صفحات الموقع

سورة هود الآية ٤١

سورة هود الآية ٤١

۞ وَقَالَ ٱرۡكَبُوا۟ فِیهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡرٜىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَاۤۚ إِنَّ رَبِّی لَغَفُورࣱ رَّحِیمࣱ ﴿٤١﴾

التفسير

تفسير السعدي

" وَقَالَ " نوح لمن أمره الله أن يحملهم: " ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا " أي. تجري على اسم الله, وترسي بتسخيره وأمره. " إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ " حيث غفر لنا, ورحمنا, ونجانا من القوم الظالمين.

التفسير الميسر

وقال نوح لمن آمن معه: اركبوا في السفينة، باسم الله يكون جريها على وجه الماء، وباسم الله يكون منتهى سيرها ورُسوُّها. إن ربي لَغفور ذنوب من تاب وأناب إليه من عباده، رحيم بهم أن يعذبهم بعد التوبة.

تفسير الجلالين

"وَقَالَ" نُوح "ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّه مَجْرَاهَا وَمَرْسَاهَا" بِفَتْحِ الْمِيمَيْنِ وَضَمّهمَا مَصْدَرَانِ أَيْ جَرْيهَا وَرَسْوهَا أَيْ مُنْتَهَى سَيْرهَا "إنَّ رَبِّي لَغَفُور رَحِيم" حَيْثُ لَمْ يُهْلِكنَا

