صفحات الموقع

سورة التكاثر الآية ٢

سورة التكاثر الآية ٢

حَتَّىٰ زُرۡتُمُ ٱلۡمَقَابِرَ ﴿٢﴾

التفسير

تفسير السعدي

واستمر اشتغالكم بذلك إلى أن صرتم إلى المقابر, ودفنتم فيها.

التفسير الميسر

واستمر اشتغالكم بذلك إلى أن صرتم إلى المقابر، ودُفنتم فيها.

تفسير الجلالين

" حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِر " بِأَنْ مُتُّمْ فَدُفِنْتُمْ فِيهَا , أَوْ عَدَدْتُمْ الْمَوْتَى تَكَاثُرًا

تفسير ابن كثير

وَقَالَ قَتَادَة " أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُر حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِر " كَانُوا يَقُولُونَ نَحْنُ أَكْثَر بَنِي فُلَان وَنَحْنُ أَعَدّ مِنْ بَنِي فُلَان وَهُمْ كُلّ يَوْم يَتَسَاقَطُونَ إِلَى آخِرهمْ وَاَللَّه مَا زَالُوا كَذَلِكَ حَتَّى صَارُوا مِنْ أَهْل الْقُبُور كُلّهمْ وَالصَّحِيح أَنَّ الْمُرَاد بِقَوْلِهِ زُرْتُمْ الْمَقَابِر أَيْ صِرْتُمْ إِلَيْهَا وَدُفِنْتُمْ فِيهَا كَمَا جَاءَ فِي الصَّحِيح أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى رَجُل مِنْ الْأَعْرَاب يَعُودهُ فَقَالَ " لَا بَأْس طَهُور إِنْ شَاءَ اللَّه " فَقَالَ : قُلْت طَهُور بَلْ هِيَ حُمَّى تَفُور عَلَى شَيْخ كَبِير تُزِيرهُ الْقُبُور قَالَ " فَنَعَمْ إِذَنْ " . وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن سَعِيد الْأَصْبَهَانِيّ أَخْبَرَنَا حَكَّام بْن سَالِم الرَّازِيّ عَنْ عَمْرو بْن أَبِي قَيْس عَنْ الْحَجَّاج عَنْ الْمِنْهَال عَنْ زِرّ بْن حُبَيْش عَنْ عَلِيّ قَالَ : مَا زِلْنَا نَشُكّ فِي عَذَاب الْقَبْر حَتَّى نَزَلَتْ " أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُر حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِر " وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَنْ أَبِي كُرَيْب عَنْ حَكَّام بْن سَالِم بِهِ وَقَالَ غَرِيب وَقَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا سَلَمَة بْن دَاوُد الْعَرَضِيّ حَدَّثَنَا أَبُو الْمَلِيح الرَّقِّيّ عَنْ مَيْمُون بْن مِهْرَان قَالَ كُنْت جَالِسًا عِنْد عُمَر بْن عَبْد الْعَزِيز فَقَرَأَ" أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُر حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِر " فَلَبِثَ هُنَيْهَة ثُمَّ قَالَ : يَا مَيْمُون مَا أَرَى الْمَقَابِر إِلَّا زِيَارَة وَمَا لِلزَّائِرِ بُدٌّ مِنْ أَنْ يَرْجِع إِلَى مَنْزِله وَقَالَ أَبُو مُحَمَّد يَعْنِي أَنْ يَرْجِع إِلَى مَنْزِله أَيْ إِلَى جَنَّة أَوْ إِلَى نَار وَهَكَذَا ذَكَرَ أَنَّ بَعْض الْأَعْرَاب سَمِعَ رَجُلًا يَتْلُو هَذِهِ الْآيَة " حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِر " فَقَالَ بُعِثَ الْقَوْم وَرَبّ الْكَعْبَة أَيْ إِنَّ الزَّائِر سَيَرْحَلُ مِنْ مَقَامه ذَلِكَ إِلَى غَيْره .

تفسير الطبري

وَقَوْله : { حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِر } يَعْنِي : حَتَّى صِرْتُمْ إِلَى الْمَقَابِر فَدُفِنْتُمْ فِيهَا ; وَفِي هَذَا دَلِيل عَلَى صِحَّة الْقَوْل بِعَذَابِ الْقَبْر , لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره , أَخْبَرَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِينَ أَلْهَاهُمْ التَّكَاثُر , أَنَّهُمْ سَيَعْلَمُونَ مَا يَلْقَوْنَ إِذَا هُمْ زَارُوا الْقُبُور وَعِيدًا مِنْهُ لَهُمْ وَتَهَدُّدًا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 29314- حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْب , قَالَ : ثنا اِبْن عَطِيَّة , عَنْ قَيْس , عَنْ حَجَّاج , عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ زِرّ , عَنْ عَلِيّ , قَالَ : كُنَّا نَشُكّ فِي عَذَاب الْقَبْر , حَتَّى نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُر } ... إِلَى : { كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ } فِي عَذَاب الْقَبْر . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام بْن سَلْم , عَنْ عَنْبَسَة , عَنْ اِبْن أَبِي لَيْلَى , عَنْ الْمِنْهَال , عَنْ زِرّ , عَنْ عَلِيّ , قَالَ : نَزَلَتْ { أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُر } فِي عَذَاب الْقَبْر. * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثنا حَكَّام , عَنْ عَمْرو , عَنْ الْحَجَّاج , عَنْ الْمِنْهَال بْن عَمْرو , عَنْ زِرّ , عَنْ عَلِيّ , قَالَ : مَا زِلْنَا نَشُكّ فِي عَذَاب الْقَبْر , حَتَّى نَزَلَتْ : { أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُر حَتَّى زُرْتُمْ الْمَقَابِر } .

