سورة الإسراء الآية ١١٠
سورة الإسراء الآية ١١٠
قُلِ ٱدۡعُوا۟ ٱللَّهَ أَوِ ٱدۡعُوا۟ ٱلرَّحۡمَـٰنَۖ أَیࣰّا مَّا تَدۡعُوا۟ فَلَهُ ٱلۡأَسۡمَاۤءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَلَا تَجۡهَرۡ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتۡ بِهَا وَٱبۡتَغِ بَیۡنَ ذَ ٰلِكَ سَبِیلࣰا ﴿١١٠﴾
تفسير السعدي
بقول تعالى لعباده: " ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ " أي: أيهما شئتم. " أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى " أي: ليس له اسم غير حسن, أي: حتى ينهى عن دعائه به, أي اسم دعوتموه به, حصل به المقصود, والذي ينبغي أن يدعى في كل مطلوب, مما يناسب ذلك الاسم. " وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ " أي: قراءتك " وَلَا تُخَافِتْ بِهَا " فإن في كل من الأمرين محذووا. أما الجهر, فإن المشركين المكذبين به إذا سمعوه, سبوه, وسبوا من جاء به. وأما المخافتة, فإنه لا يحصل المقصود لمن أراد استماعه مع الإخفاء. " وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ " أي: اتخذ بين الجهر والإخفات " سَبِيلًا " أي: تتوسط فيما بينهما.
التفسير الميسر
قل -أيها الرسول- لمشركي قومك الذين أنكروا عليك الدعاء بقولك: يا الله يا رحمن، ادعوا الله، أو ادعوا الرحمن، فبأي أسمائه دعوتموه فإنكم تدعون ربًا واحدًا؛ لأن أسماءه كلها حسنى. ولا تجهر بالقراءة في صلاتك، فيسمعك المشركون، ولا تُسِرَّ بها فلا يسمعك أصحابك، وكن وسطًا بين الجهر والهمس.
تفسير الجلالين
وَكَانَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول : "يَا اللَّه يَا رَحْمَن" فَقَالُوا : يَنْهَانَا أَنْ نَعْبُد إلَهَيْنِ وَهُوَ يَدْعُو إلَهًا آخَرَ مَعَهُ فَنَزَلَ "قُلْ" لَهُمْ "اُدْعُوا اللَّه أَوْ اُدْعُوا الرَّحْمَن" أَيْ سَمُّوهُ بِأَيِّهِمَا أَوْ نَادُوهُ بِأَنْ تَقُولُوا : يَا اللَّه يَا رَحْمَن "أَيًّا" شَرْطِيَّة "مَا" زَائِدَة أَيْ أَيّ هَذَيْنِ "تَدْعُوا" فَهُوَ حَسَن دَلَّ عَلَى هَذَا "فَلَهُ" أَيْ لِمُسَمَّاهُمَا "الْأَسْمَاء الْحُسْنَى" وَهَذَانِ مِنْهَا فَإِنَّهَا كَمَا فِي الْحَدِيث "اللَّه الَّذِي لَا إلَه إلَّا هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم الْمَلِك الْقُدُّوس السَّلَام الْمُؤْمِن الْمُهَيْمِن الْعَزِيز الْجَبَّار الْمُتَكَبِّر الْخَالِق الْبَارِئ الْمُصَوِّر الْغَفَّار الْقَهَّار الْوَهَّاب الرَّزَّاق الْفَتَّاح الْعَلِيم الْقَابِض الْبَاسِط الْخَافِض الرَّافِع الْمُعِزّ الْمُذِلّ السَّمِيع الْبَصِير الْحَكَم الْعَدْل اللَّطِيف الْخَبِير الْحَلِيم الْعَظِيم الْغَفُور الشَّكُور الْعَلِيّ الْكَبِير الْحَفِيظ الْمَقِيت الْحَسِيب الْجَلِيل الْكَرِيم الرَّقِيب الْمُجِيب الْوَاسِع الْحَكِيم الْوَدُود الْمَجِيد الْبَاعِث الشَّهِيد الْحَقّ الْوَكِيل الْقَوِيّ الْمَتِين الْوَلِيّ الْحَمِيد الْمُحْصِي الْمُبْدِئ الْمُعِيد الْمُحْيِي الْمُمِيت الْحَيّ الْقَيُّوم