تفسير ابن كثير

يَقُول تَعَالَى إِخْبَارًا عَنْ نُوح عَلَيْهِ السَّلَام أَنَّهُ قَالَ لِلَّذِينَ أُمِرَ بِحَمْلِهِمْ مَعَهُ فِي السَّفِينَة " اِرْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّه مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا" أَيْ بِسْمِ اللَّه يَكُون جَرْيهَا عَلَى وَجْه الْمَاءِ وَبِسْمِ اللَّه يَكُون مُنْتَهَى سَيْرهَا وَهُوَ رُسُوّهَا وَقَرَأَ أَبُو رَجَاء الْعُطَارِدِيّ " بِسْمِ اللَّه مَجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا " وَقَالَ اللَّه تَعَالَى " فَإِذَا اِسْتَوَيْت أَنْتَ وَمَنْ مَعَك عَلَى الْفُلْك فَقُلْ الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنْ الْقَوْم الظَّالِمِينَ وَقُلْ رَبّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْر الْمُنْزِلِينَ" وَلِهَذَا تُسْتَحَبّ التَّسْمِيَة فِي اِبْتِدَاء الْأُمُور عِنْد الرُّكُوب عَلَى السَّفِينَة وَعَلَى الدَّابَّة كَمَا قَالَ تَعَالَى" وَاَلَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاج كُلّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْفُلْك وَالْأَنْعَام مَا تَرْكَبُونَ لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُوره الْآيَة وَجَاءَتْ السُّنَّة بِالْحَثِّ عَلَى ذَلِكَ وَالنَّدْب إِلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي سُورَة الزُّخْرُف إِنْ شَاءَ اللَّه وَبِهِ الثِّقَة وَقَالَ أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيم بْن هِشَام الْبَغَوِيّ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن أَبِي بَكْر الْمُقَدَّمِيّ وَحَدَّثْنَا زَكَرِيَّا بْن يَحْيَى السَّاجِيّ حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن مُوسَى الْجَرْثِيّ قَالَا حَدَّثَنَا عَبْد الْحَمِيد بْن الْحَسَن الْهِلَالِيّ عَنْ نَهْشَل بْن سَعِيد عَنْ الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ " أَمَان أُمَّتِي مِنْ الْغَرَق إِذَا رَكِبُوا فِي السُّفُن أَنْ يَقُولُوا بِسْمِ اللَّه الْمَلِك " وَمَا قَدَرُوا اللَّه حَقّ قَدْره " الْآيَة . " بِسْمِ اللَّه مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُور رَحِيم " وَقَوْله " إِنَّ رَبِّي لَغَفُور رَحِيم " مُنَاسِب عِنْد ذِكْر الِانْتِقَام مِنْ الْكَافِرِينَ بِإِغْرَاقِهِمْ أَجْمَعِينَ فَذَكَرَ أَنَّهُ غَفُور رَحِيم كَقَوْلِهِ" إِنَّ رَبّك لَسَرِيع الْعِقَاب وَإِنَّهُ لَغَفُور رَحِيم " وَقَالَ" وَإِنَّ رَبّك لَذُو مَغْفِرَة لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمهمْ وَإِنَّ رَبّك لَشَدِيد الْعِقَاب " إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ الْآيَات الَّتِي يَقْرِن فِيهَا بَيْن رَحْمَته وَانْتِقَامه .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَقَالَ اِرْكَبُوا فِيهَا } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَقَالَ نُوح : اِرْكَبُوا فِي الْفُلْك بِسْمِ اللَّه مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا . وَفِي الْكَلَام مَحْذُوف قَدْ اُسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ مَا ذُكِرَ مِنْ الْخَبَر عَلَيْهِ عَنْهُ , وَهُوَ قَوْله : { قُلْنَا اِحْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلّ زَوْجَيْنِ اِثْنَيْنِ وَأَهْلك إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْل مِنْهُمْ وَمَنْ آمَنَ وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيل } فَحَمَلَهُمْ نُوح فِيهَا وَقَالَ لَهُمْ : اِرْكَبُوا فِيهَا . فَاسْتُغْنِيَ بِدَلَالَةِ قَوْله : { وَقَالَ اِرْكَبُوا فِيهَا } عَنْ حَمْله إِيَّاهُمْ فِيهَا , فَتُرِكَ ذِكْره . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { بِسْمِ اللَّه مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } فَقَرَأَتْهُ عَامَّة قُرَّاء أَهْل الْمَدِينَة وَالْبَصْرَة وَبَعْض الْكُوفِيِّينَ : " بِسْمِ اللَّه مُجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا " بِضَمِّ الْمِيم فِي الْحَرْفَيْنِ كِلَيْهِمَا . وَإِذَا قُرِئَ كَذَلِكَ كَانَ مِنْ أَجْرَى وَأَرْسَى , وَكَانَ فِيهِ وَجْهَانِ مِنْ الْإِعْرَاب : أَحَدهمَا الرَّفْع بِمَعْنَى : بِسْمِ اللَّه إِجْرَاؤُهَا وَإِرْسَاؤُهَا , فَيَكُون الْمَجْرَى وَالْمَرْسَى مَرْفُوعَيْنِ حِينَئِذٍ بِالْبَاءِ الَّتِي فِي قَوْله : { بِسْمِ اللَّه } وَالْآخَر بِالنَّصْبِ , بِمَعْنَى : بِسْمِ اللَّه عِنْد إِجْرَائِهَا وَإِرْسَائِهَا , أَوْ وَقْت إِجْرَائِهَا وَإِرْسَائِهَا , فَيَكُون قَوْله : " بِسْمِ اللَّه " كَلَامًا مُكْتَفِيًا بِنَفْسِهِ , كَقَوْلِ الْقَائِل عِنْد اِبْتِدَائِهِ فِي عَمَل يَعْمَلهُ : بِسْمِ اللَّه , ثُمَّ يَكُون الْمُجْرَى وَالْمُرْسَى مَنْصُوبَيْنِ عَلَى مَا نَصَبَتْ الْعَرَب قَوْلهمْ الْحَمْد لِلَّهِ سِرَارك وَإِهْلَالك , يَعْنُونَ الْهِلَال أَوَّله وَآخِره , كَأَنَّهُمْ قَالُوا : الْحَمْد لِلَّهِ أَوَّل الْهِلَال وَآخِره , وَمَسْمُوع مِنْهُمْ أَيْضًا : الْحَمْد لِلَّهِ مَا إِهْلَالك إِلَى سِرَارك . وَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْكُوفِيِّينَ : { بِسْمِ اللَّه مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } بِفَتْحِ الْمِيم مِنْ " مَجْرَاهَا " , وَضَمّهَا مِنْ " مُرْسَاهَا " , فَجَعَلُوا " مَجْرَاهَا " مَصْدَرًا مِنْ جَرَى يَجْرِي مَجْرًى , وَمُرْسَاهَا مِنْ أَرْسَى يُرْسِي إِرْسَاء . وَإِذَا قُرِئَ ذَلِكَ كَذَلِكَ كَانَ فِي إِعْرَابهمَا مِنْ الْوَجْهَيْنِ نَحْو الَّذِي فِيهِمَا إِذَا قُرِئَا : " مُجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا " بِضَمِّ الْمِيم فِيهِمَا عَلَى مَا بَيَّنْت . وَرُوِيَ عَنْ أَبِي رَجَاء الْعُطَارِدِيّ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ ذَلِكَ : " بِسْمِ اللَّه مُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا " بِضَمِّ الْمِيم فِيهِمَا , وَيُصَيِّرهُمَا نَعْتًا لِلَّهِ . وَإِذَا قُرِئَا كَذَلِكَ , كَانَ فِيهِمَا أَيْضًا وَجْهَانِ مِنْ الْإِعْرَاب , غَيْر أَنَّ أَحَدهمَا الْخَفْض وَهُوَ الْأَغْلَب عَلَيْهِمَا مِنْ وَجْهَيْ الْإِعْرَاب , لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَام عَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَة : بِسْمِ اللَّه مُجْرِي الْفُلْك وَمُرْسِيهَا , فَالْمَجْرَى نَعْت لِاسْمِ اللَّه . وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون نَصْبًا , وَهُوَ الْوَجْه الثَّانِي , لِأَنَّهُ يَحْسُن دُخُول الْأَلِف وَاللَّام فِي الْمُجْرِي وَالْمُرْسِي , كَقَوْلِك بِسْمِ اللَّه الْمُجْرِيهَا وَالْمُرْسِيهَا , وَإِذَا حُذِفَتَا نُصِبَتَا عَلَى الْحَال , إِذْ كَانَ فِيهِمَا مَعْنَى النَّكِرَة , وَإِنْ كَانَا مُضَافَيْنِ إِلَى الْمَعْرِفَة . وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ بَعْض الْكُوفِيِّينَ أَنَّهُ قَرَأَ ذَلِكَ : وَمَجْرَاهَا وَمَرْسَاهَا " , بِفَتْحِ الْمِيم فِيهِمَا جَمِيعًا , مِنْ جَرَى وَرَسَا , كَأَنَّهُ وَجَّهَهُ إِلَى أَنَّهُ فِي حَال جَرْيهَا وَحَال رُسُوّهَا , وَجَعَلَ كِلْتَا الصِّفَتَيْنِ لِلْفُلْكِ كَمَا قَالَ عَنْتَرَة : فَصَبَرْت نَفْسًا عِنْد ذَلِكَ حُرَّة تَرْسُو إِذَا نَفْس الْجَبَان تَطَلَّع وَالْقِرَاءَة الَّتِي نَخْتَارهَا فِي ذَلِكَ قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ : { بِسْمِ اللَّه مَجْرَاهَا } بِفَتْحِ الْمِيم { وَمُرْسَاهَا } بِضَمِّ الْمِيم , بِمَعْنَى : بِسْمِ اللَّه حِين تَجْرِي وَحِين تُرْسِي . وَإِنَّمَا اِخْتَرْت الْفَتْح فِي مِيم " مَجْرَاهَا " لِقُرْبِ ذَلِكَ مِنْ قَوْله : { وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْج كَالْجِبَالِ } وَلَمْ يَقُلْ : تُجْرَى بِهِمْ . وَمَنْ قَرَأَ : " بِسْمِ اللَّه مُجْرَاهَا " كَانَ الصَّوَاب عَلَى قِرَاءَته أَنْ يَقْرَأ : وَهِيَ تُجْرَى بِهِمْ . وَفِي إِجْمَاعهمْ عَلَى قِرَاءَة " تَجْرِي " بِفَتْحِ التَّاء دَلِيل وَاضِح عَلَى أَنَّ الْوَجْه فِي " مَجْرَاهَا " فَتْح الْمِيم . وَإِنَّمَا اِخْتَرْنَا الضَّمّ فِي " مُرْسَاهَا " لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَى ضَمّهَا . وَمَعْنَى قَوْله { مَجْرَاهَا } مَسِيرهَا { وَمُرْسَاهَا } وَقْفهَا , مِنْ وَقَفَهَا اللَّه وَأَرْسَاهَا . وَكَانَ مُجَاهِد يَقْرَأ ذَلِكَ بِضَمِّ الْمِيم فِي الْحَرْفَيْنِ جَمِيعًا . 14040 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد . قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : " بِسْمِ اللَّه مُجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا " قَالَ : حِين يَرْكَبُونَ وَيَجْرُونَ وَيَرْسُونَ - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا اِبْن نُمَيْر , عَنْ وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : " بِسْمِ اللَّه مُجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا " قَالَ : بِسْمِ اللَّه حِين يَجْرُونَ وَحِين يَرْسُونَ 14041 - حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثَنَا جَابِر بْن نُوح , قَالَ : ثَنَا أَبُو رَوْق , عَنْ الضَّحَّاك , فِي قَوْله : " اِرْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّه مُجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا " قَالَ : إِذَا أَرَادَ أَنْ تُرْسِي قَالَ : بِسْمِ اللَّه فَأَرْسَتْ , وَإِذَا أَرَادَ أَنْ تَجْرِي قَالَ بِسْمِ اللَّه فَجَرَتْ وَقَوْله : { إِنَّ رَبِّي لَغَفُور رَحِيم } يَقُول : إِنَّ رَبِّي لَسَاتِر ذُنُوب مَنْ تَابَ وَأَنَابَ إِلَيْهِ رَحِيم بِهِمْ أَنْ يُعَذِّبهُمْ بَعْد التَّوْبَة .