تفسير القرطبي

أَيْ حَتَّى أَتَاكُمْ الْمَوْت , فَصِرْتُمْ فِي الْمَقَابِر زُوَّارًا , تَرْجِعُونَ مِنْهَا كَرُجُوعِ الزَّائِر إِلَى مَنْزِله مِنْ جَنَّة أَوْ نَار . يُقَال لِمَنْ مَاتَ : قَدْ زَارَ قَبْره . وَقِيلَ : أَيْ أَلْهَاكُمْ التَّكَاثُر حَتَّى عَدَدْتُمْ الْأَمْوَات , عَلَى مَا تَقَدَّمَ . وَقِيلَ : هَذَا وَعِيد . أَيْ اِشْتَغَلْتُمْ بِمُفَاخَرَةِ الدُّنْيَا , حَتَّى تَزُورُوا الْقُبُور , فَتَرَوْا مَا يَنْزِل بِكُمْ مِنْ عَذَاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ . قَوْله تَعَالَى : " الْمَقَابِر " جَمْع مَقْبَرَة وَمَقْبَرَة ( بِفَتْحِ الْبَاء وَضَمّهَا ) . وَالْقُبُور : جَمْع الْقَبْر قَالَ : أَرَى أَهْل الْقُصُور إِذَا أُمِيتُوا بَنَوْا فَوْق الْمَقَابِر بِالصُّخُورِ أَبَوْا إِلَّا مُبَاهَاة وَفَخْرًا عَلَى الْفُقَرَاء حَتَّى فِي الْقُبُور وَقَدْ جَاءَ فِي الشِّعْر ( الْمَقْبَر ) قَالَ : لِكُلِّ أُنَاس مَقْبَر بِفِنَائِهِمْ فَهُمْ يَنْقُصُونَ وَالْقُبُور تَزِيد وَهُوَ الْمَقْبُرِيّ وَالْمَقْبَرِيّ : لِأَبِي سَعِيد الْمَقْبُرِيّ ; وَكَانَ يَسْكُن الْمَقَابِر . وَقَبَرْت الْمَيِّت أَقْبِرُهُ وَأُقْبِرهُ قَبْرًا , أَيْ دَفَنْته . وَأَقْبَرْته أَيْ أَمَرْت بِأَنْ يُقْبَر . وَقَدْ مَضَى فِي سُورَة " عَبَسَ " الْقَوْل فِيهِ . وَالْحَمْد لِلَّهِ . لَمْ يَأْتِ فِي التَّنْزِيل ذِكْر الْمَقَابِر إِلَّا فِي هَذِهِ السُّورَة . وَزِيَارَتهَا مِنْ أَعْظَم الدَّوَاء لِلْقَلْبِ الْقَاسِي ; لِأَنَّهَا تُذَكِّر الْمَوْت وَالْآخِرَة . وَذَلِكَ يَحْمِل عَلَى قِصَر الْأَمَل , وَالزُّهْد فِي الدُّنْيَا , وَتَرْك الرَّغْبَة فِيهَا . قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ زِيَارَة الْقُبُور , فَزُورُوا الْقُبُور , فَإِنَّهَا تُزَهِّد فِي الدُّنْيَا , وَتُذَكِّر الْآخِرَة ) رَوَاهُ اِبْن مَسْعُود ; أَخْرَجَهُ اِبْن مَاجَهْ . وَفِي صَحِيح مُسْلِم مِنْ حَدِيث أَبِي هُرَيْرَة : ( فَإِنَّهَا تُذَكِّر الْمَوْت ) . وَفِي التِّرْمِذِيّ عَنْ بُرَيْدَة : ( فَإِنَّهَا تُذَكِّر الْآخِرَة ) . قَالَ : هَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح . وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة : أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَعَنَ زَوَّارَات الْقُبُور . قَالَ : وَفِي الْبَاب عَنْ اِبْن عَبَّاس وَحَسَّان بْن ثَابِت . قَالَ أَبُو عِيسَى : وَهَذَا حَدِيث حَسَن صَحِيح . وَقَدْ رَأَى بَعْض أَهْل الْعِلْم أَنَّ هَذَا كَانَ قَبْل أَنْ يُرَخِّص النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زِيَارَة الْقُبُور ; فَلَمَّا رَخَّصَ دَخَلَ فِي رُخْصَته الرِّجَال وَالنِّسَاء . وَقَالَ بَعْضهمْ : إِنَّمَا كُرِهَ زِيَارَة الْقُبُور لِلنِّسَاءِ لِقِلَّةِ صَبْرهنَّ , وَكَثْرَة جَزَعهنَّ . قُلْت : زِيَارَة الْقُبُور لِلرِّجَالِ مُتَّفَق عَلَيْهِ عِنْد الْعُلَمَاء , مُخْتَلَف فِيهِ لِلنِّسَاءِ . أَمَّا الشَّوَابّ فَحَرَام عَلَيْهِنَّ الْخُرُوج , وَأَمَّا الْقَوَاعِد فَمُبَاح لَهُنَّ ذَلِكَ . وَجَائِز لِجَمِيعِهِنَّ . ذَلِكَ إِذَا اِنْفَرَدْنَ بِالْخُرُوجِ عَنْ الرِّجَال ; وَلَا يُخْتَلَف فِي هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّه . وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَكُون قَوْله : ( زُورُوا الْقُبُور ) عَامًّا . وَأَمَّا مَوْضِع أَوْ وَقْت يُخْشَى فِيهِ الْفِتْنَة مِنْ اِجْتِمَاع الرِّجَال وَالنِّسَاء , فَلَا يَحِلّ وَلَا يَجُوز . فَبَيْنَا الرَّجُل يَخْرُج لِيَعْتَبِر , فَيَقَع بَصَره عَلَى اِمْرَأَة فَيُفْتَتَن , وَبِالْعَكْسِ فَيَرْجِع كُلّ وَاحِد مِنْ الرِّجَال وَالنِّسَاء مَأْزُورًا غَيْر مَأْجُور . وَاَللَّه أَعْلَم . قَالَ الْعُلَمَاء : يَنْبَغِي لِمَنْ أَرَادَ عِلَاج قَلْبه وَانْقِيَاده بِسَلَاسِل الْقَهْر إِلَى طَاعَة رَبّه , أَنْ يُكْثِر مِنْ ذِكْر هَاذِم اللَّذَّات , وَمُفَرِّق الْجَمَاعَات , وَمُوتِم الْبَنِينَ وَالْبَنَات , وَيُوَاظِب عَلَى مُشَاهَدَة الْمُحْتَضَرِينَ , وَزِيَارَة قُبُور أَمْوَات الْمُسْلِمِينَ . فَهَذِهِ ثَلَاثَة أُمُور , يَنْبَغِي لِمَنْ قَسَا قَلْبه , وَلَزِمَهُ ذَنْبه , أَنْ يَسْتَعِين بِهَا عَلَى دَوَاء دَائِهِ , وَيَسْتَصْرِخ بِهَا عَلَى فِتَن الشَّيْطَان وَأَعْوَانه ; فَإِنْ اِنْتَفَعَ بِالْإِكْثَارِ مِنْ ذِكْر الْمَوْت , وَانْجَلَتْ بِهِ قَسَاوَة قَلْبه فَذَاكَ , وَإِنْ عَظُمَ عَلَيْهِ رَان قَلْبه , وَاسْتَحْكَمَتْ فِيهِ دَوَاعِي الذَّنْب ; فَإِنَّ مُشَاهَدَة الْمُحْتَضَرِينَ , وَزِيَارَة قُبُور أَمْوَات الْمُسْلِمِينَ , تَبْلُغ فِي دَفْع ذَلِكَ مَا لَا يَبْلُغهُ الْأَوَّل ; لِأَنَّ ذِكْر الْمَوْت إِخْبَار لِلْقَلْبِ بِمَا إِلَيْهِ الْمَصِير , وَقَائِم لَهُ مَقَام التَّخْوِيف وَالتَّحْذِير . وَفِي مُشَاهَدَة مَنْ اُحْتُضِرَ , وَزِيَارَة قَبْر مَنْ مَاتَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مُعَايَنَة وَمُشَاهَدَة ; فَلِذَلِكَ كَانَ أَبْلَغ مِنْ الْأَوَّل ; قَالَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَيْسَ الْخَبَر كَالْمُعَايَنَةِ ) رَوَاهُ اِبْن عَبَّاس . فَأَمَّا الِاعْتِبَار بِحَالِ الْمُحْتَضَرِينَ , فَغَيْر مُمْكِن فِي كُلّ الْأَوْقَات , وَقَدْ لَا يَتَّفِق لِمَنْ أَرَادَ عِلَاج قَلْبه فِي سَاعَة مِنْ السَّاعَات . وَأَمَّا زِيَارَة الْقُبُور فَوُجُودهَا أَسْرَع , وَالِانْتِفَاع بِهَا أَلْيَق وَأَجْدَر . فَيَنْبَغِي لِمَنْ عَزَمَ عَلَى الزِّيَارَة , أَنْ يَتَأَدَّب بِآدَابِهَا , وَيُحْضِر قَلْبه فِي إِتْيَانهَا , وَلَا يَكُون حَظّه مِنْهَا التَّطْوَاف عَلَى الْأَجْدَاث فَقَطْ ; فَإِنَّ هَذِهِ حَالَة تُشَارِكهُ فِيهَا بَهِيمَة . وَنَعُوذ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ . بَلْ يَقْصِد بِزِيَارَتِهِ وَجْه اللَّه تَعَالَى , وَإِصْلَاح فَسَاد قَلْبه , أَوْ نَفْع الْمَيِّت بِمَا يَتْلُو عِنْده مِنْ الْقُرْآن