سورة الإسراء الآية ٢٤
سورة الإسراء الآية ٢٤
وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّیَانِی صَغِیرࣰا ﴿٢٤﴾
تفسير السعدي
" وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ " أي: تواضع لهما, ذلا لهما, ورحمة, واحتسابا للأجر, لا لأجل الخوف منهما, أو الرجاء لما لهما, ونحو ذلك من المقاصد, التي لا يؤجر عليها العبد. " وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا " أي: ادع لهما بالرحمة أحياء, وأمواتا. جزاء على تربيتهما إياك, صغيرا. وفهم من هذا, أنه كلما ازدادت التربية, ازداد الحق. وكذلك من تولى تربية الإنسان في دينه ودنياه, تربية صالحة غير الأبوين, فإن له على من رباه, حق التربية.
التفسير الميسر
وكُنْ لأمك وأبيك ذليلا متواضعًا رحمة بهما، واطلب من ربك أن يرحمهما برحمته الواسعة أحياءً وأمواتًا، كما صبرا على تربيتك طفلا ضعيف الحول والقوة.
تفسير الجلالين
"وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاح الذُّلّ" أَلِنْ لَهُمَا جَانِبك الذَّلِيل "مِنْ الرَّحْمَة" أَيْ لِرِقَّتِك عَلَيْهِمَا "كَمَا" كَمَا رَحِمَانِي حِين "رَبَّيَانِي صَغِيرًا"
تفسير ابن كثير
" وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاح الذُّلّ مِنْ الرَّحْمَة " أَيْ تَوَاضَعْ لَهُمَا بِفِعْلِك " وَقُلْ رَبّ اِرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا " أَيْ فِي كِبَرهمَا وَعِنْد وَفَاتهمَا قَالَ اِبْن عَبَّاس ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّه " مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ " الْآيَة وَقَدْ جَاءَ فِي بِرّ الْوَالِدَيْنِ أَحَادِيث كَثِيرَة مِنْهَا الْحَدِيث الْمَرْوِيّ مِنْ طُرُق عَنْ أَنَس وَغَيْره أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا صَعِدَ الْمِنْبَر ثُمَّ قَالَ " آمِينَ آمِينَ آمِينَ " قِيلَ يَا رَسُول اللَّه عَلَامَ مَا أَمَّنْت ؟ قَالَ " أَتَانِي جِبْرِيل فَقَالَ يَا مُحَمَّد رَغِمَ أَنْف رَجُل ذُكِرْت عِنْده فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْك قُلْ آمِينَ فَقُلْت آمِينَ ثُمَّ قَالَ رَغِمَ أَنْف رَجُل دَخَلَ عَلَيْهِ شَهْر رَمَضَان ثُمَّ خَرَجَ فَلَمْ يُغْفَر لَهُ قُلْ آمِينَ فَقُلْت آمِينَ ثُمَّ قَالَ رَغِمَ أَنْف رَجُل أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدهمَا فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّة قُلْ آمِينَ فَقُلْت آمِينَ "" حَدِيث آخَر " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا هُشَيْم حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن زَيْد عَنْ زُرَارَة بْن أَوْفَى عَنْ مَالِك بْن الْحَارِث عَنْ رَجُل مِنْهُمْ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول " مَنْ ضَمَّ يَتِيمًا مِنْ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ إِلَى طَعَامه وَشَرَابه حَتَّى يَسْتَغْنِي عَنْهُ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّة الْبَتَّة وَمَنْ أَعْتَقَ اِمْرَأً مُسْلِمًا كَانَ فِكَاكه مِنْ النَّار يُجْزَى بِكُلِّ عُضْو مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ " ثُمَّ قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن جَعْفَر حَدَّثَنَا شُعْبَة سَمِعْت عَلِيّ بْن زَيْد فَذَكَرَ مَعْنَاهُ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ عَنْ رَجُل عَنْ قَوْمه يُقَال لَهُ مَالِك أَوْ اِبْن مَالِك وَزَادَ " وَمَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدهمَا فَدَخَلَ النَّار فَأَبْعَدَهُ اللَّه "" حَدِيث آخَر " وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا عَفَّان عَنْ حَمَّاد بْن سَلَمَة حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن زَيْد عَنْ زُرَارَة بْن أَوْفَى عَنْ مَالِك بْن عَمْرو الْقُشَيْرِيّ سَمِعْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول " مَنْ أَعْتَقَ رَقَبَة مُسْلِمَة فَهِيَ فِدَاؤُهُ مِنْ النَّار فَإِنَّ كُلّ عَظْم مِنْ عِظَامه مُحَرَّرَة بِعَظْمٍ مِنْ عِظَامه وَمَنْ أَدْرَكَ أَحَد وَالِدَيْهِ ثُمَّ لَمْ يُغْفَر لَهُ فَأَبْعَدَهُ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ وَمَنْ ضَمَّ يَتِيمًا مِنْ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ إِلَى طَعَامه وَشَرَابه حَتَّى يُغْنِيه اللَّه وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّة " حَدِيث آخَر " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا حَجَّاج وَمُحَمَّد بْن جَعْفَر قَالَا حَدَّثَنَا شُعْبَة عَنْ قَتَادَة سَمِعْت زُرَارَة بْن أَوْفَى يُحَدِّث عَنْ أَبِي مَالِك الْقُشَيْرِيّ قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدهمَا ثُمَّ دَخَلَ النَّار مِنْ بَعْد ذَلِكَ فَأَبْعَدَهُ اللَّه وَأَسْحَقَهُ " وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيّ عَنْ شُعْبَة بِهِ وَفِيهِ زِيَادَات أُخَر " حَدِيث آخَر " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا عَفَّان حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَة حَدَّثَنَا سُهَيْل بْن أَبِي صَالِح عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " رَغِمَ أَنْف ثُمَّ رَغِمَ أَنْف ثُمَّ رَغِمَ أَنْف رَجُل أَدْرَكَ أَحَد أَبَوَيْهِ أَوْ كِلَاهُمَا عِنْده الْكِبَر وَلَمْ يَدْخُل الْجَنَّة " صَحِيح مِنْ هَذَا الْوَجْه وَلَمْ يُخَرِّجُوهُ سِوَى مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي عَوَانَة وَجَرِير وَسُلَيْمَان بْن بِلَال عَنْ سُهَيْل بِهِ . " حَدِيث آخَر " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا رِبْعِيّ بْن إِبْرَاهِيم قَالَ أَحْمَد وَهُوَ أَخُو إِسْمَاعِيل بْن عُلَيَّة وَكَانَ يَفْضُل عَلَى أَخِيهِ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن اِبْن أَبِي إِسْحَاق عَنْ سَعِيد بْن أَبِي سَعِيد عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " رَغِمَ أَنْف رَجُل ذُكِرْت عِنْده فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ وَرَغِمَ أَنْف رَجُل دَخَلَ عَلَيْهِ شَهْر رَمَضَان فَانْسَلَخَ فَلَمْ يُغْفَر لَهُ وَرَغِمَ أَنْف رَجُل أَدْرَكَ عِنْده أَبَوَاهُ الْكِبَر فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّة قَالَ رِبْعِيّ وَلَا أَعْلَمهُ إِلَّا قَالَ " أَوْ أَحَدهمَا " وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ أَحْمَد بْن إِبْرَاهِيم الدَّوْرَقِيّ عَنْ رِبْعِيّ بْن إِبْرَاهِيم ثُمَّ قَالَ غَرِيب مِنْ هَذَا الْوَجْه . " حَدِيث آخَر " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا يُونُس حَدَّثَنَا مُحَمَّد حَدَّثَنَا عَبْد الرَّحْمَن بْن الْغَسِيل حَدَّثَنَا أَسِيد بْن عَلِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي عُبَيْد عَنْ أَبِي أُسَيْد وَهُوَ مَالِك بْن رَبِيعَة السَّاعِدِيّ قَالَ : بَيْنَمَا أَنَا جَالِس عِنْد رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَاءَهُ رَجُل مِنْ الْأَنْصَار فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه هَلْ بَقِيَ عَلَيَّ مِنْ بِرّ أَبَوَيَّ شَيْء بَعْد مَوْتهمَا أَبَرّهمَا بِهِ ؟ قَالَ نَعَمْ خِصَال أَرْبَع : الصَّلَاة عَلَيْهِمَا وَالِاسْتِغْفَار لَهُمَا وَإِنْفَاذ عَهْدهمَا وَإِكْرَام صَدِيقهمَا وَصِلَة الرَّحِم الَّتِي لَا رَحِم لَك إِلَّا مِنْ قِبَلهمَا فَهُوَ الَّذِي بَقِيَ عَلَيْك مِنْ بِرّهمَا بَعْد مَوْتهمَا " وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن سُلَيْمَان وَهُوَ اِبْن الْغَسِيل بِهِ " حَدِيث آخَر " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد : حَدَّثَنَا رَوْح حَدَّثَنَا اِبْن جُرَيْج أَخْبَرَنِي مُحَمَّد بْن طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن عَنْ مُعَاوِيَة بْن جَاهِمَة السُّلَمِيّ أَنَّ جَاهِمَة جَاءَ إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه أَرَدْت الْغَزْو وَجِئْتُك أَسْتَشِيرك فَقَالَ " فَهَلْ لَك مِنْ أُمّ ؟ " قَالَ نَعَمْ قَالَ " فَالْزَمْهَا فَإِنَّ الْجَنَّة عِنْد رِجْلَيْهَا " ثُمَّ الثَّانِيَة ثُمَّ الثَّالِثَة فِي مَقَاعِد شَتَّى كَمِثْلِ هَذَا الْقَوْل وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث اِبْن جُرَيْج بِهِ . " حَدِيث آخَر " قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا خَلَف بْن الْوَلِيد حَدَّثَنَا اِبْن عَيَّاش عَنْ يَحْيَى بْن سَعْد عَنْ خَالِد بْن مَعْدَان عَنْ الْمِقْدَام بْن مَعْد يَكْرِب عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " إِنَّ اللَّه يُوصِيكُمْ بِآبَائِكُمْ إِنَّ اللَّه يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ إِنَّ اللَّه يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ إِنَّ اللَّه يُوصِيكُمْ بِأُمَّهَاتِكُمْ إِنَّ اللَّه يُوصِيكُمْ بِالْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَب " وَأَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَيَّاش بِهِ . " حَدِيث آخَر" قَالَ أَحْمَد حَدَّثَنَا يُونُس حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانه عَنْ أَشْعَث بْن سُلَيْم عَنْ أَبِيهِ عَنْ رَجُل مِنْ بَنِي يَرْبُوع قَالَ أَتَيْت النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَمِعْته وَهُوَ يُكَلِّم النَّاس يَقُول " يَد الْمُعْطِي الْعُلْيَا أُمّك وَأَبَاك وَأُخْتك وَأَخَاك ثُمَّ أَدْنَاك أَدْنَاك "" حَدِيث آخَر " قَالَ الْحَافِظ أَبُو بَكْر أَحْمَد بْن عَمْرو بْن عَبْد الْخَالِق الْبَزَّار فِي مُسْنَده : حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن الْمُسْتَمِرّ العروقي حَدَّثَنَا عَمْرو بْن سُفْيَان حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن أَبِي جَعْفَر عَنْ لَيْث بْن أَبِي سُلَيْم عَنْ عَلْقَمَة بْن مَرْثَد عَنْ سُلَيْمَان بْن بُرَيْدَة عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِي الطَّوَاف حَامِلًا أُمّه يَطُوف بِهَا فَسَأَلَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ أَدَّيْت حَقّهَا ؟ قَالَ " لَا وَلَا بِزَفْرَةٍ وَاحِدَة " أَوْ كَمَا قَالَ ثُمَّ قَالَ الْبَزَّار لَا نَعْلَمهُ يُرْوَى إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْه. قُلْت وَالْحَسَن بْن أَبِي جَعْفَر ضَعِيف وَاَللَّه أَعْلَم .