الْوَاجِد الْمَاجِد الْوَاحِد الْأَحَد الصَّمَد الْقَادِر الْمُقْتَدِر الْمُقَدِّم الْمُؤَخِّر الْأَوَّل الْآخِر الظَّاهِر الْبَاطِن الْوَالِي الْمُتَعَالِي الْبَرّ التَّوَّاب الْمُنْتَقِم الْعَفُوّ الرَّءُوف مَالِك الْمُلْك ذُو الْجَلَال وَالْإِكْرَام الْمُقْسِط الْجَامِع الْغَنِيّ الْمُغْنِي الْمَانِع الضَّارّ النَّافِع النُّور الْهَادِي الْبَدِيع الْبَاقِي الْوَارِث الرَّشِيد الصَّبُور" رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ "وَلَا تَجْهَر بِصَلَاتِك" بِقِرَاءَتِك بِهَا فَيَسْمَعك الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّوك وَيَسُبُّوا الْقُرْآن وَمَنْ أَنْزَلَهُ "وَلَا تُخَافِت" تُسِرّ "بِهَا" لِيَنْتَفِع أَصْحَابك "وَابْتَغِ" اقْصِدْ "بَيْن ذَلِكَ" الْجَهْر وَالْمُخَافَتَة "سَبِيلًا" طَرِيقًا وَسَطًا
تفسير ابن كثير
يَقُول تَعَالَى قُلْ يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الْمُنْكِرِينَ صِفَة الرَّحْمَة لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ الْمَانِعِينَ مِنْ تَسْمِيَته بِالرَّحْمَنِ " اُدْعُوا اللَّه أَوْ اُدْعُوا الرَّحْمَن أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى " أَيْ لَا فَرْق بَيْن دُعَائِكُمْ لَهُ بِاسْمِ اللَّه أَوْ بِاسْمِ الرَّحْمَن فَإِنَّهُ ذُو الْأَسْمَاء الْحُسْنَى كَمَا قَالَ تَعَالَى " هُوَ اللَّه الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَالِم الْغَيْب وَالشَّهَادَة هُوَ الرَّحْمَن الرَّحِيم - إِلَى أَنْ قَالَ - لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّح لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض " الْآيَة وَقَدْ رَوَى مَكْحُول أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ سَمِعَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُول فِي سُجُوده " يَا رَحْمَن يَا رَحِيم " فَقَالَ إِنَّهُ يَزْعُم أَنَّهُ يَدْعُو وَاحِدًا وَهُوَ يَدْعُو اِثْنَيْنِ فَأَنْزَلَ اللَّه هَذِهِ الْآيَة وَكَذَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس رَوَاهُمَا اِبْن جَرِير وَقَوْله " وَلَا تَجْهَر بِصَلَاتِك " الْآيَة . قَالَ الْإِمَام أَحْمَد حَدَّثَنَا هُشَيْم حَدَّثَنَا أَبُو بِشْر عَنْ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَارٍ بِمَكَّة " وَلَا تَجْهَر بِصَلَاتِك وَلَا تُخَافِت بِهَا " قَالَ كَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْته بِالْقُرْآنِ فَلَمَّا سَمِعَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآن وَسَبُّوا مَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ قَالَ : فَقَالَ اللَّه تَعَالَى لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " وَلَا تَجْهَر بِصَلَاتِك " أَيْ بِقِرَاءَتِك فَيَسْمَع الْمُشْرِكُونَ فَيَسُبُّونَ الْقُرْآن " وَلَا تُخَافِت بِهَا " عَنْ أَصْحَابك فَلَا تُسْمِعهُمْ الْقُرْآن حَتَّى يَأْخُذُوهُ عَنْك " وَابْتَغِ بَيْن ذَلِكَ سَبِيلًا " أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيث أَبِي بِشْر جَعْفَر بْن إِيَاس بِهِ وَكَذَا رَوَاهُ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس وَزَادَ فَلَمَّا هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَة سَقَطَ ذَلِكَ يَفْعَل أَيّ ذَلِكَ شَاءَ وَقَالَ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق : حَدَّثَنِي دَاوُد بْن الْحُصَيْن عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا جَهَرَ بِالْقُرْآنِ وَهُوَ يُصَلِّي تَفَرَّقُوا عَنْهُ وَأَبَوْا أَنْ يَسْمَعُوا مِنْهُ فَكَانَ الرَّجُل إِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْمَع مِنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْض مَا يَتْلُو وَهُوَ يُصَلِّي اِسْتَرَقَ السَّمْع دُونهمْ فَرَقًا مِنْهُمْ فَإِذَا رَأَى أَنَّهُمْ قَدْ عَرَفُوا أَنَّهُ يَسْتَمِع ذَهَبَ خَشْيَة أَذَاهُمْ فَلَمْ يَسْمَع فَإِنْ خَفَضَ صَوْته صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْمَع الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ مِنْ قِرَاءَته شَيْئًا فَأَنْزَلَ اللَّه " وَلَا تَجْهَر بِصَلَاتِك " فَيَتَفَرَّقُوا عَنْك " وَلَا تُخَافِت بِهَا " فَلَا يَسْمَع مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْمَع مِمَّنْ يَسْتَرِق ذَلِكَ مِنْهُمْ فَلَعَلَّهُ يَرْعَوِي إِلَى بَعْض مَا يَسْمَع فَيَنْتَفِع بِهِ " وَابْتَغِ بَيْن ذَلِكَ سَبِيلًا " وَهَكَذَا قَالَ عِكْرِمَة وَالْحَسَن الْبَصْرِيّ وَقَتَادَة نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي الْقِرَاءَة فِي الصَّلَاة وَقَالَ شُعْبَة عَنْ أَشْعَث بْن سُلَيْم عَنْ الْأَسْوَد بْن هِلَال عَنْ اِبْن مَسْعُود " وَلَا تُخَافِت بِهَا " مَنْ أَسْمَعَ أُذُنَيْهِ قَالَ اِبْن جَرِير : حَدَّثَنَا يَعْقُوب حَدَّثَنَا اِبْن عُلَيَّة عَنْ سَلَمَة بْن عَلْقَمَة عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ قَالَ : نُبِّئْت أَنَّ أَبَا بَكْر كَانَ إِذَا صَلَّى فَقَرَأَ خَفَضَ صَوْته وَأَنَّ عُمَر كَانَ يَرْفَع صَوْته فَقِيلَ لِأَبِي بَكْر لِمَ تَصْنَع هَذَا ؟ قَالَ أُنَاجِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ وَقَدْ عَلِمَ حَاجَتِي فَقِيلَ أَحْسَنْت . وَقِيلَ لِعُمَر لِمَ تَصْنَع هَذَا ؟ قَالَ أَطْرُد الشَّيْطَان وَأُوقِظ الْوَسْنَان قِيلَ أَحْسَنْت فَلَمَّا نَزَلَتْ " وَلَا تَجْهَر بِصَلَاتِك وَلَا تُخَافِت بِهَا وَابْتَغِ بَيْن ذَلِكَ سَبِيلًا " قِيلَ لِأَبِي بَكْر اِرْفَعْ شَيْئًا وَقِيلَ لِعُمَر اِخْفِضْ شَيْئًا وَقَالَ أَشْعَث بْن سَوَّار عَنْ عِكْرِمَة عَنْ اِبْن عَبَّاس : نَزَلَتْ فِي الدُّعَاء وَهَكَذَا رَوَى الثَّوْرِيّ وَمَالِك عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الدُّعَاء وَكَذَا قَالَ مُجَاهِد وَسَعِيد بْن جُبَيْر وَأَبُو عِيَاض وَمَكْحُول وَعُرْوَة بْن الزُّبَيْر وَقَالَ الثَّوْرِيّ عَنْ اِبْن عَيَّاش الْعَامِرِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن شَدَّاد قَالَ كَانَ أَعْرَابِيّ مِنْ بَنِي تَمِيم إِذَا سَلَّمَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي إِبِلًا وَوَلَدًا : قَالَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة " وَلَا تَجْهَر بِصَلَاتِك وَلَا تُخَافِت بِهَا " . " قَوْل آخَر " قَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا أَبُو السَّائِب حَدَّثَنَا حَفْص بْن غِيَاث عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللَّه عَنْهَا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة فِي التَّشَهُّد " وَلَا تَجْهَر بِصَلَاتِك وَلَا تُخَافِت بِهَا " وَبِهِ قَالَ حَفْص عَنْ أَشْعَث بْن سَوَّار عَنْ مُحَمَّد بْن سِيرِينَ مِثْله " قَوْل آخَر " قَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " وَلَا تَجْهَر بِصَلَاتِك وَلَا تُخَافِت بِهَا " قَالَ لَا تُصَلِّ مُرَاءَاة لِلنَّاسِ وَلَا تَدَعهَا مَخَافَة النَّاس وَقَالَ الثَّوْرِيّ عَنْ مَنْصُور عَنْ الْحَسَن الْبَصْرِيّ " وَلَا تَجْهَر بِصَلَاتِك وَلَا تُخَافِت بِهَا " قَالَ لَا تُحْسِن عَلَانِيَتهَا وَتُسِيء سَرِيرَتهَا وَكَذَا رَوَاهُ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ الْحَسَن بِهِ وَهِشَام عَنْ عَوْف عَنْهُ بِهِ وَسَعِيد عَنْ قَتَادَة عَنْهُ كَذَلِكَ . " قَوْل آخَر " قَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ فِي قَوْله " وَابْتَغِ بَيْن ذَلِكَ سَبِيلًا " قَالَ أَهْل الْكِتَاب يُخَافِتُونَ ثُمَّ يَجْهَر أَحَدهمْ بِالْحَرْفِ فَيَصِيح بِهِ وَيَصِيحُونَ هُمْ بِهِ وَرَاءَهُ فَنَهَاهُ أَنْ يَصِيح كَمَا يَصِيح هَؤُلَاءِ وَأَنْ يُخَافِت كَمَا يُخَافِت الْقَوْم ثُمَّ كَانَ السَّبِيل الَّذِي بَيْن ذَلِكَ الَّذِي سَنَّ لَهُ جِبْرِيل مِنْ الصَّلَاة .
تفسير القرطبي
سَبَب نُزُول هَذِهِ الْآيَة أَنَّ الْمُشْرِكِينَ سَمِعُوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو ( يَا اللَّه يَا رَحْمَن ) فَقَالُوا : كَانَ مُحَمَّد يَأْمُرنَا بِدُعَاءِ إِلَه وَاحِد وَهُوَ يَدْعُو إِلَهَيْنِ ; قَالَهُ اِبْن عَبَّاس . وَقَالَ مَكْحُول : تَهَجَّدَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَة فَقَالَ فِي دُعَائِهِ : ( يَا رَحْمَن يَا رَحِيم ) فَسَمِعَهُ رَجُل مِنْ الْمُشْرِكِينَ , وَكَانَ بِالْيَمَامَةِ رَجُل يُسَمَّى الرَّحْمَن , فَقَالَ ذَلِكَ السَّامِع : مَا بَال مُحَمَّد يَدْعُو رَحْمَان الْيَمَامَة . فَنَزَلَتْ الْآيَة مُبَيِّنَة أَنَّهُمَا اِسْمَانِ لِمُسَمًّى وَاحِد ; فَإِنْ دَعَوْتُمُوهُ بِاَللَّهِ فَهُوَ ذَاكَ , وَإِنْ دَعَوْتُمُوهُ بِالرَّحْمَنِ فَهُوَ ذَاكَ . وَقِيلَ : كَانُوا يَكْتُبُونَ فِي صَدْر الْكُتُب : بِاسْمِك اللَّهُمَّ ; فَنَزَلَتْ " إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَان وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم " [ النَّمْل : 30 ] فَكَتَبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم " فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ : هَذَا الرَّحِيم نَعْرِفهُ فَمَا الرَّحْمَن ; فَنَزَلَتْ الْآيَة . وَقِيلَ : إِنَّ الْيَهُود قَالَتْ : مَا لَنَا لَا نَسْمَع فِي الْقُرْآن اِسْمًا هُوَ فِي التَّوْرَاة كَثِير ; يَعْنُونَ الرَّحْمَن ; فَنَزَلَتْ الْآيَة . وَقَرَأَ طَلْحَة بْن مُصَرِّف " أَيًّا مَا تَدْعُو فَلَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى " أَيْ الَّتِي تَقْتَضِي أَفْضَل الْأَوْصَاف وَأَشْرَف الْمَعَانِي . وَحُسْن الْأَسْمَاء إِنَّمَا يَتَوَجَّه بِتَحْسِينِ الشَّرْع ; لِإِطْلَاقِهَا وَالنَّصّ عَلَيْهَا . وَانْضَافَ إِلَى ذَلِكَ أَنَّهَا تَقْتَضِي مَعَانٍ حِسَانًا شَرِيفَة , وَهِيَ بِتَوْقِيفٍ لَا يَصِحّ وَضْع اِسْم لِلَّهِ بِنَظَرٍ إِلَّا بِتَوْقِيفٍ مِنْ الْقُرْآن أَوْ الْحَدِيث أَوْ الْإِجْمَاع . حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي ( الْكِتَاب الْأَسْنَى فِي شَرْح أَسْمَاء اللَّه الْحُسْنَى ) . اِخْتَلَفُوا فِي سَبَب نُزُولهَا عَلَى خَمْسَة أَقْوَال : [ الْأَوَّل ] مَا رَوَى اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله تَعَالَى : " وَلَا تَجْهَر بِصَلَاتِك وَلَا تُخَافِت بِهَا " قَالَ : نَزَلَتْ وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَارٍ بِمَكَّة , وَكَانَ إِذَا صَلَّى بِأَصْحَابِهِ رَفَعَ صَوْته بِالْقُرْآنِ , فَإِذَا سَمِعَ ذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ سَبُّوا الْقُرْآن وَمَنْ أَنْزَلَهُ وَمَنْ جَاءَ بِهِ ; فَقَالَ اللَّه تَعَالَى " وَلَا تَجْهَر بِصَلَاتِك " فَيَسْمَع الْمُشْرِكُونَ قِرَاءَتك . " وَلَا تُخَافِت بِهَا " عَنْ أَصْحَابك . أَسْمِعْهُمْ الْقُرْآن وَلَا تَجْهَر ذَلِكَ الْجَهْر . " وَابْتَغِ بَيْن ذَلِكَ سَبِيلًا " قَالَ : يَقُول بَيْن الْجَهْر وَالْمُخَافَتَة ; أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم وَالتِّرْمِذِيّ وَغَيْرهمْ . وَاللَّفْظ لِمُسْلِمٍ . وَالْمُخَافَتَة : خَفْض الصَّوْت وَالسُّكُون ; يُقَال لِلْمَيِّتِ إِذَا بَرَدَ : خَفَتَ . قَالَ الشَّاعِر : لَمْ يَبْقَ إِلَّا نَفَس خَافِت وَمُقْلَة إِنْسَانهَا بَاهِت رَثَى لَهَا الشَّامِت مِمَّا بِهَا يَا وَيْح مَنْ يَرْثِي لَهُ الشَّامِت [ الثَّانِي ] مَا رَوَاهُ مُسْلِم أَيْضًا عَنْ عَائِشَة فِي قَوْله عَزَّ وَجَلَّ : " وَلَا تَجْهَر بِصَلَاتِك وَلَا تُخَافِت بِهَا " قَالَتْ : أُنْزِلَ هَذَا فِي الدُّعَاء . [ الثَّالِث ] قَالَ اِبْن سِيرِينَ : كَانَ الْأَعْرَاب يَجْهَرُونَ بِتَشَهُّدِهِمْ فَنَزَلَتْ الْآيَة فِي ذَلِكَ . قُلْت : وَعَلَى هَذَا فَتَكُون الْآيَة مُتَضَمِّنَة لِإِخْفَاءِ التَّشَهُّد , وَقَدْ قَالَ اِبْن مَسْعُود : مِنْ السُّنَّة أَنْ تُخْفِي التَّشَهُّد ; ذَكَرَهُ اِبْن الْمُنْذِر . [ الرَّابِع ] مَا رُوِيَ عَنْ اِبْن سِيرِينَ أَيْضًا أَنَّ أَبَا بَكْر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ كَانَ يُسِرّ قِرَاءَته , وَكَانَ عُمَر يَجْهَر بِهَا , فَقِيلَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ ; فَقَالَ أَبُو بَكْر : إِنَّمَا أُنَاجِي رَبِّي , وَهُوَ يَعْلَم حَاجَتِي . إِلَيْهِ . وَقَالَ عُمَر : أَنَا أَطْرُد الشَّيْطَان وَأُوقِظ الْوَسْنَان ; فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة قِيلَ لِأَبِي بَكْر : اِرْفَعْ قَلِيلًا , وَقِيلَ لِعُمَر اِخْفِضْ أَنْتَ قَلِيلًا ; ذَكَرَهُ الطَّبَرِيّ وَغَيْره . [ الْخَامِس ] مَا رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا أَنَّ مَعْنَاهَا وَلَا تَجْهَر بِصَلَاةِ النَّهَار , وَلَا تُخَافِت بِصَلَاةِ اللَّيْل ; ذَكَرَهُ يَحْيَى بْن سَلَّام وَالزَّهْرَاوِيّ . فَتَضَمَّنَتْ أَحْكَام الْجَهْر وَالْإِسْرَار بِالْقِرَاءَةِ فِي النَّوَافِل وَالْفَرَائِض , فَأَمَّا النَّوَافِل فَالْمُصَلِّي مُخَيَّر فِي الْجَهْر وَالسِّرّ فِي اللَّيْل وَالنَّهَار , وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَل الْأَمْرَيْنِ جَمِيعًا . وَأَمَّا الْفَرَائِض فَحُكْمهَا فِي الْقِرَاءَة مَعْلُوم لَيْلًا وَنَهَارًا . [ وَقَوْل سَادِس ] قَالَ الْحَسَن : يَقُول اللَّه لَا تُرَائِي بِصَلَاتِك تُحَسِّنهَا فِي الْعَلَانِيَة وَلَا تُسِيئهَا فِي السِّرّ . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : لَا تُصَلِّ مُرَائِيًا لِلنَّاسِ وَلَا تَدَعهَا مَخَافَة النَّاس . عَبَّرَ تَعَالَى بِالصَّلَاةِ هُنَا عَنْ الْقِرَاءَة كَمَا عَبَّرَ بِالْقِرَاءَةِ عَنْ الصَّلَاة فِي قَوْله : " وَقُرْآن الْفَجْر إِنَّ قُرْآن الْفَجْر كَانَ مَشْهُودًا " [ الْإِسْرَاء : 78 ] لِأَنَّ سكُلّ وَاحِد مِنْهُمَا مُرْتَبِط بِالْآخَرِ ; لِأَنَّ الصَّلَاة تَشْتَمِل عَلَى قِرَاءَة وَرُكُوع وَسُجُود فَهِيَ مِنْ جُمْلَة أَجْزَائِهَا ; فَعَبَّرَ بِالْجُزْءِ عَنْ الْجُمْلَة وَبِالْجُمْلَةِ عَنْ الْجُزْء عَلَى عَادَة الْعَرَب فِي الْمَجَاز وَهُوَ كَثِير ; وَمِنْهُ الْحَدِيث الصَّحِيح : ( قَسَمْت الصَّلَاة بَيْنِي وَبَيْن عَبْدِي ) أَيْ قِرَاءَة الْفَاتِحَة عَلَى مَا تَقَدَّمَ .
| سَبِیلࣰا | طريقاً إلى المغالَبَةِ. |
|---|---|
| سَبِیلࣰا | طريقاً إلى الحقِّ والصوابِ. |
| ذَ ٰلِكَ | الموصوفُ من العذابِ. |
| بِصَلَاتِكَ | بقراءتِك في الصلاةِ. |
| وَلَا تُخَافِتۡ | ولا تُسِرَّ. |
| وَٱبۡتَغِ | اقْصِدْ. |
| بَیۡنَ ذَ ٰلِكَ | بينَ الجَهْرِ بقراءتِك والإسرارِ بها. |
| سَبِیلࣰا | طريقاً وسَطاً. |
English
Chinese
Spanish
Portuguese
Russian
Japanese
French
German
Italian
Hindi
Korean
Indonesian
Bengali
Albanian
Bosnian
Dutch
Malayalam
Romanian