صفحات الموقع

سورة النحل الآية ٢٦

سورة النحل الآية ٢٦

قَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡیَـٰنَهُم مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَیۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَیۡثُ لَا یَشۡعُرُونَ ﴿٢٦﴾

التفسير

تفسير السعدي

" قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ " برسلهم, واحتالوا بأنواع الحيل, على رد ما جاءوهم به, وبنوا من مكرهم, قصورا هائلة. " فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ " أي: جاءها الأمر من أساسها وقاعدتها. " فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ " فصار ما بنوه عذابا, عذبوا به. " وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ " وذلك أنهم ظنوا أن هذا البنيان سينفعهم, ويقيهم العذاب, فصار عذابهم فيما بنوه وأصلوه. وهذا من أحسن الأمثال, في إبطال الله مكر أعدائه. فإنهم فكروا وقدروا فيما جاءت به الرسل لما كذبوهم, وجعلوا لهم أصولا وقواعد من الباطل, يرجعون إليها, ويردون بها ما جاءت به الرسل. واحتالوا أيضا, على إيقاع المكروه والضرر بالرسل ومن تبعهم. فصار مكرهم وبالا عليهم, فصار تدبيرهم فيه تدميرهم. وذلك لأن مكرهم سيئ " ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله " . هذا في الدنيا, ولعذاب الآخرة أحرى, ولهذا قال: " ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ " أي يفضحهم على رءوس الخلائق, ويبين لهم كذبهم, وافتراءهم على الله.

التفسير الميسر

قد دبَّر الكفار من قَبْل هؤلاء المشركين المكايد لرسلهم، وما جاءوا به من دعوة الحق، فأتى الله بنيانهم من أساسه وقاعدته، فسقط عليهم السقف مِن فوقهم، وأتاهم الهلاك مِن مأمنهم، من حيث لا يحتسبون ولا يتوقعون أنه يأتيهم منه.

تفسير الجلالين

"قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ" وَهُوَ نَمْرُوذ بَنَى صَرْحًا طَوِيلًا لِيَصْعَد مِنْهُ إلَى السَّمَاء لِيُقَاتِل أَهْلهَا "فَأَتَى اللَّه" قَصَدَ "بُنْيَانهمْ مِنْ الْقَوَاعِد" الْأَسَاس فَأَرْسَلَ عَلَيْهِ الرِّيح وَالزَّلْزَلَة فَهَدَمَتْهُ "فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْف مِنْ فَوْقهمْ" أَيْ هُمْ تَحْته "وَأَتَاهُمْ الْعَذَاب مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ" مِنْ جِهَة لَا تَخْطِر بِبَالِهِمْ وَقِيلَ هَذَا تَمْثِيل لِإِفْسَادِ مَا أَبْرَمُوهُ مِنْ الْمَكْر بِالرُّسُلِ

تفسير ابن كثير

قَالَ الْعَوْفِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس فِي قَوْله" قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ " قَالَ هُوَ النُّمْرُوذ الَّذِي بَنَى الصَّرْح قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِد نَحْوه وَقَالَ عَبْد الرَّزَّاق عَنْ مَعْمَر عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ أَوَّل جَبَّار كَانَ فِي الْأَرْض النُّمْرُوذ فَبَعَثَ اللَّه عَلَيْهِ بَعُوضَة فَدَخَلَتْ فِي مَنْخَره فَمَكَثَ أَرْبَعمِائَةِ سَنَة يُضْرَب رَأْسه بِالْمَطَارِقِ وَأَرْحَم النَّاس بِهِ مَنْ جَمَعَ يَدَيْهِ فَضَرَبَ بِهِمَا رَأْسه وَكَانَ جَبَّارًا أَرْبَعمِائَةِ سَنَة فَعَذَّبَهُ اللَّه أَرْبَعمِائَةِ سَنَة كَمُلْكِهِ ثُمَّ أَمَاتَهُ وَهُوَ الَّذِي بَنَى الصَّرْح إِلَى السَّمَاء الَّذِي قَالَ اللَّه تَعَالَى " فَأَتَى اللَّه بُنْيَانهمْ مِنْ الْقَوَاعِد " وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ هُوَ بُخْتَنَصَّر وَذَكَرُوا مِنْ الْمَكْر الَّذِي حَكَاهُ اللَّه هَاهُنَا كَمَا قَالَ فِي سُورَة إِبْرَاهِيم " وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال " وَقَالَ آخَرُونَ هَذَا مِنْ بَاب الْمَثَل لِإِبْطَالِ مَا صَنَعَهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَأَشْرَكُوا فِي عِبَادَته غَيْره كَمَا قَالَ نُوح عَلَيْهِ السَّلَام " وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا " أَيْ اِحْتَالُوا فِي إِضْلَال النَّاس بِكُلِّ حِيلَة وَأَمَالُوهُمْ إِلَى شِرْكهمْ بِكُلِّ وَسِيلَة كَمَا يَقُول لَهُمْ أَتْبَاعهمْ يَوْم الْقِيَامَة " بَلْ مَكْر اللَّيْل وَالنَّهَار إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُر بِاَللَّهِ وَنَجْعَل لَهُ أَنْدَادًا " الْآيَة وَقَوْله " فَأَتَى اللَّه بُنْيَانهمْ مِنْ الْقَوَاعِد " أَيْ اِجْتَثَّهُ مِنْ أَصْله وَأَبْطَلَ عَمَلهمْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى " كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّه " وَقَوْله " فَأَتَاهُمْ اللَّه مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبهمْ الرُّعْب يُخَرِّبُونَ بُيُوتهمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَار " وَقَالَ اللَّه هَاهُنَا " فَأَتَى اللَّه بُنْيَانهمْ مِنْ الْقَوَاعِد فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْف مِنْ فَوْقهمْ وَأَتَاهُمْ الْعَذَاب مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ثُمَّ يَوْم الْقِيَامَة يُخْزِيهِمْ " .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْل هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيل اللَّه مَنْ أَرَادَ اِتِّبَاع دِين اللَّه , فَرَامُوا مُغَالَبَة اللَّه بِبِنَاءٍ بَنَوْهُ , يُرِيدُونَ بِزَعْمِهِمْ الِارْتِفَاع إِلَى السَّمَاء لِحَرْبِ مَنْ فِيهَا . وَكَانَ الَّذِي رَامَ ذَلِكَ فِيمَا ذُكِرَ لَنَا جَبَّار مِنْ جَبَابِرَة النَّبَط ; فَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ نُمْرُود بْن كَنْعَان , وَقَالَ بَعْضهمْ : هُوَ بُخْتُنَصَّرَ , وَقَدْ ذَكَرْت بَعْض أَخْبَارهمَا فِي سُورَة إِبْرَاهِيم . وَقِيلَ : إِنَّ الَّذِي ذُكِرَ فِي هَذَا الْمَوْضِع هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّه فِي سُورَة إِبْرَاهِيم . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16284 - حَدَّثَنِي مُوسَى بْن هَارُون , قَالَ : ثنا عَمْرو , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَالَ : أَمَرَ الَّذِي حَاجّ إِبْرَاهِيم فِي رَبّه بِإِبْرَاهِيم فَأُخْرِجَ , يَعْنِي مِنْ مَدِينَته , قَالَ : فَلَقِيَ لُوطًا عَلَى بَاب الْمَدِينَة وَهُوَ اِبْن أَخِيهِ , فَدَعَاهُ فَآمَنَ بِهِ , وَقَالَ : إِنِّي مُهَاجِر إِلَى رَبِّي . وَحَلَفَ نُمْرُود أَنْ يَطْلُب إِلَه إِبْرَاهِيم , فَأَخَذَ أَرْبَعَة أَفْرَاخ مِنْ فِرَاخ النُّسُور , فَرَبَّاهُنَّ بِاللَّحْمِ وَالْخُبْز حَتَّى كَبِرْنَ وَغَلُظْنَ وَاسْتَعْلَجْنَ , فَرَبَطَهُنَّ فِي تَابُوت , وَقَعَدَ فِي ذَلِكَ التَّابُوت ثُمَّ رَفَعَ لَهُنَّ رَجُلًا مِنْ لَحْم , فَطِرْنَ , حَتَّى إِذَا ذَهَبْنَ فِي السَّمَاء أَشْرَفَ يَنْظُر إِلَى الْأَرْض , فَرَأَى الْجِبَال تَدِبّ كَدَبِيبِ النَّمْل . ثُمَّ رَفَعَ لَهُنَّ اللَّحْم , ثُمَّ نَظَرَ فَرَأَى الْأَرْض مُحِيطًا بِهَا بَحْر كَأَنَّهَا فَلْكَة فِي مَاء . ثُمَّ رَفَعَ طَوِيلًا فَوَقَعَ فِي ظُلْمَة , فَلَمْ يَرَ مَا فَوْقه وَمَا تَحْته , فَفَزِعَ , فَأَلْقَى اللَّحْم , فَاتَّبَعَتْهُ مُنْقَضَّات . فَلَمَّا نَظَرَتْ الْجِبَال إِلَيْهِنَّ , وَقَدْ أَقْبَلْنَ مُنْقَضَّات وَسَمِعَتْ حَفِيفهنَّ , فَزِعَتْ الْجِبَال , وَكَادَتْ أَنْ تَزُول مِنْ أَمْكِنَتهَا وَلَمْ يَفْعَلْنَ ; وَذَلِكَ قَوْل اللَّه تَعَالَى : { وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرهمْ وَعِنْد اللَّه مَكْرهمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرهمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَال } 14 46 وَهِيَ فِي قِرَاءَة اِبْن مَسْعُود : " وَإِنْ كَادَ مَكْرهمْ " . فَكَانَ طَيْرُورُتهُنَّ بِهِ مِنْ بَيْت الْمَقْدِس وَوُقُوعهنَّ بِهِ فِي جَبَل الدُّخَان . فَلَمَّا رَأَى أَنَّهُ لَا يُطِيق شَيْئًا أَخَذَ فِي بُنْيَان الصَّرْح , فَبَنَى حَتَّى إِذَا شَيَّدَهُ إِلَى السَّمَاء اِرْتَقَى فَوْقه يَنْظُر , يَزْعُم إِلَى إِلَه إِبْرَاهِيم , فَأَحْدَثَ , وَلَمْ يَكُنْ يُحْدِث ; وَأَخَذَ اللَّه بُنْيَانه مِنْ الْقَوَاعِد { فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْف مِنْ فَوْقهمْ وَأَتَاهُمْ الْعَذَاب مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ } يَقُول : مِنْ مَأْمَنهمْ , وَأَخَذَهُمْ مِنْ أَسَاس الصَّرْح , فَتَنَقَّضَ بِهِمْ فَسَقَطَ . فَتَبَلْبَلَتْ أَلْسُن النَّاس يَوْمئِذٍ مِنْ الْفَزَع , فَتَكَلَّمُوا بِثَلَاثَةٍ وَسَبْعِينَ لِسَانًا , فَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ بَابِل . وَإِنَّمَا كَانَ لِسَان النَّاس مِنْ قَبْل ذَلِكَ بِالسُّرْيَانِيَّةِ . 16285 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنْي أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي . عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ فَأَتَى اللَّه بُنْيَانهمْ مِنْ الْقَوَاعِد } قَالَ : هُوَ نُمْرُود حِين بَنَى الصَّرْح . 16286 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ : إِنَّ أَوَّل جَبَّار كَانَ فِي الْأَرْض نُمْرُود , فَبَعَثَ اللَّه عَلَيْهِ بَعُوضَة فَدَخَلَتْ فِي مَنْخِره , فَمَكَثَ أَرْبَع مِائَة سَنَة يَضْرِب رَأْسه بِالْمَطَارِقِ , أَرْحَم النَّاس بِهِ مَنْ جَمَعَ يَدَيْهِ , فَضَرَبَ رَأْسه بِهِمَا , وَكَانَ جَبَّارًا أَرْبَع مِائَة سَنَة , فَعَذَّبَهُ اللَّه أَرْبَع مِائَة سَنَة كَمُلْكِهِ , ثُمَّ أَمَاتَهُ اللَّه . وَهُوَ الَّذِي كَانَ بَنَى صَرْحًا إِلَى السَّمَاء , وَهُوَ الَّذِي قَالَ اللَّه : { فَأَتَى اللَّه بُنْيَانهمْ مِنْ الْقَوَاعِد فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْف مِنْ فَوْقهمْ } وَأَمَّا قَوْله : { فَأَتَى اللَّه بُنْيَانهمْ مِنْ الْقَوَاعِد } فَإِنَّ مَعْنَاهُ : هَدَمَ اللَّه بُنْيَانهمْ مِنْ أَصْله . وَالْقَوَاعِد : جَمْع قَاعِدَة , وَهِيَ الْأَسَاس . وَكَانَ بَعْضهمْ يَقُول : هَذَا مَثَل لِلِاسْتِئْصَالِ ; وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ : إِنَّ اللَّه اِسْتَأْصَلَهُمْ . وَقَالَ : الْعَرَب تَقُول ذَلِكَ إِذَا اُسْتُؤْصِلَ الشَّيْء . وَقَوْله : { فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْف مِنْ فَوْقهمْ } اِخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْف مِنْ فَوْقهمْ ; أَعَالِي بُيُوتهمْ مِنْ فَوْقهمْ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16287 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلهمْ فَأَتَى اللَّه بُنْيَانهمْ مِنْ الْقَوَاعِد } إِي وَاَللَّه , لَأَتَاهَا أَمْر اللَّه مِنْ أَصْلهَا { فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْف مِنْ فَوْقهمْ } وَالسَّقْف : أَعَالِي الْبُيُوت , فَائْتَفَكَتْ بِهِمْ بُيُوتهمْ فَأَهْلَكَهُمْ اللَّه وَدَمَّرَهُمْ , { وَأَتَاهُمْ الْعَذَاب مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ } 16288 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْف مِنْ فَوْقهمْ } قَالَ : أَتَى اللَّه بُنْيَانهمْ مِنْ أُصُوله , فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْف . 16289 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء ; وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثنا شِبْل ; وَحَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثنا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء جَمِيعًا , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { فَأَتَى اللَّه بُنْيَانهمْ مِنْ الْقَوَاعِد } قَالَ : مَكْر نُمْرُود بْن كَنْعَان الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيم فِي رَبّه . * حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثنا الْحُسَيْن , قَالَ : ثني حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِقَوْلِهِ : { فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْف مِنْ فَوْقهمْ } أَنَّ الْعَذَاب أَتَاهُمْ مِنْ السَّمَاء . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 16290 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثَنْي عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { فَخَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْف مِنْ فَوْقهمْ } يَقُول : عَذَاب مِنْ السَّمَاء لَمَّا رَأَوْهُ اِسْتَسْلَمُوا وَذَلُّوا . وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ بِتَأْوِيلِ الْآيَة , قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : تَسَاقَطَتْ عَلَيْهِمْ سُقُوف بُيُوتهمْ , إِذْ أَتَى أُصُولهَا وَقَوَاعِدهَا أَمْر اللَّه , فَائْتَفَكَتْ بِهِمْ مَنَازِلهمْ ; لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْكَلَام الْمَعْرُوف مِنْ قَوَاعِد الْبُنْيَان وَخَرَّ السَّقْف , وَتَوْجِيه مَعَانِي كَلَام اللَّه إِلَى الْأَشْهَر الْأَعْرَف مِنْهَا , أَوْلَى مِنْ تَوْجِيههَا إِلَى غَيْر ذَلِكَ مَا وُجِدَ إِلَيْهِ سَبِيل . { وَأَتَاهُمْ الْعَذَاب مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَأَتَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ مَكَرُوا مِنْ قَبْل مُشْرِكِي قُرَيْش , عَذَاب اللَّه مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرُونَ أَنَّهُ أَتَاهُمْ مِنْهُ .

تفسير القرطبي

أَيْ سَبَقَهُمْ بِالْكُفْرِ أَقْوَام مَعَ الرُّسُل الْمُتَقَدِّمِينَ فَكَانَتْ الْعَاقِبَة الْجَمِيلَة لِلرُّسُلِ . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَزَيْد بْن أَسْلَمَ وَغَيْرهمَا : إِنَّهُ النُّمْرُود بْن كَنْعَان وَقَوْمه , أَرَادُوا صُعُود السَّمَاء وَقِتَال أَهْله ; فَبَنَوْا الصَّرْح لِيَصْعَدُوا مِنْهُ بَعْد أَنْ صَنَعَ بِالنُّسُورِ مَا صَنَعَ , فَخَرَّ . كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانه فِي آخِر سُورَة [ إِبْرَاهِيم ] . وَمَعْنَى " فَأَتَى اللَّه بُنْيَانهمْ " أَيْ أَتَى أَمْره الْبُنْيَان , إِمَّا زَلْزَلَة أَوْ رِيحًا فَخَرَّبَتْهُ . قَالَ اِبْن عَبَّاس وَوَهْب : كَانَ طُول الصَّرْح فِي السَّمَاء خَمْسَة آلَاف ذِرَاع , وَعَرْضه ثَلَاثَة آلَاف . وَقَالَ كَعْب وَمُقَاتِل : كَانَ طُول فَرْسَخَيْنِ , فَهَبَّتْ رِيح فَأَلْقَتْ رَأْسه فِي الْبَحْر وَخَرَّ عَلَيْهِمْ الْبَاقِي . وَلَمَّا سَقَطَ الصَّرْح تَبَلْبَلَتْ أَلْسُن النَّاس مِنْ الْفَزَع يَوْمئِذٍ , فَتَكَلَّمُوا بِثَلَاثَةٍ وَسَبْعِينَ لِسَانًا , فَلِذَلِكَ سُمِّيَ بَابِل , وَمَا كَانَ لِسَان قَبْل ذَلِكَ إِلَّا السُّرْيَانِيَّة . وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي " الْبَقَرَة " وَقَرَأَ اِبْن هُرْمُز وَابْن مُحَيْصِن " السُّقُف " بِضَمِّ السِّين وَالْقَاف جَمِيعًا . وَضَمَّ مُجَاهِد السِّين وَأَسْكَنَ الْقَاف تَخْفِيفًا ; كَمَا تَقَدَّمَ فِي " وَبِالنَّجْمِ " فِي الْوَجْهَيْنِ . وَالْأَشْبَه أَنْ يَكُون جَمْع سَقْف . وَالْقَوَاعِد : أُصُول الْبِنَاء , وَإِذَا اِخْتَلَّتْ الْقَوَاعِد سَقَطَ الْبِنَاء . وَقَوْله : " مِنْ فَوْقهمْ " قَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ : وُكِّدَ لِيُعْلِمك أَنَّهُمْ كَانُوا حَالِّينَ تَحْته . وَالْعَرَب تَقُول : خَرَّ عَلَيْنَا سَقْف وَوَقَعَ عَلَيْنَا حَائِط إِذَا كَانَ يَمْلِكهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقَعَ عَلَيْهِ . فَجَاءَ بِقَوْلِهِ : " مِنْ فَوْقهمْ " لِيُخْرِج هَذَا الشَّكّ الَّذِي فِي كَلَام الْعَرَب فَقَالَ : " مِنْ فَوْقهمْ " أَيْ عَلَيْهِمْ وَقَعَ وَكَانُوا تَحْته فَهَلَكُوا وَمَا أُفْلِتُوا . وَقِيلَ : إِنَّ الْمُرَاد بِالسَّقْفِ السَّمَاء ; أَيْ إِنَّ الْعَذَاب أَتَاهُمْ مِنْ السَّمَاء الَّتِي هِيَ فَوْقهمْ ; قَالَ اِبْن عَبَّاس . وَقِيلَ : إِنَّ قَوْله : " فَأَتَى اللَّه بُنْيَانهمْ مِنْ الْقَوَاعِد " تَمْثِيل , وَالْمَعْنَى : أَهْلَكَهُمْ فَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ مَنْ سَقَطَ عَلَيْهِ بُنْيَانه . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَحْبَطَ اللَّه أَعْمَالهمْ فَكَانُوا بِمَنْزِلَةِ مَنْ سَقَطَ بُنْيَانه . وَقِيلَ : الْمَعْنَى أَبْطَلَ مَكْرهمْ وَتَدْبِيرهمْ فَهَلَكُوا كَمَا هَلَكَ مَنْ نَزَلَ عَلَيْهِ السَّقْف مِنْ فَوْقه . وَعَلَى هَذَا اُخْتُلِفَ فِي الَّذِينَ خَرَّ عَلَيْهِمْ السَّقْف ; فَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَابْن زَيْد مَا تَقَدَّمَ . وَقِيلَ : إِنَّهُ بُخْتَنَصَّر وَأَصْحَابه ; قَالَ بَعْض الْمُفَسِّرِينَ . وَقِيلَ : الْمُرَاد الْمُقْتَسِمُونَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّه فِي سُورَة الْحِجْر ; قَالَ الْكَلْبِيّ . وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيل يَخْرُج وَجْه التَّمْثِيل , وَاَللَّه أَعْلَم . أَيْ مِنْ حَيْثُ ظَنُّوا أَنَّهُمْ فِي أَمَان . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : يَعْنِي الْبَعُوضَة الَّتِي أَهْلَكَ اللَّه بِهَا نُمْرُودًا .

غريب الآية
قَدۡ مَكَرَ ٱلَّذِینَ مِن قَبۡلِهِمۡ فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡیَـٰنَهُم مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَیۡهِمُ ٱلسَّقۡفُ مِن فَوۡقِهِمۡ وَأَتَىٰهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَیۡثُ لَا یَشۡعُرُونَ ﴿٢٦﴾
مَكَرَدَبَّرَ في حِيْلةٍ وخَفاءٍ.
فَأَتَى ٱللَّهُ بُنۡیَـٰنَهُمأهْلكَه وأفْناه.
مِّنَ ٱلۡقَوَاعِدِمن أساسِه.
فَخَرَّسَقَطَ.
حَیۡثُ لَا یَشۡعُرُونَمن مَأْمَنِهم، ومن جهةٍ لا تَخْطُرُ ببالِهم.
الإعراب
(قَدْ)
حَرْفُ تَحْقِيقٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(مَكَرَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(الَّذِينَ)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(قَبْلِهِمْ)
اسْمٌ ظَرْفِيٌّ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(فَأَتَى)
"الْفَاءُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَتَى) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ الْمُقَدَّرِ لِلتَّعَذُّرِ.
(اللَّهُ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(بُنْيَانَهُمْ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(مِنَ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(الْقَوَاعِدِ)
اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(فَخَرَّ)
"الْفَاءُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(خَرَّ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(عَلَيْهِمُ)
(عَلَى) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(السَّقْفُ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(فَوْقِهِمْ)
اسْمٌ ظَرْفِيٌّ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَأَتَاهُمُ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(أَتَا) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ الْمُقَدَّرِ لِلتَّعَذُّرِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ.
(الْعَذَابُ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِنْ)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(حَيْثُ)
اسْمٌ ظَرْفِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(لَا)
حَرْفُ نَفْيٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(يَشْعُرُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.