تفسير القرطبي

أَمْر بِالرُّكُوبِ ; وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ اللَّه تَعَالَى , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون مِنْ نُوح لِقَوْمِهِ . وَالرُّكُوب الْعُلُوّ عَلَى ظَهْر الشَّيْء . وَيُقَال : رَكِبَهُ الدَّيْن . وَفِي الْكَلَام حَذْف ; أَيْ اِرْكَبُوا الْمَاء فِي السَّفِينَة . وَقِيلَ : الْمَعْنَى اِرْكَبُوهَا . و " فِي " لِلتَّأْكِيدِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ " [ يُوسُف : 43 ] وَفَائِدَة " فِي " أَنَّهُمْ أُمِرُوا أَنْ يَكُونُوا فِي جَوْفهَا لَا عَلَى ظَهْرهَا . قَالَ عِكْرِمَة : رَكِبَ نُوح عَلَيْهِ السَّلَام فِي الْفُلْك لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ رَجَب , وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيّ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ الْمُحَرَّم ; فَذَلِكَ سِتَّة أَشْهُر ; وَقَالَهُ قَتَادَة وَزَادَ وَهُوَ يَوْم عَاشُورَاء ; فَقَالَ لِمَنْ كَانَ مَعَهُ : مَنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيُتِمَّ صَوْمه , وَمَنْ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا فَلْيَصُمْهُ . وَذَكَرَ الطَّبَرِيّ فِي هَذَا حَدِيثًا عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( أَنَّ نُوحًا رَكِبَ فِي السَّفِينَة أَوَّل يَوْم مِنْ رَجَب , وَصَامَ الشَّهْر أَجْمَع , وَجَرَتْ بِهِمْ السَّفِينَة إِلَى يَوْم عَاشُورَاء , فَفِيهِ أَرْسَتْ عَلَى الْجُودِيّ , فَصَامَهُ نُوح وَمَنْ مَعَهُ ) . وَذَكَرَ الطَّبَرِيّ عَنْ اِبْن إِسْحَاق مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَقَامَ عَلَى الْمَاء نَحْو السَّنَة , وَمَرَّتْ بِالْبَيْتِ فَطَافَتْ بِهِ سَبْعًا , وَقَدْ رَفَعَهُ اللَّه عَنْ الْغَرَق فَلَمْ يَنَلْهُ غَرَق , ثُمَّ مَضَتْ إِلَى الْيَمَن وَرَجَعَتْ إِلَى الْجُودِيّ فَاسْتَوَتْ عَلَيْهِ . قِرَاءَة أَهْل الْحَرَمَيْنِ وَأَهْل الْبَصْرَة بِضَمِّ الْمِيم فِيهِمَا إِلَّا مَنْ شَذَّ , عَلَى مَعْنَى بِسْمِ اللَّه إِجْرَاؤُهَا وَإِرْسَاؤُهَا ; فَمَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا فِي مَوْضِع رَفْع بِالِابْتِدَاءِ ; وَيَجُوز أَنْ تَكُون فِي مَوْضِع نَصْب , وَيَكُون التَّقْدِير : بِسْمِ اللَّه وَقْت إِجْرَائِهَا ثُمَّ حَذَفَ وَقْت , وَأُقِيمَ " مَجْرَاهَا " مَقَامه . وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ : " بِسْمِ اللَّه مَجْرِيهَا " بِفَتْحِ الْمِيم و " مُرْسَاهَا " بِضَمِّ الْمِيم . وَرَوَى يَحْيَى بْن عِيسَى عَنْ الْأَعْمَش عَنْ يَحْيَى بْن وَثَّاب " بِسْمِ اللَّه مَجْرَاهَا وَمَرْسَاهَا " بِفَتْحِ الْمِيم فِيهِمَا ; عَلَى الْمَصْدَر مِنْ جَرَتْ تَجْرِي جَرْيًا وَمَجْرًى , وَرَسَتْ رُسُوًّا وَمَرْسًى إِذَا ثَبَتَتْ . وَقَرَأَ مُجَاهِد وَسُلَيْمَان بْن جُنْدُب وَعَاصِم الْجَحْدَرِيّ وَأَبُو رَجَاء الْعُطَارِدِيّ : " بِسْمِ اللَّه مُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا " نَعْت لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي مَوْضِع جَرّ . وَيَجُوز أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع رَفْع عَلَى إِضْمَار مُبْتَدَأ ; أَيْ هُوَ مُجْرِيهَا وَمُرْسِيهَا . وَيَجُوز النَّصْب عَلَى الْحَال . وَقَالَ الضَّحَّاك . كَانَ نُوح عَلَيْهِ السَّلَام إِذَا قَالَ بِسْمِ اللَّه مَجْرَاهَا جَرَتْ , وَإِذَا قَالَ بِسْمِ اللَّه مُرْسَاهَا رَسَتْ . وَرَوَى مَرْوَان بْن سَالِم عَنْ طَلْحَة بْن عَبْد اللَّه بْن كُرَيْز عَنْ الْحُسَيْن بْن عَلِيّ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( أَمَان لِأُمَّتِي مِنْ الْغَرَق إِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْك بِسْمِ اللَّه الرَّحْمَن الرَّحِيم " وَمَا قَدَرُوا اللَّه حَقَّ قَدْره وَالْأَرْض جَمِيعًا قَبْضَته يَوْم الْقِيَامَة وَالسَّمَاوَات مَطْوِيَّات بِيَمِينِهِ سُبْحَانه وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ " [ الزُّمَر : 67 ] " بِسْمِ اللَّه مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُور رَحِيم " . وَفِي هَذِهِ الْآيَة دَلِيل , عَلَى ذِكْر الْبَسْمَلَة عِنْد اِبْتِدَاء كُلّ فِعْل ; كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْبَسْمَلَة ; وَالْحَمْد لِلَّهِ . أَيْ لِأَهْلِ السَّفِينَة . وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : ( لَمَّا كَثُرَتْ الْأَرْوَاث وَالْأَقْذَار أَوْحَى اللَّه إِلَى نُوح اِغْمِزْ ذَنَب الْفِيل , فَوَقَعَ مِنْهُ خِنْزِير وَخِنْزِيرَة فَأَقْبَلَا عَلَى الرَّوْث ; فَقَالَ نُوح : لَوْ غَمَزْت ذَنَب هَذَا الْخِنْزِير ! فَفَعَلَ , فَخَرَجَ مِنْهُ فَأَرَ وَفَأْرَة فَلَمَّا وَقَعَا أَقْبَلَا عَلَى السَّفِينَة وَحِبَالهَا تَقْرِضهَا , وَتَقْرِض الْأَمْتِعَة وَالْأَزْوَاد حَتَّى خَافُوا عَلَى حِبَال السَّفِينَة ; فَأَوْحَى اللَّه إِلَى نُوح أَنْ اِمْسَحْ جَبْهَة الْأَسَد فَمَسَحَهَا , فَخَرَجَ مِنْهَا سِنَّوْرَانِ فَأَكَلَا الْفَأْرَة . وَلَمَّا حَمَلَ الْأَسَد فِي السَّفِينَة قَالَ : يَا رَبّ مِنْ أَيْنَ أُطْعِمهُ ؟ قَالَ : سَوْفَ أُشْغِلهُ ; فَأَخَذَتْهُ الْحُمَّى ; فَهُوَ الدَّهْر مَحْمُوم . قَالَ اِبْن عَبَّاس : ( وَأَوَّل مَا حَمَلَ نُوح مِنْ الْبَهَائِم فِي الْفُلْك حَمَلَ الْإِوَزَّة , وَآخِر مَا حَمَلَ حَمَلَ الْحِمَار ) ; قَالَ : وَتَعَلَّقَ إِبْلِيس بِذَنَبِهِ , وَيَدَاهُ قَدْ دَخَلَتَا فِي السَّفِينَة , وَرِجْلَاهُ خَارِجَة بَعْد فَجَعَلَ الْحِمَار يَضْطَرِب وَلَا يَسْتَطِيع أَنْ يَدْخُل , فَصَاحَ بِهِ نُوح : اُدْخُلْ وَيْلك فَجَعَلَ يَضْطَرِب ; فَقَالَ : اُدْخُلْ وَيْلك ! وَإِنْ كَانَ مَعَك الشَّيْطَان , كَلِمَة زَلَّتْ عَلَى لِسَانه , فَدَخَلَ وَوَثَبَ الشَّيْطَان فَدَخَلَ . ثُمَّ إِنَّ نُوحًا رَآهُ يُغَنِّي فِي السَّفِينَة , فَقَالَ لَهُ : يَا لَعِين مَا أَدْخَلَك بَيْتِي ؟ ! قَالَ : أَنْتَ أَذِنْت لِي ; فَذَكَرَ لَهُ ; فَقَالَ لَهُ : قُمْ فَاخْرُجْ . قَالَ : مَا لَك بُدّ فِي أَنْ تَحْمِلنِي مَعَك , فَكَانَ فِيمَا يَزْعُمُونَ فِي ظَهْر الْفُلْك . وَكَانَ مَعَ نُوح عَلَيْهِ السَّلَام خَرَزَتَانِ مُضِيئَتَانِ , وَاحِدَة مَكَان الشَّمْس , وَالْأُخْرَى مَكَان الْقَمَر . اِبْن عَبَّاس : ( إِحْدَاهُمَا بَيْضَاء كَبَيَاضِ النَّهَار , وَالْأُخْرَى سَوْدَاء كَسَوَادِ اللَّيْل ) ; فَكَانَ يَعْرِف بِهِمَا مَوَاقِيت الصَّلَاة ; فَإِذَا أَمْسَوْا غَلَبَ سَوَاد هَذِهِ بَيَاض هَذِهِ , وَإِذَا أَصْبَحُوا غَلَبَ بَيَاض هَذِهِ سَوَاد هَذِهِ ; عَلَى قَدْر السَّاعَات .

غريب الآية
۞ وَقَالَ ٱرۡكَبُوا۟ فِیهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡرٜىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَاۤۚ إِنَّ رَبِّی لَغَفُورࣱ رَّحِیمࣱ ﴿٤١﴾
مَجۡرٜىٰهَاجَرْيُها على وجهِ الماء.
وَمُرۡسَىٰهَاۤۚومُنْتَهىٰ سَيْرِها.
الإعراب
(وَقَالَ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ اسْتِئْنَافٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(قَالَ) : فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ".
(ارْكَبُوا)
فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى حَذْفِ النُّونِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ جُمْلَةُ مَقُولِ الْقَوْلِ.
(فِيهَا)
(فِي) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(بِسْمِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(اسْمِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَشِبْهُ الْجُمْلَةِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ.
(اللَّهِ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(مَجْرَاهَا)
مُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(وَمُرْسَاهَا)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(مُرْسَا) : مَعْطُوفٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الْمُقَدَّرَةُ لِلتَّعَذُّرِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(إِنَّ)
حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(رَبِّي)
اسْمُ (إِنَّ) : مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الْمُقَدَّرَةُ لِاشْتِغَالِ الْمَحَلِّ بِحَرَكَةِ الْمُنَاسَبَةِ لِلْيَاءِ، وَ"يَاءُ الْمُتَكَلِّمِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(لَغَفُورٌ)
"اللَّامُ" الْمُزَحْلَقَةُ حَرْفُ تَوْكِيدٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(غَفُورٌ) : خَبَرُ (إِنَّ) : مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(رَحِيمٌ)
خَبَرُ (إِنَّ) : ثَانٍ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.