض بِمَشْيِك قَالَهُ اِبْن جَرِير وَاسْتَشْهَدَ عَلَيْهِ بِقَوْلِ رُؤْبَة بْن الْعَجَّاج : وَقَاتِم الْأَعْمَاق خَاوِي الْمُختَرِقْنْ وَقَوْله : " وَلَنْ تَبْلُغ الْجِبَال طُولًا " أَيْ بِتَمَايُلِك وَفَخْرك وَإِعْجَابك بِنَفْسِك بَلْ قَدْ يُجَازَى فَاعِل ذَلِكَ بِنَقِيضِ قَصْده كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح " بَيْنَمَا رَجُل يَمْشِي فِيمَنْ كَانَ قَبْلكُمْ وَعَلَيْهِ بُرْدَانِ يَتَبَخْتَر فِيهِمَا إِذْ خُسِفَ بِهِ الْأَرْض فَهُوَ يَتَجَلْجَل فِيهَا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة " وَكَذَلِكَ أَخْبَرَ اللَّه تَعَالَى عَنْ قَارُون أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى قَوْمه فِي زِينَته وَأَنَّ اللَّه تَعَالَى خَسَفَ بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْض . وَفِي الْحَدِيث " مَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّه فَهُوَ فِي نَفْسه حَقِير وَعِنْد النَّاس كَبِير وَمَنْ اِسْتَكْبَرَ وَضَعَهُ اللَّه فِي نَفْسه كَبِير وَعِنْد النَّاس حَقِير حَتَّى لَهُوَ أَبْغَض إِلَيْهِمْ مِنْ الْكَلْب وَالْخِنْزِير " وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَاب الْخُمُول وَالتَّوَاضُع : حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم بْن كَثِير حَدَّثَنَا حَجَّاج بْن مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الْهُذَلِيّ قَالَ : بَيْنَمَا نَحْنُ مَعَ الْحَسَن إِذْ مَرَّ عَلَيْهِ اِبْن الْأَهْتَم يُرِيد الْمَنْصُور وَعَلَيْهِ جِبَاب خَزّ قَدْ نَضَدَ بَعْضهَا فَوْق بَعْض عَلَى سَاقه وَانْفَرَجَ عَنْهَا قَبَاؤُهُ وَهُوَ يَمْشِي وَيَتَبَخْتَر إِذْ نَظَرَ إِلَيْهِ الْحَسَن نَظْرَة فَقَالَ : أُفّ أُفّ شَامِخ بِأَنْفِهِ ثَانِي عِطْفه مُصَعِّر خَدّه يَنْظُر فِي عِطْفَيْهِ أَيّ حُمَيْق يَنْظُر فِي عِطْفه فِي نِعَم غَيْر مَشْكُورَة وَلَا مَذْكُورَة غَيْر الْمَأْخُوذ بِأَمْرِ اللَّه فِيهَا وَلَا الْمُؤَدَّى حَقّ اللَّه مِنْهَا وَاَللَّه أَنْ يَمْشِي أَحَدهمْ طَبِيعَته يَتَلَجْلَج تَلَجْلُج الْمَجْنُون فِي كُلّ عُضْو مِنْهُ نِعْمَة وَلِلشَّيْطَانِ بِهِ لَعْنَة فَسَمِعَهُ اِبْن الْأَهْتَم فَرَجَعَ يَعْتَذِر إِلَيْهِ فَقَالَ لَا تَعْتَذِر إِلَيَّ وَتُبْ إِلَى رَبّك أَمَا سَمِعْت قَوْل اللَّه تَعَالَى : " وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْض مَرَحًا إِنَّك لَنْ تَخْرِق الْأَرْض وَلَنْ تَبْلُغ الْجِبَال طُولًا " وَرَأَى الْبَخْتَرِيّ الْعَابِد رَجُلًا مِنْ آلِ عَلِيّ يَمْشِي وَهُوَ يَخْطِر فِي مِشْيَته فَقَالَ لَهُ يَا هَذَا : إِنَّ الَّذِي أَكْرَمَك بِهِ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ مِشْيَته قَالَ فَتَرَكَهَا الرَّجُل بَعْد . وَرَأَى اِبْن عُمَر رَجُلًا يَخْطِر فِي مِشْيَته فَقَالَ إِنَّ لِلشَّيَاطِينِ إِخْوَانًا وَقَالَ خَالِد بْن مَعْدَان : إِيَّاكُمْ وَالْخَطْر فَإِنَّ الرَّجُل يَده مِنْ سَائِر جَسَده رَوَاهُمَا اِبْن أَبِي الدُّنْيَا وَقَالَ اِبْن أَبِي الدُّنْيَا حَدَّثَنَا خَلَف بْن هِشَام الْبَزَّار حَدَّثَنَا حَمَّاد بْن يَزِيد عَنْ يَحْيَى عَنْ سَعِيد عَنْ مُحْسِن قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِذَا مَشَتْ أُمَّتِي الْمُطَيْطَاء وَخَدَمَتْهُمْ فَارِس وَالرُّوم سُلِّطَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض " .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْض مَرَحًا إِنَّك لَنْ تَخْرِق الْأَرْض وَلَنْ تَبْلُغ الْجِبَال طُولًا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْض مُخْتَالًا مُسْتَكْبِرًا { إِنَّك لَنْ تَخْرِق الْأَرْض } يَقُول : إِنَّك لَنْ تَقْطَع الْأَرْض بِاخْتِيَالِك , كَمَا قَالَ رُؤْبَة : وَقَاتِم الْأَعْمَاق خَاوِي الْمُخْتَرَق يَعْنِي بِالْمُخْتَرَقِ : الْمُقَطَّع { وَلَنْ تَبْلُغ الْجِبَال طُولًا } بِفَخْرِك وَكِبْرك , وَإِنَّمَا هَذَا نَهْي مِنْ اللَّه عِبَاده عَنْ الْكِبْر وَالْفَخْر وَالْخُيَلَاء , وَتَقَدَّمَ مِنْهُ إِلَيْهِمْ فِيهِ مُعَرِّفهمْ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يَنَالُونَ بِكِبْرِهِمْ وَفَخَارهمْ شَيْئًا يَقْصُر عَنْهُ غَيْرهمْ . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16841 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْض مَرَحًا إِنَّك لَنْ تَخْرِق الْأَرْض وَلَنْ تَبْلُغ الْجِبَال طُولًا } يَعْنِي بِكِبْرِك وَمَرَحك . * - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْض مَرَحًا } قَالَ : لَا تَمْشِ فِي الْأَرْض فَخْرًا وَكِبْرًا , فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَبْلُغ بِك الْجِبَال , وَلَا تَخْرِق الْأَرْض بِكِبْرِك وَفَخْرك . 16842 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج { وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْض } قَالَ : لَا تَفْخَر . وَقِيلَ : لَا تَمْشِ مَرَحًا , وَلَمْ يَقُلْ مَرَحًا , لِأَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالْكَلَامِ : لَا تَكُنْ مَرِحًا , فَيَجْعَلهُ مِنْ نَعْت الْمَاشِي , وَإِنَّمَا أُرِيدَ لَا تَمْرَح فِي الْأَرْض مَرَحًا , فَفُسِّرَ الْمَعْنَى الْمُرَاد مِنْ قَوْله : وَلَا تَمْشِ , كَمَا قَالَ الرَّاجِز : يُعْجِبهُ السَّخُون وَالْعَصِيد وَالتَّمْر حُبًّا مَا لَهُ مَزِيد فَقَالَ : حُبًّا , لِأَنَّ فِي قَوْله : يُعْجِبهُ , مَعْنَى يُحِبّ , فَأَخْرَجَ قَوْله : حُبًّا , مِنْ مَعْنَاهُ دُون لَفْظه .

تفسير القرطبي

هَذَا نَهْي عَنْ الْخُيَلَاء وَأَمْر بِالتَّوَاضُعِ . وَالْمَرَح : شِدَّة الْفَرَح . وَقِيلَ : التَّكَبُّر فِي الْمَشْي . وَقِيلَ : تَجَاوُز الْإِنْسَان قَدْره . وَقَالَ قَتَادَة : هُوَ الْخُيَلَاء فِي الْمَشْي . وَقِيلَ : هُوَ الْبَطَر وَالْأَشَر . وَقِيلَ : هُوَ النَّشَاط وَهَذِهِ الْأَقْوَال مُتَقَارِبَة وَلَكِنْهَا مُنْقَسِمَة قِسْمَيْنِ : أَحَدهمَا مَذْمُوم وَالْآخَر مَحْمُود ; فَالتَّكَبُّر وَالْبَطَر وَالْخُيَلَاء وَتَجَاوُز الْإِنْسَان قَدْره مَذْمُوم وَالْفَرَح وَالنَّشَاط مَحْمُود . وَقَدْ وَصَفَ اللَّه تَعَالَى نَفْسه بِأَحَدِهِمَا ; فَفِي الْحَدِيث الصَّحِيح ( لَلَّهُ أَفْرَح بِتَوْبَةِ الْعَبْد مِنْ رَجُل . .. ) الْحَدِيث . وَالْكَسَل مَذْمُوم شَرْعًا وَالنَّشَاط ضِدّه . وَقَدْ يَكُون التَّكَبُّر وَمَا فِي مَعْنَاهُ مَحْمُودًا , وَذَلِكَ عَلَى أَعْدَاء اللَّه وَالظَّلَمَة . أَسْنَدَ أَبُو حَاتِم بْن حِبَّان عَنْ اِبْن جَابِر بْن عَتِيك عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : ( مِنْ الْغَيْرَة مَا يُبْغِض اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَمِنْهَا مَا يُحِبّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَمِنْ الْخُيَلَاء مَا يُحِبّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَمِنْهَا مَا يُبْغِض اللَّه فَأَمَّا الْغَيْرَة الَّتِي يُحِبّ اللَّه الْغَيْرَة فِي الدِّين وَالْغَيْرَة الَّتِي يُبْغِض اللَّه الْغَيْرَة فِي غَيْر دِينه وَالْخُيَلَاء الَّتِي يُحِبّ اللَّه اِخْتِيَال الرَّجُل بِنَفْسِهِ عِنْد الْقِتَال وَعِنْد الصَّدَقَة وَالِاخْتِيَال الَّذِي يُبْغِض اللَّه الْخُيَلَاء فِي الْبَاطِل ) وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي مُصَنَّفه وَغَيْره . وَأَنْشَدُوا : وَلَا تَمْشِ فَوْق الْأَرْض إِلَّا تَوَاضُعًا فَكَمْ تَحْتهَا قَوْم هُمُو مِنْك أَرْفَع وَإِنْ كُنْت فِي عِزّ وَحِرْز وَمَنْعَة فَكَمْ مَاتَ مِنْ قَوْم هُمُو مِنْك أَمْنَع إِقْبَال الْإِنْسَان عَلَى الصَّيْد وَنَحْوه تَرَفُّعًا دُون حَاجَة إِلَى ذَلِكَ دَاخِل فِي هَذِهِ الْآيَة , وَفِيهِ تَعْذِيب الْحَيَوَان وَإِجْرَاؤُهُ لِغَيْرِ مَعْنًى . وَأَمَّا الرَّجُل يَسْتَرِيح فِي الْيَوْم النَّادِر وَالسَّاعَة مِنْ يَوْمه , وَيُجِمّ فِيهَا نَفْسه فِي التَّطَرُّح وَالرَّاحَة لِيَسْتَعِينَ بِذَلِكَ عَلَى شُغْل مِنْ الْبِرّ , كَقِرَاءَةِ عِلْم أَوْ صَلَاة , فَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي هَذِهِ الْآيَة . " مَرَحًا " قِرَاءَة الْجُمْهُور بِفَتْحِ الرَّاء . وَقِرَاءَة فِرْقَة فِيمَا حَكَى