تفسير القرطبي
هَذِهِ اِسْتِعَارَة فِي الشَّفَقَة وَالرَّحْمَة بِهِمَا وَالتَّذَلُّل لَهُمَا تَذَلُّل الرَّعِيَّة لِلْأَمِيرِ وَالْعَبِيد لِلسَّادَةِ ; كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب . وَضَرَبَ خَفْض الْجَنَاح وَنَصْبه مَثَلًا لِجَنَاحِ الطَّائِر حِين يَنْتَصِب بِجَنَاحِهِ لِوَلَدِهِ . وَالذُّلّ : هُوَ اللِّين . وَقِرَاءَة الْجُمْهُور بِضَمِّ الذَّال , مَنْ ذَلَّ يَذِلّ ذُلًّا وَذِلَّة وَمَذَلَّة فَهُوَ ذَالّ وَذَلِيل . وَقَرَأَ سَعِيد بْن جُبَيْر وَابْن عَبَّاس وَعُرْوَة بْن الزُّبَيْر " الذِّلّ " بِكَسْرِ الذَّال , وَرُوِيَتْ عَنْ عَاصِم ; مِنْ قَوْلهمْ : دَابَّة ذَلُول بَيِّنَة الذِّلّ . وَالذِّلّ فِي الدَّوَابّ الْمُنْقَاد السَّهْل دُون الصَّعْب . فَيَنْبَغِي بِحُكْمِ هَذِهِ الْآيَة أَنْ يَجْعَل الْإِنْسَان نَفْسه مَعَ أَبَوَيْهِ فِي خَيْر ذِلَّة , فِي أَقْوَاله وَسَكَنَاته وَنَظَره , وَلَا يُحِدّ إِلَيْهِمَا بَصَره فَإِنَّ تِلْكَ هِيَ نَظْرَة الْغَاضِب . الْخِطَاب فِي هَذِهِ الْآيَة لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَاد بِهِ أُمَّته ; إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ السَّلَام فِي ذَلِكَ الْوَقْت أَبَوَانِ . وَلَمْ يُذْكَر الذُّلّ فِي قَوْله تَعَالَى : " وَاخْفِضْ جَنَاحك لِمَنْ اِتَّبَعَك مِنْ الْمُؤْمِنِينَ " [ الشُّعَرَاء : 215 ] وَذَكَرَهُ هُنَا بِحَسَبِ عِظَم الْحَقّ وَتَأْكِيده . و " مِنْ " فِي قَوْله : " مِنْ الرَّحْمَة " لِبَيَانِ الْجِنْس , أَيْ إِنَّ هَذَا الْخَفْض يَكُون مِنْ الرَّحْمَة الْمُسْتَكِنَّة فِي النَّفْس , لَا بِأَنْ يَكُون ذَلِكَ اِسْتِعْمَالًا . وَيَصِحّ أَنْ يَكُون لِانْتِهَاءِ الْغَايَة , أَمَرَ تَعَالَى عِبَاده بِالتَّرَحُّمِ عَلَى آبَائِهِمْ وَالدُّعَاء لَهُمْ , وَأَنْ تَرْحَمهُمَا كَمَا رَحِمَاك وَتَرْفُق بِهِمَا كَمَا رَفَقَا بِك ; إِذْ وَلِيَاك صَغِيرًا جَاهِلًا مُحْتَاجًا فَآثَرَاك عَلَى أَنْفُسهمَا , وَأَسْهَرَا لَيْلهمَا , وَجَاعَا وَأَشْبَعَاك , وَتَعَرَّيَا وَكَسَوَاك , فَلَا تَجْزِيهِمَا إِلَّا أَنْ يَبْلُغَا مِنْ الْكِبَر الْحَدّ الَّذِي كُنْت فِيهِ مِنْ الصِّغَر , فَتَلِي مِنْهُمَا مَا وَلِيَا مِنْك , وَيَكُون لَهُمَا حِينَئِذٍ فَضْل التَّقَدُّم . قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدًا إِلَّا أَنْ يَجِدهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيه فَيُعْتِقهُ ) . وَسَيَأْتِي فِي سُورَة [ مَرْيَم ] الْكَلَام عَلَى هَذَا الْحَدِيث . وَالْآيَة " وَقُلْ رَبّ اِرْحَمْهُمَا " نَزَلَتْ فِي سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص , فَإِنَّهُ أَسْلَمَ , فَأَلْقَتْ أُمّه نَفْسهَا فِي الرَّمْضَاء مُتَجَرِّدَة , فَذُكِرَ ذَلِكَ لِسَعْدٍ فَقَالَ : لِتَمُتْ , فَنَزَلَتْ الْآيَة خَصَّ التَّرْبِيَة بِالذِّكْرِ لِيَتَذَكَّر الْعَبْد شَفَقَة الْأَبَوَيْنِ وَتَعَبهُمَا فِي التَّرْبِيَة , فَيَزِيدهُ ذَلِكَ إِشْفَاقًا لَهُمَا وَحَنَانًا عَلَيْهِمَا , وَهَذَا كُلّه فِي الْأَبَوَيْنِ الْمُؤْمِنَيْنِ . وَقَدْ نَهَى الْقُرْآن عَنْ الِاسْتِغْفَار لِلْمُشْرِكِينَ الْأَمْوَات وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى , كَمَا تَقَدَّمَ . وَذُكِرَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَقَتَادَة أَنَّ هَذَا كُلّه مَنْسُوخ بِقَوْلِهِ : " مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَاَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ - إِلَى قَوْله - أَصْحَاب الْجَحِيم " [ التَّوْبَة : 113 ] فَإِذَا كَانَ وَالِدَا الْمُسْلِم ذِمِّيَّيْنِ اِسْتَعْمَلَ مَعَهُمَا مَا أَمَرَهُ اللَّه بِهِ هَاهُنَا ; إِلَّا التَّرَحُّم لَهُمَا بَعْد مَوْتهمَا عَلَى الْكُفْر ; لِأَنَّ هَذَا وَحْده نُسِخَ بِالْآيَةِ الْمَذْكُورَة . وَقِيلَ : لَيْسَ هَذَا مَوْضِع نَسْخ , فَهُوَ دُعَاء بِالرَّحْمَةِ الدُّنْيَوِيَّة لِلْأَبَوَيْنِ الْمُشْرِكَيْنِ مَا دَامَا حَيَّيْنِ , كَمَا تَقَدَّمَ . أَوْ يَكُون عُمُوم هَذِهِ الْآيَة خُصَّ بِتِلْكَ , لَا رَحْمَة الْآخِرَة , لَا سِيَّمَا وَقَدْ قِيلَ إِنَّ قَوْله : " وَقُلْ رَبّ اِرْحَمْهُمَا " نَزَلَتْ فِي سَعْد بْن أَبِي وَقَّاص , فَإِنَّهُ أَسْلَمَ , فَأَلْقَتْ أُمّه نَفْسهَا فِي الرَّمْضَاء مُتَجَرِّدَة , فَذُكِرَ ذَلِكَ لِسَعْدٍ فَقَالَ : لِتَمُتْ , فَنَزَلَتْ الْآيَة . وَقِيلَ : الْآيَة خَاصَّة فِي الدُّعَاء لِلْأَبَوَيْنِ الْمُسْلِمَيْنِ . وَالصَّوَاب أَنَّ ذَلِكَ عُمُوم كَمَا ذَكَرْنَا , وَقَالَ اِبْن عَبَّاس قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَنْ أَمْسَى مُرْضِيًا لِوَالِدَيْهِ وَأَصْبَحَ أَمْسَى وَأَصْبَحَ وَلَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ مِنْ الْجَنَّة وَإِنْ وَاحِدًا فَوَاحِدًا . وَمَنْ أَمْسَى وَأَصْبَحَ مُسْخِطًا لِوَالِدَيْهِ أَمْسَى وَأَصْبَحَ وَلَهُ بَابَانِ مَفْتُوحَانِ إِلَى النَّار وَإِنْ وَاحِدًا فَوَاحِدًا ) فَقَالَ رَجُل : يَا رَسُول اللَّه , وَإِنْ ظَلَمَاهُ ؟ قَالَ : ( وَإِنْ ظَلَمَاهُ وَإِنْ ظَلَمَاهُ وَإِنْ ظَلَمَاهُ ) . وَقَدْ رُوِّينَا بِالْإِسْنَادِ الْمُتَّصِل عَنْ جَابِر بْن عَبْد اللَّه رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ قَالَ : جَاءَ رَجُل إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُول اللَّه , إِنَّ أَبِي أَخَذَ مَالِي . فَقَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرَّجُلِ : ( فَأْتِنِي بِأَبِيك ) فَنَزَلَ جِبْرِيل عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : ( إِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يُقْرِئك السَّلَام وَيَقُول لَك إِذَا جَاءَك الشَّيْخ فَاسْأَلْهُ عَنْ شَيْء قَالَهُ فِي نَفْسه مَا سَمِعَتْهُ أُذُنَاهُ ) فَلَمَّا جَاءَ الشَّيْخ قَالَ لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( مَا بَال اِبْنك يَشْكُوك أَتُرِيدُ أَنْ تَأْخُذ مَاله ) ؟ فَقَالَ : سَلْهُ يَا رَسُول اللَّه , هَلْ أُنْفِقهُ إِلَّا عَلَى إِحْدَى عَمَّاته أَوْ خَالَاته أَوْ عَلَى نَفْسِي ! فَقَالَ لَهُ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِيه , دَعْنَا مِنْ هَذَا أَخْبِرْنِي عَنْ شَيْء قُلْته فِي نَفْسك مَا سَمِعَتْهُ أُذُنَاك ) ؟ فَقَالَ الشَّيْخ : وَاَللَّه يَا رَسُول اللَّه , مَا زَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ يَزِيدنَا بِك يَقِينًا , لَقَدْ قُلْت فِي نَفْسِي شَيْئًا مَا سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ . قَالَ : ( قُلْ وَأَنَا أَسْمَع ) قَالَ قُلْت : غَذَوْتُك مَوْلُودًا وَمُنْتُك يَافِعًا تَعِلّ بِمَا أَجْنِي عَلَيْك وَتَنْهَل إِذَا لَيْلَة ضَافَتْك بِالسُّقْمِ لَمْ أَبِتْ لِسُقْمِك إِلَّا سَاهِرًا أَتَمَلْمَل كَأَنِّي أَنَا الْمَطْرُوق دُونك بِاَلَّذِي طُرِقْت بِهِ دُونِي فَعَيْنِي تَهْمُل تَخَاف الرَّدَى نَفْسِي عَلَيْك وَإِنَّهَا لَتَعْلَم أَنَّ الْمَوْت وَقْت مُؤَجَّل فَلَمَّا بَلَغْتَ السِّنّ وَالْغَايَة الَّتِي إِلَيْهَا مَدَى مَا كُنْت فِيك أُؤَمِّل جَعَلْتَ جَزَائِي غِلْظَة وَفَظَاظَة كَأَنَّك أَنْتَ الْمُنْعِم الْمُتَفَضِّل فَلَيْتَك إِذْ لَمْ تَرْعَ حَقّ أُبُوَّتِي فَعَلْتَ كَمَا الْجَار الْمُصَاقِب يَفْعَل فَأَوْلَيْتنِي حَقّ الْجِوَار وَلَمْ تَكُنْ عَلَيَّ بِمَالٍ دُون مَالِك تَبْخَل قَالَ : فَحِينَئِذٍ أَخَذَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَلَابِيب اِبْنه وَقَالَ : ( أَنْتَ وَمَالُك لِأَبِيك ) . قَالَ الطَّبَرَانِيّ : اللَّخْمِيّ لَا يَرْوِي - يَعْنِي هَذَا الْحَدِيث - عَنْ اِبْن الْمُنْكَدِر بِهَذَا التَّمَام وَالشِّعْر إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد ; وَتَفَرَّدَ بِهِ عُبَيْد اللَّه بْن خَلَصَة . وَاَللَّه أَعْلَم .
| وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ | وكُنْ متواضِعاً مُتَذَلِّلاً لأمِّك وأبيك. |
|---|---|
| مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ | لرِقَّتِك ورحمتِك بهما. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian