صفحات الموقع

سورة هود الآية ١٠٧

سورة هود الآية ١٠٧

خَـٰلِدِینَ فِیهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَاۤءَ رَبُّكَۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالࣱ لِّمَا یُرِیدُ ﴿١٠٧﴾

التفسير

تفسير السعدي

" خَالِدِينَ فِيهَا " أي: في النار, التي هذا عذابها " مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ " أي: خالدين فيها أبدا, إلا المدة التي شاء الله, أن لا يكونوا فيها, كما قاله جمهور المفسرين. فالاستثناء على هذا, راجع إلى ما قبل دخولها, فهم خالدون فيها جميع الأزمان, سوى الزمن الذي قبل الدخول فيها. " إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ " فكل ما أراد فعله واقتضته حكمته, فعله, تبارك وتعالى, لا يرده أحد عن مراده.

التفسير الميسر

فأما الذين شَقُوا في الدنيا لفساد عقيدتهم وسوء أعمالهم، فالنار مستقرهم، لهم فيها من شدة ما هم فيه من العذاب زفير وشهيق، وهما أشنع الأصوات وأقبحها، ماكثين في النار أبدًا ما دامت السموات والأرض، فلا ينقطع عذابهم ولا ينتهي، بل هو دائم مؤكَّد، إلا ما شاء ربك من إخراج عصاة الموحدين بعد مدَّة من مكثهم في النار. إن ربك -أيها الرسول- فعَّال لما يريد.

تفسير الجلالين

"خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض" أَيْ مُدَّة دَوَامهمَا فِي الدُّنْيَا "إلَّا" غَيْر "مَا شَاءَ رَبّك" مِنْ الزِّيَادَة عَلَى مُدَّتهمَا مِمَّا لَا مُنْتَهَى لَهُ وَالْمَعْنَى خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا

تفسير ابن كثير

" خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض " قَالَ الْإِمَام أَبُو جَعْفَر بْن جَرِير : مِنْ عَادَة الْعَرَب إِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَصِف الشَّيْء بِالدَّوَامِ أَبَدًا قَالَتْ هَذَا دَائِم دَوَام السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ هُوَ بَاقٍ مَا اِخْتَلَفَ اللَّيْل وَالنَّهَار وَمَا سَمَرَ أَبْنَاء سَمِير وَمَا لَأْلَأَتْ الْعِير بِأَذْنَابِهَا. يَعْنُونَ بِذَلِكَ كُلّه أَبَدًا فَخَاطَبَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِمَا يَتَعَارَفُونَهُ بَيْنهمْ فَقَالَ " خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض " قُلْت : وَيَحْتَمِل أَنَّ الْمُرَاد بِ " مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض " الْجِنْس لِأَنَّهُ لَا بُدّ فِي عَالَم الْآخِرَة مِنْ سَمَاوَات وَأَرْض كَمَا قَالَ تَعَالَى " يَوْم تُبَدَّل الْأَرْض غَيْر الْأَرْض وَالسَّمَاوَات " وَلِهَذَا قَالَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ فِي قَوْله " مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض" قَالَ : يَقُول سَمَاء غَيْر هَذِهِ السَّمَاء وَأَرْض غَيْر هَذِهِ فَمَا دَامَتْ تِلْكَ السَّمَاء وَتِلْكَ الْأَرْض . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم : ذُكِرَ عَنْ سُفْيَان بْن حُسَيْن عَنْ الْحَكَم عَنْ مُجَاهِد عَنْ اِبْن عَبَّاس قَوْله " مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض " قَالَ : لِكُلِّ جَنَّة سَمَاء وَأَرْض وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ : مَا دَامَتْ الْأَرْض أَرْضًا وَالسَّمَاء سَمَاء. وَقَوْله " إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك إِنَّ رَبّك فَعَّال لَمَا يُرِيد" كَقَوْلِهِ " النَّار مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّه إِنَّ رَبّك حَكِيم عَلِيم " وَقَدْ اِخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْمُرَاد مِنْ هَذَا الِاسْتِثْنَاء عَلَى أَقْوَال كَثِيرَة حَكَاهَا الشَّيْخ أَبُو الْفَرَج ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابِهِ زَاد الْمَسِير وَغَيْره مِنْ عُلَمَاء التَّفْسِير وَنَقَلَ كَثِيرًا مِنْهَا الْإِمَام أَبُو جَعْفَر بْن جَرِير رَحِمَهُ اللَّه فِي كِتَابه وَاخْتَارَ هُوَ مَا نَقَلَهُ عَنْ خَالِد بْن مَعْدَان وَالضَّحَّاك وَقَتَادَة وَابْن سِنَان وَرَوَاهُ اِبْن أَبِي حَاتِم عَنْ اِبْن عَبَّاس وَالْحَسَن أَيْضًا أَنَّ الِاسْتِثْنَاء عَائِد عَلَى الْعُصَاة مِنْ أَهْل التَّوْحِيد مِمَّنْ يُخْرِجُهُمْ اللَّه مِنْ النَّار بِشَفَاعَةِ الشَّافِعِينَ مِنْ الْمَلَائِكَة وَالنَّبِيِّينَ وَالْمُؤْمِنِينَ حَتَّى يَشْفَعُونَ فِي أَصْحَاب الْكَبَائِر ثُمَّ تَأْتِي رَحْمَة أَرْحَم الرَّاحِمِينَ فَتُخْرِج مِنْ النَّار مَنْ لَمْ يَعْمَل خَيْرًا قَطُّ وَقَالَ يَوْمًا مِنْ الدَّهْر لَا إِلَه إِلَّا اللَّه كَمَا وَرَدَتْ بِذَلِكَ الْأَخْبَار الصَّحِيحَة الْمُسْتَفِيضَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَضْمُونِ ذَلِكَ مِنْ حَدِيث أَنَس وَجَابِر وَأَبِي سَعِيد وَأَبِي هُرَيْرَة وَغَيْرهمْ مِنْ الصَّحَابَة وَلَا يَبْقَى بَعْد ذَلِكَ فِي النَّار إِلَّا مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُلُود فِيهَا وَلَا مَحِيد لَهُ عَنْهَا , وَهَذَا الَّذِي عَلَيْهِ كَثِير مِنْ الْعُلَمَاء قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة الْكَرِيمَة . وَقَدْ رُوِيَ فِي تَفْسِيرهَا عَنْ أَمِير الْمُؤْمِنِينَ عُمَر بْن الْخَطَّاب وَابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس وَأَبِي هُرَيْرَة وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَجَابِر وَأَبِي سَعِيد مِنْ الصَّحَابَة وَعَنْ أَبِي مِجْلَز وَالشَّعْبِيّ وَغَيْرهمَا مِنْ التَّابِعِينَ وَعَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ وَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَغَيْرهمَا مِنْ الْأَئِمَّة فِي أَقْوَال غَرِيبَة وَوَرَدَ حَدِيث غَرِيب فِي مُعْجَم الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير عَنْ أَبِي أُمَامَة صُدَيّ بْن عَجْلَان الْبَاهِلِيّ وَلَكِنَّ سَنَده ضَعِيف وَاَللَّه أَعْلَم . وَقَالَ قَتَادَة : اللَّه أَعْلَم بِثُنْيَاهُ ; وَقَالَ السُّدِّيّ هِيَ مَنْسُوخَة بِقَوْلِهِ" خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا " .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك إِنَّ رَبّك فَعَّال لِمَا يُرِيد } يَعْنِي تَعَالَى ذِكْره بِقَوْلِهِ : { خَالِدِينَ فِيهَا } لَابِثِينَ فِيهَا , وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ : { مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض } أَبَدًا , وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَب إِذَا أَرَادَتْ أَنْ تَصِف الشَّيْء بِالدَّوَامِ أَبَدًا , قَالَتْ : هَذَا دَائِم دَوَام السَّمَوَات وَالْأَرْض , بِمَعْنَى أَنَّهُ دَائِم أَبَدًا , وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ : هُوَ بَاقٍ مَا اِخْتَلَفَ اللَّيْل وَالنَّهَار , وَمَا سَمَرَ لَنَا سَمِير , وَمَا لَأْلَأَتْ الْعُفْر بِأَذْنَابِهَا يَعْنُونَ بِذَلِكَ كُلّه أَبَدًا . فَخَاطَبَهُمْ جَلَّ ثَنَاؤُهُ بِمَا يَتَعَارَفُونَ بِهِ بَيْنهمْ , فَقَالَ : { خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَات وَالْأَرْض } وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ : خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا . وَكَانَ اِبْن زَيْد يَقُول فِي ذَلِكَ بِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِيهِ : 14310 - حَدَّثَنَا يُونُس قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد فِي قَوْله : { خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَات وَالْأَرْض } قَالَ : مَا دَامَتْ الْأَرْض أَرْضًا , وَالسَّمَاء سَمَاء . ثُمَّ قَالَ : { إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك } وَاخْتَلَفَ أَهْل الْعِلْم وَالتَّأْوِيل فِي مَعْنَى ذَلِكَ , فَقَالَ بَعْضهمْ : هَذَا اِسْتِثْنَاء اِسْتَثْنَاهُ اللَّه فِي أَهْل التَّوْحِيد أَنَّهُ يُخْرِجهُمْ مِنْ النَّار إِذَا شَاءَ بَعْد أَنْ أَدْخَلَهُمْ النَّار . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14311 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة , فِي قَوْله : { فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّار لَهُمْ فِيهَا زَفِير وَشَهِيق خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك } قَالَ : اللَّه أَعْلَم بِثُنْيَاهُ وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَاسًا يُصِيبهُمْ سَفَع مِنْ النَّار بِذُنُوبٍ أَصَابُوهَا , ثُمَّ يُدْخِلهُمْ الْجَنَّة . حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك } وَاَللَّه أَعْلَم بِثَنِيَّتِهِ , ذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَاسًا يُصِيبهُمْ سَفَع مِنْ النَّار بِذُنُوبٍ أَصَابَتْهُمْ , ثُمَّ يُدْخِلهُمْ اللَّه الْجَنَّة بِفَضْلِ رَحْمَته , يُقَال لَهُمْ الْجُهَنَّمِيُّونَ 14312 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا شَيْبَان بْن فَرُّوخ , قَالَ : ثَنَا أَبُو هِلَال , قَالَ : ثَنَا قَتَادَة , وَتَلَا هَذِهِ الْآيَة : { فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّار لَهُمْ فِيهَا زَفِير وَشَهِيق } إِلَى قَوْله : { لِمَا يُرِيد } فَقَالَ عِنْد ذَلِكَ : ثَنَا أَنَس بْن مَالِك أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " يَخْرُج قَوْم مِنْ النَّار " قَالَ قَتَادَة : وَلَا نَقُول مِثْل مَا يَقُول أَهْل حَرُورَاء 14313 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا يَعْقُوب , عَنْ أَبِي مَالِك , يَعْنِي ثَعْلَبَة , عَنْ أَبِي سِنَان , فِي قَوْله : { فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّار لَهُمْ فِيهَا زَفِير وَشَهِيق خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك } قَالَ : اِسْتِثْنَاء فِي أَهْل التَّوْحِيد 14314 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ الضَّحَّاك بْن مُزَاحِم : { فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّار } إِلَى قَوْله : { خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك } قَالَ : يَخْرُج قَوْم مِنْ النَّار فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّة , فَهُمْ الَّذِينَ اِسْتَثْنَى لَهُمْ 14315 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ , ثني مُعَاوِيَة , عَنْ عَامِر بْن جَشِب , عَنْ خَالِد بْن مَعْدَان فِي قَوْله : { لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا } وَقَوْله : { خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك } أَنَّهُمَا فِي أَهْل التَّوْحِيد وَقَالَ آخَرُونَ : الِاسْتِثْنَاء فِي هَذِهِ الْآيَة فِي أَهْل التَّوْحِيد , إِلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا : مَعْنَى قَوْله : { إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك } إِلَّا أَنْ يَشَاء رَبّك أَنْ يَتَجَاوَز عَنْهُمْ فَلَا يُدْخِلهُمْ النَّار . وَوَجَّهُوا الِاسْتِثْنَاء إِلَى أَنَّهُ مِنْ قَوْله : { فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّار إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك } لَا مِنْ الْخُلُود ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14316 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن يَحْيَى , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّزَّاق , قَالَ : ثَنَا اِبْن التَّيْمِيّ , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أَبِي نَضْرَة , عَنْ جَابِر أَوْ أَبِي سَعِيد - يَعْنِي الْخُدْرِيّ - أَوْ عَنْ رَجُل مِنْ أَصْحَاب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فِي قَوْله : { إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك إِنَّ رَبّك فَعَّال لِمَا يُرِيد } قَالَ : " هَذِهِ الْآيَة تَأْتِي عَلَى الْقُرْآن كُلّه " , يَقُول : حَيْثُ كَانَ فِي الْقُرْآن { خَالِدِينَ فِيهَا } تَأْتِي عَلَيْهِ . قَالَ : وَسَمِعْت أَبَا مِجْلَز يَقُول : هُوَ جَزَاؤُهُ , فَإِنْ شَاءَ اللَّه تَجَاوَزَ عَنْ عَذَابه وَقَالَ آخَرُونَ : عَنَى بِذَلِكَ أَهْل النَّار وَكُلّ مَنْ دَخَلَهَا . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14317 - حُدِّثْت عَنْ الْمُسَيِّب عَمَّنْ ذَكَرَهُ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض } لَا يَمُوتُونَ , وَلَا هُمْ مِنْهَا يُخْرَجُونَ مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض . { إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك } قَالَ : اِسْتِثْنَاء اللَّه . قَالَ : يَأْمُر النَّار أَنْ تَأْكُلهُمْ . قَالَ : وَقَالَ اِبْن مَسْعُود : لَيَأْتِيَنَّ عَلَى جَهَنَّم زَمَان تَخْفِق أَبْوَابهَا لَيْسَ فِيهَا أَحَد , وَذَلِكَ بَعْد مَا يَلْبَثُونَ فِيهَا أَحْقَابًا 14318 - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ بَيَان , عَنْ الشَّعْبِيّ , قَالَ : جَهَنَّم أَسْرَع الدَّارَيْنِ عُمْرَانًا وَأَسْرَعهمَا خَرَابًا وَقَالَ آخَرُونَ : أَخْبَرَنَا اللَّه بِمَشِيئَتِهِ لِأَهْلِ الْجَنَّة , فَعَرَفْنَا مَعْنَى ثَنَيَاهُ بِقَوْلِهِ : { عَطَاء غَيْر مَجْذُوذ } أَنَّهَا فِي الزِّيَادَة عَلَى مِقْدَار مُدَّة السَّمَاوَات وَالْأَرْض , قَالَ : وَلَمْ يُخْبِرنَا بِمَشِيئَتِهِ فِي أَهْل النَّار , وَجَائِز أَنْ تَكُون مَشِيئَته فِي الزِّيَادَة وَجَائِز أَنْ تَكُون فِي النُّقْصَان . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 14319 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك } فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ : { عَطَاء غَيْر مَجْذُوذ } قَالَ : وَأَخْبَرَنَا بِاَلَّذِي يَشَاء لِأَهْلِ الْجَنَّة , فَقَالَ : عَطَاء غَيْر مَجْذُوذ , وَلَمْ يُخْبِرنَا بِاَلَّذِي يَشَاء لِأَهْلِ النَّار وَأَوْلَى هَذِهِ الْأَقْوَال فِي تَأْوِيل هَذِهِ الْآيَة بِالصَّوَابِ , الْقَوْل الَّذِي ذَكَرْنَا عَنْ قَتَادَة وَالضَّحَّاك , مِنْ أَنَّ ذَلِكَ اِسْتِثْنَاء فِي أَهْل التَّوْحِيد مِنْ أَهْل الْكَبَائِر أَنَّهُ يُدْخِلهُمْ النَّار , خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِلَّا مَا شَاءَ مِنْ تَرْكهمْ فِيهَا أَقَلّ مِنْ ذَلِكَ , ثُمَّ يُخْرِجهُمْ فَيُدْخِلهُمْ الْجَنَّة , كَمَا قَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَته فِي هَذَا الْمَوْضِع . وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَال بِالصِّحَّةِ فِي ذَلِكَ , لِأَنَّ اللَّه جَلَّ ثَنَاؤُهُ أَوْعَدَ أَهْل الشِّرْك بِهِ الْخُلُود فِي النَّار , وَتَظَاهَرَتْ بِذَلِكَ الْأَخْبَار عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَغَيْر جَائِز أَنْ يَكُون اِسْتِثْنَاء فِي أَهْل الشِّرْك , وَأَنَّ الْأَخْبَار قَدْ تَوَاتَرَتْ عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ اللَّه يُدْخِل قَوْمًا مِنْ أَهْل الْإِيمَان بِهِ بِذُنُوبٍ أَصَابُوهَا النَّار ثُمَّ يُخْرِجهُمْ مِنْهَا فَيُدْخِلهُمْ الْجَنَّة فَغَيْر جَائِز أَنْ يَكُون ذَلِكَ اِسْتِثْنَاء أَهْل التَّوْحِيد قَبْل دُخُولهَا مَعَ صِحَّة الْأَخْبَار عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا ذَكَرْنَا , وَأَنَّا إِنْ جَعَلْنَاهُ اِسْتِثْنَاء فِي ذَلِكَ كُنَّا قَدْ دَخَلْنَا فِي قَوْل مَنْ يَقُول : لَا يَدْخُل الْجَنَّة فَاسِق وَلَا النَّار مُؤْمِن , وَذَلِكَ خِلَاف مَذَاهِب أَهْل الْعِلْم وَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَخْبَار عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَإِذَا فَسَدَ هَذَانِ الْوَجْهَانِ فَلَا قَوْل قَالَ بِهِ الْقُدْوَة مِنْ أَهْل الْعِلْم إِلَّا الثَّالِث . وَلِأَهْلِ الْعَرَبِيَّة فِي ذَلِكَ مَذْهَب غَيْر ذَلِكَ سَنَذْكُرُهُ بَعْد , وَنُبَيِّنهُ إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَقَوْله : { إِنَّ رَبّك فَعَّال لِمَا يُرِيد } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : إِنَّ رَبّك يَا مُحَمَّد لَا يَمْنَعهُ مَانِع مِنْ فِعْل مَا أَرَادَ فِعْله بِمَنْ عَصَاهُ وَخَالَفَ أَمْره مِنْ اِنْتِقَام مِنْهُ , وَلَكِنَّهُ يَفْعَل مَا يَشَاء , فَيَمْضِي فِعْله فِيهِمْ وَفِيمَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقه فِعْله وَقَضَاءَهُ .

تفسير القرطبي

" مَا دَامَتْ " فِي مَوْضِع نَصْب عَلَى الظَّرْف ; أَيْ دَوَام السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَالتَّقْدِير : وَقْت ذَلِكَ . وَاخْتُلِفَ فِي تَأْوِيل هَذَا ; فَقَالَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ الضَّحَّاك : الْمَعْنَى مَا دَامَتْ سَمَوَات الْجَنَّة وَالنَّار وَأَرْضهمَا وَالسَّمَاء كُلّ مَا عَلَاك فَأَظَلَّك , وَالْأَرْض مَا اِسْتَقَرَّ عَلَيْهِ قَدَمك ; وَفِي التَّنْزِيل : " وَأَوْرَثَنَا الْأَرْض نَتَبَوَّأ مِنْ الْجَنَّة حَيْثُ نَشَاء " [ الزُّمَر : 74 ] . وَقِيلَ : أَرَادَ بِهِ السَّمَاء وَالْأَرْض الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَأَجْرَى ذَلِكَ عَلَى عَادَة الْعَرَب فِي الْإِخْبَار عَنْ دَوَام الشَّيْء وَتَأْبِيده ; كَقَوْلِهِمْ : لَا آتِيك مَا جَنَّ لَيْل , أَوْ سَالَ سَيْل , وَمَا اِخْتَلَفَ اللَّيْل وَالنَّهَار , وَمَا نَاحَ الْحَمَام , وَمَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَنَحْو هَذَا مِمَّا يُرِيدُونَ بِهِ طُولًا مِنْ غَيْر نِهَايَة ; فَأَفْهَمَهُمْ اللَّه تَخْلِيد الْكَفَرَة بِذَلِكَ . وَإِنْ كَانَ قَدْ أَخْبَرَ بِزَوَالِ السَّمَاوَات وَالْأَرْض . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ جَمِيع الْأَشْيَاء الْمَخْلُوقَة أَصْلهَا مِنْ نُور الْعَرْش , وَأَنَّ السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي الْآخِرَة تُرَدَّانِ إِلَى النُّور الَّذِي أُخِذَتَا مِنْهُ ; فَهُمَا دَائِمَتَانِ أَبَدًا فِي نُور الْعَرْش . فِي مَوْضِع نَصْب ; لِأَنَّهُ اِسْتِثْنَاء لَيْسَ مِنْ الْأَوَّل ; وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَقْوَال عَشَرَة : الْأُولَى : أَنَّهُ اِسْتِثْنَاء مِنْ قَوْله : " فَفِي النَّار " كَأَنَّهُ قَالَ : إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك مِنْ تَأْخِير قَوْم عَنْ ذَلِكَ ; وَهَذَا قَوْل رَوَاهُ أَبُو نَضْرَة عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ وَجَابِر رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا . وَإِنَّمَا لَمْ يَقُلْ مَنْ شَاءَ ; لِأَنَّ الْمُرَاد الْعَدَد لَا الْأَشْخَاص ; كَقَوْلِهِ : " مَا طَابَ لَكُمْ " [ النِّسَاء : 3 ] . وَعَنْ أَبِي نَضْرَة عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( إِلَّا مَنْ شَاءَ أَلَّا يُدْخِلهُمْ وَإِنْ شَقُوا بِالْمَعْصِيَةِ ) . الثَّانِي : أَنَّ الِاسْتِثْنَاء إِنَّمَا هُوَ لِلْعُصَاةِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي إِخْرَاجهمْ بَعْد مُدَّة مِنْ النَّار ; وَعَلَى هَذَا يَكُون قَوْله : " فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا " عَامًّا فِي الْكَفَرَة وَالْعُصَاة , وَيَكُون الِاسْتِثْنَاء مِنْ " خَالِدِينَ " ; قَالَهُ قَتَادَة وَالضَّحَّاك وَأَبُو سِنَان وَغَيْرهمْ . وَفِي الصَّحِيح مِنْ حَدِيث أَنَس بْن مَالِك قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( يَدْخُل نَاس جَهَنَّم حَتَّى إِذَا صَارُوا كَالْحُمَمَةِ أُخْرِجُوا مِنْهَا وَدَخَلُوا الْجَنَّة فَيُقَال هَؤُلَاءِ الْجَهَنَّمِيُّونَ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ هَذَا الْمَعْنَى فِي " النِّسَاء " وَغَيْرهَا . الثَّالِث : أَنَّ الِاسْتِثْنَاء مِنْ الزَّفِير وَالشَّهِيق ; أَيْ لَهُمْ فِيهَا زَفِير وَشَهِيق إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك مِنْ أَنْوَاع الْعَذَاب الَّذِي لَمْ يَذْكُرهُ , وَكَذَلِكَ لِأَهْلِ الْجَنَّة مِنْ النَّعِيم مَا ذُكِرَ , وَمَا لَمْ يُذْكَر . حَكَاهُ اِبْن الْأَنْبَارِيّ . الرَّابِع : قَالَ اِبْن مَسْعُود : " خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض " لَا يَمُوتُونَ فِيهَا , وَلَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا " إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك " وَهُوَ أَنْ يَأْمُر النَّار فَتَأْكُلهُمْ وَتُفْنِيَهُمْ , ثُمَّ يُجَدِّد خَلْقهمْ . قُلْت : وَهَذَا الْقَوْل خَاصّ بِالْكَافِرِ وَالِاسْتِثْنَاء لَهُ فِي الْأَكْل , وَتَجْدِيد الْخَلْق . الْخَامِس : أَنَّ " إِلَّا " بِمَعْنَى " سِوَى " كَمَا تَقُول فِي الْكَلَام : مَا مَعِي رَجُل إِلَّا زَيْد , وَلِي عَلَيْك أَلْفَا دِرْهَم إِلَّا الْأَلْف الَّتِي لِي عَلَيْك . قِيلَ : فَالْمَعْنَى مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض سِوَى مَا شَاءَ رَبّك مِنْ الْخُلُود . السَّادِس : أَنَّهُ اِسْتِثْنَاء مِنْ الْإِخْرَاج , وَهُوَ لَا يُرِيد أَنْ يُخْرِجهُمْ مِنْهَا . كَمَا تَقُول فِي الْكَلَام : أَرَدْت أَنْ أَفْعَل ذَلِكَ إِلَّا أَنْ أَشَاء غَيْره , وَأَنْتَ مُقِيم عَلَى ذَلِكَ الْفِعْل ; فَالْمَعْنَى أَنَّهُ لَوْ شَاءَ أَنْ يُخْرِجهُمْ لَأَخْرَجَهُمْ ; وَلَكِنَّهُ قَدْ أَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ خَالِدُونَ فِيهَا , ذَكَرَ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ الزَّجَّاج عَنْ أَهْل اللُّغَة , قَالَ : وَلِأَهْلِ الْمَعَانِي قَوْلَانِ آخَرَانِ , فَأَحَد الْقَوْلَيْنِ : " خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك " مِنْ مِقْدَار مَوْقِفهمْ عَلَى رَأْس قُبُورهمْ , وَلِلْمُحَاسَبَةِ , وَقَدْر مُكْثهمْ فِي الدُّنْيَا , وَالْبَرْزَخ , وَالْوُقُوف لِلْحِسَابِ . وَالْقَوْل الْآخَر : وُقُوع الِاسْتِثْنَاء فِي الزِّيَادَة عَلَى النَّعِيم وَالْعَذَاب , وَتَقْدِيره : " خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك " مِنْ زِيَادَة النَّعِيم لِأَهْلِ النَّعِيم , وَزِيَادَة الْعَذَاب لِأَهْلِ الْجَحِيم . قُلْت : فَالِاسْتِثْنَاء فِي الزِّيَادَة مِنْ الْخُلُود عَلَى مُدَّة كَوْن السَّمَاء وَالْأَرْض الْمَعْهُودَتَيْنِ فِي الدُّنْيَا وَاخْتَارَهُ التِّرْمِذِيّ الْحَكِيم أَبُو عَبْد اللَّه مُحَمَّد بْن عَلِيّ , أَيْ خَالِدِينَ فِيهَا مِقْدَار دَوَام السَّمَاوَات وَالْأَرْض , وَذَلِكَ مُدَّة الْعَالَم , وَلِلسَّمَاءِ وَالْأَرْض وَقْت يَتَغَيَّرَانِ فِيهِ , وَهُوَ قَوْله سُبْحَانه : " يَوْم تُبَدَّل الْأَرْض غَيْر الْأَرْض " [ إِبْرَاهِيم : 48 ] فَخَلَقَ اللَّه سُبْحَانه الْآدَمِيِّينَ وَعَامَلَهُمْ , وَاشْتَرَى مِنْهُمْ أَنْفُسهمْ وَأَمْوَالهمْ بِالْجَنَّةِ , وَعَلَى ذَلِكَ بَايَعَهُمْ يَوْم الْمِيثَاق , فَمَنْ وَفَّى بِذَلِكَ الْعَهْد فَلَهُ الْجَنَّة , وَمَنْ ذَهَبَ بِرَقَبَتِهِ يَخْلُد فِي النَّار بِمِقْدَارِ دَوَام السَّمَاوَات وَالْأَرْض ; فَإِنَّمَا دَامَتَا لِلْمُعَامَلَةِ ; وَكَذَلِكَ أَهْل الْجَنَّة خُلُود فِي الْجَنَّة بِمِقْدَارِ ذَلِكَ ; فَإِذَا تَمَّتْ هَذِهِ الْمُعَامَلَة وَقَعَ الْجَمِيع فِي مَشِيئَة اللَّه ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَمَا بَيْنهمَا لَاعِبِينَ . مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ " [ الدُّخَان : 39 ] فَيَخْلُد أَهْل الدَّارَيْنِ بِمِقْدَارِ دَوَامهمَا , وَهُوَ حَقّ الرُّبُوبِيَّة بِذَلِكَ الْمِقْدَار مِنْ الْعَظَمَة ; ثُمَّ أَوْجَبَ لَهُمْ الْأَبَد فِي كِلْتَا الدَّارَيْنِ لِحَقِّ الْأَحَدِيَّةِ ; فَمَنْ لَقِيَهُ مُوَحِّدًا لِأَحَدِيَّتِهِ بَقِيَ فِي دَاره أَبَدًا , وَمَنْ لَقِيَهُ مُشْرِكًا بِأَحَدِيَّتِهِ إِلَهًا بَقِيَ فِي السِّجْن أَبَدًا ; فَأَعْلَمَ اللَّه الْعِبَاد مِقْدَار الْخُلُود , ثُمَّ قَالَ : " إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك " مِنْ زِيَادَة الْمُدَّة الَّتِي تَعْجِز الْقُلُوب عَنْ إِدْرَاكهَا لِأَنَّهُ لَا غَايَة لَهَا ; فَبِالِاعْتِقَادِ دَامَ خُلُودهمْ فِي الدَّارَيْنِ أَبَدًا . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ " إِلَّا " بِمَعْنَى الْوَاو , قَالَهُ الْفَرَّاء وَبَعْض أَهْل النَّظَر وَهُوَ الثَّامِن : وَالْمَعْنَى : وَمَا شَاءَ رَبّك مِنْ الزِّيَادَة فِي الْخُلُود عَلَى مُدَّة دَوَام السَّمَاوَات وَالْأَرْض فِي الدُّنْيَا . وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى : " إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا " [ الْبَقَرَة : 150 ] أَيْ وَلَا الَّذِينَ ظَلَمُوا . وَقَالَ الشَّاعِر : وَكُلّ أَخ مُفَارِقه أَخُوهُ لَعَمْر أَبِيك إِلَّا الْفَرْقَدَانِ أَيْ وَالْفَرْقَدَانِ . وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد مَكِّيّ : وَهَذَا قَوْل بَعِيد عِنْد الْبَصْرِيِّينَ أَنْ تَكُون " إِلَّا " بِمَعْنَى الْوَاو , وَقَدْ مَضَى فِي " الْبَقَرَة " بَيَانه . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ كَمَا شَاءَ رَبّك ; كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنْ النِّسَاء إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ " [ النِّسَاء : 22 ] أَيْ كَمَا قَدْ سَلَفَ , وَهُوَ : التَّاسِع , الْعَاشِر : وَهُوَ أَنَّ قَوْله تَعَالَى : " إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك " إِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى طَرِيق الِاسْتِثْنَاء الَّذِي نَدَبَ الشَّرْع إِلَى اِسْتِعْمَاله فِي كُلّ كَلَام ; فَهُوَ عَلَى حَدّ قَوْله تَعَالَى : " لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِد الْحَرَام إِنْ شَاءَ اللَّه آمِنِينَ " [ الْفَتْح : 27 ] فَهُوَ اِسْتِثْنَاء فِي وَاجِب , وَهَذَا الِاسْتِثْنَاء فِي حُكْم الشَّرْط كَذَلِكَ ; كَأَنَّهُ قَالَ : إِنْ شَاءَ رَبّك ; فَلَيْسَ يُوصَف بِمُتَّصِلٍ وَلَا مُنْقَطِع ; وَيُؤَيِّدهُ وَيُقَوِّيه قَوْله تَعَالَى : " عَطَاء غَيْر مَجْذُوذ " وَنَحْوه عَنْ أَبِي عُبَيْد قَالَ : تَقَدَّمَتْ عَزِيمَة الْمَشِيئَة مِنْ اللَّه تَعَالَى فِي خُلُود الْفَرِيقَيْنِ فِي الدَّارَيْنِ ; فَوَقَعَ لَفْظ الِاسْتِثْنَاء , وَالْعَزِيمَة قَدْ تَقَدَّمَتْ فِي الْخُلُود , قَالَ : وَهَذَا مِثْل قَوْله تَعَالَى : " لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِد الْحَرَام إِنْ شَاءَ اللَّه آمِنِينَ " [ الْفَتْح : 27 ] وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَهُ حَتْمًا , فَلَمْ يُوجِب الِاسْتِثْنَاء فِي الْمَوْضِعَيْنِ خِيَارًا ; إِذْ الْمَشِيئَة قَدْ تَقَدَّمَتْ , بِالْعَزِيمَةِ فِي الْخُلُود فِي الدَّارَيْنِ وَالدُّخُول فِي الْمَسْجِد الْحَرَام ; وَنَحْوه عَنْ الْفَرَّاء . وَقَوْل : حَادِي عَشَرَ : وَهُوَ أَنَّ الْأَشْقِيَاء هُمْ السُّعَدَاء , وَالسُّعَدَاء هُمْ الْأَشْقِيَاء لَا غَيْرهمْ , وَالِاسْتِثْنَاء فِي الْمَوْضِعَيْنِ رَاجِع إِلَيْهِمْ ; وَبَيَانه أَنَّ " مَا " بِمَعْنَى " مَنْ " اِسْتَثْنَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ مِنْ الدَّاخِلِينَ فِي النَّار الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا الَّذِينَ يُخْرَجُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا مَعَهُمْ مِنْ الْإِيمَان , وَاسْتَثْنَى مِنْ الدَّاخِلِينَ فِي الْجَنَّة الْمُخَلَّدِينَ فِيهَا الَّذِينَ يَدْخُلُونَ النَّار بِذُنُوبِهِمْ قَبْل دُخُول الْجَنَّة ثُمَّ يُخْرَجُونَ مِنْهَا إِلَى الْجَنَّة . وَهُمْ الَّذِينَ وَقَعَ عَلَيْهِمْ الِاسْتِثْنَاء الثَّانِي ; كَأَنَّهُ قَالَ تَعَالَى : " فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّار لَهُمْ فِيهَا زَفِير وَشَهِيق خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتْ السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا مَا شَاءَ رَبّك " أَلَّا يُخَلِّدهُ فِيهَا , وَهُمْ الْخَارِجُونَ مِنْهَا مِنْ أُمَّة مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِيمَانِهِمْ وَبِشَفَاعَةِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; فَهُمْ بِدُخُولِهِمْ النَّار يُسَمَّوْنَ الْأَشْقِيَاء , وَبِدُخُولِهِمْ الْجَنَّة يُسَمَّوْنَ السُّعَدَاء ; كَمَا رَوَى الضَّحَّاك عَنْ اِبْن عَبَّاس إِذْ قَالَ : الَّذِينَ سَعِدُوا شَقُوا بِدُخُولِ النَّار ثُمَّ سَعِدُوا بِالْخُرُوجِ مِنْهَا وَدُخُولهمْ الْجَنَّة . وَقَرَأَ الْأَعْمَش وَحَفْص وَحَمْزَة وَالْكِسَائِيّ " وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا " بِضَمِّ السِّين . وَقَالَ أَبُو عَمْرو : وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّهُ سَعِدُوا أَنَّ الْأَوَّل شَقُوا وَلَمْ يَقُلْ أُشْقُوا . قَالَ النَّحَّاس : وَرَأَيْت عَلِيّ بْن سُلَيْمَان يَتَعَجَّب مِنْ قِرَاءَة الْكِسَائِيّ " سُعِدُوا " مَعَ عِلْمه بِالْعَرَبِيَّةِ ! إِذْ كَانَ هَذَا لَحْنًا لَا يَجُوز ; لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَال : سَعِدَ فُلَان وَأَسْعَدَهُ اللَّه , وَأَسْعَدَ مِثْل أَمْرَضَ ; وَإِنَّمَا اِحْتَجَّ الْكِسَائِيّ بِقَوْلِهِمْ : مَسْعُود وَلَا حُجَّة لَهُ فِيهِ ; لِأَنَّهُ يُقَال : مَكَان مَسْعُود فِيهِ , ثُمَّ يُحْذَف فِيهِ وَيُسَمَّى بِهِ . وَقَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَمَنْ ضَمَّ السِّين مِنْ " سُعِدُوا " فَهُوَ مَحْمُول عَلَى قَوْلهمْ : مَسْعُود وَهُوَ شَاذّ قَلِيل ; لِأَنَّهُ لَا يُقَال : سَعِدَهُ اللَّه ; إِنَّمَا يُقَال : أَسْعَدَهُ اللَّه . وَقَالَ الثَّعْلَبِيّ : " سُعِدُوا " بِضَمِّ السِّين أَيْ رُزِقُوا السَّعَادَة ; يُقَال : سَعِدَ وَأَسْعَدَ بِمَعْنًى وَاحِد وَقَرَأَ الْبَاقُونَ " سَعِدُوا " بِفَتْحِ السِّين قِيَاسًا عَلَى " شَقُوا " وَاخْتَارَهُ أَبُو عُبَيْد وَأَبُو حَاتِم . وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَالسَّعَادَة خِلَاف الشَّقَاوَة ; تَقُول : مِنْهُ سَعِدَ الرَّجُل بِالْكَسْرِ فَهُوَ سَعِيد , مِثْل سَلِمَ فَهُوَ سَلِيم , وَسَعِدَ فَهُوَ مَسْعُود ; وَلَا يُقَال فِيهِ : مُسْعَد , كَأَنَّهُمْ اِسْتَغْنَوْا عَنْهُ بِمَسْعُودٍ . وَقَالَ الْقُشَيْرِيّ أَبُو نَصْر عَبْد الرَّحِيم : وَقَدْ وَرَدَ سَعِدَهُ اللَّه فَهُوَ مَسْعُود , وَأَسْعَدَهُ اللَّه فَهُوَ مُسْعَد ; فَهَذَا يُقَوِّي قَوْل الْكُوفِيِّينَ وَقَالَ سِيبَوَيْهِ : لَا يُقَال سَعِدَ فُلَان كَمَا لَا يُقَال شَقِيَ فُلَان ; لِأَنَّهُ مِمَّا لَا يَتَعَدَّى .

غريب الآية
خَـٰلِدِینَ فِیهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَـٰوَ ٰ⁠تُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَاۤءَ رَبُّكَۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالࣱ لِّمَا یُرِیدُ ﴿١٠٧﴾
الإعراب
(خَالِدِينَ)
حَالٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْيَاءُ لِأَنَّهُ جَمْعُ مُذَكَّرٍ سَالِمٌ.
(فِيهَا)
(فِي) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(مَا)
حَرْفٌ مَصْدَرِيٌّ ظَرْفِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(دَامَتِ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"التَّاءُ" حَرْفُ تَأْنِيثٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ.
(السَّمَاوَاتُ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَالْأَرْضُ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(الْأَرْضُ) : مَعْطُوفٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْمَصْدَرُ الْمُؤَوَّلُ مِنْ (مَا) : وَالْفِعْلِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ ظَرْفُ زَمَانٍ؛ أَيْ: "مُدَّةَ بَقَائِهِمَا".
(إِلَّا)
حَرْفُ اسْتِثْنَاءٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(مَا)
اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مُسْتَثْنًى.
(شَاءَ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(رَبُّكَ)
فَاعِلٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.
(إِنَّ)
حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ.
(رَبَّكَ)
اسْمُ (إِنَّ) : مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"كَافُ الْمُخَاطَبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(فَعَّالٌ)
خَبَرُ (إِنَّ) : مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(لِمَا)
"اللَّامُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(مَا) : اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(يُرِيدُ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "هُوَ"، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.