صفحات الموقع

سورة يونس الآية ٥٨

سورة يونس الآية ٥٨

قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَ ٰ⁠لِكَ فَلۡیَفۡرَحُوا۟ هُوَ خَیۡرࣱ مِّمَّا یَجۡمَعُونَ ﴿٥٨﴾

التفسير

تفسير السعدي

ولذلك أمر تعالى بالفرح بذلك فقال: " قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ " الذي هو: القرآن, الذي هو أعظم نعمة ومنة, وفضل تفضل الله به على عباده " وَرَحْمَتُهُ " الدين والإيمان, وعبادة الله ومحبته ومعرفته. " فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ " من متاع الدنيا ولذاتها. فنعمة الدين المتصلة بسعادة الدارين, لا نسبة بينها, وبين جميع ما في الدنيا, مما هو مضمحل زائل عن قريب. وإنما أمر الله تعالى بالفرح بفضله ورحمته, لأن ذلك مما يوجب انبساط النفس ونشاطها, وشكرها لله تعالى وقوتها, وشدة الرغبة في العلم والإيمان, الداعي للازدياد منهما, وهذا فرح محمود. بخلاف الفرح بشهوات الدنيا ولذاتها, أو الفرح بالباطل, فإن هذا مذموم. كما قال تعالى عن قوم قارون له: " لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ " . وكما قال تعالى, في الذين فرحوا بما عندهم من الباطل, المناقض, لما جاءت به الرسل: " فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ " .

التفسير الميسر

قل -أيها الرسول- لجميع الناس: بفضل الله وبرحمته، وهو ما جاءهم من الله من الهدى ودين الحق وهو الإسلام، فبذلك فليفرحوا؛ فإن الإسلام الذي دعاهم الله إليه، والقرآن الذي أنزله على محمد صلى الله عليه وسلم، خير مما يجمعون من حطام الدنيا وما فيها من الزهرة الفانية الذاهبة.

تفسير الجلالين

"قُلْ بِفَضْلِ اللَّه" الْإِسْلَام "وَبِرَحْمَتِهِ" الْقُرْآن "فَبِذَلِكَ" الْفَضْل وَالرَّحْمَة "فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ" مِنْ الدُّنْيَا بِالْيَاءِ وَالتَّاء

تفسير ابن كثير

وَقَوْله تَعَالَى " قُلْ بِفَضْلِ اللَّه وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا " أَيْ بِهَذَا الَّذِي جَاءَهُمْ مِنْ اللَّه مِنْ الْهُدَى وَدِين الْحَقّ فَلْيَفْرَحُوا فَإِنَّهُ أَوْلَى مَا يَفْرَحُونَ بِهِ " هُوَ خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ " أَيْ مِنْ حُطَام الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا مِنْ الزَّهْرَة الْفَانِيَة الذَّاهِبَة لَا مَحَالَة كَمَا قَالَ اِبْن أَبِي حَاتِم فِي تَفْسِير هَذِهِ الْآيَة وَذَكَرَ بِسَنَدِهِ عَنْ بَقِيَّة بْن الْوَلِيد عَنْ صَفْوَان بْن عَمْرو : سَمِعْت أَيْفَع بْن عَبْد اللَّه الْكُلَاعِيّ يَقُول لَمَّا قَدِمَ خَرَاج الْعِرَاق إِلَى عُمَر رَضِيَ اللَّه عَنْهُ خَرَجَ عُمَر وَمَوْلًى لَهُ فَجَعَلَ عُمَر يَعُدّ الْإِبِل فَإِذَا هِيَ أَكْثَر مِنْ ذَلِكَ فَجَعَلَ عُمَر يَقُول : الْحَمْد لِلَّهِ تَعَالَى وَيَقُول مَوْلَاهُ هَذَا وَاَللَّه مِنْ فَضْل اللَّه وَرَحْمَته فَقَالَ عُمَر : كَذَبْت لَيْسَ هَذَا هُوَ الَّذِي يَقُول اللَّه تَعَالَى " قُلْ بِفَضْلِ اللَّه وَبِرَحْمَتِهِ " الْآيَة وَهَذَا مِمَّا يَجْمَعُونَ وَقَدْ أَسْنَدَهُ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم الطَّبَرَانِيّ فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي زُرْعَة الدِّمَشْقِيّ عَنْ حَيْوَة بْن شُرَيْح عَنْ بَقِيَّة فَذَكَرَهُ .

تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قُلْ بِفَضْلِ اللَّه وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره لِنَبِيِّهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قُلْ } يَا مُحَمَّد لِهَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ بِك وَبِمَا أُنْزِلَ إِلَيْك مِنْ عِنْد رَبّك : { بِفَضْلِ اللَّه } أَيّهَا النَّاس الَّذِي تَفَضَّلَ بِهِ عَلَيْكُمْ , وَهُوَ الْإِسْلَام , فَبَيَّنَهُ لَكُمْ وَدَعَاكُمْ إِلَيْهِ , { وَبِرَحْمَتِهِ } الَّتِي رَحِمَكُمْ بِهَا , فَأَنْزَلَهَا إِلَيْكُمْ , فَعَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ مِنْ كِتَابه , وَبَصَّرَكُمْ بِهَا مَعَالِم دِينكُمْ ; وَذَلِكَ الْقُرْآن . { فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ } يَقُول : فَإِنَّ الْإِسْلَامَ الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَيْهِ وَالْقُرْآن الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ مِنْ حُطَام الدُّنْيَا وَأَمْوَالهَا وَكُنُوزهَا . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13696 - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن الْحَسَن الْأَزْدِيّ , قَالَ : ثَنَا أَبُو مُعَاوِيَة , عَنْ الْحَجَّاج , عَنْ عَطِيَّة , عَنْ أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيّ , فِي قَوْله : { قُلْ بِفَضْلِ اللَّه وَرَحْمَته فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا } قَالَ : بِفَضْلِ اللَّه الْقُرْآن وَبِرَحْمَتِهِ أَنْ جَعَلَكُمْ مِنْ أَهْله . 13697 - حَدَّثَنِي , يَحْيَى بْن طَلْحَة الْيَرْبُوعِيّ , قَالَ : ثَنَا فُضَيْل , عَنْ مَنْصُور , عَنْ هِلَال بْن يَسَاف : { قُلْ بِفَضْلِ اللَّه وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا } قَالَ : بِالْإِسْلَامِ الَّذِي هَدَاكُمْ , وَبِالْقُرْآنِ الَّذِي عَلَّمَكُمْ . 13698 - حَدَّثَنَا أَبُو هِشَام الرِّفَاعِيّ , قَالَ : ثَنَا اِبْن يَمَان , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ هِلَال بْن يَسَاف : { قُلْ بِفَضْلِ اللَّه وَبِرَحْمَتِهِ } قَالَ : بِالْإِسْلَامِ وَالْقُرْآن : { فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ } مِنْ الذَّهَب وَالْفِضَّة . * - حَدَّثَنَا اِبْن بَشَّار , قَالَ : ثَنَا عَبْد الرَّحْمَن , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ هِلَال بْن يَسَاف , فِي قَوْله : { قُلْ بِفَضْلِ اللَّه وَبِرَحْمَتِهِ } قَالَ : فَضْل اللَّه : الْإِسْلَام , وَرَحْمَته : الْقُرْآن . * - حَدَّثَنِي عَلِيّ بْن سَهْل , قَالَ : ثَنَا زَيْد , قَالَ : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ هِلَال بْن يَسَاف , فِي قَوْله : { قُلْ بِفَضْلِ اللَّه وَبِرَحْمَتِهِ } قَالَ : الْإِسْلَام وَالْقُرْآن . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو نُعَيْم وَقَبِيصَة , قَالَا : ثَنَا سُفْيَان , عَنْ مَنْصُور , عَنْ هِلَال بْن يَسَاف مِثْله . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ هِلَال , مِثْله . 13699 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة : { قُلْ بِفَضْلِ اللَّه وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا } أَمَّا فَضْله : فَالْإِسْلَام , وَأَمَّا رَحْمَته : فَالْقُرْآن . 13700 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ الْحَسَن : { قُلْ بِفَضْلِ اللَّه وَبِرَحْمَتِهِ } قَالَ : فَضْله : الْإِسْلَام , وَرَحْمَته : الْقُرْآن . 13701 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { قُلْ بِفَضْلِ اللَّه وَبِرَحْمَتِهِ } قَالَ : الْقُرْآن . * - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد : { وَبِرَحْمَتِهِ } قَالَ : الْقُرْآن . 13702 - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { هُوَ خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ } قَالَ : الْأَمْوَال وَغَيْرهَا . 13703 - حَدَّثَنَا عَلِيّ بْن دَاوُدَ , قَالَ : ثَنِي أَبُو صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { قُلْ بِفَضْلِ اللَّه وَبِرَحْمَتِهِ } يَقُول : فَضْله : الْإِسْلَام , وَرَحْمَته : الْقُرْآن . * - حَدَّثَنَا اِبْن حُمَيْد , قَالَ : ثَنَا جَرِير , عَنْ مَنْصُور , عَنْ هِلَال : { قُلْ بِفَضْلِ اللَّه وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا } قَالَ : بِكِتَابِ اللَّه وَبِالْإِسْلَامِ . { هُوَ خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ } وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ الْفَضْل : الْقُرْآن , وَالرَّحْمَة : الْإِسْلَام . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 13704 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { قُلْ بِفَضْلِ اللَّه وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ } قَالَ : بِفَضْلِ اللَّه : الْقُرْآن , وَبِرَحْمَتِهِ : حِين جَعَلَهُمْ مِنْ أَهْل الْقُرْآن . 13705 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا جَعْفَر بْن عَوْن , قَالَ : ثَنَا هِشَام بْن سَعْد , عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ , قَالَ : فَضْل اللَّه : الْقُرْآن , وَرَحْمَته : الْإِسْلَام . 13706 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم , عَنْ جُوَيْبِر , عَنْ الضَّحَّاك , قَوْله : { قُلْ بِفَضْلِ اللَّه وَبِرَحْمَتِهِ } قَالَ : بِفَضْلِ اللَّه : الْقُرْآن , وَبِرَحْمَتِهِ , الْإِسْلَام . 13707 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { قُلْ بِفَضْلِ اللَّه وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا } قَالَ : كَانَ أَبِي يَقُول : فَضْله : الْقُرْآن , وَرَحْمَته : الْإِسْلَام . وَاخْتَلَفَتْ الْقُرَّاء فِي قِرَاءَة قَوْله : { فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا } فَقَرَأَ ذَلِكَ عَامَّة قُرَّاء الْأَمْصَار : { فَلْيَفْرَحُوا } بِالْيَاءِ , { هُوَ خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ } بِالْيَاءِ أَيْضًا عَلَى التَّأْوِيل الَّذِي تَأَوَّلْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ خَبَر عَنْ أَهْل الشِّرْك بِاَللَّهِ . يَقُول : فَبِالْإِسْلَامِ وَالْقُرْآن الَّذِي دَعَاهُمْ إِلَيْهِ فَلْيَفْرَحْ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ , لَا بِالْمَالِ الَّذِي يَجْمَعُونَ , فَإِنَّ الْإِسْلَامَ وَالْقُرْآنَ خَيْر مِنْ الْمَال الَّذِي يَجْمَعُونَ . وَكَذَلِكَ : 13708 - حُدِّثْت عَنْ عَبْد الْوَهَّاب بْن عَطَاء , عَنْ هَارُون , عَنْ أَبِي التَّيَّاح : { فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ } يَعْنِي الْكُفَّار . وَرُوِيَ عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب فِي ذَلِكَ مَا : 13709 - حَدَّثَنَا اِبْن وَكِيع , قَالَ : ثَنَا أَبِي , عَنْ سُفْيَان , عَنْ أَسْلَمَ الْمَنْقَرِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبْزَى , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأ : " فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا هُوَ خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ " بِالتَّاءِ . * - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَمْرو بْن عَوْن , قَالَ : أَخْبَرَنَا هُشَيْم عَنْ الْأَجْلَح , عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبْزَى , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ أُبَيّ بْن كَعْب مِثْل ذَلِكَ . وَكَذَلِكَ كَانَ الْحَسَن الْبَصْرِيّ يَقُول ; غَيْر أَنَّهُ فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ كَانَ يَقْرَأ قَوْله : { هُوَ خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ } بِالْيَاءِ ; الْأَوَّل عَلَى وَجْه الْخِطَاب , وَالثَّانِي عَلَى وَجْه الْخَبَر عَنْ غَائِب . وَكَانَ أَبُو جَعْفَر الْقَارِي فِيمَا ذُكِرَ عَنْهُ يَقْرَأ ذَلِكَ نَحْو قِرَاءَة أُبَيّ بِالتَّاءِ جَمِيعًا قَالَ أَبُو جَعْفَر : وَالصَّوَاب مِنْ الْقِرَاءَة فِي ذَلِكَ مَا عَلَيْهِ قُرَّاء الْأَمْصَار مِنْ قِرَاءَة الْحَرْفَيْنِ جَمِيعًا بِالْيَاءِ : { فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ } لِمَعْنَيَيْنِ : أَحَدهمَا : إِجْمَاع الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهِ , وَالثَّانِي : صِحَّته فِي الْعَرَبِيَّة . وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ لَا تَكَاد تَأْمُر الْمُخَاطَب بِاللَّامِ وَالتَّاء , وَإِنَّمَا تَأْمُرهُ فَتَقُول اِفْعَلْ , وَلَا تَفْعَل . وَبَعْد : فَإِنِّي لَا أَعْلَم أَحَدًا مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة إِلَّا وَهُوَ يَسْتَرْدِئُ أَمْر الْمُخَاطَب بِاللَّامِ , وَيَرَى أَنَّهَا لُغَة مَرْغُوب عَنْهَا غَيْر الْفَرَّاء , فَإِنَّهُ كَانَ يَزْعُم أَنَّ اللَّام فِي ذِي التَّاء الَّذِي خُلِقَ لَهُ وَاجَهْت بِهِ أَمْ لَمْ تُوَاجِهْ , إِلَّا أَنَّ الْعَرَب حَذَفَتْ اللَّامَ مِنْ فِعْل الْمَأْمُور الْمُوَاجِه لِكَثْرَةِ الْأَمْر خَاصَّة فِي كَلَامهمْ , كَمَا حَذَفُوا التَّاء مِنْ الْفِعْل . قَالَ : وَأَنْتَ تَعْلَم أَنَّ الْجَازِم وَالنَّاصِب لَا يَقَعَانِ إِلَّا عَلَى الْفِعْل الَّذِي أَوَّله الْيَاء وَالتَّاء وَالنُّون وَالْأَلِف , فَلَمَّا حُذِفَتْ التَّاء ذَهَبَتْ اللَّام وَأُحْدِثَتْ الْأَلِف فِي قَوْلِك : اِضْرِبْ وَافْرَحْ , لِأَنَّ الْفَاءَ سَاكِنَة , فَلَمْ يَسْتَقِمْ أَنْ يُسْتَأْنَفَ بِحَرْفٍ سَاكِنٍ , فَأَدْخَلُوا أَلِفًا خَفِيفَة يَقَع بِهَا الِابْتِدَاء , كَمَا قَالَ : { ادَّارَكُوا } 7 38 وَ { اِثَّاقَلْتُمْ } 9 38 وَهَذَا الَّذِي اِعْتَلَّ بِهِ الْفَرَّاء عَلَيْهِ لَا لَهُ ; وَذَلِكَ أَنَّ الْعَرَبَ إِنْ كَانَتْ قَدْ حَذَفَتْ اللَّامَ فِي الْمُوَاجِه وَتَرَكَتْهَا , فَلَيْسَ لِغَيْرِهَا إِذَا نَطَقَ بِكَلَامِهَا أَنْ يُدْخِل فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهُ مَا دَامَ مُتَكَلِّمًا بِلُغَتِهَا , فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ خَارِجًا عَنْ لُغَتهَا , وَكَلَام اللَّه الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَى مُحَمَّد بِلِسَانِهَا , فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْلُوَهُ إِلَّا بِالْأَفْصَحِ مِنْ كَلَامِهَا , وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بَعْض ذَلِكَ مِنْ لُغَة بَعْضهَا , فَكَيْف بِمَا لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ مِنْ لُغَة حَيّ وَلَا قَبِيلَة مِنْهَا ؟ وَإِنَّمَا هُوَ دَعْوَى لَا ثَبْتَ بِهَا وَلَا حُجَّة .