يَعْقُوب بِكَسْرِ الرَّاء عَلَى بِنَاء اِسْم الْفَاعِل . وَالْأَوَّل أَبْلَغ , فَإِنَّ قَوْلك : جَاءَ زَيْد رَكْضًا أَبْلَغ مِنْ قَوْلك : جَاءَ زَيْد رَاكِضًا ; فَكَذَلِكَ قَوْلك مَرَحًا . وَالْمَرَح الْمَصْدَر أَبْلَغ مِنْ أَنْ يُقَال مَرِحًا . اِسْتَدَلَّ الْعُلَمَاء بِهَذِهِ الْآيَة عَلَى ذَمّ الرَّقْص وَتَعَاطِيه . قَالَ الْإِمَام أَبُو الْوَفَاء ابْن عَقِيل : قَدْ نَصَّ الْقُرْآن عَلَى النَّهْي عَنْ الرَّقْص فَقَالَ : " وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْض مَرَحًا " وَذَمّ الْمُخْتَال . وَالرَّقْص أَشَدّ الْمَرَح وَالْبَطَر . أَوَلَسْنَا الَّذِينَ قِسْنَا النَّبِيذ عَلَى الْخَمْر لِاتِّفَاقِهِمَا فِي الْإِطْرَاب وَالسُّكْر , فَمَا بَالنَا لَا نَقِيس الْقَضِيب وَتَلْحِين الشِّعْر مَعَهُ عَلَى الطُّنْبُور وَالْمِزْمَار وَالطَّبْل لِاجْتِمَاعِهِمَا . فَمَا أَقْبَح مِنْ ذِي لِحْيَة , وَكَيْفَ إِذَا كَانَ شَيْبَة , يَرْقُص وَيُصَفِّق عَلَى إِيقَاع الْأَلْحَان وَالْقُضْبَان , وَخُصُوصًا إِنْ كَانَتْ أَصْوَات لِنِسْوَان وَمُرْدَان , وَهَلْ يَحْسُن لِمَنْ بَيْن يَدَيْهِ الْمَوْت وَالسُّؤَال وَالْحَشْر وَالصِّرَاط , ثُمَّ هُوَ إِلَى إِحْدَى الدَّارَيْنِ , يَشْمُس بِالرَّقْصِ شُمُس الْبَهَائِم , وَيُصَفِّق تَصْفِيق النِّسْوَانِ , وَلَقَدْ رَأَيْت مَشَايِخ فِي عُمْرِي مَا بَانَ لَهُمْ سِنّ مِنْ التَّبَسُّم فَضْلًا عَنْ الضَّحِك مَعَ إِدْمَان مُخَالَطَتِي لَهُمْ وَقَالَ أَبُو الْفَرَج اِبْن الْجَوْزِيّ رَحِمَهُ اللَّه : وَلَقَدْ حَدَّثَنِي بَعْض الْمَشَايِخ عَنْ الْإِمَام الْغَزَالِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : الرَّقْص حَمَاقَة بَيْن الْكَتِفَيْنِ لَا تَزُول إِلَّا بِاللَّعِبِ . وَسَيَأْتِي لِهَذَا الْبَاب مَزِيد بَيَان فِي [ الْكَهْف ] وَغَيْرهَا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . يَعْنِي لَنْ تَتَوَلَّج بَاطِنهَا فَتَعْلَم مَا فِيهَا وَيُقَال : خَرَقَ الثَّوْب أَيْ شَقَّهُ , وَخَرَقَ الْأَرْض قَطَعَهَا . وَالْخَرْق : الْوَاسِع مِنْ الْأَرْض . أَيْ لَنْ تَخْرِق الْأَرْض بِكِبْرِك وَمَشْيك عَلَيْهَا . وَالْمُرَاد بِخَرْقِ الْأَرْض هُنَا نَقْبهَا لَا قَطْعهَا بِالْمَسَافَةِ ; وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ الْأَزْهَرِيّ : مَعْنَاهُ لَنْ تَقْطَعهَا . النَّحَّاس : وَهَذَا أَبْيَن ; لِأَنَّهُ مَأْخُوذ مِنْ الْخَرْق وَهِيَ الصَّحْرَاء الْوَاسِعَة . وَيُقَال : فُلَان أَخْرَق مِنْ فُلَان , أَيْ أَكْثَر سَفَرًا وَعِزَّة وَمَنَعَة . وَيُرْوَى أَنَّ سَبَأ دَوَّخَ الْأَرْض بِأَجْنَادِهِ شَرْقًا وَغَرْبًا وَسَهْلًا وَجَبَلًا , وَقَتَلَ سَادَة وَسَبَى - وَبِهِ سُمِّيَ سَبَأ - وَدَانَ لَهُ الْخَلْق , فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ اِنْفَرَدَ عَنْ أَصْحَابه ثَلَاثَة أَيَّام ثُمَّ خَرَجَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ : إِنِّي لَمَّا نِلْت مَا لَمْ يَنَلْ أَحَد رَأَيْت الِابْتِدَاء بِشُكْرِ هَذِهِ النِّعَم , فَلَمْ أَرَ أَوْقَع فِي ذَلِكَ مِنْ السُّجُود لِلشَّمْسِ إِذَا أَشْرَقَتْ , فَسَجَدُوا لَهَا , وَكَانَ ذَلِكَ أَوَّل عِبَادَة الشَّمْس ; فَهَذِهِ عَاقِبَة الْخُيَلَاء وَالتَّكَبُّر وَالْمَرَح ; نَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ . أَيْ لَنْ تُسَاوِي الْجِبَال بِطُولِك وَلَا تَطَاوُلك . " وَلَنْ تَبْلُغ الْجِبَال طُولًا " بِعَظَمَتِك , أَيْ بِقُدْرَتِك لَا تَبْلُغ هَذَا الْمَبْلَغ , بَلْ أَنْتَ عَبْد ذَلِيل , مُحَاط بِك مِنْ تَحْتك وَمِنْ فَوْقك , وَالْمُحَاط مَحْصُور ضَعِيف , فَلَا يَلِيق بِك التَّكَبُّر .

غريب الآية
وَلَا تَمۡشِ فِی ٱلۡأَرۡضِ مَرَحًاۖ إِنَّكَ لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَ وَلَن تَبۡلُغَ ٱلۡجِبَالَ طُولࣰا ﴿٣٧﴾
فِی ٱلۡأَرۡضِفي بيتِ المَقْدِسِ والشامِ.
مَرَحًاۖفَخْراً وتكبُّراً.
لَن تَخۡرِقَ ٱلۡأَرۡضَتَثْقُبَها بمَشْيِك عليها بهذه الصفةِ.
ٱلۡأَرۡضَأرضَ «مصرَ والشام».
الإعراب
(وَلَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَهْيٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَمْشِ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ حَذْفُ حَرْفِ الْعِلَّةِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(فِي)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(الْأَرْضِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مَرَحًا)
حَالٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(إِنَّكَ)
(إِنَّ) : حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ اسْمُ (إِنَّ) :.
(لَنْ)
حَرْفُ نَصْبٍ وَنَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَخْرِقَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (إِنَّ) :.
(الْأَرْضَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَلَنْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَنْ) : حَرْفُ نَصْبٍ وَنَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَبْلُغَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(الْجِبَالَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(طُولًا)
تَمْيِيزٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.