صفحات الموقع

سورة الإسراء الآية ٢٩

سورة الإسراء الآية ٢٩

وَلَا تَجۡعَلۡ یَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومࣰا مَّحۡسُورًا ﴿٢٩﴾

التفسير

تفسير السعدي

وقال هنا: " وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ " كناية عن شدة الإمساك والبخل. " وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ " فتنفق فيما لا ينبغي, وزيادة على ما ينبغي. " فَتَقْعُدَ " إن فعلت ذلك " مَلُومًا " أي: تلام على ما فعلت " مَحْسُورًا " أي: حاسر اليد فارغها, فلا بقي ما في يدك من المال ولا خلفه مدح وثناء. وهذا الأمر بإيتاء ذى القربى, مع القدرة والغنى. فأما مع العدم, أو تعسر النفقة الحاضرة, فأمر تعالى أن يردوا ردا جميلا فقال: " وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا " أي: تعرضن عن إعطائهم إلى وقت آخر, ترجو فيه من الله تيسير الأمر. " فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا " أي: لطيفا برفق, ووعد بالجميل, عند سنوح الفرصة, واعتذار بعدم الإمكان, في الوقت الحاضر, لينقلبوا عنك, مطمئنة خواطرهم, كما قال تعالى " قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى " . وهذا أيضا, من لطف الله تعالى بالعباد, أمرهم بانتظار الرحمة والرزق منه, لأن انتظار ذلك, عبادة. وكذلك وعدهم بالصدقة والمعروف عند التيسر, عبادة حاضرة, لأن الهم بفعل الحسنة, حسنة. ولهذا ينبغي للإنسان أن يفعل ما يقدر عليه من الخير, وينوي فعل ما لم يقدر عليه, ليثاب على ذلك, ولعل الله ييسر له بسبب رجائه.

التفسير الميسر

ولا تمسك يدك عن الإنفاق في سبيل الخير، مضيِّقًا على نفسك وأهلك والمحتاجين، ولا تسرف في الإنفاق، فتعطي فوق طاقتك، فتقعد ملومًا يلومك الناس ويذمونك، نادمًا على تبذيرك وضياع مالك.

تفسير الجلالين

"وَلَا تَجْعَل يَدك مَغْلُولَة إلَى عُنُقك" أَيْ لَا تُمْسِكهَا عَنْ الْإِنْفَاق كُلّ الْمَسْك "وَلَا تَبْسُطهَا" فِي الْإِنْفَاق "كُلّ الْبَسْط فَتَقْعُد مَلُومًا" رَاجِع لِلْأَوَّلِ "مَحْسُورًا" مُنْقَطِعًا لَا شَيْء عِنْدك رَاجِع لِلثَّانِي

تفسير ابن كثير

يَقُول تَعَالَى آمِرًا بِالِاقْتِصَادِ فِي الْعَيْش ذَامًّا لِلْبُخْلِ نَاهِيًا عَنْ السَّرَف " وَلَا تَجْعَل يَدك مَغْلُولَة إِلَى عُنُقك " أَيْ لَا تَكُنْ بَخِيلًا مَنُوعًا لَا تُعْطِي أَحَدًا شَيْئًا كَمَا قَالَتْ الْيَهُود عَلَيْهِمْ لَعَائِن اللَّه يَد اللَّه مَغْلُولَة أَيْ نَسَبُوهُ إِلَى الْبُخْل تَعَالَى وَتَقَدَّسَ الْكَرِيم الْوَهَّاب وَقَوْله : " وَلَا تَبْسُطهَا كُلّ الْبَسْط " أَيْ وَلَا تُسْرِف فِي الْإِنْفَاق فَتُعْطِي فَوْق طَاقَتك وَتُخْرِج أَكْثَر مِنْ دَخْلك فَتَقْعُد مَلُومًا مَحْسُورًا وَهَذَا مِنْ بَاب اللَّفّ وَالنَّشْر أَيْ فَتَقْعُد إِنْ بَخِلْت مَلُومًا يَلُومك النَّاس وَيَذُمُّونَك وَيَسْتَغْنُونَ عَنْك كَمَا قَالَ زُهَيْر بْن أَبِي سُلْمَى فِي الْمُعَلَّقَة. وَمَنْ كَانَ ذَا مَال فَيَبْخَل بِمَالِهِ عَلَى قَوْمه يُسْتَغْنَ عَنْهُ وَيُذْمَمِ وَمَتَى بَسَطْت يَدك فَوْق طَاقَتك قَعَدْت بِلَا شَيْء تُنْفِقهُ فَتَكُون كَالْحَسِيرِ وَهُوَ الدَّابَّة الَّتِي قَدْ عَجَزَتْ عَنْ السَّيْر فَوَقَفَتْ ضَعْفًا وَعَجْزًا فَإِنَّهَا تُسَمَّى الْحَسِير وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ الْكَلَال كَمَا قَالَ " فَارْجِعْ الْبَصَر هَلْ تَرَى مِنْ فَطُور ثُمَّ اِرْجِعْ الْبَصَر كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِب إِلَيْك الْبَصَر خَاسِئًا وَهُوَ حَسِير " أَيْ كَلِيل عَنْ أَنْ يَرَى عَيْبًا هَكَذَا فَسَّرَ هَذِهِ الْآيَة بِأَنَّ الْمُرَاد هُنَا الْبُخْل وَالسَّرَف : اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن وَقَتَادَة وَابْن جُرَيْج وَابْن زَيْد وَغَيْرهمْ وَقَدْ جَاءَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث أَبِي الزِّنَاد عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَة أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : " مَثَل الْبَخِيل وَالْمُنْفِق كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيد مِنْ ثُدِيّهمَا إِلَى تَرَاقِيهمَا فَأَمَّا الْمُنْفِق فَلَا يُنْفِق إِلَّا سَبَغَتْ أَوْ وَفَرَتْ عَلَى جِلْده حَتَّى تُخْفِي بَنَانه وَتَعْفُو أَثَره وَأَمَّا الْبَخِيل فَلَا يُرِيد أَنْ يُنْفِق شَيْئًا إِلَّا لَزِقَتْ كُلّ حَلْقَة مَكَانهَا فَهُوَ يُوَسِّعهَا فَلَا تَتَّسِع " هَذَا لَفْظ الْبُخَارِيّ فِي الزَّكَاة وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيق هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ زَوْجَته فَاطِمَة بِنْت الْمُنْذِر عَنْ جَدَّتهَا أَسْمَاء بِنْت أَبِي بَكْر قَالَتْ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " أَنْفِقِي هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا وَلَا تُوعِي فَيُوعِي اللَّه عَلَيْك وَلَا تُوكِي فَيُوكِي اللَّه عَلَيْك " وَفِي لَفْظ " وَلَا تُحْصِي فَيُحْصِي اللَّه عَلَيْك " وَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ طَرِيق عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " إِنَّ اللَّه قَالَ أَنْفِقْ أُنْفِق عَلَيْك " وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيق مُعَاوِيَة بْن أَبِي مُزَرِّد عَنْ سَعِيد بْن يَسَار عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا مِنْ يَوْم يُصْبِح الْعِبَاد فِيهِ إِلَّا وَمَلَكَانِ يَنْزِلَانِ مِنْ السَّمَاء يَقُول أَحَدهمَا : اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا وَيَقُول الْآخَر اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا " وَرَوَى مُسْلِم عَنْ قُتَيْبَة عَنْ إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر عَنْ الْعَلَاء عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة مَرْفُوعًا " مَا نَقَصَ مَال مِنْ صَدَقَة وَمَا زَادَ اللَّه عَبْدًا أَنْفَقَ إِلَّا عِزًّا وَمَنْ تَوَاضَعَ لِلَّهِ رَفَعَهُ اللَّه " وَفِي حَدِيث أَبِي كَثِير عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُمَر مَرْفُوعًا " إِيَّاكُمْ وَالشُّحّ فَإِنَّهُ أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلكُمْ أَمَرَهُمْ بِالْبُخْلِ فَبَخِلُوا وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيعَةِ فَقَطَعُوا وَأَمَرَهُمْ بِالْفُجُورِ فَفَجَرُوا " وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ مِنْ طَرِيق سَعْدَان بْن نَصْر عَنْ أَبِي مُعَاوِيَة عَنْ الْأَعْمَش عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا يُخْرِج رَجُل صَدَقَة حَتَّى يَفُكّ لِحَيٍّ سَبْعِينَ شَيْطَانًا " . وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا أَبُو عُبَيْدَة الْحَدَّاد حَدَّثَنَا سُكَيْن بْن عَبْد الْعَزِيز حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم الْهَجَرِيّ عَنْ أَبِي الْأَحْوَص عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَا عَالَ مَنْ اِقْتَصَدَ " .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى { وَلَا تَجْعَل يَدك مَغْلُولَة إِلَى عُنُقك وَلَا تَبْسُطهَا كُلّ الْبَسْط فَتَقْعُد مَلُومًا مَحْسُورًا } . وَهَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلْمُمْتَنِعِ مِنْ الْإِنْفَاق فِي الْحُقُوق الَّتِي أَوْجَبَهَا فِي أَمْوَال ذَوِي الْأَمْوَال , فَجَعَلَهُ كَالْمَشْدُودَةِ يَده إِلَى عُنُقه , الَّذِي لَا يَقْدِر عَلَى الْأَخْذ بِهَا وَالْإِعْطَاء . وَإِنَّمَا مَعْنَى الْكَلَام : وَلَا تُمْسِك يَا مُحَمَّد يَدك بُخْلًا عَنْ النَّفَقَة فِي حُقُوق اللَّه , فَلَا تُنْفِق فِيهَا شَيْئًا إِمْسَاك الْمَغْلُولَة يَده إِلَى عُنُقه , الَّذِي لَا يَسْتَطِيع بَسْطهَا { وَلَا تَبْسُطهَا كُلّ الْبَسْط } يَقُول : وَلَا تَبْسُطهَا بِالْعَطِيَّةِ كُلّ الْبَسْط , فَتَبْقَى لَا شَيْء عِنْدك , وَلَا تَجِد إِذَا سُئِلْت شَيْئًا تُعْطِيه سَائِلك { فَتَقْعُد مَلُومًا مَحْسُورًا } يَقُول : فَتَقْعُد يَلُومك سَائِلُوك إِذَا لَمْ تُعْطِهِمْ حِين سَأَلُوك , وَتَلُومك نَفْسك عَلَى الْإِسْرَاع فِي مَالِك وَذَهَابه , { مَحْسُورًا } يَقُول : مَعِيبًا , قَدْ اِنْقَطَعَ بِك , لَا شَيْء عِنْدك تُنْفِقهُ . وَأَصْله مِنْ قَوْلهمْ لِلدَّابَّةِ الَّتِي قَدْ سِيرَ عَلَيْهَا حَتَّى اِنْقَطَعَ سَيْرهَا , وَكَلَّتْ وَرَزَحَتْ مِنْ السَّيْر , بِأَنَّهُ حَسِير . يُقَال مِنْهُ : حَسِرَتْ الدَّابَّة فَأَنَا أَحْسَرهَا , وَأَحْسَرهَا حَسْرًا , وَذَلِكَ إِذَا أَنْضَيْته بِالسَّيْرِ ; وَحَسِرْته بِالْمَسْأَلَةِ إِذَا سَأَلْته فَأَلْحَفْت ; وَحَسَرَ الْبَصَر فَهُوَ يَحْسِر , وَذَلِكَ إِذَا بَلَغَ أَقْصَى الْمَنْظَر فَكَلَّ . وَمِنْهُ قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : { يَنْقَلِب إِلَيْك الْبَصَر خَاسِئًا وَهُوَ حَسِير } 67 4 وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي كُلّ شَيْء كَلَّ وَأَزْحَف حَتَّى يَضْنَى . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ , قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16805 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا هَوْدَة , قَالَ : ثنا عَوْف , عَنْ الْحَسَن , فِي قَوْله { وَلَا تَجْعَل يَدك مَغْلُولَة إِلَى عُنُقك } قَالَ : لَا تَجْعَلهَا مَغْلُولَة عَنْ النَّفَقَة { وَلَا تَبْسُطهَا } : تُبَذِّر بِسَرَفٍ . 16806 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا يُوسُف بْن بَهْز , قَالَ : ثنا حَوْشَب , قَالَ : كَانَ الْحَسَن إِذَا تَلَا هَذِهِ الْآيَة { وَلَا تَجْعَل يَدك مَغْلُولَة إِلَى عُنُقك وَلَا تَبْسُطهَا كُلّ الْبَسْط فَتَقْعُد مَلُومًا مَحْسُورًا } يَقُول : لَا تُطَفِّف بِرِزْقِي عَنْ غَيْر رِضَايَ , وَلَا تَضَعهُ فِي سَخَطِي فَأَسْلُبك مَا فِي يَدَيْك , فَتَكُون حَسِيرًا لَيْسَ فِي يَدَيْك مِنْهُ شَيْء . 16807 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنْي أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَلَا تَجْعَل يَدك مَغْلُولَة إِلَى عُنُقك وَلَا تَبْسُطهَا كُلّ الْبَسْط فَتَقْعُد مَلُومًا مَحْسُورًا } يَقُول هَذَا فِي النَّفَقَة , يَقُول { لَا تَجْعَل يَدك مَغْلُولَة إِلَى عُنُقك } يَقُول : لَا تَبْسُطهَا بِالْخَيْرِ { وَلَا تَبْسُطهَا كُلّ الْبَسْط } يَعْنِي التَّبْذِير { فَتَقْعُد مَلُومًا } يَقُول : يَلُوم نَفْسه عَلَى مَا فَاتَ مِنْ مَاله { مَحْسُورًا } يَعْنِي : ذَهَبَ مَاله كُلّه فَهُوَ مَحْسُور . * - حَدَّثَنِي عَلِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو صَالِح , قَالَ : ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله { وَلَا تَجْعَل يَدك مَغْلُولَة إِلَى عُنُقك } يَعْنِي بِذَلِكَ الْبُخْل . 16808 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله { وَلَا تَجْعَل يَدك مَغْلُولَة إِلَى عُنُقك } أَيْ لَا تُمْسِكهَا عَنْ طَاعَة اللَّه , وَلَا عَنْ حَقّه { وَلَا تَبْسُطهَا كُلّ الْبَسْط } يَقُول : لَا تُنْفِقهَا فِي مَعْصِيَة اللَّه , وَلَا فِيمَا يَصْلُح لَك , وَلَا يَنْبَغِي لَك , وَهُوَ الْإِسْرَاف . قَوْله { فَتَقْعُد مَلُومًا مَحْسُورًا } قَالَ : مَلُومًا فِي عِبَاد اللَّه , مَحْسُورًا عَلَى مَا سَلَفَ مِنْ دَهْره وَفَرَّطَ . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة { وَلَا تَجْعَل يَدك مَغْلُولَة إِلَى عُنُقك } قَالَ : فِي النَّفَقَة , يَقُول : لَا تُمْسِك عَنْ النَّفَقَة { وَلَا تَبْسُطهَا كُلّ الْبَسْط } يَقُول : لَا تُبَذِّر تَبْذِيرًا { فَتَقْعُد مَلُومًا } فِي عِبَاد اللَّه { مَحْسُورًا } يَقُول : نَادِمًا عَلَى مَا فَرَّطَ مِنْك . 16809 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : لَا تُمْسِك عَنْ النَّفَقَة فِيمَا أَمَرْتُك بِهِ مِنْ الْحَقّ { وَلَا تَبْسُطهَا كُلّ الْبَسْط } فِيمَا نَهَيْتُك { فَنَقْعُد مَلُومًا } قَالَ : مُذْنِبًا { مَحْسُورًا } قَالَ : مُنْقَطِعًا بِك . 16810 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله { وَلَا تَجْعَل يَدك مَغْلُولَة إِلَى عُنُقك } قَالَ : مَغْلُولَة لَا تَبْسُطهَا بِخَيْرٍ وَلَا بِعَطِيَّةٍ { وَلَا تَبْسُطهَا كُلّ الْبَسْط } فِي الْحَقّ وَالْبَاطِل , فَيَنْفَد مَا مَعَك , وَمَا فِي يَدَيْك , فَيَأْتِيك مَنْ يُرِيد أَنْ تُعْطِيه فَيَحْسَر بِك , فَيَلُومك حِين أَعْطَيْت هَؤُلَاءِ , وَلَمْ تُعْطِهِمْ .

تفسير القرطبي

هَذَا مَجَاز عَبَّرَ بِهِ عَنْ الْبَخِيل الَّذِي لَا يَقْدِر مِنْ قَلْبه عَلَى إِخْرَاج شَيْء مِنْ مَاله ; فَضَرَبَ لَهُ مَثَل الْغُلّ الَّذِي يَمْنَع مِنْ التَّصَرُّف بِالْيَدِ . وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ قَالَ : ضَرَبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَثَل الْبَخِيل وَالْمُتَصَدِّق كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُبَّتَانِ مِنْ حَدِيد قَدْ اِضْطَرَّتْ أَيْدِيهمَا إِلَى ثُدِيّهمَا وَتَرَاقِيهمَا فَجَعَلَ الْمُتَصَدِّق كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ اِنْبَسَطَتْ عَنْهُ حَتَّى تَغْشَى أَنَامِله وَتَعْفُو أَثَره وَجَعَلَ الْبَخِيل كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ قَلَصَتْ وَأَخَذَتْ كُلّ حَلْقَة بِمَكَانِهَا . قَالَ أَبُو هُرَيْرَة رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : فَأَنَا رَأَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول بِأُصْبُعَيْهِ هَكَذَا فِي جَيْبه فَلَوْ رَأَيْته يُوَسِّعهَا وَلَا تَتَوَسَّع . ضَرَبَ بَسْط الْيَد مَثَلًا لِذَهَابِ الْمَال , فَإِنَّ قَبْض الْكَفّ يَحْبِس مَا فِيهَا , وَبَسْطهَا يُذْهِب مَا فِيهَا . وَهَذَا كُلّه خِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَاد أُمَّته , وَكَثِيرًا مَا جَاءَ فِي الْقُرْآن ; فَإِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا كَانَ سَيِّدهمْ وَوَاسِطَتهمْ إِلَى رَبّهمْ عَبَّرَ بِهِ عَنْهُمْ عَلَى عَادَة الْعَرَب فِي ذَلِكَ . وَأَيْضًا فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلَام لَمْ يَكُنْ يَدَّخِر شَيْئًا لِغَدٍ , وَكَانَ يَجُوع حَتَّى يَشُدّ الْحَجَر عَلَى بَطْنه مِنْ الْجُوع . وَكَانَ كَثِير مِنْ الصَّحَابَة يُنْفِقُونَ فِي سَبِيل اللَّه جَمِيع أَمْوَالهمْ , فَلَمْ يُعَنِّفهُمْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُنْكِر عَلَيْهِمْ لِصِحَّةِ يَقِينهمْ وَشِدَّة بَصَائِرهمْ . وَإِنَّمَا نَهَى اللَّه سُبْحَانه وَتَعَالَى عَنْ الْإِفْرَاط فِي الْإِنْفَاق , وَإِخْرَاج مَا حَوَتْهُ يَده مِنْ الْمَال مَنْ خِيفَ عَلَيْهِ الْحَسْرَة عَلَى مَا خَرَجَ مِنْ يَده , فَأَمَّا مَنْ وَثِقَ بِمَوْعُودِ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَجَزِيل ثَوَابه فِيمَا أَنْفَقَهُ فَغَيْر مُرَاد بِالْآيَةِ , وَاَللَّه أَعْلَم . وَقِيلَ : إِنَّ هَذَا الْخِطَاب لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَاصَّة نَفْسه , عَلَّمَهُ فِيهِ كَيْفِيَّة الْإِنْفَاق , وَأَمَرَهُ بِالِاقْتِصَادِ . قَالَ جَابِر وَابْن مَسْعُود : جَاءَ غُلَام إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إِنَّ أُمِّي تَسْأَلك كَذَا وَكَذَا . فَقَالَ : ( مَا عِنْدنَا الْيَوْم شَيْء ) . قَالَ : فَتَقُول لَك اُكْسُنِي قَمِيصك ; فَخَلَعَ قَمِيصه فَدَفَعَهُ إِلَيْهِ وَجَلَسَ فِي الْبَيْت عُرْيَانًا . وَفِي رِوَايَة جَابِر : فَأَذَّنَ بِلَال لِلصَّلَاةِ وَانْتَظَرَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُج , وَاشْتَغَلَتْ الْقُلُوب , فَدَخَلَ بَعْضهمْ فَإِذَا هُوَ عَارٍ ; فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة . وَكُلّ هَذَا فِي إِنْفَاق الْخَيْر . وَأَمَّا إِنْفَاق الْفَسَاد فَقَلِيله وَكَثِيره حَرَام , كَمَا تَقَدَّمَ . نَهَتْ هَذِهِ الْآيَة عَنْ اِسْتِفْرَاغ الْوُجْد فِيمَا يَطْرَأ أَوَّلًا مِنْ سُؤَال الْمُؤْمِنِينَ ; لِئَلَّا يَبْقَى مَنْ يَأْتِي بَعْد ذَلِكَ لَا شَيْء لَهُ , أَوْ لِئَلَّا يُضَيِّع الْمُنْفِق عِيَاله . وَنَحْوه مِنْ كَلَام الْحِكْمَة : مَا رَأَيْت قَطُّ سَرَفًا إِلَّا وَمَعَهُ حَقّ مُضَيَّع . وَهَذِهِ مِنْ آيَات فِقْه الْحَال فَلَا يُبَيِّن حُكْمهَا إِلَّا بِاعْتِبَارِ شَخْص شَخْص مِنْ النَّاس . قَالَ اِبْن عَرَفَة : يَقُول لَا تُسْرِف وَلَا تُتْلِف مَالَك فَتَبْقَى مَحْسُورًا مُنْقَطِعًا عَنْ النَّفَقَة وَالتَّصَرُّف ; كَمَا يَكُون الْبَعِير الْحَسِير , وَهُوَ الَّذِي ذَهَبَتْ قُوَّته فَلَا اِنْبِعَاث بِهِ ; وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : " يَنْقَلِب إِلَيْك الْبَصَر خَاسِئًا وَهُوَ حَسِير " [ الْمُلْك : 4 ] أَيْ كَلِيل مُنْقَطِع . وَقَالَ قَتَادَة : أَيْ نَادِمًا عَلَى مَا سَلَفَ مِنْك ; فَجَعَلَهُ مِنْ الْحَسْرَة , وَفِيهِ بُعْد ; لِأَنَّ الْفَاعِل مِنْ الْحَسْرَة حَسِر وَحَسْرَان وَلَا يُقَال مَحْسُور . وَالْمَلُوم : الَّذِي يُلَام عَلَى إِتْلَاف مَاله , أَوْ يَلُومهُ مَنْ لَا يُعْطِيه .

غريب الآية
وَلَا تَجۡعَلۡ یَدَكَ مَغۡلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِ فَتَقۡعُدَ مَلُومࣰا مَّحۡسُورًا ﴿٢٩﴾
فَتَقۡعُدَفتَصيرَ.
مَغۡلُولَةًمقبوضَةً عن الإنفاقِ في الخيرِ.
وَلَا تَبۡسُطۡهَا كُلَّ ٱلۡبَسۡطِلا تُسْرِفْ، ولا تتوسَّعْ في النفقةِ فوقَ طاقَتِك.
مَّحۡسُورًانادماً على إسرافِك وضَياعِ مالِك.
الإعراب
(وَلَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَهْيٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَجْعَلْ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ السُّكُونُ الظَّاهِرُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(يَدَكَ)
مَفْعُولٌ بِهِ أَوَّلُ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(مَغْلُولَةً)
مَفْعُولٌ بِهِ ثَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(إِلَى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(عُنُقِكَ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَلَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(لَا) : حَرْفُ نَهْيٍ وَجَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(تَبْسُطْهَا)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ السُّكُونُ الظَّاهِرُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(كُلَّ)
نَائِبٌ عَنِ الْمَفْعُولِ الْمُطْلَقِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(الْبَسْطِ)
مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَتَقْعُدَ)
"الْفَاءُ" حَرْفُ سَبَبِيَّةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(تَقْعُدَ) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَنْصُوبٌ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(مَلُومًا)
حَالٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مَحْسُورًا)
حَالٌ ثَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.