تفسير القرطبي

قَالَ أَبُو سَعِيد الْخُدْرِيّ وَابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّه عَنْهُمَا : فَضْل اللَّه الْقُرْآن , وَرَحْمَته الْإِسْلَام . وَعَنْهُمَا أَيْضًا : فَضْل اللَّه الْقُرْآن , وَرَحْمَته أَنْ جَعَلَكُمْ مِنْ أَهْله . وَعَنْ الْحَسَن وَالضَّحَّاك وَمُجَاهِد وَقَتَادَة : فَضْل اللَّه الْإِيمَان , وَرَحْمَته الْقُرْآن ; عَلَى الْعَكْس مِنْ الْقَوْل الْأَوَّل . وَقِيلَ : غَيْر هَذَا . إِشَارَة إِلَى الْفَضْل وَالرَّحْمَة . وَالْعَرَب تَأْتِي " بِذَلِكَ " لِلْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالْجَمْع . وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَرَأَ " فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا " بِالتَّاءِ ; وَهِيَ قِرَاءَة يَزِيد بْن الْقَعْقَاع وَيَعْقُوب وَغَيْرهمَا ; وَفِي الْحَدِيث ( لِتَأْخُذُوا مَصَافّكُمْ ) . وَالْفَرَح لَذَّة فِي الْقَلْب بِإِدْرَاكِ الْمَحْبُوب . وَقَدْ ذَمَّ الْفَرَح فِي مَوَاضِع ; كَقَوْلِهِ : " لَا تَفْرَح إِنَّ اللَّه لَا يُحِبّ الْفَرِحِينَ " [ الْقَصَص : 76 ] وَقَوْله : " إِنَّهُ لَفَرِح فَخُور " [ هُود : 10 ] وَلَكِنَّهُ مُطْلَق . فَإِذَا قُيِّدَ الْفَرَح لَمْ يَكُنْ ذَمًّا ; لِقَوْلِهِ : " فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّه مِنْ فَضْله " [ آل عِمْرَان : 170 ] وَهَاهُنَا قَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : " فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا " أَيْ بِالْقُرْآنِ وَالْإِسْلَام فَلْيَفْرَحُوا ; فَقُيِّدَ . قَالَ هَارُون : وَفِي حَرْف أُبَيّ " فَبِذَلِكَ فَافْرَحُوا " . قَالَ النَّحَّاس : سَبِيل الْأَمْر أَنْ يَكُون بِاللَّامِ لِيَكُونَ مَعَهُ حَرْف جَازِم كَمَا أَنَّ مَعَ النَّهْي حَرْفًا ; إِلَّا أَنَّهُمْ يَحْذِفُونَ مِنْ الْأَمْر لِلْمُخَاطَبِ اِسْتِغْنَاء بِمُخَاطَبَتِهِ , وَرُبَّمَا جَاءُوا بِهِ عَلَى الْأَصْل ; مِنْهُ " فَبِذَلِكَ فَلْتَفْرَحُوا " . يَعْنِي فِي الدُّنْيَا . وَقِرَاءَة الْعَامَّة بِالْيَاءِ فِي الْفِعْلَيْنِ ; وَرُوِيَ عَنْ اِبْن عَامِر أَنَّهُ قَرَأَ " فَلْيَفْرَحُوا " بِالْيَاءِ " تَجْمَعُونَ " بِالتَّاءِ خِطَابًا لِلْكَافِرِينَ . وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَن أَنَّهُ قَرَأَ بِالتَّاءِ فِي الْأَوَّل ; وَ " يَجْمَعُونَ " بِالْيَاءِ عَلَى الْعَكْس . وَرَوَى أَبَان عَنْ أَنَس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( مَنْ هَدَاهُ اللَّه لِلْإِسْلَامِ وَعَلَّمَهُ الْقُرْآن ثُمَّ شَكَا الْفَاقَة كَتَبَ اللَّه الْفَقْر بَيْن عَيْنَيْهِ إِلَى يَوْم يَلْقَاهُ ثُمَّ تَلَا " قُلْ بِفَضْلِ اللَّه وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْر مِمَّا يَجْمَعُونَ " .

