صفحات الموقع

سورة النحل الآية ٧٦

سورة النحل الآية ٧٦

وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلࣰا رَّجُلَیۡنِ أَحَدُهُمَاۤ أَبۡكَمُ لَا یَقۡدِرُ عَلَىٰ شَیۡءࣲ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَیۡنَمَا یُوَجِّههُّ لَا یَأۡتِ بِخَیۡرٍ هَلۡ یَسۡتَوِی هُوَ وَمَن یَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَ ٰ⁠طࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ ﴿٧٦﴾

التفسير

تفسير السعدي

والمثل الثاني مثل " رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ " لا يسمع ولا ينطق " لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ " لا قليل ولا كثير " وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ " أي يخدمه مولاه, ولا يستطيع هو أن يخدم نفسه, فهو ناقص من كل وجه. " هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ " فأقواله عدل, وأفعاله مستقيمة. فكما أنهما لا يستويان, فلا يستوي من عبد من دون الله, وهو لا يقدر على شيء من مصالحه. فلولا قيام الله بها, لم يستطع شيئا منها. ولا يكون كفوا, ولا ندا, لمن لا يقول إلا الحق, ولا يفعل إلا ما يحمد عليه.

التفسير الميسر

وضرب الله مثلا آخر لبطلان الشرك رجلين: أحدهما أخرس أصم لا يَفْهَم ولا يُفْهِم، لا يقدر على منفعة نفسه أو غيره، وهو عبء ثقيل على مَن يَلي أمره ويعوله، إذا أرسله لأمر يقضيه لا ينجح، ولا يعود عليه بخير، ورجل آخر سليم الحواس، ينفع نفسه وغيره، يأمر بالإنصاف، وهو على طريق واضح لا عوج فيه، فهل يستوي الرجلان في نظر العقلاء؟ فكيف تُسَوُّون بين الصنم الأبكم الأصمِّ وبين الله القادر المنعم بكل خير؟

تفسير الجلالين

"وَضَرَبَ اللَّه مَثَلًا" وَيُبْدَل مِنْهُ "رَجُلَيْنِ أَحَدهمَا أَبْكَم" وُلِدَ أَخْرَس "لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء" لِأَنَّهُ لَا يَفْهَم وَلَا يُفْهِم "وَهُوَ كَلٌّ" ثَقِيل "عَلَى مَوْلَاهُ" وَلِيّ أَمْره "أَيْنَمَا يُوَجِّههُ" يَصْرِفهُ "لَا يَأْتِ" مِنْهُ "بِخَيْرٍ" يَنْجَح وَهَذَا مَثَل الْكَافِر "هَلْ يَسْتَوِي هُوَ" أَيْ الْأَبْكَم الْمَذْكُور "وَمَنْ يَأْمُر بِالْعَدْلِ" أَيْ وَمَنْ هُوَ نَاطِق نَافِع لِلنَّاسِ حَيْثُ يَأْمُر بِهِ وَيَحُثّ عَلَيْهِ "وَهُوَ عَلَى صِرَاط" طَرِيق "مُسْتَقِيم" وَهُوَ الثَّانِي الْمُؤْمِن ؟ لَا وَقِيلَ هَذَا مَثَل اللَّهِ وَالْأَبْكَمُ لِلْأَصْنَامِ وَاَلَّذِي قَبْله مَثَل الْكَافِر وَالْمُؤْمِن

تفسير ابن كثير

قَالَ مُجَاهِد وَهَذَا أَيْضًا الْمُرَاد بِهِ الْوَثَن وَالْحَقّ تَعَالَى يَعْنِي أَنَّ الْوَثَن أَبْكَم لَا يَتَكَلَّم وَلَا يَنْطِق بِخَيْرٍ وَلَا بِشَيْءٍ وَلَا يَقْدِر عَلَى شَيْء بِالْكُلِّيَّةِ فَلَا مَقَال وَلَا فِعَال وَهُوَ مَعَ هَذَا " كَلّ " أَيْ عِيَال وَكُلْفَة عَلَى مَوْلَاهُ " أَيْنَمَا يُوَجِّههُ " أَيْ يَبْعَثهُ " لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ " وَلَا يَنْجَح مَسْعَاهُ " هَلْ يَسْتَوِي " مَنْ هَذِهِ صِفَاته " وَمَنْ يَأْمُر بِالْعَدْلِ " أَيْ بِالْقِسْطِ فَمَقَاله حَقّ وَفِعَاله مُسْتَقِيمَة " وَهُوَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم " وَقِيلَ الْأَبْكَم مَوْلًى لِعُثْمَان وَبِهَذَا قَالَ السُّدِّيّ وَقَتَادَة وَعَطَاء الْخُرَاسَانِيّ وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل اِبْن جَرِير . وَقَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس هُوَ مَثَل لِلْكَافِرِ وَالْمُؤْمِن أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ اِبْن جَرِير حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن الصَّبَّاح الْبَزَّار حَدَّثَنَا يَحْيَى بْن إِسْحَاق السَّالَحِينِيّ حَدَّثَنَا حَمَّاد حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان بْن خَيْثَم عَنْ إِبْرَاهِيم عَنْ عِكْرِمَة عَنْ يَعْلَى بْن أُمَيَّة عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله " ضَرَبَ اللَّه مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء " قَالَ نَزَلَتْ فِي رَجُل مِنْ قُرَيْش وَعَبْده يَعْنِي قَوْله " عَبْدًا مَمْلُوكًا " الْآيَة . وَفِي قَوْله " وَضَرَبَ اللَّه مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدهمَا أَبْكَم " - إِلَى قَوْله - " وَهُوَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم " قَالَ هُوَ عُثْمَان بْن عَفَّان قَالَ وَالْأَبْكَم الَّذِي أَيْنَمَا يُوَجِّههُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ قَالَ هُوَ مَوْلًى لِعُثْمَان بْن عَفَّان كَانَ عُثْمَان يُنْفِق عَلَيْهِ وَيُكَلِّفهُ وَيَكْفِيه الْمَئُونَة وَكَانَ الْآخَر يَكْرَه الْإِسْلَام وَيَأْبَاهُ وَيَنْهَاهُ عَنْ الصَّدَقَة وَالْمَعْرُوف فَنَزَلَتْ فِيهِمَا .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَضَرَبَ اللَّه مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدهمَا أَبْكَم لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء وَهُوَ كَلّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُر بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم } وَهَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه تَعَالَى لِنَفْسِهِ وَالْآلِهَة الَّتِي تُعْبَد مِنْ دُونه , فَقَالَ تَعَالَى ذِكْره : { وَضَرَبَ اللَّه مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدهمَا أَبْكَم لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء } يَعْنِي بِذَلِكَ الصَّنَم أَنَّهُ لَا يَسْمَع شَيْئًا وَلَا يَنْطِق , لِأَنَّهُ إِمَّا خَشَب مَنْحُوت وَإِمَّا نُحَاس مَصْنُوع لَا يَقْدِر عَلَى نَفْع لِمَنْ خَدَمَهُ وَلَا دَفْع ضُرّ عَنْهُ . { وَهُوَ كَلّ عَلَى مَوْلَاهُ } يَقُول : وَهُوَ عِيَال عَلَى اِبْن عَمّه وَحُلَفَائِهِ وَأَهْل وِلَايَته , فَكَذَلِكَ الصَّنَم كَلّ عَلَى مَنْ يَعْبُدهُ , يَحْتَاج أَنْ يَحْمِلهُ وَيَضَعهُ وَيَخْدُمهُ , كَالْأَبْكَمِ مِنْ النَّاس الَّذِي لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء , فَهُوَ كَلّ عَلَى أَوْلِيَائِهِ مِنْ بَنِي أَعْمَامه وَغَيْرهمْ . { أَيْنَمَا يُوَجِّههُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ } يَقُول : حَيْثُمَا يُوَجِّههُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ , لِأَنَّهُ لَا يَفْهَم مَا يُقَال لَهُ , وَلَا يَقْدِر أَنْ يُعَبِّر عَنْ نَفْسه مَا يُرِيد , فَهُوَ لَا يَفْهَم وَلَا يُفْهَم عَنْهُ , فَكَذَلِكَ الصَّنَم لَا يَعْقِل مَا يُقَال لَهُ فَيَأْتَمِر لِأَمْرِ مَنْ أَمَرَهُ , وَلَا يَنْطِق فَيَأْمُر وَيَنْهَى ; يَقُول اللَّه تَعَالَى : { هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُر بِالْعَدْلِ } يَعْنِي : هَلْ يَسْتَوِي هَذَا الْأَبْكَم الْكَلّ عَلَى مَوْلَاهُ الَّذِي لَا يَأْتِي بِخَيْرٍ حَيْثُ تَوَجَّهَ وَمَنْ هُوَ نَاطِق مُتَكَلِّم يَأْمُر بِالْحَقِّ وَيَدْعُو إِلَيْهِ وَهُوَ اللَّه الْوَاحِد الْقَهَّار الَّذِي يَدْعُو عِبَاده إِلَى تَوْحِيده وَطَاعَته ؟ يَقُول : لَا يَسْتَوِي هُوَ تَعَالَى ذِكْره , وَالصَّنَم الَّذِي صِفَته مَا وَصَفَ . وَقَوْله : { وَهُوَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم } يَقُول : وَهُوَ مَعَ أَمْره بِالْعَدْلِ , عَلَى طَرِيق مِنْ الْحَقّ فِي دُعَائِهِ إِلَى الْعَدْل وَأَمْره بِهِ مُسْتَقِيم , لَا يَعْوَجّ عَنْ الْحَقّ وَلَا يَزُول عَنْهُ . وَقَدْ اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْمَضْرُوب لَهُ هَذَا الْمَثَل , فَقَالَ بَعْضهمْ فِي ذَلِكَ بِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِيهِ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16462 - حَدَّثَنَا اِبْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء } قَالَ : هُوَ الْوَثَن . { هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُر بِالْعَدْلِ } قَالَ : اللَّه يَأْمُر بِالْعَدْلِ . { وَهُوَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم } وَكَذَلِكَ كَانَ مُجَاهِد يَقُول ; إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يَقُول : الْمَثَل الْأَوَّل أَيْضًا ضَرَبَهُ اللَّه لِنَفْسِهِ وَلِلْوَثَنِ . 16463 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثنا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , فِي قَوْل اللَّه تَعَالَى ذِكْره : { عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا } { وَرَجُلَيْنِ أَحَدهمَا أَبْكَم } { وَمَنْ يَأْمُر بِالْعَدْلِ } قَالَ : كُلّ هَذَا مَثَل إِلَه الْحَقّ , وَمَا يُدْعَى مِنْ دُونه مِنْ الْبَاطِل . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . 16464 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثنا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك : { وَضَرَبَ اللَّه مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدهمَا أَبْكَم } قَالَ : إِنَّمَا هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ كِلَا الْمَثَلَيْنِ لِلْمُؤْمِنِ وَالْكَافِر . وَذَلِكَ قَوْل يُرْوَى عَنْ اِبْن عَبَّاس , وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَة عَنْهُ فِي الْمَثَل الْأَوَّل فِي مَوْضِعه . وَأَمَّا فِي الْمَثَل الْآخَر : 16465 - فَحَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { وَضَرَبَ اللَّه مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدهمَا أَبْكَم لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء وَهُوَ كَلّ عَلَى مَوْلَاهُ } إِلَى آخِر الْآيَة , يَعْنِي بِالْأَبْكَمِ : الَّذِي هُوَ كَلّ عَلَى مَوْلَاهُ الْكَافِر , وَبِقَوْلِهِ : { وَمَنْ يَأْمُر بِالْعَدْلِ } الْمُؤْمِن , وَهَذَا الْمَثَل فِي الْأَعْمَال . 16466 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن الصَّبَّاح الْبَزَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن إِسْحَاق السَّالَحِينِيّ , قَالَ : ثنا حَمَّاد , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عُثْمَان بْن خُثَيْم , عَنْ إِبْرَاهِيم , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ يَعْلَى بْن أُمَيَّة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { ضَرَبَ اللَّه مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا } قَالَ : نَزَلَتْ فِي رَجُل مِنْ قُرَيْش وَعَبْده . وَفِي قَوْله : { مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدهمَا أَبْكَم لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء } . .. إِلَى قَوْله : { وَهُوَ عَلَى صِرَاط مُسْتَقِيم } قَالَ : هُوَ عُثْمَان بْن عَفَّان . قَالَ : وَالْأَبْكَم الَّذِي أَيْنَمَا يُوَجَّه لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ , ذَاكَ مَوْلَى عُثْمَان بْن عَفَّان , كَانَ عُثْمَان يُنْفِق عَلَيْهِ وَيَكْفُلهُ وَيَكْفِيه الْمَئُونَة , وَكَانَ الْآخَر يَكْرَه الْإِسْلَام وَيَأْبَاهُ وَيَنْهَاهُ عَنْ الصَّدَقَة وَالْمَعْرُوف , فَنَزَلَتْ فِيهِمَا . وَإِنَّمَا اِخْتَرْنَا الْقَوْل الَّذِي اِخْتَرْنَاهُ فِي الْمَثَل الْأَوَّل لِأَنَّهُ تَعَالَى ذِكْره مَثَّلَ مَثَل الْكَافِر بِالْعَبْدِ الَّذِي وَصَفَ صِفَته , وَمَثَّلَ مَثَل الْمُؤْمِن بِاَلَّذِي رَزَقَهُ حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِق مِمَّا رَزَقَهُ سِرًّا وَجَهْرًا , فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُون ذَلِكَ لِلَّهِ مَثَلًا , إِذْ كَانَ اللَّه إِنَّمَا مَثَّلَ الْكَافِر الَّذِي لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء بِأَنَّهُ لَمْ يَرْزُقهُ رِزْقًا يُنْفِق مِنْهُ سِرًّا , وَمَثَّلَ الْمُؤْمِن الَّذِي وَفَّقَهُ اللَّه لِطَاعَتِهِ فَهَدَاهُ لِرُشْدِهِ فَهُوَ يَعْمَل بِمَا يَرْضَاهُ اللَّه , كَالْحُرِّ الَّذِي بَسَطَ لَهُ فِي الرِّزْق فَهُوَ يُنْفِق مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا , وَاَللَّه تَعَالَى ذِكْره هُوَ الرَّازِق غَيْر الْمَرْزُوق , فَغَيْر جَائِز أَنْ يُمَثِّل إِفْضَاله وَجُودَه بِإِنْفَاقِ الْمَرْزُوق الرِّزْق الْحَسَن . وَأَمَّا الْمَثَل الثَّانِي , فَإِنَّهُ تَمْثِيل مِنْهُ تَعَالَى ذِكْره مَنْ مَثَله الْأَبْكَم الَّذِي لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء وَالْكُفَّار لَا شَكَّ أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ لَهُ الْأَمْوَال الْكَثِيرَة , وَمَنْ يَضُرّ أَحْيَانًا الضُّرّ الْعَظِيم بِفَسَادِهِ , فَغَيْر كَائِن مَا لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء , كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره مَثَلًا , لِمَنْ يَقْدِر عَلَى أَشْيَاء كَثِيرَة . فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ أَوْلَى الْمَعَانِي بِهِ تَمْثِيل مَا لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء ; كَمَا قَالَ تَعَالَى ذِكْره بِمَثَلِهِ مَا لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء , وَذَلِكَ الْوَثَن الَّذِي لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء , بِالْأَبْكَمِ الْكَلّ عَلَى مَوْلَاهُ الَّذِي لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء كَمَا قَالَ وَوَصَفَ .

تفسير القرطبي

هَذَا مَثَل آخَر ضَرَبَهُ اللَّه تَعَالَى لِنَفْسِهِ وَلِلْوَثَنِ , فَالْأَبْكَم الَّذِي لَا يَقْدِر عَلَى شَيْء هُوَ الْوَثَن , وَاَلَّذِي يَأْمُر بِالْعَدْلِ هُوَ اللَّه تَعَالَى ; قَالَهُ قَتَادَة وَغَيْره . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : الْأَبْكَم عَبْد كَانَ لِعُثْمَان رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , وَكَانَ يَعْرِض عَلَيْهِ الْإِسْلَام فَيَأْبَى , وَيَأْمُر بِالْعَدْلِ عُثْمَان . وَعَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ مَثَل لِأَبِي بَكْر الصِّدِّيق وَمَوْلَى لَهُ كَافِر . وَقِيلَ : الْأَبْكَم أَبُو جَهْل , وَاَلَّذِي يَأْمُر بِالْعَدْلِ عَمَّار بْن يَاسِر الْعَنْسِيّ , وَعَنْس " بِالنُّونِ " حَيّ مِنْ مَذْحِج , وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي مَخْزُوم رَهْط أَبِي جَهْل , وَكَانَ أَبُو جَهْل يُعَذِّبهُ عَلَى الْإِسْلَام وَيُعَذِّب أُمّه سُمَيَّة , وَكَانَتْ مَوْلَاة لِأَبِي جَهْل , وَقَالَ لَهَا ذَات يَوْم : إِنَّمَا آمَنْتِ بِمُحَمَّدٍ لِأَنَّك تُحِبِّينَهُ لِجَمَالِهِ , ثُمَّ طَعَنَهَا بِالرُّمْحِ فِي قُبُلهَا فَمَاتَتْ , فَهِيَ أَوَّل شَهِيد مَاتَ فِي الْإِسْلَام , رَحِمَهَا اللَّه . مِنْ كِتَاب النَّقَّاش وَغَيْره . وَسَيَأْتِي هَذَا فِي آيَة الْإِكْرَاه مُبَيَّنًا إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَالَ عَطَاء : الْأَبْكَم أُبَيّ بْن خَلَف , كَانَ لَا يَنْطِق بِخَيْرٍ . " وَهُوَ كَلّ عَلَى مَوْلَاهُ " أَيْ قَوْمه لِأَنَّهُ كَانَ يُؤْذِيهِمْ وَيُؤْذِي عُثْمَان بْن مَظْعُون . وَقَالَ مُقَاتِل : نَزَلَتْ فِي هِشَام بْن عَمْرو بْن الْحَارِث , كَانَ كَافِرًا قَلِيل الْخَيْر يُعَادِي النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقِيلَ : إِنَّ الْأَبْكَم الْكَافِر , وَاَلَّذِي يَأْمُر بِالْعَدْلِ الْمُؤْمِن جُمْلَة بِجُمْلَةٍ ; رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَهُوَ حَسَن لِأَنَّهُ يَعُمّ . وَالْأَبْكَم الَّذِي لَا نُطْق لَهُ . وَقِيلَ الَّذِي لَا يَعْقِل . وَقِيلَ الَّذِي لَا يَسْمَع وَلَا يُبْصِر . وَفَى التَّفْسِير إِنَّ الْأَبْكَم هَا هُنَا الْوَثَن . بَيَّنَ أَنَّهُ لَا قُدْرَة لَهُ وَلَا أَمْر , وَأَنَّ غَيْره يَنْقُلهُ وَيَنْحِتهُ فَهُوَ كَلّ عَلَيْهِ . وَاَللَّه الْآمِر بِالْعَدْلِ , الْغَالِب عَلَى كُلّ شَيْء . أَيْ ثِقْل عَلَى وَلِيّه وَقَرَابَته , وَوَبَال عَلَى صَاحِبه وَابْن عَمّه . وَقَدْ يُسَمَّى الْيَتِيم كَلًّا لِثِقَلِهِ عَلَى مَنْ يَكْفُلهُ ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : أَكُول لِمَالِ الْكَلّ قَبْل شَبَابه إِذَا كَانَ عَظْم الْكَلّ غَيْر شَدِيد وَالْكَلّ أَيْضًا الَّذِي لَا وَلَد لَهُ وَلَا وَالِد . وَالْكَلّ الْعِيَال , وَالْجَمْع الْكُلُول , يُقَال مِنْهُ : كَلَّ السِّكِّين يَكِلّ كَلًّا أَيْ غَلُظَتْ شَفْرَته فَلَمْ يَقْطَع . قَرَأَ الْجُمْهُور " يُوَجِّههُ " وَهُوَ خَطّ الْمُصْحَف ; أَيْ أَيْنَمَا يُرْسِلهُ صَاحِبه لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ , لِأَنَّهُ لَا يَعْرِف وَلَا يَفْهَم مَا يُقَال لَهُ وَلَا يَفْهَم عَنْهُ . وَقَرَأَ يَحْيَى بْن وَثَّاب " أَيْنَمَا يُوَجَّهُ " عَلَى الْفِعْل الْمَجْهُول . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن مَسْعُود أَيْضًا " تَوَجَّهَ " عَلَى الْخِطَاب . أَيْ هَلْ يَسْتَوِي هَذَا الْأَبْكَم وَمَنْ يَأْمُر بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى الصِّرَاط الْمُسْتَقِيم .

غريب الآية
وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلࣰا رَّجُلَیۡنِ أَحَدُهُمَاۤ أَبۡكَمُ لَا یَقۡدِرُ عَلَىٰ شَیۡءࣲ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَیۡنَمَا یُوَجِّههُّ لَا یَأۡتِ بِخَیۡرٍ هَلۡ یَسۡتَوِی هُوَ وَمَن یَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَ ٰ⁠طࣲ مُّسۡتَقِیمࣲ ﴿٧٦﴾
أَبۡكَمُأَخْرَسُ منذُ ولادَتِه.
كَلٌّعِبْءٌ يعتَمِدُ على غيرِه في معيشَتِه.
مَوۡلَىٰهُمَنْ يلي أمرَه ويَعُولُه.
بِٱلۡعَدۡلِبالحقِّ وعبادةِ اللهِ.
صِرَ ٰ⁠طࣲطريقٍ.
الإعراب
(وَضَرَبَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(ضَرَبَ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(اللَّهُ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(مَثَلًا)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.
(رَجُلَيْنِ)
بَدَلٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ مُثَنًّى.
(أَحَدُهُمَا)
مُبْتَدَأٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(أَبْكَمُ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(لَا)
حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يَقْدِرُ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرٌ ثَانٍ لِلْمُبْتَدَإِ.
(عَلَى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(شَيْءٍ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَهُوَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ حَالٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(هُوَ) : ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(كَلٌّ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ حَالٌ.
(عَلَى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(مَوْلَاهُ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(أَيْنَمَا)
اسْمُ شَرْطٍ جَازِمٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ ظَرْفُ مَكَانٍ.
(يُوَجِّهْهُ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ فِعْلُ الشَّرْطِ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ السُّكُونُ الظَّاهِرُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(لَا)
حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يَأْتِ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ جَوَابُ الشَّرْطِ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ حَذْفُ حَرْفِ الْعِلَّةِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(بِخَيْرٍ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(خَيْرٍ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(هَلْ)
حَرْفُ اسْتِفْهَامٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يَسْتَوِي)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلثِّقَلِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(هُوَ)
ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ تَوْكِيدٌ لِلضَّمِـيرِ الْمُسْتَتِرِ.
(وَمَنْ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مَنْ) : اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مَعْطُوفٌ.
(يَأْمُرُ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(بِالْعَدْلِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(الْعَدْلِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَهُوَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(هُوَ) : ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(عَلَى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(صِرَاطٍ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ.
(مُسْتَقِيمٍ)
نَعْتٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.