وَالدُّعَاء , وَيَتَجَنَّب الْمَشْي عَلَى الْمَقَابِر , وَالْجُلُوس عَلَيْهَا وَيُسَلِّم إِذَا دَخَلَ الْمَقَابِر , وَإِذَا وَصَلَ إِلَى قَبْر مَيِّته الَّذِي يَعْرِفهُ سَلَّمَ عَلَيْهِ أَيْضًا , وَأَتَاهُ مِنْ تِلْقَاء وَجْهه ; لِأَنَّهُ فِي زِيَارَته كَمُخَاطَبَتِهِ حَيًّا , وَلَوْ خَاطَبَهُ حَيًّا لَكَانَ الْأَدَب اِسْتِقْبَاله بِوَجْهِهِ ; فَكَذَلِكَ هَاهُنَا . ثُمَّ يَعْتَبِر بِمَنْ صَارَ تَحْت التُّرَاب , وَانْقَطَعَ عَنْ الْأَهْل وَالْأَحْبَاب , بَعْد أَنْ قَادَ الْجُيُوش وَالْعَسَاكِر , وَنَافَسَ الْأَصْحَاب وَالْعَشَائِر , وَجَمَعَ الْأَمْوَال وَالذَّخَائِر ; فَجَاءَهُ الْمَوْت فِي وَقْت لَمْ يَحْتَسِبهُ , وَهَوْل لَمْ يَرْتَقِبهُ . فَلْيَتَأَمَّلْ الزَّائِر حَال مَنْ مَضَى مِنْ إِخْوَانه , وَدَرَجَ مِنْ أَقْرَانه الَّذِينَ بَلَغُوا الْآمَال , وَجَمَعُوا الْأَمْوَال ; كَيْف اِنْقَطَعَتْ آمَالهمْ , وَلَمْ تُغْنِ عَنْهُمْ أَمْوَالهمْ , وَمَحَا التُّرَاب مَحَاسِن وُجُوههمْ , وَافْتَرَقَتْ فِي الْقُبُور أَجْزَاؤُهُمْ , وَتَرَمَّلَ مِنْ بَعْدهمْ نِسَاؤُهُمْ , وَشَمِلَ ذُلّ الْيُتْم أَوْلَادهمْ , وَاقْتَسَمَ غَيْرهمْ طَرِيفهمْ وَتِلَادهمْ . وَلْيَتَذَكَّرْ تَرَدُّدهمْ فِي الْمَآرِب , وَحِرْصهمْ عَلَى نَيْل الْمَطَالِب , وَانْخِدَاعهمْ لِمُوَاتَاةِ الْأَسْبَاب , وَرُكُونهمْ إِلَى الصِّحَّة وَالشَّبَاب . وَلْيَعْلَمْ أَنَّ مَيْله إِلَى اللَّهْو وَاللَّعِب كَمَيْلِهِمْ , وَغَفْلَته عَمَّا بَيْن يَدَيْهِ مِنْ الْمَوْت الْفَظِيع , وَالْهَلَاك السَّرِيع , كَغَفْلَتِهِمْ , وَأَنَّهُ لَا بُدّ صَائِر إِلَى مَصِيرهمْ , وَلْيُحْضِرْ بِقَلْبِهِ ذِكْر مَنْ كَانَ مُتَرَدِّدًا فِي أَغْرَاضه , وَكَيْف تَهَدَّمَتْ رِجْلَاهُ . وَكَانَ يَتَلَذَّذ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا خُوِّلَهُ وَقَدْ سَالَتْ عَيْنَاهُ , وَيَصُول بِبَلَاغَةِ نُطْقه وَقَدْ أَكَلَ الدُّود لِسَانه , وَيَضْحَك لِمُوَاتَاةِ دَهْره وَقَدْ أَبْلَى التُّرَاب أَسْنَانه , وَلْيَتَحَقَّقْ أَنَّ حَاله كَحَالِهِ , وَمَآله كَمَآلِهِ . وَعِنْد هَذَا التَّذَكُّر وَالِاعْتِبَار تَزُول عَنْهُ جَمِيع الْأَغْيَار الدُّنْيَوِيَّة , وَيُقْبِل عَلَى الْأَعْمَال الْأُخْرَوِيَّة , فَيَزْهَد فِي دُنْيَاهُ , وَيُقْبِل عَلَى طَاعَة مَوْلَاهُ , وَيَلِين قَلْبه , وَتَخْشَع جَوَارِحه .

غريب الآية
حَتَّىٰ زُرۡتُمُ ٱلۡمَقَابِرَ ﴿٢﴾
حَتَّىٰ زُرۡتُمُ ٱلۡمَقَابِرَوانْشَغَلتُم بِذَلِكَ إلى أَن دُفِنتم في المقابِر.
الإعراب
(حَتَّى)
حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ.
(زُرْتُمُ)
فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِتَاءِ الْفَاعِلِ، وَ"تَاءُ الْفَاعِلِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ الْمُقَدَّرِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(الْمَقَابِرَ)
مَفْعُولٌ بِهِ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.