غريب الآية
قُلۡ بِفَضۡلِ ٱللَّهِ وَبِرَحۡمَتِهِۦ فَبِذَ ٰ⁠لِكَ فَلۡیَفۡرَحُوا۟ هُوَ خَیۡرࣱ مِّمَّا یَجۡمَعُونَ ﴿٥٨﴾
ذَ ٰ⁠لِكَأي: الَخلْقُ والتقديرُ.
بِفَضۡلِ ٱللَّهِالذي تَفَضَّلَ به عليكم، وهو الإسلامُ والإيمانُ.
وَبِرَحۡمَتِهِۦالتي رَحِمَكم بها، وهي إنزالُ القرآنِ.
الإعراب
(قُلْ)
فِعْلُ أَمْرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَالْفَاعِلُ ضَمِيرٌ مُسْتَتِرٌ تَقْدِيرُهُ "أَنْتَ".
(بِفَضْلِ)
"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(فَضْلِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(اللَّهِ)
اسْمُ الْجَلَالَةِ مُضَافٌ إِلَيْهِ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ.
(وَبِرَحْمَتِهِ)
"الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(رَحْمَتِ) : اسْمٌ مَجْرُورٌ وَعَلَامَةُ جَرِّهِ الْكَسْرَةُ الظَّاهِرَةُ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ مُضَافٌ إِلَيْهِ.
(فَبِذَلِكَ)
"الْفَاءُ" حَرْفٌ زَائِدٌ لِلتَّوْكِيدِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"الْبَاءُ" حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى الْكَسْرِ، وَ(ذَلِكَ) : اسْمُ إِشَارَةٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(فَلْيَفْرَحُوا)
"الْفَاءُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ"اللَّامُ" حَرْفُ جَزْمٍ وَأَمٍرٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ(يَفْرَحُوا) : فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَجْزُومٌ وَعَلَامَةُ جَزْمِهِ حَذْفُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ.
(هُوَ)
ضَمِيرٌ مُنْفَصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ مُبْتَدَأٌ.
(خَيْرٌ)
خَبَرٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ الضَّمَّةُ الظَّاهِرَةُ.
(مِمَّا)
(مِنْ) : حَرْفُ جَرٍّ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ، وَ(مَا) : اسْمٌ مَوْصُولٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِالْحَرْفِ.
(يَجْمَعُونَ)
فِعْلٌ مُضَارِعٌ مَرْفُوعٌ وَعَلَامَةُ رَفْعِهِ ثُبُوتُ النُّونِ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَفْعَالِ الْخَمْسَةِ، وَ"وَاوُ الْجَمَاعَةِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَالْجُمْلَةُ صِلَةُ الْمَوْصُولِ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ.